محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما٦٥ ).
( فلا وربك لا يؤمنون ) في السر ولا يستحقون اسم الإيمان في السر ( حتى يحكموك ) يجعلوك حاكما ويترافعوا اليك ( فيما شجر بينهم ) أي فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس ( ثم لا يجدوا في أنفسهم ) في قلوبهم ( حرجا ) أي ضيقا ( مما قضيت ) بينهم ( ويسلموا ) أي : ينقادوا لأمرك ويذعنوا لحكمك ( تسليما ) تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أي تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. كما ورد في الحديث(١) :" والذي نفسي بيده ! لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
تنبيهات
الأول : روى البخاري(٢) عن الزهري عن عروة قال :" خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة. فقال النبي ﷺ : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري : يا رسول الله ! إن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال : اسق يا زبير. ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعى النبي ﷺ للزبير في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري. وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة.
قال الزبير : فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) ".
قال ابن كثير : هكذا رواه البخاري في ( كتاب التفسير ) في ( صحيحه ) من حديث / معمر. وفي كتاب ( المساقاة ) من حديث ابن جريج(٣) ومعمر(٤) أيضا. وفي كتاب ( الصلح ) من حديث شعيب بن أبي حمزة(٥). ثلاثتهم عن الزهري عن عروة فذكره. وصورته صورة الإرسال وهو متصل في المعنى. وقد رواه الإمام أحمد(٦) من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال : حدثنا أبو اليمان. أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث " أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا، إلى النبي ﷺ في شراج الحرة. كان يستقيان بها كلاهما. فقال النبي ﷺ للزبير : اسق : ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله ! إن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ. ثم قال للزبير : أسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه. وكان النبي ﷺ، قبل ذلك، أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري. فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ، استوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم.
قال عروة : فقال الزبير : والله ! ما أحسب هذه الآية أنزلت إلا في ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكوك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ".
( هكذا رواه الإمام أحمد وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير فانه لم يسمع منه. والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله. فان أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في ( تفسيره ). فقال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى. حدثنا ابن وهب. أخبرني الليث ويونس عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام، " أنه خاصم رجلا... " الحديث ). قال ابن كثير : وهكذا رواه النسائي(٧) من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم(٨).
وروى ابن أبي حاتم عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال :" نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء. فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل ".
قال ابن كثير : هذا مرسل. ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) : وحكى الواحدي وشيخه الثعلبي والمهدوي أنه حاطب بن بلتعة. وتعقب بأن حاطبا، وان كان بدريا، لكنه من المهاجرين. لكن مستند ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى :( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكوك فيما شجر بينهم... ) الآية قال : نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء... الحديث. واسناده قوي مع إرساله. فان كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير، فيكون موصولا. وعلى هذا فيؤول قوله :( من الأنصار ) على ارادة المعنى الأعم. كما وقع ذلك في حق غير واحد كعبد الله بن حذافة. وأما قول الكرماني بأن حاطبا كان حليفا للأنصار – ففيه نظر. / وأما قوله :( من بني أمية بن زيد ) فلعله كان مسكنه هناك، كعمر. ثم قال : ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام من بني أسد وكأنه كان مجاورا للزبير. والله أعلم. ( ج ٥ ص ٢٦ و٢٧ ).
أقول : وقع في التفسير المنسوب لابن عباس، ههنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة وتلقيبه بالمنافق وادراجه تحت قوله تعالى :( رأيت المنافقين ). وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر. وكيف ؟ وقد كان رضي الله عنه من البدريين. وقد انتفى عمن شهدها.
قال التوربشتي : يحتمل أنه صدر ذلك منه بادرة النفس. كما وقع لغيره ممن صحت توبته. إذ لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ولو شاركهم في النسب. قال : بل هي زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة. انتهى.
