الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ : في هذه المسألةِ أربعة أقوال، أحدها : وهو قول ابن جرير أنَّ " لا " الأولى رَدٌّ لكلام تقدَّمها، تقديرُه :" فلا تعقِلون، أو : ليس الأمرُ كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف قسماً بعد ذلك، فعلى هذا يكون الوقف على " لا " تاماً. الثاني : أن " لا " الأولى قُدِّمَتْ على القسم اهتماماً بالنفي، ثم كُرِّرت توكيداً، وكان يَصِحُّ إسقاطُ الأولى ويبقى [ معنى ] النفي ولكن تفوتُ الدلالةُ على الاهتمامِ المذكورِ، وكان يَصِحُّ إسقاطُ الثانيةِ ويبقى معنى الاهتمامِ، ولكن تفوتُ الدلالةُ النفي، فجُمع بينهما لذلك. الثالث : أن الثانيةَ زائدةٌ، والقَسَمُ معترِضٌ بين حرفِ النفي والمنفي، وكأنَّ التقديرَ : فلا يؤمنون وربِّك. الرابع : أن الأولى زائدة، والثانيةَ غيرُ زائدةٍ، وهو اختيارُ الزمخشري فإنه قال :" لا " مزيدةٌ لتأكيد معنى القسم كما زيدت في
﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] لتأكيدِ وجوبِ العلمِ، و " لا يؤمنون " جوابُ القسم، فإنْ قلت : هَلاَّ زعمت أنها زِيدت لتظاهر " لا " في " لا يؤمنون " قلت : يأبى ذلك استواءُ النفيِ والإثبات فيه، وذلك قوله :﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] يعني أنه قد جاءت " لا " قبل القسم حيث لم تكن " لا " موجودةً في الجواب، فالزمخشري يرى ان " لا " في قوله تعالى :﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون﴾
[الحاقة: ٣٨] أنها زائدةٌ أيضاً لتأكيدِ معنى القسم، وهو أحدُ القولين، والقولُ الآخر كقول الطبري المتقدم، ومثلُ الآية في التخاريج المذكورة قولُ الآخر :
قوله ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ :" حتى " غايةٌ متعلقة بقوله " لا يؤمنون " أي : ينتفي عنهم الإيمانُ إلى هذه الغاية وهي تحكيمك وعدمُ وجدانِهم الحرجَ وتسليمُهم لأمرك. والتفت في قوله " ربِّك " من الغَيْبة في قوله ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ رجوعاً إلى قوله " ثم جاؤوك " وقرأ أبو السَّمَّال :" شَجْر " بسكون الجيم هرباً من توالي الحركات وهي ضعيفةٌ، لأنَّ الفتحَ أخو السكون. و " بينهم " ظرف منصوب ب " شجر " هذا هو الصحيح، وأجاز أبو البقاء فيه أن يكونَ حالاً وجعل في صاحب هذه الحال احتمالين، أحدُهما : أن يكون حالاً من " ما " الموصولة، والثاني : أنه حال من فاعل " شجر " وهو نفس الموصول أيضاً في المعنى، فعلى هذا يتعلق بمحذوف، و " ثم لا يجدوا " عطفٌ على ما بعد " حتى "، " ويَجِدُوا " يَحْتمل أن تكون المتعديةَ لاثنين، فيكونُ الأول " حرجاً " والثاني الجارُّ قبلَه فيتعلَّقُ بمحذوف، وأن تكونَ المتعدية لواحد فيجوز في " في أنفسهم " وجهان، أحدهما : أنه متعلق ب " يجدوا " تعلُّقَ الفَضَلات.
والثاني : أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " حَرَجاً " لأنَّ صفةَ النكرةِ لَمَّا قُدِّمَتْ عليها انتصبَتْ حالاً.
و ﴿مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ فيه وجان، أحدُهما : أنه متعلقٌ بنفس " حرجاً " ؛ لأنك تقول :" خَرَجْتُ من كذا " والثاني : أنه متعلق بمحذوف، فهو في محلِ نصبٍ لأنه صفة ل " حرجاً " و " ما " يجوز أن تكونَ مصدريةً، وأن تكون بمعنى الذي، أي : حرجاً من قضائك، أومن الذي قضيته، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، فالعائدُ على هذين القولين محذوف.
﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] لتأكيدِ وجوبِ العلمِ، و " لا يؤمنون " جوابُ القسم، فإنْ قلت : هَلاَّ زعمت أنها زِيدت لتظاهر " لا " في " لا يؤمنون " قلت : يأبى ذلك استواءُ النفيِ والإثبات فيه، وذلك قوله :﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] يعني أنه قد جاءت " لا " قبل القسم حيث لم تكن " لا " موجودةً في الجواب، فالزمخشري يرى ان " لا " في قوله تعالى :﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون﴾
[الحاقة: ٣٨] أنها زائدةٌ أيضاً لتأكيدِ معنى القسم، وهو أحدُ القولين، والقولُ الآخر كقول الطبري المتقدم، ومثلُ الآية في التخاريج المذكورة قولُ الآخر :
| فلا واللَّهِ لا يُلْفَى لِما بي | ولا لَلِما بهم أبداً دواءُ |
والثاني : أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من " حَرَجاً " لأنَّ صفةَ النكرةِ لَمَّا قُدِّمَتْ عليها انتصبَتْ حالاً.
و ﴿مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ فيه وجان، أحدُهما : أنه متعلقٌ بنفس " حرجاً " ؛ لأنك تقول :" خَرَجْتُ من كذا " والثاني : أنه متعلق بمحذوف، فهو في محلِ نصبٍ لأنه صفة ل " حرجاً " و " ما " يجوز أن تكونَ مصدريةً، وأن تكون بمعنى الذي، أي : حرجاً من قضائك، أومن الذي قضيته، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، فالعائدُ على هذين القولين محذوف.