محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٦ من سورة النّور في ١١٤ كتابًا من كتب التفسير، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٣٧ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٦ من سورة النّور

١١٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : وَالّذِينَ يَرْمُونَ من الرجال أزْوَاجَهُمْ بالفاحشة، فيقذفونهنّ بالزنا، ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ يشهدون لهم بصحة ما رموهنّ به من الفاحشة، فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ باللّهِ إنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة :«أرْبَعَ شَهاداتٍ » نصبا، ولنصبهم ذلك وجهان : أحدهما : أن تكون الشهادة في قوله : فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ مرفوعة بمضمر قبلها، وتكون «الأربع » منصوبا بمعنى الشهادة، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ : فعلى أحدهم أن يشهد أربعَ شهادات بالله. والوجه الثاني : أن تكون الشهادة مرفوعة بقوله : إنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ و «الأربع » منصوبة بوقوع الشهادة عليها، كما يقال : شهادتي ألف مرّة إنك لرجل سَوْء وذلك أن العرب ترفع الأيمان بأجوبتها، فتقول : حَلِفٌ صادق لأقومنّ، وشهادة عمرو ليقعدنّ. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين : أرْبَعُ شَهاداتٍ برفع «الأربع »، ويجعلونها للشهادة مرافِعة، وكأنهم وجهوا تأويل الكلام : فالذي يلزم من الشهادة، أربعُ شهادات بالله إنه لمن الصادقين.
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ :«فشهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعَ شَهاداتٍ باللّهِ إنّهُ لَمنَ الصّادِقِينَ » بنصب أربع، بوقوع «الشهادة » عليها، و «الشهادة » مرفوعة حينئذٍ على ما وصفت من الوجهين قبل وأحبّ وجهيهما إليّ أن تكون به مرفوعة بالجواب، وذلك قوله : إنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ وذلك أن معنى الكلام : والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلاّ أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، تقوم مقام الشهداء الأربعة في دفع الحدّ عنه. فترك ذكر تقوم مقام الشهداء الأربعة، أكتفاء بمعرفة السامعين بما ذُكِر من الكلام، فصار مُرافِع «الشهادة » ما وصفت. ويعني بقوله : فَشَهادَةُ أحَدِهمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ باللّهِ : فحلف أحدهم أربع أيمان بالله، من قول القائل : أشهد بالله إنه لمن الصادقين فيما رَمَى زوجته به من الفاحشة، والخامسةمِسَة يقول : والشهادة الخامسة، أن لعنة الله عليه يقول : إن لعنة الله له واجبة وعليه حالّة، إن كان فيما رماها به من الفاحشة من الكاذبين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ، وقالت به جماعة من أهل التأويل. ذكر الرواية بذلك، وذكر السبب الذي فيه أُنزلت هذه الآية : حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا أيوب، عن عكرِمة، قال : لما نزلت وَالّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً قال سعد بن عبادة : الله إن أنا رأيت لَكَاعِ متفخذَها رجل فقلت بما رأيت إن في ظهري لثمانين إلى ما أجمع أربعة ؟ قد ذهب فقال رسول الله ﷺ :«يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، ألا تَسْمَعونَ إلى ما يَقولُ سَيّدُكُمْ ؟ ». قالوا : يا رسول الله لا تَلُمْه وذكروا من غَيرته فما تزوّج امرأة قطّ إلا بكرا، ولا طلق امرأة قطّ فرجع فيها أحد منا. فقال رسول الله ﷺ :«فإنّ اللّهَ يَأبَى إلاّ ذَاكَ » فقال : لا والله، لا يَجْعَل في ظهري ثمانين أبدا، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت قال : فأنزل الله القرآن باللّعان، فقيل له : احلف فحلف، قال :«قِفُوهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فإنّها مُوجِبَةٌ ». فقال : لا يُدْخله الله النار بهذا أبدا، كما درأ عنه جلد ثمانين، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت فحلف ثم قيل : احلفي فحلفت ثم قال :«وقفوها عِنْدَ الخَامِسَةِ، فإنّها مُوجِبَةٌ ». فقيل لها : إنها مُوجِبة، فتلكأت ساعة، ثم قالت : لا أُخْزِي قومي، فحلفت. فقال رسول الله ﷺ :«إنْ جاءَتْ بِهِ كَذَا وكَذَا فَهُوَ لِزَوْجِها، وَإنْ جاءَتْ بِهِ كَذَا وكَذَا فَهُوَ للّذِي قِيلَ فيهِ ما قيلَ ». قال : فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، فكان بعد أميرا بمصر، لا يُعرف نَسَبُه، أو لا يُدْرَى من أبوه.