ولما هم عمر رضي الله عنه بضرب عنقه في قصة الظعينة(٩)، قال حاطب :" لا تعجل علي / يا رسول الله ! والله ! اني لمؤمن بالله ورسوله. وما ارتددت ولا بدلت. فأقره ﷺ، وكف عمر عنه. وقال ﷺ لعمر : انه شهد بدرا. وما يدريك، يا عمر ؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فذرفت عينا عمر... " الحديث.
ولله در أصحاب الصحاح حيث أبهموا في قصة الزبير اسم خصمه سترا عليه كيلا يغض من مقامه. وهكذا ليكن الأدب. وكفانا أصلا عظيما في هذا الباب ابهام التنزيل الجليل في كثير من قصصه الكريمة. فهو ينبوع المعارف والآداب على مرور السنين والأحقاب. هذا كله على الجزم بأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه. وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : والراجح رواية الأكثر. وأن الزبير كان لا يجزم بذلك. ثم قال الحافظ ابن حجر : وجزم مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية قبلها وهي قوله تعالى :( ألم تر الخ ) فروى اسحاق بن راهويه في ( تفسيره ) باسناد صحيح عن الشعبي. قال : كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة. فدعا اليهودي المنافق إلى النبي ﷺ. لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم. لأنه علم انهم يأخذونها. فأنزل الله هذه الآيات، الى... ( ويسلموا تسليما ).
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ونحوه.
وروى الطبري(١٠) باسناد صحيح عن ابن عباس " أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلمي قبل أن يسلم ويصحب ". ( لم أعثر على هذا الأثر في نسخة التفسير التي بين يدي. )
وروى (١١)باسناد آخر صحيح إلى مجاهد، أنه كعب بن الأشرف. انتهى.
وقال ابن كثير : ذكر سبب آخر غريب جدا. قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة. أخبرنا ابن وهب. أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال :" اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ فقضى بينهما. فقال المقضي عليه : ردنا إلى عمر بن الخطاب. فقال رسول الله ﷺ : نعم. انطلقا اليه. فلما أتيا اليه، فقال الرجل : يا ابن الخطاب ! قضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال : ردنا إلى عمر بن الخطاب فردنا اليك. فقال : أكذاك ؟ قال : نعم. فقال عمر : مكانكما حتى أخرج اليكما فأقضي بينكما. فخرج اليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال : ردنا إلى عمر. فقتله. وأدبر الآخر. فأتى إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله ! قتل عمر، والله ! صاحبي. ولولا أني أعجزته لقتلني.
فقال رسول الله ﷺ : ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن ". فأنزل الله :( فلا وربك لا يؤمنون... الآية ) فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله. فكره الله أن يسن ذلك بعده. فأنزل :( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) الآية " وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل. وابن لهيعة ضعيف. والله أعلم.
طريق أخرى : قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في ( تفسيره ) :
حدثنا شعيب بن شعيب. حدثنا أبو المغيرة. حدثنا عتبة بن حمزة. حدثني أبي :" أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى للمحق على المبطل. فقال المقضي عليه : لا أرضى. فقال صاحبه : فما تريد ؟ قال : أن نذهب إلى أبي بكر الصديق. فذهبا إليه. فقال الذي قضى له : قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي. فقال أبو بكر : أنتما على ما قضى به رسول الله ﷺ. فأبى أن يرضى. فقال : نأتي عمر بن الخطاب. فقال المقضي له : قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي عليه. فأبى أن يرضى. فسأله عمر بن الخطاب، فقال كذلك. فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله. فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى. فقتله. فأنزل الله :( فلا وربك لا يؤمنون... الآية ) " انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : روى الكلبي في ( تفسيره ) عن أبي صالح عن ابن عباس قال :" نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة. فقال اليهودي : انطلق بنا إلى محمد. وقال المنافق : بل نأتي كعب بن الأشرف. فذكر القصة. وفيه أن عمر قتل المنافق وأن ذلك نزول هذه الآيات وتسمية عمر الفاروق ". وهذا الإسناد، وان كان ضعيفا، لكن تقوى بطريق مجاهد. ولا يضره الاختلاف. لا مكان التعدد. وأفاد الواحدي باسناد صحيح عن سعيد عن قتادة أن اسم الأنصاري المذكور قيس. ورجح الطبري في ( تفسيره ) (١٢) وعزاه إلى أهل التأويل في ( تهذيبه ) أن سبب نزولها هذه القصة. ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد. قال : ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك. ثم قال : ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية، والله أعلم. انتهى.
