اختُلف فيما عنى الله بقوله: ﴿والعصر﴾ على أقوال: الأول: الدهر. الثاني: العشي. الثالث: أنها صلاة العصر. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٦١٢) العموم، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ ربّنا أقسم بالعصر، والعصر اسم للدَّهر، وهو العشي والليل والنهار، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى، فكلّ ما لزمه هذا الاسم فداخل فيما أقسم به -جلّ ثناؤه-». ورجّح ابنُ القيم (٣/٣٦٧) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، فقال: ""وأكثر المفسرين على أنه الدَّهر، وهذا هو الراجح، وتسمية الدَّهر عصرًا معروف في لغتهم، قال:ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما"". وعلّق ابنُ كثير (١٤/٤٥١) فقال: «والمشهور الأول»
اختُلِف في معنى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ على أقوال: الأول: أنّه استثناء استثناه الله في أهل التوحيد؛ أنه يخرجهم من النار إذا شاء بعد أن أدخلهم فيها. الثاني: أنّه استثناء في أهل التوحيد أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. الثالث: أن المقصود بالاستثناء أهل النار وكل مَن دخلها. الرابع: أنّ الله أخبر بمشيئته لأهل الجنة أنها في الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض بقوله تعالى في معنى الاستثناء: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، ولم يخبر بمشيئته في أهل النار، فجائز أن تكون في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٠ بتصرف) القول الأول الذي قاله الضحاك، وقتادة، وخالد بن معدان، وخالد بن مهران، والسدي، ومقاتل، بقوله: «فيجيء قوله: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ أي: لقومٍ ما... وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَأَمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ عامًّا في الكفرة والعصاة، ويكون الاستثناء من ﴿خالِدِينَ﴾». ووجَّه ابنُ جرير (١٢/٥٨١) القول الثاني الذي قاله أبو سعيد الخدري، وأبو مجلز، فقال: «ووجَّهوا الاستثناء أنّه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا في النار﴾ - ﴿إلا ما شاء ربك﴾ لا من الخلود». ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٥٨٣) القول الأول، وانتقد الثاني، والثالث الذي قاله ابن عباس من طريق المسيب، وابن مسعود، وأبو هريرة، والشعبي مستندًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية، وقول أهل العلم، فقال: «لأنّ الله عز وجل أوْعَد أهل الشرك به الخلودَ في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائزٍ أن يكون استثناءً في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أنّ الله يُدخِل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائزٍ أن يكون ذلك استثناءً في أهل التوحيد قبل دخولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا، وأنا إن جعلناه استثناءً في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: لا يدخل الجنةَ فاسقٌ، ولا النارَ مؤمنٌ. وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ». وعلى القول الثالث فالاستثناء من طول المدة، وهو ما وجَّهه ابنُ عطية بقوله: «فهم -على هذا- يُخَلَّدون حتى يصير أمرهم إلى هذا... والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره إنّما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي يسمي جهنم، وسمي الكل به تَجَوُّزًا». ثم انتقده بقوله: «وهذا قول مختل». ونقل (٥/٢١) قولًا عن الفراء: أنّ ﴿إلا﴾ في هذه الآية بمعنى: سوى، والاستثناء منقطع، ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء الله زائدًا على ذلك». ثم علَّق بقوله: «ويؤيد هذا التأويل قوله بعد: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾». وزاد ابنُ عطية أقوالًا أخرى في معنى الاستثناء: الأول: أنّ ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام، وعلَّق عليه بقوله: «فهو على نحو قوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط، كأنّه قال: إن شاء