حدثنا خلاد بن أسلم، قال : أخبرنا النضر بن شميل، قال : أخبرنا عباد، قال : سمعت عكرِمة، عن ابن عباس، قال : لما نزلت هذه الآية : وَالّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسقُونَ قال سعد بن عبادة : لهكذا أنزلت يا رسول الله ؟ لو أتيت لَكاعِ قد تفخّذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه حتى آتيَ بأربعة شهداء ؟ فوالله ما كنت لاَتيَ بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فقال رسول الله ﷺ :«يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، أما تَسْمَعُونَ إلى ما يَقُولُ سَيّدُكُمْ ؟ » قالوا : لا تلُمه فإنه رجل غَيُور، ما تزوّج فينا قطّ إلاّ عذراء ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوّجها قال سعد : يا رسول الله، بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حقّ، ولكن عجبت لو وجدت لَكَاعِ قد تفخذها رجل بم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه حتى آتيَ بأربعة شهداء والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فوالله ما لبثوا إلاّ يسيرا حتى جاء هلالُ بن أمية من حديقة له، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح. فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ، وهو جالس مع أصحابه، فقال : يا رسول الله إني جئت أهلي عِشاء، فوجدت رجلاً مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني. فكره رسول الله ﷺ ما أتاه به وثقل عليه جدّا، حتى عُرف ذلك في وجهه، فقال هلال : والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق، وما قلت إلاّ حقّا، فإني لأرجو أن يجعل الله فرجا. قال : واجتمعت الأنصار، فقالوا : ابتلينا بما قال سعد، أيُجْلَد هلال بن أميّة وتبطلَ شهادته في المسلمين ؟ فهمّ رسول الله ﷺ بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل، حتى فرغ، فأنزل الله : وَالّذِينَ يَرْمُونَ أزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلاّ أنْفُسُهُمْ. . . إلى : أنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقينَ فقال رسول الله ﷺ :«أبْشِرْ يا هِلالُ، فإنّ اللّهَ قَدْ جَعَلَ فَرَجا » فقال : قد كنت أرجو ذلك من الله. فقال رسول الله ﷺ :«أرْسِلُوا إلَيْها » فجاءت، فلما اجتمعا عند رسول الله ﷺ قيل لها، فكذّبت، فقال رسول الله ﷺ :«إنّ اللّهَ يَعْلَمُ أنّ أحَدَكما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ ؟ » فقال هلال : يا رسول الله، بأبي وأمي لقد صَدَقْتُ وما قلتُ إلاّ حقّا فقال رسول الله ﷺ :«لاعِنُوا بَيْنَهُما » قيل لهلال : يا هلال اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقيل له عند الخامسة : يا هلال اتق الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال هلال : والله لا يعذّبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ فشهد الخامسة : أنّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ ثم قيل لها : اشهدي فشهدت أربعَ شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقيل لها عند الخامسة : اتقي الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فتلكّأت ساعة، ثم قالت : والله لا أفضَح قومي، فشهدت الخامسة : أنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ ففرّق بينهما رسول الله ﷺ، وقضى أن الولد لها، ولا يُدْعَى لأب، ولا يُرْمَى ولدها.
حدثني أحمد بن محمد الطّوسي، قال : حدثنا أبو أحمد الحسين بن محمد، قال : حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال : لمّا قَذف هلال بن أميّة امرأته، قيل له : والله ليجلدنّك رسول الله ﷺ ثمانين جلدة قال : الله أعدل من ذلك أن يضربني ضربة وقد علم أني قد رأيت حتى استيقنت وسمعت حتى استثبتّ، لا والله لا يضربني أبدا فنزلت آية الملاعنة، فدعا بهما رسول الله ﷺ حين نزلت الآية، فقال :«الله يَعْلَمُ أنّ أحَدَكُما كَاذِبٌ، فهَلْ منكما تَائِبٌ ؟ » فقال هلال : والله إني لصادق. فقال له :«احْلفْ باللّهِ الّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ : إنّي لَصَادِقٌ » يقول ذلك أربع مرّات «فإن كنتُ كاذبا فعليّ لعنةُ الله ». فقال رسول الله ﷺ :«قِفُوهُ عِنْدَ الخامِسَةِ، فإنّها مُوجِبَةٌ » فحلف. ثم قالت أربعا : والله الذي لا إله إلاّ هو إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقا فعليها غضب الله. وقال رسول الله ﷺ :«قفُوها عنْدَ الخامِسَةِ، فإنّها مُوجِبَةٌ » فتردّدت وهمّت بالاعتراف، ثم قالت لا أفضَح قومي ».
حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعيّ، قالا : حدثنا عَبْدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال : كنا ليلة الجمعة في المسجد، فدخل رجل فقال : لو أن رجلاً وجَد مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله آية اللّعان. ثم جاء الرجل بعد، فقذف امرأته، فلاعَنَ رسول الله ﷺ بينهما، فقال :«عَسَى أنْ تَجيءَ بِهِ أسْوَدَ جَعْدا ». فجاءت به أسود جَعْدا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبير قال : سألت ابن عمر، فقلت : يا أبا عبد الرحمن، أَيُفَرّق بين المتلاعنين ؟ فقال : نعم، سبحان الله إن أوّل من سأل عن ذلك فلان، أتى النبيّ ﷺ فسأله، فقال : أرأيت لو أن أحدنا رأى صاحبته على فاحشة، كيف يصنع ؟ فلم يجبه في ذلك شيئا. قال : فأتاه بعد ذلك فقال : إن الذي سألتُ عنه قد ابتليتُ به. فأنزل الله هذه الآية في سورة النور، فدعا الرجلَ فوعظه وذكّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قال : والذي بعثك بالحقّ، لقد رأيتُ وما كذبت عليها قال : ودعا المرأة فوعظها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاَخرة، فقالت : والذي بعثك بالحقّ إنه لكاذب، وما رأى شيئا قال : فبدأ الرجل، فشهد أربع شهادات بالله : إنه لمن الصادقين، والخا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
فسبيل توبته منه سبيل توبته من سائر أجرامه، فإذا كان الصحيح في ذلك من القول ما وصفنا، فتأويل الكلام: وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من جُرمهم الذي اجترموه بقذفهم المحصنات من بعد اجترامهموه (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقول: ساتر على ذنوبهم بعفوه لهم عنها، رحيم بهم بعد التوبة أن يعذّبهم عليها، فأقبلوا شهادتهم ولا تسموهم فسقة، بل سموهم بأسمائهم التي هي لهم في حال توبتهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾
يقول تعالى ذكره: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ) من الرجال (أَزْوَاجِهِمْ) بالفاحشة، فيقذفونهنّ بالزنا، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ) يشهدون لهم بصحة ما رموهنّ به من الفاحشة، (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ).