قال الرازي : اعلم أن قوله تعالى :( فلا وربك لا يؤمنون ) قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط :
أولها : قوله تعالى :( حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا.
الشرط الثاني :/ قوله :( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ). واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب. فبين، في هذه الآية، أنه لا بد من حصول الرضا به في القلب. واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر. فليس المراد من الآية ذلك. بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق.
الشرط الثالث : قوله :( ويسلموا تسليما ). واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا، قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول. فبين تعالى أنه، كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب، فلا بد أيضا من التس
( فلا وربك لا يؤمنون ) في السر ولا يستحقون اسم الإيمان في السر ( حتى يحكموك ) يجعلوك حاكما ويترافعوا اليك ( فيما شجر بينهم ) أي فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس ( ثم لا يجدوا في أنفسهم ) في قلوبهم ( حرجا ) أي ضيقا ( مما قضيت ) بينهم ( ويسلموا ) أي : ينقادوا لأمرك ويذعنوا لحكمك ( تسليما ) تأكيد للفعل. بمنزلة تكريره. أي تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. كما ورد في الحديث(١) :" والذي نفسي بيده ! لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
تنبيهات
الأول : روى البخاري(٢) عن الزهري عن عروة قال :" خاصم الزبير رجلا في شراج الحرة. فقال النبي ﷺ : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري : يا رسول الله ! إن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال : اسق يا زبير. ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعى النبي ﷺ للزبير في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري. وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة.
قال الزبير : فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) ".
قال ابن كثير : هكذا رواه البخاري في ( كتاب التفسير ) في ( صحيحه ) من حديث / معمر. وفي كتاب ( المساقاة ) من حديث ابن جريج(٣) ومعمر(٤) أيضا. وفي كتاب ( الصلح ) من حديث شعيب بن أبي حمزة(٥). ثلاثتهم عن الزهري عن عروة فذكره. وصورته صورة الإرسال وهو متصل في المعنى. وقد رواه الإمام أحمد(٦) من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال : حدثنا أبو اليمان. أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث " أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا، إلى النبي ﷺ في شراج الحرة. كان يستقيان بها كلاهما. فقال النبي ﷺ للزبير : اسق : ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله ! إن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ. ثم قال للزبير : أسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر. فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه. وكان النبي ﷺ، قبل ذلك، أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري. فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ، استوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم.
قال عروة : فقال الزبير : والله ! ما أحسب هذه الآية أنزلت إلا في ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكوك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ".
( هكذا رواه الإمام أحمد وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير فانه لم يسمع منه. والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله. فان أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في ( تفسيره ). فقال : حدثنا يونس بن عبد الأعلى. حدثنا ابن وهب. أخبرني الليث ويونس عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام، " أنه خاصم رجلا... " الحديث ). قال ابن كثير : وهكذا رواه النسائي(٧) من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم(٨).
وروى ابن أبي حاتم عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال :" نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء. فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل ".
قال ابن كثير : هذا مرسل. ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) : وحكى الواحدي وشيخه الثعلبي والمهدوي أنه حاطب بن بلتعة. وتعقب بأن حاطبا، وان كان بدريا، لكنه من المهاجرين. لكن مستند ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى :( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكوك فيما شجر بينهم... ) الآية قال : نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء... الحديث. واسناده قوي مع إرساله. فان كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير، فيكون موصولا. وعلى هذا فيؤول قوله :( من الأنصار ) على ارادة المعنى الأعم. كما وقع ذلك في حق غير واحد كعبد الله بن حذافة. وأما قول الكرماني بأن حاطبا كان حليفا للأنصار – ففيه نظر. / وأما قوله :( من بني أمية بن زيد ) فلعله كان مسكنه هناك، كعمر. ثم قال : ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام من بني أسد وكأنه كان مجاورا للزبير. والله أعلم. ( ج ٥ ص ٢٦ و٢٧ ).
