تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( فلا ربك لا يؤمنون ) قوله :( فلا ) : رد لقول المنافقين وعذرهم، ثم ابتداء بقوله :( وربك لا يؤمنون ) والمراد به : الإيمان الكامل، أي : لا يكمل إيمانهم، ( حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) أي : اختلف، والاشتجار : الاختلاف، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها على بعض، قال الشاعر :
هم الحكام أرباب الندي وسراة الناس إذ الأمر شجر
أي : اختلف، ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) أي : ضيقا، ومنه الحرجة، روى أن عمر-رضي الله عنه-قال لبعض العرب : ما الحرجة عندكم ؟ قال : هي شجرة ملتفة، لا يصل الماء إليها.
ومن ذلك قوله-تعالى- :( يجعل صدره ضيقا حرجا ) (١) أي : يضيق مسلكه بحيث لا تصل إليه الهداية ( ويسلموا تسليما ) ومعنى الآية : لا يكمل إيمانهم حتى يرضوا بحكمك، وينقادوا لك، قيل : هذه أبلغ آية في كتاب الله-تعالى-في الوعيد. واختلفوا في سبب نزول الآية، قال عطاء، ومجاهد : الآية في المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت، وقال عبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير، وجماعة :«الآية نزلت في رجل من الأنصار يقال له : حاطب بن أبي بلتعة -وكان من أهل بدر- خاصم الزبير بن العوام في ماء أرض عند النبي ﷺ، فقال-عليه الصلاة والسلام- للزبير : اسق أرضك الماء ثم أرسله إلى جارك، وكانت أرض الأنصاري دون أرضه ؛ فقال الأنصاري : أن كان ابن عمتك، فتلَوَّنَ وجه النبي ﷺ، وقال للزبير : اسق أرضك، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر » -وفي رواية- حتى يبلغ الكعبين ثم سرحه يمر »(٢)
كان النبي ﷺ ساهل في حق الزبير في ابتداء الأمر، فلما أغضبه الأنصاري استوعب جميع حقه، وكلا الحكمين كان حقا، وفي الخبر : قال الزبير :«احسب أن قوله :( فلا وربك لا يؤمنون ) نزل في هذا.
وروى أن اليهود لما بلغهم ذلك، قالوا : انظروا إلى أصحاب محمد كيف يخالفونه، وإن موسى عتب علينا، فأُمِرْنَا بقتل أنفسنا، فقتلنا أنفسنا حتى بلغ القتلى سبعين ألفا.
١ - الأنعام: ١٢٥..
٢ - متفق عليه فرواه البخاري (٥/٤٢-٤٣ رقم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى