سورة الأنفال — الآية ١٢

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ﴾ ولَمّا صَفَّ القوم أوحى الله عز وجل ﴿إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا﴾ فبشروا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالنصر، فكان الملَك في صورة بشر في الصف الأول، فيقول: أبشروا، فإنكم كثير وعددهم قليل؛ فالله ناصركم. فيرى الناس أنه منهم

سورة القصص — الآية ٢٤

عن أبي حازم [سلمة بن دينار] -من طريق يحيى بن أبي كثير- قال: إنّ موسى بن عمران -عليه الصلاة والسلام - لَمّا ورد ماء مدين قال: ﴿رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير﴾. فسأل موسى عليه السلام ربَّه عز وجل، ولم يسأل الناس

سورة الأحزاب — الآية ٧٢

عن الضحاك بن مزاحم: أنّه سُئِل: وما الأمانة في قوله: ﴿إنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ﴾؟ قال: هي الفرائض، وحقٌّ على كل مؤمن ألّا يغش مؤمنًا ولا معاهدًا في شيء قليل ولا كثير، فمن فعل فقد خان أمانته، ومن انتقص مِن الفرائض شيئًا فقد خان أمانته

عَلَّق ابنُ جرير (٣‏/‏٦٤٣ بتصرف) فقال: «وهذا الذي قاله السدي قولٌ ممكنٌ أن يكون كما قال، وممكنٌ غيره». ثم انتقده مستندًا لعدم وجود ما يدل عليه، فقال: «ولا دلالة في الآية على صِحَّة ما قال؛ لأنه ممكن أن يكون قوله: ﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ الآية حثًَّا من الله -جل ثناؤه- على الإنفاق على مَن كانت نفقته غير واجبة من الآباء، والأمهات، والأقرباء، ومَن سُمِّي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عباده مواضع الفضل التي تصرف فيها النفقات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾ [البقرة:١٧٧]». وانتَقَدَه ابنُ كثير (٢‏/‏٢٨٣) أيضًا، فقال بعد ذكره: «وفيه نظر». وذكر ابنُ عطية (١‏/‏٥١٦) أن المهدوي وهِم على السدي فنسب إليه أنه قال: إنّ الآية في الزكاة المفروضة، ثم نسخ منها الوالدان

ذهب ابنُ عطية (٣‏/‏٨٠ بتصرف)، وابنُ كثير (٣‏/‏٥) إلى أن سورة المائدة مدنية، ونقل ابنُ عطية الإجماعَ على ذلك، فقال: «هذه السورة مدنية بإجماع. ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما نزل عام الفتح». وعلَّقَ ابنُ عطية (٣‏/‏٨٠)على أثر الربيع وغيره بقوله: «وهذا كله يقتضي أنّ السورة مدنية بعد الهجرة، وإتمام النعمة هو في ظهور الإسلام ونور العقائد، وإكمال الدين، وسعة الأحوال، وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية، إلى دخول الجنة والخلود في رحمة الله، هذه كلها نعم الله المتممة قِبَلنا». وذكر أن النقاش نقل عن أبي سلمة أنه قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية قال: «يا عليُّ، أشعرت أنه نزلت عَلَيَّ سورة المائدة ونعمت الفائدة». وعلَّق عليه بقوله: «وهذا عندي لا يشبه كلام النبي ﷺ»

اختُلف في قراءة قوله: ﴿حتى إذا جاءنا﴾؛ فقرأ قوم: ‹حَتّى إذا جَآءانا›، وقرأ غيرهم: ﴿جاءنا﴾. وذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٩٧) أن الأولى على التثنية، بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا الذي عَشِي عن ذكر الرحمن، وقرينه الذي قُيِّض له من الشياطين. وأن الثانية على التوحيد، بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا العاشي من بني آدم عن ذكر الرحمن. وبنحوه قال ابنُ عطية (٧‏/‏٥٤٨)، وابنُ كثير (١٢‏/‏٣١٢). ثم رجَّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٥٩٧) صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، وتقارب معناهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وذلك أنّ في خبر الله -تبارك وتعالى- عن حال أحد الفريقين عند مقْدمه عليه -فيما اقترنا فيه في الدنيا- الكفاية للسامع عن خبر الآخر، إذ كان الخبر عن حال أحدهما معلومًا به خبر حال الآخر، وهما مع ذلك قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب»

على هذا القول الذي قاله الحسن، وقتادة، فالآية عامة كالتي قبلها، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٧‏/‏٦٢١)، ثم قال: «ويشبه أن لها سببًا من رجل قال ذلك لأبويه. فلمّا فرغ من ذكر الموفق عقّب بذكر هذا العاق». ورجَّح (٧‏/‏٦٢٢) العموم، وانتقد القول بنزولها في ابن أبي بكر مستندًا للسياق، فقال: «والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات، ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره من المؤمنين، والدليل القاطع على ذلك قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾، وكان عبد الرحمن رحمه الله من أفضل الصحابة، ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غَناءٌ، ويكفيه مقامه مع مروان يوم اليمامة وغيره». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٨). ثم قال ابنُ عطية (٧‏/‏٦٢٣): «وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في مُشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيرًا مِن الوقوع في مثلها»

اختُلف في المراد بالسائق والشهيد على أقوال: الأول: أنهما ملكان. الثاني: أن السائق ملَك، والشهيد جوارح الإنسان. الثالث: أن السائق ملك، والشهيد العمل. ورجَّح ابن كثير (١٣‏/‏١٩٠) -مستندًا إلى ظاهر الآية- القول الأول الذي قاله عثمان، ومجاهد، وابن زيد، ومقاتل، فقال: «هذا هو الظاهر من الآية». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٣-٤٤) قولًا آخر وهو أن «سائق» اسم جنس، و«شهيد» كذلك، فالساقة للناس ملائكة يُوكّلون بذلك، والشهداء: الحفظة في الدنيا وكل ما يشهد. وعلَّق عليه بقوله: «ويقوى في ﴿شهيد﴾ اسم الجنس، فتشهد بالخير الملائكة والبقاع، ومنه قول النبي ﷺ: «لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». وكذلك يشهد بالشر الملائكة، والبقاع، والجوارح. ونقل عن ابن مسلم أنه قال: السائق: شيطان. وانتقده بقوله:»وهو ضعيف""

عَلَّقَ ابن جرير (١‏/‏٤٨٥-٤٨٦) على هذه الرواية بقوله: «وهذه الرواية عن ابن عباس تُنبِئ عن أنّ قول الله -جل ثناؤه-: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرص خليفة﴾ خِطابٌ من الله -جل ثناؤه- لخاصٍّ من الملائكة دون الجميع، وأنّ الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصة، وأنّ الله إنّما خَصَّهم بقيل ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاء؛ لِيُعَرِّفهم قصورَ علمهم، وفضل كثير مِمَّن هو أضعف خلقًا منهم من خلقه عليهم، وأنّ كرامته لا تنال بقُوى الأبدان وشِدَّة الأجسام، كما ظنه إبليس عدو الله، ومصرح بأن قيلهم لربهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ كانت هفوة منهم، ورجمًا بالغيب، وأنّ الله -جل ثناؤه- أطْلَعَهم على مكروهِ ما نطقوا به من ذلك، ووَقَفَهم عليه، حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا من رجم الغيب بالظنون، وتَبَرَّءُوا إليه أن يعلم الغيب غيره، وأظهر لهم من إبليس ما كان منطويًا عليه من الكبر الذي قد كان عنهم مُسْتَخْفِيًا». وبَيَّنَ (١‏/‏٥٠٠) أيضًا أنّ الرواية تحتمل ورود قول الملائكة: «على وجه الاستعلام منهم لربهم، لا على وجه الإيجاب أنّ ذلك كائن كذلك، فيكون ذلك منها إخبارًا عما لم تَطَّلِع عليه من علم الغيب». وانتَقَد ابنُ كثير (١‏/‏٣٥٥) هذا الأثر بقوله: «هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها»

علّق ابن عطية (٢‏/‏٤٥٩) بقوله: «قد قال بعض الناس: إنّ قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ حيث وقع إنما هو مكِّيٌّ؛ فيشبه أن يكون صدر هذه السورة مكيًّا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدنيٌّ وإن نزل في مكة، أو في سفر من أسفار النبي ﷺ. وقال النحاس: هذه السورة مكية. قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف أنّ فيها ما نزل بالمدينة، وفي البخاري: آخر آية نزلت: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء:١٧٦] ذكرها في تفسير سورة براءة من رواية البراء بن عازب، وفي البخاري عن عائشة أنّها قالت: ما نزلت سورةُ النساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ. تعني: قد بنى بها»