أقول : وقع في التفسير المنسوب لابن عباس، ههنا، ذكر حاطب بن أبي بلتعة وتلقيبه بالمنافق وادراجه تحت قوله تعالى :( رأيت المنافقين ). وفي صحة هذا عن ابن عباس نظر. وكيف ؟ وقد كان رضي الله عنه من البدريين. وقد انتفى عمن شهدها.
قال التوربشتي : يحتمل أنه صدر ذلك منه بادرة النفس. كما وقع لغيره ممن صحت توبته. إذ لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصرة التي هي المدح ولو شاركهم في النسب. قال : بل هي زلة من الشيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم في تلك الحالة. انتهى.
ولما هم عمر رضي الله عنه بضرب عنقه في قصة الظعينة(٩)، قال حاطب :" لا تعجل علي / يا رسول الله ! والله ! اني لمؤمن بالله ورسوله. وما ارتددت ولا بدلت. فأقره ﷺ، وكف عمر عنه. وقال ﷺ لعمر : انه شهد بدرا. وما يدريك، يا عمر ؟ لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فذرفت عينا عمر... " الحديث.
ولله در أصحاب الصحاح حيث أبهموا في قصة الزبير اسم خصمه سترا عليه كيلا يغض من مقامه. وهكذا ليكن الأدب. وكفانا أصلا عظيما في هذا الباب ابهام التنزيل الجليل في كثير من قصصه الكريمة. فهو ينبوع المعارف والآداب على مرور السنين والأحقاب. هذا كله على الجزم بأنها نزلت في قصة الزبير وخصمه. وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : والراجح رواية الأكثر. وأن الزبير كان لا يجزم بذلك. ثم قال الحافظ ابن حجر : وجزم مجاهد والشعبي بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية قبلها وهي قوله تعالى :( ألم تر الخ ) فروى اسحاق بن راهويه في ( تفسيره ) باسناد صحيح عن الشعبي. قال : كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة. فدعا اليهودي المنافق إلى النبي ﷺ. لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم. لأنه علم انهم يأخذونها. فأنزل الله هذه الآيات، الى... ( ويسلموا تسليما ).
وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ونحوه.
وروى الطبري(١٠) باسناد صحيح عن ابن عباس " أن حاكم اليهود يومئذ كان أبا برزة الأسلمي قبل أن يسلم ويصحب ". ( لم أعثر على هذا الأثر في نسخة التفسير التي بين يدي. )
وروى (١١)باسناد آخر صحيح إلى مجاهد، أنه كعب بن الأشرف. انتهى.
وقال ابن كثير : ذكر سبب آخر غريب جدا. قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة. أخبرنا ابن وهب. أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال :" اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ فقضى بينهما. فقال المقضي عليه : ردنا إلى عمر بن الخطاب. فقال رسول الله ﷺ : نعم. انطلقا اليه. فلما أتيا اليه، فقال الرجل : يا ابن الخطاب ! قضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال : ردنا إلى عمر بن الخطاب فردنا اليك. فقال : أكذاك ؟ قال : نعم. فقال عمر : مكانكما حتى أخرج اليكما فأقضي بينكما. فخرج اليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال : ردنا إلى عمر. فقتله. وأدبر الآخر. فأتى إلى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله ! قتل عمر، والله ! صاحبي. ولولا أني أعجزته لقتلني.
فقال رسول الله ﷺ : ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن ". فأنزل الله :( فلا وربك لا يؤمنون... الآية ) فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله. فكره الله أن يسن ذلك بعده. فأنزل :( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) الآية " وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل. وابن لهيعة ضعيف. والله أعلم.