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: "أرْبَعَ شَهاداتٍ" نصبا، ولنصبهم ذلك وجهان: أحدهما: أن تكون الشهادة في قوله: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ) مرفوعة بمضمر قبلها، وتكون "الأربع" منصوبا بمعنى الشهادة، فيكون تأويل الكلام حينئذ: فعلى أحدهم أن يشهد أربعَ شهادات بالله. والوجه الثاني: أن تكون الشهادة مرفوعة بقوله: (إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) و"الأربع" منصوبة بوقوع الشهادة عليها، كما يقال: شهادتي ألف مرة إنك لرجل سَوْء، وذلك أن العرب ترفع الأيمان بأجوبتها، فتقول: حلف صادق لأقومنّ، وشهادة عمرو ليقعدنّ. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين: (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ) برفع "الأربع"، ويجعلونها للشهادة مرافعة، وكأنهم وجهوا تأويل الكلام: فالذي يلزم من الشهادة، أربعُ شهادات بالله إنه لمن الصادقين.
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ: "فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين" بنصب أربع، بوقوع "الشهادة" عليها، و "الشهادة" مرفوعة حينئذ على ما وصفت من الوجهين قبل. وأحبّ وجهيهما إليّ أن تكون به مرفوعة بالجواب، وذلك قوله: (إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) وذلك أن معنى الكلام: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن
الصادقين) تقوم مقام الشهداء الأربعة في دفع الحدّ عنه. فترك ذكر: تقوم مقام الشهداء الأربعة، اكتفاء بمعرفة السامعين بما ذكر من الكلام، فصار مرافع "الشهادة" ما وصفت.
ويعني بقوله: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ) : فحلف أحدهم أربع أيمان بالله، من قول القائل: أشهد بالله إنه لمن الصادقين فيما رمى زوجته به من الفاحشة. (وَالْخَامِسَةُ) يقول: والشهادة الخامسة، (أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ) يقول: إن لعنة الله له واجبة وعليه حالَّة، إن كان فيما رماها به من الفاحشة من الكاذبين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت به جماعة من أهل التأويل.
ذكر الرواية بذلك، وذكر السبب الذي فيه أنزلت هذه الآية:
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلية، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة، قال: لما نزلت (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) قال سعد بن عبادة: الله إن أنا رأيت لَكَاعِ متفخذَها رجل فقلت بما رأيت إن في ظهري لثمانين إلى ما أجمع أربعة قد ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا مَعْشَرَ الأنْصَار، ألا تَسْمَعونَ إلى ما يَقولُ سَيِّدُكُمْ؟ ". قالوا: يا رسول الله لا تَلُمْه، وذكروا من غيرته، فما تزوّج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة قطّ فرجع فيها أحد منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإنَّ الله يَأبَى إلا ذَاكَ" فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا أن جاء ابن عمّ له فرمى امرأته، فشق ذلك على المسلمين، فقال: لا والله، لا يجعل في ظهري ثمانين أبدا، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت، قال: فأنزل الله القرآن باللعان، فقيل له: احلف! فحلف، قال: قفوه عند الخامسة، فإنها موجبة، فقال: لا يدخله الله النار بهذا أبدا، كما درأ عنه جلد ثمانين، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت فحلف، ثم قيل: احلفي، فحلفت، ثم قال: قفوها عند الخامسة، فإنها مُوجِبة، فقيل لها: إنها مُوجبة، فتلكأت ساعة، ثم قالت: لا أُخْزي قومي، فحلفت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ جاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِزَوْجها، وإنْ جاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ للَّذِي قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ، قال: فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، فكان بعد أميرا بمصر لا يُعرف نسبه، أو لا يُدْرَى من أبوه".
حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا عباد، قال: سمعت عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) قال سعد بن عبادة: لهكذا أنزلت يا رسول الله؟ لو أتيتُ لَكَاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتيَ بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا مَعْشَرَ الأنْصَار أما تَسْمَعونَ إلى ما يَقُول سَيدُكُمْ؟ "قالوا: لا تلمه فإنه رجل غَيُور، ما تزوّج فينا قطّ إلا عذراء ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوّجها؛ قال سعد: يا رسول الله، بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله، وأنها حقّ، ولكن عجبت لو وجدت لَكَاعِ، قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فوالله ما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من حديقة له فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء، فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما أتاه به وثقل عليه جدا، حتى عُرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق، وما قلت إلا حقا، فإني لأرجو أن يجعل الله فرجا، قال: واجتمعت الأنصار، فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال بن أميَّة، وتبطل شهادته في المسلمين؟ فهمّ رسول الله ﷺ بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ)... إلى: (أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبْشِرْ يا هِلالُ، فإنَّ الله قدْ جَعَل فَرَجا " فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرْسِلُوا إلَيْها! " فجاءت، فلما اجتمعا عند رسول الله ﷺ قيل لها، فكذّبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكما كاذب، فَهَل مِنْكُما تائب؟ " فقال هلال:
يا رسول الله، بأبي وأمي لقد صدقتُ، وما قلت إلا حقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاعِنُوا بَيْنَهُما! " قيل لهلال: يا هلال اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، إنها الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال هلال: والله لا يعذّبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد الخامسة: (أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ثم قيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقيل لها عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة: (أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ففرّق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى أن الولد لها، ولا يُدعى لأب، ولا يُرْمى ولدها.
حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا أبو أحمد الحسين بن محمد، قال: ثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " لما قذف هلال بن أميَّة امرأته، قيل له: والله ليجلدنك رسول الله ﷺ ثمانين جلدة، قال: الله أعدل من ذلك أن يضربني ضربة وقد علم أني قد رأيت حتى استيقنت، وسمعت حتى استثبتُّ، لا والله لا يضربني أبدا، فنزلت آية الملاعنة، فدعا بهما رسول الله ﷺ حين نزلت الآية، فقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فقال هلال: والله إني لصادق. فقال له: "احلف بالله الذي لا إله إلا هو: إني لصادق" يقول ذلك أربعَ مرّات فإن كنتُ كاذبا فعليّ لعنة الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قِفُوه عِنْدَ الخامِسَة، فإنَّها مُوجِبه"، فحلف، ثم قالت أربعا: والله الذي لا اله إلا هو إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقا فعليها غضب الله، وقال رسول الله ﷺ "قِفُوها عِنْدَ الخامِسَة، فإنَّها مُوجِبة"، فتردّدت وهمَّت بالاعتراف، ثم قالت: لا أفضح قومي.
حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي، قالا ثنا عَبْدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا ليلة الجمعة في المسجد، فدخل رجل فقال: لو أن رجلا وجَد مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آية اللعان، ثم جاء الرجل بعد، فقذف امرأته، فلاعن
رسول الله ﷺ بينهما، فقال: " عَسَى أنْ تَجِيء بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا، فجاءت به أسود جعدا".
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبير قال: سألت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أيفرق بين المتلاعنين؟ فقال: نعم، سبحان الله، إن أوّل من سأل عن ذلك فلان، أتى النبيّ ﷺ فسأله، فقال: أرأيت لو أن أحدنا رأى صاحبته على فاحشة، كيف يصنع؟ فلم يجبه في ذلك شيئا، قال: فأتاه بعد ذلك فقال: إن الذي سألت عنه قد ابتليتُ به، فأنزل الله هذه الآية في سورة النور، فدعا الرجل فوعظه وذكَّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: والذي بعثك بالحق، لقد رأيت وما كذبتُ عليها، قال: ودعا المرأة فوعظها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، وما رأى شيئا؛ قال: فبدأ الرجل، فشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين; ثم إن المرأة شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غَضَبَ الله عليها إن كان من الصادقين وفرق بينهما.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عامر، قال: لما أنزل: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) قال عاصم بن عديّ: إن أنا رأيت فتكلمت جلدت ثمانين، وإن أنا سكت سكت على الغيظ، قال: فكأن ذلك شقّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنزلت هذه الآية: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ) قال: فما لبثوا إلا جمعة، حتى كان بين رجل من قومه وبين امرأته، فلاعن رسول الله ﷺ بينهما.
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ)... الآية، والخامسة: أن يقال له: إن عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين. وإن أقرّت المرأة بقوله رُجمت، وإن أنكرت شهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن يقال لها: غضب الله عليك إن كان من الصادقين، فيدرأ عنها العذاب، ويفرق بينهما، فلا يجتمعان أبدا، ويُلحق الولد بأمه.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذه الآية الكريمة فيها فَرَج للأزواج وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها، كما أمر الله عز وجل(١) وهو أن يحضرها إلى الإمام، فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء، ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي : فيما رماها به من الزنى، ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها، ويتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن، فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أي : فيما رماها به، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ولهذا قال :﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾
يعني : الحد، ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا ا فضيحة أهله ورميها بالزنى إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها. والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه.
ثم ذكر تعالى لطفه بخلقه، ورأفته بهم، وشرعه(٢) لهم الفرج والمخرج من شدة ما يكون فيه من الضيق، فقال :﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي : لحرجتم(٣) ولشق عليكم كثير من أموركم، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [ أي ](٤) : على عباده - وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة - ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يشرعه(٥) ويأمر به وفيما ينهى عنه.
وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية، وذكر سبب نزولها، وفيمن نزلت فيه من الصحابة، فقال الإمام أحمد :
حدثنا يزيد، أخبرنا عَبَّاد بن منصور، عن عكْرمَة، عن ابن عباس قال : لما نزلت :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، قال سعد بن عبادة - وهو سيد الأنصار - : هكذا أنزلت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله ﷺ " : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ " قالوا : يا رسول الله، لا تَلُمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قَطّ [ إلا بكرًا، وما طلق امرأة له قط ](٦) فاجترأ رجل منا أن يتزوجها، من شدة غيرته. فقال سعد : والله - يا رسول الله - إني لأعلم أنها حق وأنها من الله، ولكني قد تعجَبت أني لو وجدت لَكاعًا قد تَفَخَّذها رجل، لم يكن لي أن أهيّجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته. قال : فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية - وهو أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم - فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يُهَيّجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء، فوجدتُ عندها رجلا فرأيت بعيني، وسمعت بأذني. فَكَرِهَ رسولُ الله ﷺ ما جاء به، واشتدّ عليه، واجتمعت الأنصار فقالوا(٧) : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله ﷺ هلالَ بن أمية، ويبْطل شهادته في المسلمين(٨). فقال هلال : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. وقال هلال : يا رسول الله، إني قد أرى ما اشتد عليك مما(٩) جئت به، والله يعلم إني لصادق. فوالله إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه، إذ أنزل الله على رسول الله ﷺ الوحي - وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك، في تَرَبُّد وجهه(١٠). يعني : فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي - فنزلت :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾(١١) الآية، فَسُرّي عن رسول الله ﷺ، فقال :" أبشر يا هلال، قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا ". فقال هلال : قد كنت أرجو ذلك من ربي، عز وجل. فقال رسول الله ﷺ :" أرسلوا إليها ".
