جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
وأما ابن إسحاق، فإنه قال بما :
حدثنا بن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا أي فآزروا الذين آمنوا.
القول في تأويل قوله تعالى : سأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ.
يقول تعالى ذكره : سأرعب قلوب الذين كفروا بي أيها المؤمنون منكم، وأملؤها فَرَقا حتى ينهزموا عنكم، فاضربوا فوق الأعناق
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : فَوْقَ الأعْناقِ فقال بعضهم : معناه : فاضربوا الأعناق. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية : فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ قال : اضربوا الأعناق.
قال : حدثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم، قال : قال رسول الله ﷺ :«إنّي لَمْ أُبْعَثْ لأعذب بِعَذَابِ اللّهِ، إنّما بُعِثْتُ لِضَرْبِ الأعْناقِ وَشَدّ الوثاقِ ».
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ يقول : اضربوا الرقاب.
واحتجّ قائلو هذه المقالة بأن العرب تقول : رأيت نفس فلان، بمعنى رأيته، قالوا : فكذلك قوله : فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ إنما معناه : فاضربوا الأعناق.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فاضربوا الرءوس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : وحدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة : فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ قال : الرءوس.
واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن الذي فوق الأعناق : الرءوس، وقالوا : وغير جائز أن تقول : فوق الأعناق، فيكون معناه : الأعناق. قالوا : ولو جاز كان أن يقال تحت الأعناق، فيكون معناه : الأعناق. قالوا : وذلك خلاف المعقول من الخطاب، وقلب معاني الكلام.
وقال آخرون : معنى ذلك : فاضربوا على الأعناق. وقالوا :«على » و «فوق » معناهما متقاربان، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر.
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أمر المؤمنين معلمهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل وقوله : فَوْقَ الأعْناقِ محتمل أن يكون مرادا به الرءوس، ومحتمل أن يكون مرادا به فوق جلدة الأعناق، فيكون معناه : على الأعناق وإذا احتمل ذلك صحّ قول من قال : معناه : الأعناق. وإذا كان الأمر محتملاً ما ذكرنا من التأويل، لم يكن لنا أن نوجهه إلى بعض معانيه دون بعض إلاّ بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة تدلّ على خصوصه، فالواجب أن يقال : إن الله أمر بضرب رءوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم أصحاب نبيه ﷺ الذين شهدوا معه بدرا.
وأما قوله : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ فإن معناه : واضربوا أيها المؤمنون من عدوّكم كلّ طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم. والبنان : جمع بنانة، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين، ومن ذلك قول الشاعر :
| ألا لَيْتَنِي قَطّعْتُ مِنّي بَنانَةً | وَلاقَيْتُهُ فِي البَيْتِ يَقْظانَ حاذِرَا |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال : كلّ مفصل.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال : المفاصل.
قال : حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال : كلّ مفصل.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا الحسن، عن يزيد، عن عكرمة : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال : الأطراف، ويقال : كلّ مفصل.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ يعني بالبنان : الأطراف.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ قال : الأطراف.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنانٍ يعني الأطراف.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: سَأرْعِبُ قلوب الذين كفروا بي، أيها المؤمنون، منكم، وأملأها فرقًا حتى ينهزموا عنكم (١) = "فاضربوا فوق الأعناق".
* * *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (فوق الأعناق).
فقال بعضهم: معناه: فاضربوا الأعناق.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٧٨٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: (فاضربوا فوق الأعناق)، قال: اضربوا الأعناق.
١٥٧٨٥-.... قال، حدثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أبعث لأعذِّب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الأعناق وشدِّ الوَثَاق.
١٥٧٨٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (فاضربوا فوق الأعناق)، يقول: اضربوا الرقاب.
* * *
واحتج قائلو هذه المقالة بأن العرب تقول: "رأيت نفس فلان"، بمعنى: رأيته. قالوا: فكذلك قوله: (فاضربوا فوق الأعناق)، إنما معناه: فاضربوا الأعناق.
* * *
وقال آخرون: بل معنى ذلك، فاضربوا الرؤوس.
١٥٧٨٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة: (فاضربوا فوق الأعناق)، قال: الرؤوس.
* * *
واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن الذي "فوق الأعناق"، الرؤوس. قالوا: وغير جائز أن تقول: "فوق الأعناق"، فيكون معناه: "الأعناق". قالوا: ولو جاز ذلك، جاز أن يقال (١) "تحت الأعناق"، فيكون معناه: "الأعناق". قالوا: وذلك خلاف المعقول من الخطاب، وقلبٌ لمعاني الكلام. (٢)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: فاضربوا على الأعناق، وقالوا: "على" و"فوق" معناهما متقاربان، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر. (٣)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: أن الله أمر المؤمنين، مُعَلِّمَهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف: أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل. وقوله: (فوق الأعناق)، محتمل أن يكون مرادًا به الرؤوس، ومحتمل أن يكون مرادًا له: من فوق جلدة الأعناق، (٤) فيكون معناه: على الأعناق. وإذا احتمل ذلك، صح قول من قال، معناه: الأعناق. وإذا كان الأمر محتملا ما ذكرنا من التأويل، لم يكن لنا أن نوجِّهه إلى بعض معانيه دون بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة تدلّ على خصوصه، فالواجب أن يقال: إن الله أمر بضرب رؤوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم، أصحابَ نبيه ﷺ الذين شهدوا معه بدرًا.
* * *
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: " وقلب معاني الكلام "، صواب السياق ما أثبت.
(٣) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤٢.
(٤) في المطبوعة حذف " من "، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة.
* * *
و"البنان": جمع "بنانة"، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين، ومن ذلك قول الشاعر: (١)
أَلا لَيْتَنِي قَطَّعْتُ مِنِّي بَنَانَةً وَلاقَيْتُهُ فِي الْبَيْتِ يَقْظَانَ حاذِرَا (٢)
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤٢، اللسان (بنن)، ولم أجده في مكان آخر.
وقال أبو عبيدة بعد البيت: " يعني أبا ضب، رجلاً من هذيل، قتل هريم بن مرداس وهو نائم، وكان جاورهم بالربيع ".
وقد روى أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني ١٣: ٦٦ (ساسى)، عن أبي عبيدة أن هريم بن مرداس كان مجاورًا في خزاعة، في جوار رجل منهم يقال له عامر، فقتله رجل من خزاعة يقال له خويلد. فالذي قاله أبو عبيدة هنا مضطرب، وهو زيادة بين قوسين في النسخة المطبوعة، فأخشى أن لا تكون من قول أبي عبيدة.
وأما " أبو ضب " الرجل من هذيل، فهو شاعر معروف من بني لحيان، من هذيل، له شعر في بقية أشعار الهذليين وأخبار، انظر رقم: ١٣، ١٤ من الشعر. وجاء أيضًا في البقية من شعر هذيل ٤٣، ما نصه: " وقال عباس بن مرداس، وأخواله بنو لحيان ":
| لا تَأْمَنَنْ بالعَادِ والخِلْفِ بَعْدَهَا | جِوَارَ أُناسٍ يَبِتَنُونَ الح صائرا |
فَوَاللهِ لَوْلا أَنْ يُقال:
| ابْنُ أخْتِهِ! | لَفَقَّرْتُهُ، إنِّي أُصِيبُ المَفاقِرَا |
| فِدًي لأَبِي ضَبٍّ تِلادِي، فإنَّنَا | تَكَلْنَا عَلَيْهِ دَاخِلا ومُجَاهِرَا |
| وَمَطْعَنَهُ بالسَّيْفِ أحْشَاءَ مالِكٍ | بِما كانَ مَنَّي أوْرَدُوهُ الجَرَائِرَا |
وقوله " حاذرا "، أي: مستعدًا حذرًا متيقظًا.
وقال شمر: " الحاذر "، المؤدي الشاك السلاح، وفي شعر العباس بن مرداس ما يشعر بذلك:
| وَإنِّي حاذِرٌ أَنْمِى سِلاحِي | إلى أَوْصالِ ذَيَّالٍ مَنِيع |
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٥٧٨٨- حدثنا أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: (واضربوا منهم كل بنان)، قال: كل مفصِل.
١٥٧٨٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: (واضربوا منهم كل بنان)، قال: المفاصل.
١٥٧٩٠-.... قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: (واضربوا منهم كل بنان)، قال: كل مفصل.
١٥٧٩١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة: (واضربوا منهم كل بنان)، قال: الأطراف. ويقال: كل مفصل.
١٥٧٩٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (واضربوا منهم كل بنان)، يعني: بالبنان، الأطراف.
١٥٧٩٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: (واضربوا منهم كل بنان)، قال: الأطراف.
١٥٧٩٤- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (واضربوا منهم كل بنان)، يعني: الأطراف.