الله. فليس يحتاج إلى أن يوصف بمتصل ولا بمنقطع». ثم قال: «ويؤيد هذا قوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾». الثاني: أنّ المعنى: سوى ما أعده لهم من أنواع العذاب مما لا يعرف كالزمهرير ونحوه. الثالث: أنه استثناء من مدة السماوات والأرض، المدة التي فرطت لهم في الحياة الدنيا. الرابع: أنّه استثناء من مدة البرزخ بين الدنيا والآخرة. الخامس: أنّه استثناء من مُدَّة المسافات التي بينهم في دخول النار، إذ دخولهم إنما هو زُمَرًا بعد زُمَر. وذكر ابنُ كثير (٧/٤٧٣) ترجيح ابن جرير، ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا الذي عليه كثيرٌ من العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير هذه الآية الكريمة». ثم قال: «وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز، والشعبي، وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة أقوال غريبة»
اخْتُلِف في تفسير قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾؛ فقال قوم: ﴿غير باغ﴾ غير خارج على الأمة بسيفه. وقال آخرون: بل تأويل ذلك: فمن اضطر غير باغ في أكله شهوة، ولا عادٍ فوق ما لا بُدَّ له منه. وقال غيرهم: غير باغٍ الحرام في أكله، ولا مُعْتَدٍ الذي أبيح له منه. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٦٢-٦٣بتصرف) القولَ الأخير الذي قال به قتادة، والحسن، وعكرمة، ومجاهد من طريق جابر، والربيع، وابن زيد. وانتَقَدَ القولَ الأوَّلَ الذي قاله مجاهد، وسعيد، مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وذلك أنّ الله لم يُرَخِّص لأحد في قتل نفسه بحال، فالواجب على قُطّاع الطريق التَّوْبَةُ من معاصي الله، لا قتل أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إلى إثمهما إثمًا». وبيَّن ابنُ جرير (٣/٦٢) أنّ تفسير السدي -وهو القول الثاني- لقوله: ﴿غير باغ﴾ مُوافِقٌ لِما رَجَّح، وأمّا تفسيره ﴿عاد﴾ بالشَّبَع فقد بيّن أنه بعض معاني الاعتداء، ثم قال: «ولم يُخَصِّص اللهُ من معاني الاعتداء في أكله معنًى؛ فيُقال: عنى به بعض معانيه. فإذا كان ذلك كذلك فالصواب من القول ما قلنا مِن أنّه الاعتداء في كل معانيه المحرمة». ورَجَّح ابنُ تيمية (١/٤٠٤-٤٠٥) أيضًا القول الأخير، مُسْتَنِدًا إلى أحوال النُّزول، والدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله أنزل هذا في السور المكيّة -الأنعام، والنحل-، وفي المدنية؛ لِيُبَيِّن ما يَحِلُّ وما يَحْرُم من الأكل، والضرورة لا تختصّ بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرّم مُخْتَصًّا بقطع الطريق والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبي ﷺ إمامٌ يُخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا، والبُغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولًا مسافرين؛ بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنِّعال والجريد، فكيف يجوز أن تُفَسَّر الآيةُ بما لا يَخْتَصَّ بالسفر، وليس فيها كلُّ سَفَرٍ محرم؟! فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مُطابِقًا للسفر المحرم، فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه. وأيضًا فقوله: ﴿غير باغ﴾ حال من ﴿اضطر﴾، فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فلا إثم عليه﴾، ومعلوم أنّ الإثم إنما يُنفى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه؛ فمعنى الآية: فمن اضْطُرَّ فأكلَ غير باغ ولا عاد. وهذا يُبَيِّن أنّ المقصود أنّه لا يبغي في أكله، ولا يتَعَدّى»
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق-: فأوحى الله إليه أن: ﴿ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾. وفُرِّج عن موسى، فألقى عصاه مِن يده، فاستعرضت ما ألقوا مِن حبالهم وعصيهم، وهي حيّات في عين فرعون وأعينِ الناس تسعى، فجعلت تلقفها؛ تبتلعها حيَّة حيَّة، حتى ما يُرى بالوادي قليلٌ ولا كثير مما ألْقَوا، ثم أخذها موسى، فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سُجَّدًا، قالوا: آمنا برب هارون وموسى، لو كان هذا سحرًا ما غَلَبَنا!
