عن جرير، قال: قال رسول الله ﷺ لِنَفَر من أصحابه: «إني قارئ عليكم آيات من آخر الزمر، فمن بكى منكم وجبتْ له الجنة». فقرأها مِن عند: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر السورة؛ فمِنّا مَن بكى، ومِنّا مَن لم يبكِ، فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله، لقد جهدنا أن نبكي فلم نبكِ. فقال:«إني سأقرؤها عليكم، فمن لم يبكِ فليتباكَ»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ يعني: الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والرياح ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ لم أخلقهما باطلًا عبثًا لغير شيء، خلقتُهما لأمرٍ هو كائن، ثم قال: ﴿وأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يقول: خلقتُهم لأجل مُسمًّى ينتهي إليه، يعني: يوم القيامة، فهو الأجل المُسمّى، ثم قال: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة ﴿عَمّا أُنْذِرُوا﴾ في القرآن مِن العذاب ﴿مُعْرِضُونَ﴾ فلا يتفكرون
قال مقاتل بن سليمان: ثم رجع إلى الاثني عشر المطعمين يوم بدر، فيها تقديم: ﴿ذَلِكَ﴾ يقول: هذا الإبطال كان ﴿بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتوحيد الله ﴿اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ يعني: عبادة الشيطان، ﴿وأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا بتوحيد الله ﴿اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ يعني به: القرآن، ﴿كَذَلِكَ﴾ يقول: هكذا ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ حين أضلّ أعمال الكفار، وكفّر سيئات المؤمنين
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ المُصدِّقون في إيمانهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: صدّقوا ﴿بِاللَّهِ﴾ بأنه واحد لا شريك له ﴿ورَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ أنّه نبيٌّ رسول، وكتابه الحقّ، ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ يعني: لم يشُكُّوا في دينهم بعد الإيمان، ﴿وجاهَدُوا﴾ العدوَّ مع النبي ﷺ ﴿بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ﴾ يعني: باشروا القتالَ بأنفسهم ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: في طاعة الله، ﴿أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ في إيمانهم
وجَّه ابنُ جرير (٦/١٦٠ بتصرف) هذه القراءة بقوله: «وذهب الذين قرءوا بالتأنيث إلى أنّ الأمنة هي التي تغشاهم؛ فأنّثوه لتأنيث الأَمَنَة». وبنحوه قال ابنُ عطية (٢/٣٩٣). وقد رجَّح ابنُ جرير (٦/١٦٠) صواب كلا القراءتين مستندًا لاستفاضتهما، وصِحَّتهما في المعنى، فقال: «لأنّ الأَمَنَة في هذا الموضع: هي النعاس، والنعاس: هو الأمنة، وسواءٌ ذلك، وبأيَّتِهما قرأ القارئُ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته»
نقل ابنُ كثير (٨/٢٩٦-٢٩٧) في قوله تعالى: ﴿وعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قول ابن عباس، وقول مجاهد، والضحاك، وقتادة، ونقل عن السدي أن ﴿قصد السبيل﴾ معناه: الإسلام. ثم علَّق بقوله: «وقول مجاهد هاهنا أقوى من حيث السياق؛ لأنه تعالى أخبر أن ثَمَّ طرقًا تسلك إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق، وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة، والأعمال فيها مردودة»
ذكر ابنُ عطية (٦/٣٠٦) بأنّ أظهر ما قيل في معنى قوله تعالى: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾: «أنه أراد: كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة». وعلَّق عليه بقوله: «وفي الآية -على هذا التأويل- تهديدٌ وتأنيس من الحيف والظلم». ثم ذكر قولًا آخر ولم ينسبه: أن المراد بقوله تعالى: ﴿كِتابٌ﴾ القرآن. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا يحتمل». ثم رجَّح القول الأول، فقال: «والأول أظهر». ولم يذكر مستندًا
علَّق ابنُ عطية (٦/٤٠٧) على قول ابن عباس بقوله: «وهذه العبارة بـ»ترك الناس«إغلاظٌ وزجرٌ، إذ لم تُلْتَزَم حقَّ الالتزام، وإلا فما قال الله تعالى هو المعتَقد في ذلك عند العلماء، المكتوب في تواليفهم، أعني: أنّ الكرم التقوى، وأما أمْر الاستئذان فإنّ تغيير المباني والحُجُب أغنتْ عن كثيرٍ من الاستئذان، وصيَّرته على حدٍّ آخر، وأين أبواب المنازل اليوم من مواضع النوم؟»
ذكر ابنُ عطية (٧/١٠) في معنى: ﴿في أنْفُسِهِمْ﴾ احتمالين: الأول: «أن تكون الفكرة في ذواتهم وحواسهم وخلقتهم؛ ليستدلوا بذلك على الخالق المخترع». والثاني: «أن يكون قوله: ﴿في أنفسهم﴾ ظرفًا للفكرة في خلق السماوات والأرض، ثم أخبر عقب هذا المعنى بأن الحق هو السبب في خلق السماوات والأرض». ووجَّهه بقوله: «فيكون قوله: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ تأكيدًا لقوله: ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾، كما تقول: أبصر بعينك واسمع بأذنك. فقولك:»بعينك«و»بأذنك«تأكيد»
ذكر ابنُ عطية (٨/٣٩٧) أنّ ﴿ما﴾ في قوله: ﴿قليلا ما تؤمنون﴾ يحتمل أن تكون نافية فينتفي إيمانهم البتة، ويحتمل أن تكون مصدرية ويَتصف بالقلة إمّا الإيمان وإمّا العدد الذي يؤمنون، ثم قال: «فعلى اتصاف إيمانهم بالقلّة فهو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صَدّقوا بأشياء يسيرة لا تُغني عنهم شيئًا؛ إذ كانوا يُصدِّقون أنّ الخير والصلة والعفاف الذي كان يأمر به رسول الله ﷺ هو حقٌّ صواب»