اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة﴾ في " إذْ " أوجهٌ :
أحدها : أنَّهُ بدلُّ ثالث من قوله ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾.
الثاني : أن ينتصب بقوله " يُثَبِّتَ ".
قالهما الزمخشريُّ ولم يبن ذلك على عودِ الضمير.
وأمَّا ابنُ عطية(١) : فبناه على عَوْدِ الضَّمير في قوله " بِهِ " فقال : العاملُ في " إذْ " العاملُ الأول على ما تقدَّم فيما قبلها، ولو قدَّرناهُ قريباً لكان قوله :" ويُثَبِّتَ " على تأويل عوده على الرَّبْطِ.
وأمَّا على تأويل عوده على :" المَاءِ " فيقلق أن يعمل " ويُثَبِّتَ " في " إذ " وإنَّما قلق ذلك عنده لاختلاف زمان التثبُّت وزمان الوحي، فإنَّ إنزالَ المطر وما تعلَّق به من تعليلاتٍ متقدمٌ على تغشية النُّعاس، وهذا الوحيُ وتغشيةُ النُّعاس والإيحاءُ كانا وقت القتال.
قوله :" أنِّي معَكُمْ " مفعولٌ ب " يُوحِي " أي : يوحي كوني معكم بالغلبةِ والنصر.
وقرأ عيسى(٢) بن عمر - بخلافٍ عنه - " إنِّي مَعَكُمْ " بكسرِ الهمزةِ وفيه وجهان :
أحدهما : أنَّ ذلك على إضمار القول، وهو مذهب البصريين.
والثاني : إجراء " يُوحِي " مُجْرَى القول ؛ لأنَّهُ بمعناه، وهو مذهب الكوفيين.

فصل


في المعنى وجهان : أحدهما : أنَّه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنَّهُ تعالى معهم أي مع الملائكة حال إرسالهم رِدْءاً للمسلمين.
والثاني : أنَّهُ تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم، وثبتوهم، وهذا أولى ؛ لأن المقصود إزالة التَّخويف، والملائكةُ لم يخافوا الكُفَّار، وإنَّما الخائف هم المسلمون.
ثم قال :﴿فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ﴾ في كيفيَّةِ هذا التَّثْبيت وجوهٌ : فقيل : إنَّهم عرَّفُوا الرَّسُول - عليه الصَّلاة والسَّلام - أنَّ الله ناصر المؤمنين والرَّسول عرَّف المؤمنين ذلك، فهذا هو التثبيتُ.
وقيل : إنَّ الشيطان كما يُمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهامِ إليه، فالتثبيت من هذا الباب.
وقيل : إنَّ الملائكة كانوا يتشبَّهُون بصورِ رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنَّصر والفتح، والظَّفَرِ.
قول :﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب﴾ وهذا من النعم الجليلة، لأنَّ أمير النفس هو القلب فلمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّهُ ربط قلوب المؤمنين أي : قوَّاها، وأزال الخوف عنها ذكر أنه ألقى الرُّعْبَ في قلوب الكافرينَ، فكان ذلك من أعظمِ نعم الله تعالى على المؤمنين.
قوله :" فاضْرِبُوا " قيل : هذا أمر للملائكة متصلٌ بقوله تعالى :" فَثَبِّتُوا ".
وقيل : أمر للمؤمنين وهو الصَّحيح لما تقدَّم من أنَّ الملائكة لم ينزلوا للمقاتلة، بل لتقوية قُلُوبِ المؤمنين وتثبيتهم.
قوله :" فوْقَ الأعناقِ " فيه أوجه :
أحدها : أنَّ " فوْقَ " باقيةٌ على ظرفيتها والمفعولُ محذوفٌ، أي : فاضربوهم فوق الأعناقِ. علَّمَهُم كيف يضربونهم.
والثاني : أنَّ " فوْقَ " مفعولٌ به على الاتَّساع ؛ لأنه عبارةٌ عن الرَّأسِ، كأنَّه قيل : فاضربوا رُءوسهم، وهذا ليس بجيد ؛ لأنَّهُ لا يتصرَّف.
وزعم بعضهم أنه يتصرَّف، وأنك تقول : فوقُك رَأسُك برفع فوقك، وهو ظاهرُ قول الزمخشريِّ، فإنه قال :" فَوْقَ الأعْنَاقِ " أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنَّها مفاصلٌ.
الثالث :- وهو قول أبي عبيدة - : أنَّها بمعنى " على " أي : على الأعناقِ ويكون المفعولُ محذوفاً تقديره : فاضربوهم على الأعناق، وهو قريبٌ من الأول.
الرابع : قال ابنُ قتيبة : هي بمعنى :" دون ".
قال ابن عطيَّة :" وهذا خطأ بيِّنٌ وغلطٌ فاحشٌ، وإنَّما دخل عليه اللَّبْس من قوله :﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] أي : فما دونها وليست " فوق " هنا بمعنى " دون " وإنَّما المرادُ : فَمَا فوقها في القلَّة والصِّغَرِ ".
الخامس : أنها زائدةٌ أي : اضْرِبُوا الأعناقَ، وهو قول أبي الحسنِ. وهذا عند الجمهور خطأ ؛ لأنَّ زيادة الأسماءِ لا يجوزُ.
قوله :﴿. . . مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يجوزُ أن يتعلَّق :" مِنْهُمْ " بالأمر قبله، أي : ابتدئوا الضَّرب من هذه الأماكن، وهذا الكلامُ مع ما قبله معناه : اضربوهم في جميع الأماكن والأعضاءِ من أعاليهم إلى أسافلهم، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنَّهُ حال من :" كُلَّ بنانٍ " لأنَّهُ في الأصل يجوزُ أن يكون صفةً لو تأخَّر، قال أبُو البقاءِ :" ويَضْعُفُ أن يكون حالاً من " بَنَانٍ " إذْ فيه تقديمُ حالِ المضافِ إليه على المضاف ". فكأنَّ المعنى : اضربوهم كيف ما كان.
قال الزمخشريُّ : يعني ضرب الهام.
قال :[ الوافر ]
. . . *** وأضْرِبُ هَامَة البْطَلِ المُشِيحِ(٣)
وقال :[ البسيط ]
غَشَّيْتُهُ وهْوَ في جَأواء بَاسِلَةٍعَضْباً أصَابَ سَواءَ الرَّأسِ فانْفلقَا(٤)
وقال ابن عطية(٥) : ويُحتمل أن يريد بقوله :" فوق الأعْنَاقِ " وصْف أبلغِ ضرباتِ العنقِ، وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ودون عظم الرأس.
ثم قال : ومنه قوله :[ الوافر ]
جَعَلْتُ السَّيْفَ بَيْنَ الجِيدِ مِنْهُوبَيْنَ أسِيلِ خَدَّيْهِ عِذَارَا(٦)
وقيل : هذا مِنْ ذكرِ الجزء وإرادة الكل ؛ كقول عنترة :[ الكامل ]
عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهار كأنَّمَاخُضِبَ البنَانُ ورأسُهُ بالعِظْلِمِ(٧)
والبَنَان : قيل : الأصابعُ، وهو اسمُ جنسٍ، الواحد : بنانةٌ ؛ قال عنترةُ :[ الوافر ]
وأنَّ الموتَ طوْعُ يَدِي إذا مَاوصَلْتُ بنانَهَا بالهِنْدُوَانِي(٨)
وقال أبو الهيثم :" البنانُ : المفاصِلُ، وكل مفصل بنانة ".
وقيل : البنانُ الأصابع من اليدين والرِّجلين، وجميع المفاصل من جميع الأعضاء، وأنشد لعنترة :[ الطويل ]
وقَدْ كانَ فِي الهَيْجَاءِ يَحْمِي دِمَاءَهَاويَضْرِبُ عِنْدَ الكَرْبِ كُلَّ بنانِ(٩)
وقد تُبْدلُ نونُه الأخيرة ميماً ؛ قال رؤبةُ :[ الرجز ]
يَا هَالَ ذاتَ المَنْطِقِ التَّمْتَامِوكَفِّكِ المُخَضَّبِ البَنَامِ(١٠)
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠٧..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠٧، البحر المحيط ٤/٤٦٣، الدر المصون ٣/٤٠٣..
٣ عجز بيت لعمرو بن الإطنابة وصدره: "وإقحامي على المكروه نفسي" ينظر الشذور (٣٤٥) ومعجم الشعراء ٨ والعمدة لابن رشيق /٢٩ واللسان (شيح) والكشاف ٤/٣٥٩ والدر المصون ٣/٤٠٤..
٤ البيت لـ "بلعاء بن قيس". ينظر: الخزانة ٦/٥٥٦ والبحر المحيط ٤/٤٦٤، وابن يعيش ١/٨ والكشاف ٤/٤٦٤ وشرح الحماسة ١/٦٠ والدر المصون ٣/٤٠٤..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠٨..
٦ ينظر: البيت في البحر المحيط ٤/٤٦٥ والمحرر الوجيز ٨/٢٨ والدر المصون ٣/٤٠٤..
٧ تقدم..
٨ ينظر البيت في ديوانه ٧٢ والقرطبي ٧/٣٧٩ والبحر المحيط ٤/٤٦٥، والدر المصون ٣/٤٠٥..
٩ ينظر البيت في ديوانه ٧٠ ورواية الديوان هكذا:
وكان لدى................ويطعن عند الكسر كل طعان
وينظر: البحر المحيط ٤/٤٦٥، والقرطبي ٧/٣٧٩ والدر المصون ٣/٤٠٥..

١٠ ينظر: ملحق ديوانه ص ١٨٣، وجواهر الأدب ص ٩٨، وسر صناعة الإعراب ٤٢٢، وشرح التصريح ٢/٣٩٢، وشرح شافية ابن الحاجب ٣/٢١٦، وشرح شواهد الشافية ص ٤٥٥، وشرح المفصل ١٠/٣٣، والمقاصد النحوية ٤/٥٨٠، وأوضح المسالك ٤/٤٠١، وشرح الأشموني ٣/٨٦٠، والمقرب ٢/١٧٦، والبحر المحيط ٤/٤٥٢، والدر المصون ٣/٤٠٥..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى