الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ(١) بَيْنَهُمْ ) الآية [ ٦٥ ].
المعنى في قوله :( فَلاَ ) أي : ليس الأمر على ما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك، ثم استأنف القسم فقال :( وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ ) أي : وربك يا محمد، لا يؤمنون أي : لا يصدقون بالله عز وجل ونبيه ﷺ ( حَتَّى يُجَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ )، أي : يحكمونك حَكَماً بينهم في خصوماتهم. وقرأ أبو السمأل :( شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) بإسكان الجيم وهو بعيد لخفة الفتحة(٢).
قوله :( ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ ) أي : ضيقاً(٣) من حكمك أي لا تأثم(٤) أنفسهم بإنكارها حكمك، وشكها في طاعتك لأن الحرج الإثم، وكأنه قال :(٥) ثم لا تحرج(٦) أنفسهم بإنكارها حكمك، قال : معنى ذلك مجاهد والضحاك(٧).
وقيل :(٨) الحرج : الشك وكله يرجع إلى الإثم(٩).
( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) أي : يسلموا لحكمك إقراراً بنبوتك.
ويروى أن هذه الآية نزلت في الزبير بن العوام وخصم له، ذكر عن الزبير أنه خاصم رجلاً من الأنصار وهو حاطب بن أبي بلتعة في شريج(١٠) من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري سرح الماء يمر، وكانت أرضه أسفل من أرض الزبير فأبى(١١) عليه، فاختصما إلى النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ : اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك. فغضب الأنصاري فقال : يا رسول الله إن(١٢) كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال : يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك، فاستوعب(١٣) رسول الله ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم وكان أولاً أراد النبي ﷺ الرفوت(١٤) والسعة فهما فنزلت الآية(١٥).
وقيل : نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تقدم ذكرهما قاله مجاهد وغيره، وهو أولى بسياق الكلام.
قال الطبري : ولا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع فيكون حكم المتحاكمين إلى الطاغوت، وحكم الزبير وخصمه(١٦).
ومن قال إنها في الزبير وخصمه ما زالت أحسن الوقف على ما [ قبل الآية، ومن قال : إنها في اليهود والمنافق ما زالت، فليس الوقوف على ما ] قبلها(١٧) بتمام، لأن القصة واحدة(١٨).
وروي أنها نزلت في رجلين اختصما إلى النبي ﷺ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى علي ردنا إلى عمر، فقال النبي ﷺ : انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الذي له الحق : يا ابن الخطاب قضى رسول الله ﷺ على هذا، فقال : ردنا إلى عمر فردنا إليك، قال : كذلك ؟ قال : نعم ! قال عمر : مكانكما حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال : ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فاراً إلى رسول الله ﷺ فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ : " ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن " ! فأنزل الله عز وجل :( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ ) الآية(١٩).
١ - يقال شجر يشجر شجراً مشجوراً، وتشاجر القوم مشاجرة وشجاراً إذا اختلفوا في الأمر، واختلط عليهم. انظر: مجاز القرآن ١/١٣١، وتفسير الغريب ١٣٠، والمفردات ٢٦٢..
٢ - هي قراءة شاذة، عدها سيبويه في الكتاب لحنا ٢/٢١٨..
٣ - (د): ضيفاً وهو تحريف..
٤ - (د): لا تألم وهو تحريف..
٥ - زيادة يقتضيها السياق..
٦ - (أ): لا تخرم (د): لا تخرم..
٧ - انظر: هذا التوجيه في جامع البيان..
٨ - عزاه الطبري إلى مجاهد. انظر: جامع البيان ٥/١٥٨..
٩ - أصل الحرج والحراج مجتمع الشيء وتصور منه ضيق ما بينهما فقيل للضيق حرج، وللإثم حرج، انظر: المفردات ١١١، واللسان حرج ٢/٢٣٣..
١٠ - (ج): تسريح، والكلمتان معاً محرفتان عن كلمة "شريج" كما وردت عند البخاري والترمذي، والشراج: مجاري الماء من الحرار إلى السهل، والحرة موضع معروف بالمدينة، وهي أرض ذات حجارة سوداء نخرة، كأنها أحرقت بالنار. انظر: اللسان "شرج" ٢/٣٠٧، و"حر" ٤/١٧٩..
١١ - (د): فأبا..
١٢ - "أن" بفتح الهمزة وسكون النون، والجملة استفهامية على جهة الإنكار، كأنه يقول: أتحكم له لأجل أنه ابن عمتك؟ لأن أم الزبير هي صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
١٣ - رواية البخاري استوعى، ومعنى استوعب استأصل واستقصى. انظر: اللسان ١/٧٩٩. ومعنى استوعى أي استوفى. فتح الباري ٧/٢٢٠..
١٤ - وكذا... في جميع النسخ وهو خطأ: والصواب الرِّفة – بالكسر أقصد الوِرْد وهو أن تشرب الإبل الماء كل يوم ويكون المراد أن يسقي كل من الزبير وحافظ زرعه بين حين وآخر. انظر: اللسان رفه ١٣ – ٤٩٢. [والأحسن أن يقال هي محرفة عن الرفق لأن في الرواية عند البخاري "أشار على الزبير برأي لهما فيه سعة" فتح الباري ٧/٢٢٠] [المدقق]..
١٥ - خرجه البخاري في المساقاة (٢١٨١ و٢١٨٩) و(٢٥٠٩) وفي التفسير (٤٢١٩) ٥/١٨٠، والترمذي في كتاب التفسير ٣/٣٠٥، وابن ماجه في كتاب الرهون ٢/٨٢٩. بل هو عند مسلم (٤٣٤٧) [المدقق]..
١٦ - انظر: جامع البيان ٥/١٦٠، والبيهقي في كتاب آداب القضاء ١٠/١٠٦..
١٧ - ساقط من (أ)..
١٨ - انظر: القطع: ٢٥٤..
١٩ - انظر: أسباب النزول: ٧٧. وقد سبق ذكر ذلك [المدقق]..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى