اختلف القُرّاءُ في الوقف في هذه الآية؛ فمنهم من يقف على قوله: ﴿إلا الله﴾. ومنهم مَن يقف عند قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾. وصَوَّب ابنُ تيمية (٢/٢٥) كليهما، فقال: «وكلتا القراءتين حقٌّ، ويُراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله، ويُراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيرَه، وهو تأويله. ومثل هذا يقع في القرآن كقوله: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ و›لَتَزُولُ‹، فيه قراءتان مشهورتان بالنفي والإثبات، وكُلُّ قراءةٍ لها معنًى صحيحٌ»
لم يذكر ابنُ جرير (١٣/٦٨) غير قول مجاهد. وذكر ابنُ عطية (٥/٦٣) في قوله: ﴿حكما وعلما﴾ عدة احتمالات، ووجَّهها، فقال: «وقوله: ﴿حكما﴾ يحتمل أن يريد: الحكمة والنبوة، وهذا على الأشد الأعلى، ويحتمل: العلم والحكمة دون النبوة، وهذا أشبه إن كانت قصة المراودة بعد هذا. و﴿علمًا﴾ يريد: تأويل الأحاديث وغير ذلك. ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿حكما﴾ أي: سلطانًا في الدنيا، وحكمًا بين الناس بالحق. وتدخل النبوة وتأويل الأحاديث وغير ذلك في قوله: ﴿وعلما﴾»
نقل ابنُ عطية (٥/١٧١) عن مجاهد أنّه قال في معنى: ﴿اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أي: علا على العرش، ثم انتقده قائلًا: «والنظر الصحيح يرفع هذه العبارة» أ. هـ. وتعقيب ابن عطية باطل، والحق إثبات الاستواء لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم. ينظر: الشريعة ٣/١٠٨١-١١٠٧، الإبانة الكبرى ٣/ ١٣٦-١٦٨، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٢٩-٤٤٧
للسلف في تفسير قوله: ﴿قبل أن يأتوني مسلمين﴾ قولان: الأول: أن معناه: مستسلمين خاضعين. الثاني: أنه الإسلام الذي هو الدين الحق. وقد رجّح ابنُ جرير (١٨/٦٥-٦٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، فقال: «فأما الذي هو أولى التأويلين في قوله ﴿قبل أن يأتوني مسلمين﴾ بتأويله؛ فقولُ ابن عباس الذي ذكرناه قبل مِن أن معناه: طائعين. لأنّ المرأة لم تأت سليمان إذ أتته مسلمة، وإنما أسلمت بعد مقدمها عليه، وبعد محاورة جرت بينهما ومساءلة»
اختُلِف في سبب وصفه ﴿بذبح عظيم﴾ على خمسة أقوال: الأول: أنه رعى في الجنة. والثاني: أنه ذبح متقبل. والثالث: أنه ذبح بالحق. والرابع: أنه لم يكن عن نسل، بل عن التكوين. والخامس: أنه جرت السُّنة به، وصار دينًا باقيًا آخر الدهر. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٩/٦٠٥) إلى العموم، فقال: «لا قول في ذلك أصح مما قال الله -جل ثناؤه-، وهو أن يقال: فداه الله بذبح عظيم، وذلك أن الله عمَّ وصفه إياه بالعِظَم دون تخصيصه، فهو كما عمّه به»
قال مقاتل بن سليمان: سورة الأنعام مكية كلها، إلا هذه الآيات. نزلت بالمدينة، ونزلت ليلًا، وهي خمس وستون ومائة آية كوفي. والآيات المدنية هي: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [١٥١] وهي الآيات المحكمات، وقوله: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية [٩١]، وقوله: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ نزلت في مسيلمة، ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ نزلت في عهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقوله: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [٩٣]، وقوله: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [١١٤]، ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [٢٠]، هذه الآيات مدنيات، وسائرها مكي. نزل بها جبريل عليه السلام، ومعه سبعون ألف ملك، طبَّقوا ما بين السماء والأرض، لهم زَجَل بالتسبيح والتمجيد والتحميد، حتى كادت الأرض أن تَرْتَجَّ، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم وبحمده». وخرَّ النبي ساجدًا، فيها خصومة مشركي العرب وأهل الكتاب
عن سعيد بن جبير، قال: سُئِلت عن المتلاعنَينِ أيُفَرِّق بينهما؟ فما دَرَيْتُ ما أقول، فقُمْت من مكاني إلى منزل ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيُفَرَّق بينهما؟ فقال: سبحان الله! نعم، إنّ أول مَن سأل عن ذلك فلانُ بن فلان، قال: يا رسول الله، أرأيتَ الرجلَ يرى امرأته على فاحشة، فإن تكلَّم تكلَّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك! فسكت فلم يُجِبه، فلمّا كان بعد ذلك أتاه، فقال: إنّ الذي سألتُك عنه قد ابتُلِيت به. فأنزل اللهُ هذه الآية في سورة النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. فبدأ بالرجل، فوَعَظَه وذَكَّره، وأخبره أنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقال: والذي بعثك بالحق، ما كَذَبْتُك. ثم ثَنّى بالمرأة، فوعظها وذَكَّرها، وأخبرها أنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحقِّ، إنّه لَكاذب. فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله أنه لَمِن الصادقين، والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهِدت أربع شهادات بالله أنّه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين
قال مقاتل بن سليمان، في قوله تعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:٣١]: قال ذلك النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار بن قصي. ثم قال: ﴿إنْ هَذا﴾ الذي يقول محمد من القرآن: ﴿إلّا أساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ يعني: أحاديث الأولين، يعني: محمدًا ﷺ يحدّث عن الأمم الخالية، وأنا أُحدِّثكم عن رستم وأسفنديار كما يُحدِّث محمد. فقال عثمان بن مظعون الجُمحي: اتق الله، يا نضر، فإن محمدًا يقول الحق. قال: وأنا أقول الحق. قال عثمان: فإن محمدًا يقول: لا إله إلا الله. قال: وأنا أقول: لا إله إلا الله، ولكن الملائكة بنات الرحمن. فأنزل الله عز وجل في «حم الزخرف» فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأَنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أول الموحدين مِن أهل مكة. فقال عند ذلك: ألا ترون قد صدقني: إن كان للرحمن ولد. قال الوليد بن المغيرة: لا، واللهِ، ما صدقك، ولكنه قال: ما كان للرحمن ولد. ففطن لها النضر
علَّق ابنُ جرير (٨/٥٠٨) بقوله: «قوله: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾: ومَن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم. يقول: فإنّ من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنّه لا يتولى مُتَوَلٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينَه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمُه حكمَه، ولذلك حكم من حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم بأحكام نصارى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقًا. وفي ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما نقول مِن أنّ كُلَّ مَن كان يدين بدين فله حكم أهل ذلك الدين، كانت دينونته به قبل مجيء الإسلام أو بعده، -إلا أن يكون مسلمًا من أهل ديننا انتقل إلى مِلَّةٍ غيرها، فإنه لا يُقَرَّ على ما دان به فانتقل إليه، ولكن يقتل لردته عن الإسلام ومفارقته دين الحق، إلا أن يرجع قبل القتل إلى الدين الحق-. وفساد ما خالفه من قول من زعم أنه لا يحكم بحكم أهل الكتابين لمن دان بدينهم، إلا أن يكون إسرائيليًا أو منتقلًا إلى دينهم من غيرهم قبل نزول مذكور في أحكام الآية»
اختلف في حكم سهم رسول الله ﷺ وسهم ذي القربى بعده، على أقوال: الأول: يُصْرَفان في معونة الإسلام وأهله. والثاني: هما لولي الأمر. والثالث: الخمس كله لقرابة النبي ﷺ. والرابع: سهم رسول الله ﷺ مردود في الخمس، والخمس مقسوم على ثلاثة أسهم: على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. ونسبه ابنُ جرير لطائفة من العراق. ورجَّح ابنُ جرير (١١/١٩٩-٢٠٠) مستندًا إلى الدلالات العقلية القولَ الأولَ الذي قاله ابن عباس من طريق علي، والضحاك بن مزاحم، والحسن البصري، والحسن بن محمد، وقتادة، وإبراهيم، فقال: «لأن الله أوجب الخمس لأقوام موصوفين بصفات، كما أوجب الأربعة الأخماس لآخرين، وقد أجمعوا أنّ حقّ الأربعة الأخماس لن يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس لن يستحقه غيرهم، فغير جائز أن يخرج عنهم إلى غيرهم، كما غير جائز أن تخرج بعض السُّهمان التي جعلها الله لمن سماه في كتابه بفقد بعض من يستحقه إلى غير أهل السُّهمان الأُخَر». وعلَّق ابنُ كثير (٧/٨٦) على هذا القول بقوله: «وهذا قول طائفة كبيرة من العلماء»