طريق أخرى : قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في ( تفسيره ) :
حدثنا شعيب بن شعيب. حدثنا أبو المغيرة. حدثنا عتبة بن حمزة. حدثني أبي :" أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى للمحق على المبطل. فقال المقضي عليه : لا أرضى. فقال صاحبه : فما تريد ؟ قال : أن نذهب إلى أبي بكر الصديق. فذهبا إليه. فقال الذي قضى له : قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي. فقال أبو بكر : أنتما على ما قضى به رسول الله ﷺ. فأبى أن يرضى. فقال : نأتي عمر بن الخطاب. فقال المقضي له : قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي عليه. فأبى أن يرضى. فسأله عمر بن الخطاب، فقال كذلك. فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله. فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى. فقتله. فأنزل الله :( فلا وربك لا يؤمنون... الآية ) " انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : روى الكلبي في ( تفسيره ) عن أبي صالح عن ابن عباس قال :" نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة. فقال اليهودي : انطلق بنا إلى محمد. وقال المنافق : بل نأتي كعب بن الأشرف. فذكر القصة. وفيه أن عمر قتل المنافق وأن ذلك نزول هذه الآيات وتسمية عمر الفاروق ". وهذا الإسناد، وان كان ضعيفا، لكن تقوى بطريق مجاهد. ولا يضره الاختلاف. لا مكان التعدد. وأفاد الواحدي باسناد صحيح عن سعيد عن قتادة أن اسم الأنصاري المذكور قيس. ورجح الطبري في ( تفسيره ) (١٢) وعزاه إلى أهل التأويل في ( تهذيبه ) أن سبب نزولها هذه القصة. ليتسق نظام الآيات كلها في سبب واحد. قال : ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك. ثم قال : ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عموم الآية، والله أعلم. انتهى.
قال الرازي : اعلم أن قوله تعالى :( فلا وربك لا يؤمنون ) قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط :
أولها : قوله تعالى :( حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا.
الشرط الثاني :/ قوله :( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ). واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب. فبين، في هذه الآية، أنه لا بد من حصول الرضا به في القلب. واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر. فليس المراد من الآية ذلك. بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق.
الشرط الثالث : قوله :( ويسلموا تسليما ). واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا، قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول. فبين تعالى أنه، كما لا بد في الإيمان من حصول ذلك اليقين في القلب، فلا بد أيضا من التس
١ قال السيد أحمد محمد شاكر في تعليقه على هذا الحديث بالصفحة رقم ٢١١ بالجزء الثالث من (عمدة التفسير) ما نصه، هو الحديث الحادي والأربعون من الأربعين النووية. ولكن ليس في أوله: "والذي نفسي بيده!" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال النووي: حديث حسن صحيح. رويناه في كتاب الحجة باسناد صحيح. يريد (كتاب الحجة) لأبي الفتح المقدسي.
وذكر ابن رجب في (جامع العلوم والحكم، شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم) أنه رواه أيضا الحافظ أبو نعيم في (كتاب الأربعين) التي شرط فيها الصحة. وأنه رواه أيضا الطبراني. ثم أطال القول في تعليله. وعندي أن تعليله غير جيد. وأن الحديث صحيح. اه..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٢ –باب (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)، حديث ١١٨٠..
٣ أخرجه البخاري في: ٤٢ –كتاب المساقاة، ٨ –باب شرب الأعلى الى الكعبين..
٤ أخرجه البخاري في: ٤٢ –كتاب المساقاة، ٧ –باب شرب الأعلى قبل الأسفل..
٥ أخرجه البخاري في: ٥٣ –كتاب الصلح، ١٢ –باب اذا أشار الامام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين..
٦ أخرجه في المسند بالصفحة ١٦٥ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) الحديث ١٤١٩ (طبعة المعارف)..
٧ أخرجه النسائي في: ٤٩ –كتاب آداب القضاة، ١٩ –باب الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان، و ٢٧ –باب اشارة الحاكم بالرفق..
٨ انظر تعليق السيد احمد شاكر بالصفحة ٢١٣ من الجزء الثالث من (عمدة التفسير) فاقرأه واقرأه واقرأه، ثم اقرأه فلن تمله أبدا، ففيه ما لا ينبغي لمؤمن أن يجهله. بل ما ينبغي أن يعلمه علم اليقين..
٩ أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ١٤١ –باب الجاسوس وقول الله تعالى: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، حديث ١٩٢٤، ونصه:
عن عبيد الله بن رافع قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا والزبير والمفداد بن الأسود. قال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فان بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها" فانطلقنا تعادى بنا خليلنا. حتى انتهينا الى الروضة فاذا نحن بالظعينة. فقلنا: اخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة الى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا حاطب! ما هذا؟" قال: يا رسول الله! لا تعجل علي. اني كنت امرءا ملصقا في قريش. ولم أكن من أنفسنا. وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحملون بها أهليهم وأموالهم. فأحببت، اذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتني. وما فعلت كفرا ولا ارتدادا، ولا رضا بالكفر بعد الاسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد صدقكم) قال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "انه شهد بدرا. وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"..
١٠ لم أعثر على هذا الأثر في نسخة التفسير التي بين يدي..
١١ الأثر رقم ١٩١٥..
١٢ انظر الصفحة رقم ٥٢٤ من الجزء الثامن (طبعة المعارف)..
وذكر ابن رجب في (جامع العلوم والحكم، شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم) أنه رواه أيضا الحافظ أبو نعيم في (كتاب الأربعين) التي شرط فيها الصحة. وأنه رواه أيضا الطبراني. ثم أطال القول في تعليله. وعندي أن تعليله غير جيد. وأن الحديث صحيح. اه..
٢ أخرجه البخاري في: ٦٥ –كتاب التفسير، ٤ –سورة النساء، ١٢ –باب (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)، حديث ١١٨٠..
٣ أخرجه البخاري في: ٤٢ –كتاب المساقاة، ٨ –باب شرب الأعلى الى الكعبين..
٤ أخرجه البخاري في: ٤٢ –كتاب المساقاة، ٧ –باب شرب الأعلى قبل الأسفل..
٥ أخرجه البخاري في: ٥٣ –كتاب الصلح، ١٢ –باب اذا أشار الامام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البين..
٦ أخرجه في المسند بالصفحة ١٦٥ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) الحديث ١٤١٩ (طبعة المعارف)..
٧ أخرجه النسائي في: ٤٩ –كتاب آداب القضاة، ١٩ –باب الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان، و ٢٧ –باب اشارة الحاكم بالرفق..
٨ انظر تعليق السيد احمد شاكر بالصفحة ٢١٣ من الجزء الثالث من (عمدة التفسير) فاقرأه واقرأه واقرأه، ثم اقرأه فلن تمله أبدا، ففيه ما لا ينبغي لمؤمن أن يجهله. بل ما ينبغي أن يعلمه علم اليقين..
٩ أخرجه البخاري في: ٥٦ –كتاب الجهاد، ١٤١ –باب الجاسوس وقول الله تعالى: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)، حديث ١٩٢٤، ونصه:
عن عبيد الله بن رافع قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا والزبير والمفداد بن الأسود. قال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فان بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها" فانطلقنا تعادى بنا خليلنا. حتى انتهينا الى الروضة فاذا نحن بالظعينة. فقلنا: اخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة الى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا حاطب! ما هذا؟" قال: يا رسول الله! لا تعجل علي. اني كنت امرءا ملصقا في قريش. ولم أكن من أنفسنا. وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحملون بها أهليهم وأموالهم. فأحببت، اذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتني. وما فعلت كفرا ولا ارتدادا، ولا رضا بالكفر بعد الاسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد صدقكم) قال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "انه شهد بدرا. وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"..
١٠ لم أعثر على هذا الأثر في نسخة التفسير التي بين يدي..
١١ الأثر رقم ١٩١٥..
١٢ انظر الصفحة رقم ٥٢٤ من الجزء الثامن (طبعة المعارف)..