فأرسلوا إليها، فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، وذكرهما وأخبرهما أن عذابَ الآخرة أشدّ من عذاب الدنيا. فقال هلال : والله - يا رسول الله - لقد صَدَقتُ عليها. فقالت : كذب. فقال رسول الله ﷺ :" لاعنوا بينهما ". فقيل لهلال : اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل له : يا هلال، اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب. فقال : والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها. فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل [ لها : اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل ](١٢) لها : اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب. فتلكأت ساعة، ثم قالت : والله لا أفضح قومي فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى ألا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى ألا [ بيت لها عليه ولا ](١٣) قوت لها، من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا مُتَوَفى عنها. وقال :" إن جاءت به أصَيْهِب أرَيسح حَمْش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جَعدًا جَمَاليًّا خَدلَّج الساقين سابغ الأليتين، فهو الذي رميت به " فجاءت به أورق جعدا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول الله ﷺ :" لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ".
قال عكرمة : فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب.
ورواه أبو داود عن الحسن بن عليّ، عن يزيد(١٤) بن هارون، به نحوه مختصرًا(١٥).
ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة. فمنها ما قال البخاري : حدثني محمد بن بَشَّار، حدثنا ابن أبي عَدِيّ، عن هشام بن حسان، حدثني عِكْرِمَة، عن ابن عباس ؛ أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشَرِيك بن سَحْماء، فقال رسول الله(١٦) ﷺ :" البينة أو حَدُّ في ظهرك " فقال : يا رسول الله، إذا أري(١٧) أحدنا على امرأته رجلا ينطلقُ يلتمس البينة ؟ فجعل النبي ﷺ يقول :" البينة وإلا حدّ في ظهرك ". فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن(١٨) الله ما يُبرئ ظهري(١٩) من الحد. فنزل جبريل، وأنزل(٢٠) عليه :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فقرأ حتى بلغ :﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول :" الله يشهد أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب " ؟ ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وَقَّفُوها وقالوا : إنها مُوجبة. قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، فقال النبي ﷺ :" أبْصِرُوها، فإن جاءت به أكحلَ العينين، سابغ الأليتين، خَدَلَّج الساقين، فهو لشَرِيك بن سَحْمَاءَ ". فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ :" لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن ".
انفرد به البخاري من هذا الوجه(٢١) وقد رواه من غير وجه، عن ابن عباس وغيره.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الزيادي(٢٢) حدثنا يونس بن محمد، حدثنا صالح - وهو ابن عمر - حدثنا عاصم - يعني : ابن كُلَيْب -، عن أبيه، حدثني ابن عباس قال : جاء رجل إلى رسول الله، فرمى امرأته برجل، فكره ذلك رسولُ الله ﷺ، فلم يزل يُرَدّده حتى أنزل الله :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ [ إِلا أَنْفُسُهُمْ ]﴾ (٢٣) [ فقرأ ](٢٤) حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما فدعاهما، فقال :" إن الله، عَزّ وجل، قد أنزل فيكما ". فدعا الرجل فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه، فقال له :" كل شيء أهون عليه من لعنة الله ". ثم أرسله فقال :﴿لَعْنتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ثم دعاها بها، فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، ثم أمر بها فأمسك على فيها فوعظها، وقال :" ويحك. كل شيء أهون من غضب الله ". ثم أرسلها، فقالت :﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ :" أما والله لأقضينّ بينكما قضاء فصلا ". قال : فولدت، فما رأيت مولودًا بالمدينة أكثر غاشية منه، فقال :" إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو لكذا ". فجاءت به يشبه الذي قُذفت به.
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال : سمعت سعيد بن جُبَير قال : سُئلْتُ عن المتلاعنين أيفرّق بينهما - في إمارة ابن الزبير ؟ فما دَرَيتُ ما أقول، فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر فقلتُ : أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما ؟ فقال : سبحان الله، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان فقال : يا رسول الله، أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تَكَلَّم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. فسكت فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال : الذي سألتك عنه قد ابتُليت به. فأنزل الله عز وجل هذه الآيات(٢٥) في سورة النور :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حتى بلغ :﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فبدأ بالرجل فوعظه وذكَّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، فقال : والذي بعثك بالحق ما كَذَبْتُك. ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذَكَّرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت : والذي بعثك بالحق(٢٦) إنه لكاذب. قال : فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فَرَّقَ بينهما.
رواه النسائي في التفسير، من حديث عبد الملك بن أبي سليمان، به(٢٧) وأخرجاه في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس(٢٨).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عَوَانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال : كنَّا جلوسًا عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار : أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت عن غيظ ؟ والله لَئن
١ - في أ :"الله تعالى".
