الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿فَلاَ وَرَبِّكَ﴾ معناه فوربك كقوله تعالى :﴿فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٩٢] و ( لا ) مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في ﴿لّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] لتأكيد وجود العلم. و ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم
فإن قلت : هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر ( لا ) في ( لا يؤمنون ) ؟ قلت : يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه، وذلك قوله :﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه ﴿حَرَجاً﴾ ضيقاً، أي لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل : شكا، لأنّ الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿وَيُسَلِّمُواْ﴾ وينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك : سلم الأمر لله وأسلم له، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها، إذا جعلها سالمة له خالصة، و ﴿تَسْلِيماً﴾ تأكيد للفعل بمنزلة تكريره. كأنه قيل : وينقادوا لحكمه انقياداً لا شبهة فيه، بظاهرهم وباطنهم. قيل : نزلت في شأن المنافق واليهودي. وقيل : في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة ؛ وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله ﷺ في شراج من الحرّة. كانا يسقيان بها النخل، فقال :«اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك »، فغضب حاطب وقال : لأن كان ابن عمتك ؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ، ثم قال :«اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك، ثم أرسله إلى جارك » كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه ؛ فلما أحفظ رسول الله ﷺ، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم، ثم خرجا فمرا على المقداد، فقال : لمن كان القضاء ؟ فقال الأنصاري : قضى لابن عمته، ولوى شدقه. ففطن يهودي كان مع المقداد فقال : قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم، وأيم الله، لقد أذنبنا ذنباً مرّة في حياة موسى، فدعانا إلى التوبة منه وقال : اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.
فقال ثابت بن قيس بن شماس : أما والله إنّ الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها. وروى أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر، فقال رسول الله ﷺ :« والذي نفسي بيده إنّ من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي » وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : والله لو أمرنا ربنا لفعلنا، والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك، فنزلت الآية في شأن حاطب، ونزلت في شأن هؤلاء.
فإن قلت : هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر ( لا ) في ( لا يؤمنون ) ؟ قلت : يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه، وذلك قوله :﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه الشجر لتداخل أغصانه ﴿حَرَجاً﴾ ضيقاً، أي لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل : شكا، لأنّ الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿وَيُسَلِّمُواْ﴾ وينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك : سلم الأمر لله وأسلم له، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها، إذا جعلها سالمة له خالصة، و ﴿تَسْلِيماً﴾ تأكيد للفعل بمنزلة تكريره. كأنه قيل : وينقادوا لحكمه انقياداً لا شبهة فيه، بظاهرهم وباطنهم. قيل : نزلت في شأن المنافق واليهودي. وقيل : في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة ؛ وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله ﷺ في شراج من الحرّة. كانا يسقيان بها النخل، فقال :«اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك »، فغضب حاطب وقال : لأن كان ابن عمتك ؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ، ثم قال :«اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك، ثم أرسله إلى جارك » كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه ؛ فلما أحفظ رسول الله ﷺ، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم، ثم خرجا فمرا على المقداد، فقال : لمن كان القضاء ؟ فقال الأنصاري : قضى لابن عمته، ولوى شدقه. ففطن يهودي كان مع المقداد فقال : قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم، وأيم الله، لقد أذنبنا ذنباً مرّة في حياة موسى، فدعانا إلى التوبة منه وقال : اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.
فقال ثابت بن قيس بن شماس : أما والله إنّ الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها. وروى أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر، فقال رسول الله ﷺ :« والذي نفسي بيده إنّ من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي » وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : والله لو أمرنا ربنا لفعلنا، والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك، فنزلت الآية في شأن حاطب، ونزلت في شأن هؤلاء.