رجَّحَ ابنُ جرير (١٠/٦٣٨) بالسياق أنّ المراد بالضمير المذكور في ﴿ينظرون﴾ و﴿يبصرون﴾: الأصنام. ووصْفُهم بالنظر كنايةٌ عن المحاذاة والمقابلة، وما فيها من تخييل النظر، كما تقول: دار فلان تنظر إلى دار فلان. وعلَّقَ على قول مجاهد هذا بقوله: «كأنّ مجاهدًا وجَّه معنى الكلام إلى أنّ معناه: وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون، فهو وجْهٌ، ولكن الكلام في سياق الخبر عن الآلهة، فهو بوصفها أشبه». وذَهَبَ ابنُ كثير (٦/٤٨٨) إلى ما ذهب إليه ابنُ جرير. ويُفْهَم ذلك أيضًا من كلام ابن عطية (٤/١١٦ بتصرف) حين بيَّنَ معنى الآية على اختيار ابن جرير، فقال: «ومعنى الآية على هذا تبيين جمودية الأصنام، وصغر شأنها... وإنّما تكرر القول في هذا، وترددت الآيات فيه؛ لأنّ أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكنًا في نفوس العرب في ذلك الزمن، ومستوليًا على عقولها؛ فأوعب القول في ذلك لُطْفًا من الله تعالى بهم»
اختُلف في معنى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ على أقوال: الأول: لقد خلقنا ابن آدم في شدة وعناء ونصب. الثاني: خُلِقَ مُنتَصبًا مُعتَدِل القامة. الثالث: أنه خُلِق في السماء. ووجَّه ابنُ كثير (١٤/٣٥٤) القول الثاني بقوله: «ومعنى هذا القول: لقد خلقنا الإنسان سويًّا مستقيمًا كقوله: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦-٧]، وكقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٤١٢) -مستندًا إلى لغة العرب- القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة وسعيد بن جُبَير، وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ ذلك هو المعروف من كلام العرب من معاني الكَبَد». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٨/٦٢٠) ولم يذكر مستندًا، وانتقد القول الثاني والثالث قائلًا: «وهذان القولان قد ضُعِّفا»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن لكم في الأنعام﴾ يعني: الإبل، والبقرة، والغنم ﴿لعبرة نسقيكم مما في بطونها﴾ يعني: اللبن، ﴿ولكم فيها منافع كثيرة﴾ يعني: في ظهورها، وألبانها، وأوبارها، وأصوافها، وأشعارها، ﴿ومنها تأكلون﴾ يعني: مِن النعم
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿أولي الأيدي والأبصار﴾ على أقوال: الأول: أن الأيدي القوة في الطاعة، والأبصار: أنهم أهل بصائر في الدين والعلم. الثاني: أن الأيدي: النعمة. وقد بيّن ابنُ جرير (٢٠/١١٤) أن المعنى: أنهم أهل قوة في الطاعة وأهل بصائر القلوب، فقال: «وقوله: ﴿أولي الأيدي والأبصار﴾ ويعني بالأيدي: القوة، يقول: أهل القوة على عبادة الله وطاعته، ويعني بالأبصار: أنهم أهل إبصار القلوب، يعني به: أولي العقول للحق. وقد اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضُهم في ذلك نحوًا مما قلنا فيه». ثم ذكر آثار السلف على هذا. وقال ابنُ عطية (٧/٣٥٥): «وقوله تعالى: ﴿والأَبْصارِ﴾ عبارة عن البصائر، أي: يبصرون الحقائق وينظرون بنور الله تعالى، وبنحو هذا فسَّر الجميعُ»
اختُلِف في معنى ﴿فرطا﴾ على أربعة أقوال: الأول: ضياعًا. والثاني: هلاكًا. والثالث: ندمًا. والرابع: خلافًا للحق. ورجّح ابنُ جرير (١٥/٢٤٣) الجمع بين الأقوال مستندًا إلى اللغة، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ضياعًا وهلاكًا، من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطًا؛ إذا أسرف فيه وتجاوز قدره، وكذلك قوله: ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في البسار والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفًا قد تجاوز حدّه، فَضَيَّع بذلك الحقّ وهلك». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٩٨) أن «الفرط» يحتمل أن يكون بمعنى: التفريط والتضييع، أي: أمره الذي يجب أن يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى: الإفراط والإسراف، أي: أمره وهواه الذي هو بسبيله. ثم قال: «قد فسَّره المتأولون بالعبارتين: أعني: التضييع والإسراف، وعبر خباب عنه بالهلاك، وداود بالندامة، وابن زيد بالخلاف للحق، وهذا كله تفسير بالمعنى». ورأى ابنُ القيم (٢/٢٦٠) تقارب الأقوال، فقال بعد سردها: «وكلها أقوال متقاربة»
عن إياس بن عبد الله بن أبي ذئاب، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تضربوا إماء الله». فقال عمر: ذَئِرَ النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساءٌ كثير يشكين أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ: «ليس أولئك خياركم»