.

٢ - في ف، أ :"في شرعه"..
٣ - في ف :"خرجتم"..
٤ - زيادة من ف، أ..
٥ - في أ :"فيما شرعه"..
٦ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٧ - في ف :"فقالت"..
٨ - في هـ :"ويبطل شهادته في الناس" والمثبت من ف، أ، والمسند..
٩ - في ف :"فيما"..
١٠ - في أ :"جلده"..
١١ - في ف، أ :(فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله)..
١٢ - زيادة من ف، أ، والمسند..
١٣ - زيادة من ف، أ، والمسند..
١٤ - في ف :"زيد"..
١٥ - المسند (١/٢٣٨) وسنن أبي داود برقم (٢٢٥٦)..
١٦ -[في ف، أ :"النبي"..
١٧ - في ف، أ :"رأى"..
١٨ - في ف :"ولينزل"..
١٩ - في ف :"ما يطهرني"..
٢٠ - في ف :"فأنزل"..
٢١ - صحيح البخاري برقم (٤٧٤٧).
٢٢ - في أ :"الرمادي"..
٢٣ - زيادة من أ..
٢٤ - زيادة من أ..
٢٥ - في أ :"الآية"..
٢٦ - زيادة من ف، أ. في ف، أ :"والذي بعثك بالحق ما كذبتك"..
٢٧ - المسند (٢/١٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٥٧)..
٢٨ - صحيح البخاري برقم (٥٣١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٣)..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
صِحَّةِ مَا قَالَهُ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً.
الثَّانِي: أَنَّهُ (١) تُرَدُّ شَهَادَتُهُ دَائِمًا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا لَيْسَ بِعَدْلٍ، لَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَا عِنْدَ النَّاسِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ: هَلْ يَعُودُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ فَتَرْفَعُ التَّوْبَةُ الْفِسْقَ فَقَطْ، وَيَبْقَى مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ دَائِمًا وَإِنْ تَابَ، أَوْ يَعُودُ إِلَى الْجُمْلَتَيْنِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ؟ وَأَمَّا الْجَلْدُ فَقَدْ ذَهَبَ وَانْقَضَى، سَوَاءٌ تَابَ أَوْ أَصَرَّ، وَلَا حُكْمَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ -فَذَهَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَارْتَفَعَ عَنْهُ حُكْمُ الْفِسْقِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ -سَيِّدُ التَّابِعِينَ -وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ أَيْضًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، فَيَرْتَفِعُ الْفِسْقُ بِالتَّوْبَةِ، وَيَبْقَى مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ أَبَدًا. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ السَّلَفِ الْقَاضِي -شُرَيح، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، وَمَكْحُولٌ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (٢).
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ تَابَ، إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ قَدْ قَالَ الْبُهْتَانَ، فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا فَرَج لِلْأَزْوَاجِ وَزِيَادَةُ مَخْرَجٍ، إِذَا قَذَفَ أَحَدُهُمْ زَوْجَتَهُ وَتَعَسَّرَ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، أَنْ يُلَاعِنَهَا، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (٣) وَهُوَ أَنْ يُحْضِرَهَا إِلَى الْإِمَامِ، فَيَدَّعِيَ عَلَيْهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ، فَيُحَلِّفُهُ الْحَاكِمُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ فِي مُقَابَلَةِ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أَيْ: فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَى، ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، بَانَتْ مِنْهُ بِنَفْسِ هَذَا اللِّعَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَيُعْطِيهَا مَهْرَهَا، وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَى، وَلَا يَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ إِلَّا أَنْ تُلَاعِنَ، فَتَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنَ الْكَاذِبِينَ، أَيْ: فِيمَا رَمَاهَا بِهِ، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ولهذا قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾
(١) في ف: "أن".
(٢) في ف: "جابر".
(٣) في أ: "الله تعالى".
يَعْنِي: الْحَدَّ، ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَخَصَّهَا بِالْغَضَبِ، كما أن الغالب أن الرجل لا افَضِيحَةَ أَهْلِهِ وَرَمْيَهَا بِالزِّنَى إِلَّا وَهُوَ صَادِقٌ مَعْذُورٌ، وَهِيَ تَعْلَمُ صِدْقَهُ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ. وَلِهَذَا كَانَتِ الْخَامِسَةُ فِي حَقِّهَا أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا. وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ الْحَقَّ ثُمَّ يَحِيدُ عَنْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى لطفه بخلقه، ورأفته بهم، وشرعه (١) لَهُمُ الْفَرَجَ وَالْمَخْرَجَ مِنْ شِدَّةِ مَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الضِّيقِ، فَقَالَ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أَيْ: لَحَرِجْتُمْ (٢) وَلَشَقَّ عَلَيْكُمْ كَثِيرٌ مِنْ أُمُورِكُمْ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [أَيْ] (٣) : عَلَى عِبَادِهِ -وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَلِفِ وَالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ- ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيمَا يَشْرَعُهُ (٤) وَيَأْمُرُ بِهِ وَفِيمَا يَنْهَى عَنْهُ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِمُقْتَضَى الْعَمَلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِهَا، وَفِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا عَبَّاد بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عكْرمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ -وَهُوَ سَيِّدُ الْأَنْصَارِ -: هَكَذَا أُنْزِلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ": يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَلُمه فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ، وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً قَطّ [إِلَّا بِكْرًا، وَمَا طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ] (٥) فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ. فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللَّهِ -يَا رَسُولَ اللَّهِ -إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي قَدْ تعجَبت أَنِّي لَوْ وَجَدْتُ لَكاعًا قَدْ تَفَخَّذها رَجُلٌ، لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أَهِيجَهُ وَلَا أُحَرِّكَهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَوَاللَّهِ لَا آتِي بِهِمْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ. قَالَ: فَمَا لَبِثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ -وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ -فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشَاءً، فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ، وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ، فلم يُهَيّجه حَتَّى أَصْبَحَ، فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أَهْلِي عِشَاءً، فوجدتُ عِنْدَهَا رَجُلًا فَرَأَيْتُ بِعَيْنِي، وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي. فَكَرِهَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ فَقَالُوا (٦) : قَدِ ابْتُلِينَا بِمَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، الْآنَ يَضْرِبُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هلالَ بْنَ أُمَيَّةَ، ويبْطل شَهَادَتَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ (٧). فَقَالَ هِلَالُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي مِنْهَا مَخْرَجًا. وَقَالَ هِلَالُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَرَى مَا اشْتَدَّ عَلَيْكَ مِمَّا (٨) جِئْتُ بِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ. فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ، إِذْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيَ -وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ عَرَفُوا ذَلِكَ، فِي تَرَبُّد وَجْهِهِ (٩). يَعْنِي: فَأَمْسَكُوا عَنْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْوَحْيِ -فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ (١٠) الْآيَةَ، فَسُرّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "أَبْشِرْ يَا هِلَالُ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا". فَقَالَ هِلَالٌ: قَدْ كُنْتُ أَرْجُو ذَلِكَ مِنْ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أرسلوا إليها".
(١) في ف، أ: "في شرعه".
(٢) في ف: "خرجتم".
(٣) زيادة من ف، أ.
(٤) في أ: "فيما شرعه".
(٥) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٦) في ف: "فقالت".
(٧) في هـ: "ويبطل شهادته في الناس" والمثبت من ف، أ، والمسند.
(٨) في ف: "فيما".
(٩) في أ: "جلده".
(١٠) في ف، أ: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله).
فَأَرْسَلُوا إِلَيْهَا، فَجَاءَتْ، فَتَلَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، وَذَكَّرَهُمَا وَأَخْبَرَهُمَا أَنَّ عذابَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا. فَقَالَ هِلَالٌ: وَاللَّهِ -يَا رَسُولَ اللَّهِ -لَقَدْ صَدَقتُ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: كَذَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَاعِنُوا بَيْنَهُمَا". فَقِيلَ لِهِلَالٍ: اشْهَدْ. فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْخَامِسَةِ قِيلَ لَهُ: يَا هِلَالُ، اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أهونُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الموجبةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكَ الْعَذَابَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا. فَشَهِدَ فِي الْخَامِسَةِ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. ثُمَّ قِيلَ [لَهَا: اشْهَدِي أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنَ الْكَاذِبِينَ، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قِيلَ] (١) لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وإن هذه الموجبةُ التي توجب عليك العذاب. فَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي فَشَهِدَتْ فِي الْخَامِسَةِ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَفَرَّقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقَضَى أَلَّا [بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا] (٢) قُوتَ لَهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ، وَلَا مُتَوَفى عَنْهَا. وَقَالَ: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ أصَيْهِب أرَيسح حَمْش السَّاقِينَ فَهُوَ لِهِلَالٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعدًا جَمَاليًّا خَدلَّج السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَهُوَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ" فَجَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جَمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ".
قَالَ عِكْرِمَةُ: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ، وَكَانَ يُدْعَى لِأُمِّهِ وَلَا يُدْعَى لِأَبٍ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ (٣) بْنِ هَارُونَ، بِهِ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا (٤).
وَلِهَذَا الْحَدِيثِ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. فَمِنْهَا مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشَرِيك بْنِ سَحْماء، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (٥) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدُّ فِي ظَهْرِكَ" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إذا أري (٦) أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا ينطلقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ". فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لِصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ (٧) اللَّهُ مَا يُبرئ ظَهْرِي (٨) مِنَ الْحَدِّ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، وَأَنْزَلَ (٩) عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "اللَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ"؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوها وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجبة. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ. فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أبْصِرُوها، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أكحلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّج السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لشَرِيك بْنِ سَحْمَاءَ". فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كتاب الله، لكان لي ولها شأن".
(١) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٢) زيادة من ف، أ، والمسند.
(٣) في ف: "زيد".
(٤) المسند (١/٢٣٨) وسنن أبي داود برقم (٢٢٥٦).
(٥) [في ف، أ: "النبي".
(٦) في ف، أ: "رأى".
(٧) في ف: "ولينزل".
(٨) في ف: "ما يطهرني".
(٩) في ف: "فأنزل".
انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (١) وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الزِّيَادَيُّ (٢) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ -وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ -حَدَّثَنَا عَاصِمٌ -يَعْنِي: ابْنَ كُلَيْب -، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَرَمَى امْرَأَتَهُ بِرَجُلٍ، فَكَرِهَ ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدّده حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ [إِلا أَنْفُسُهُمْ]﴾ (٣) [فَقَرَأَ] (٤) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَتَيْنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ، عَزّ وَجَلَّ، قَدْ أَنْزَلَ فِيكُمَا". فَدَعَا الرَّجُلَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُمْسِكَ عَلَى فِيهِ فَوَعْظَهُ، فَقَالَ لَهُ:"كُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ". ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَقَالَ: ﴿لَعْنتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ثُمَّ دَعَاهَا بِهَا، فَقَرَأَ عَلَيْهَا، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُمْسِكَ عَلَى فِيهَا فَوَعَظَهَا، وَقَالَ: "وَيْحَكِ. كُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ". ثُمَّ أَرْسَلَهَا، فَقَالَتْ: ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا وَاللَّهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا قَضَاءً فَصْلًا". قَالَ: فَوَلَدَتْ، فَمَا رَأَيْتُ مَوْلُودًا بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ غَاشِيَةً مِنْهُ، فَقَالَ: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ لِكَذَا وَكَذَا فَهُوَ كَذَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِكَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِكَذَا". فَجَاءَتْ بِهِ يُشَبِهُ الَّذِي قُذفت بِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَير قَالَ: سُئلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا -فِي إِمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؟ فَمَا دَرَيتُ مَا أَقُولُ، فَقُمْتُ مِنْ مَكَانِي إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ فقلتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَانُ بْنُ فُلَانٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَرَى امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ فَإِنْ تَكَلَّم تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. فَسَكَتَ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابتُليت بِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَاتِ (٥) فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَوَعَظَهُ وذكَّره، وَأَخْبَرَهُ إن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُك. ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَوَعَظَهَا وذَكَّرها، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ (٦) إِنَّهُ لَكَاذِبٌ. قَالَ: فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لِمَنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، بِهِ (٧) وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٨).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن
(١) صحيح البخاري برقم (٤٧٤٧)
(٢) في أ: "الرمادي".
(٣) زيادة من أ.
(٤) زيادة من أ.
(٥) في أ: "الآية".
(٦) زيادة من ف، أ. في ف، أ: "والذي بعثك بالحق ما كذبتك".
(٧) المسند (٢/١٩) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٥٧).
(٨) صحيح البخاري برقم (٥٣١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٣).
عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كنَّا جُلُوسًا عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَحَدُنَا إِذَا رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَنْ غَيْظٍ؟ وَاللَّهِ لَئن أَصْبَحْتُ صَالِحًا لَأَسْأَلَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا فقتله قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ؟ اللَّهُمَّ احْكُمْ. قَالَ: فَأُنْزِلَ آيَةُ اللِّعَانِ، فَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوَّلَ مَنِ ابْتُلِيَ بِهِ.
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ مِنْ طُرُق، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْران الْأَعْمَشِ، بِهِ (١).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَ عُوَيْمر إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيّ فَقَالَ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِهِ فَقَتَلَهُ، أَيُقَتَلُ بِهِ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعابَ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسَائِلَ. قَالَ: فَلَقِيَهُ عُوَيمر فَقَالَ: مَا صنعْتَ؟ قَالَ: مَا صَنَعْتُ! إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ؛ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَابَ الْمَسَائِلَ فَقَالَ عُوَيمر: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلأسألنه. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِمَا. قَالَ: فَدَعَا بِهِمَا فَلاعَن بَيْنَهُمَا. قَالَ عُوَيمر: لَئِنِ انطلقتُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا. قَالَ: فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أبصروها، فإن جاءت به أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ، فَلَا أَرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَة فَلَا أَرَاهُ إِلَّا كَاذِبًا". فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَبَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ (٢).
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الضَّيْفِ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ (٣) بْنِ يُثَيْع، عَنْ حُذَيْفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ: "لَوْ رَأَيْتَ مَعَ أُمِّ رُومَانَ رَجُلًا مَا كُنْتَ فَاعِلًا بِهِ؟ قَالَ: كُنْتُ وَاللَّهِ فَاعِلًا بِهِ شرًّا. قَالَ:"فأنتَ يَا عُمَرُ؟ ". قَالَ: كنتُ وَاللَّهِ فَاعِلًا كُنْتُ أَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ الْأَعْجَزَ، وَإِنَّهُ خَبِيثٌ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾
ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ إِلَّا النَّضر بْنُ شُميْل، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ [أَبِي] (٤) أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْع مُرْسَلًا فَاللَّهُ أَعْلَمُ (٥).
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٌ الجَرْمي، حَدَّثَنَا مُخَلَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَأَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بْنَ سَحْمَاء قذَفه هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَرَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَرْبَعَةَ شُهُودٍ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُبَرِّئُ بِهِ ظَهْرِي مِنَ الْجَلْدِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ اللِّعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَةِ. قَالَ: فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "اشْهَدْ بِاللَّهِ إِنَّكَ لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتَهَا بِهِ مِنَ الزِّنَى" فَشَهِدَ بِذَلِكَ أَرْبَعَ
(١) المسند (١/٤٢١) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٥).
(٢) المسند (٥/٣٣٤) وصحيح البخاري برقم (٤٧٤٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٢) وسنن أبي داود برقم (٢٢٤٥) وسنن النسائي (٦/١٤٣) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠٦٦).
(٣) في أ: "يزيد".
(٤) زيادة من ف، أ.
(٥) مسند البزار برقم (٢٢٣٧) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٧٤) :"رجاله ثقات".
شَهَادَاتٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ فِي الْخَامِسَةِ: "وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ إِنْ كنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتَهَا بِهِ مِنَ الزِّنَى"، فَفَعَلَ. ثُمَّ دَعَاهَا رسول الله ﷺ فقال: "قُومِي فَاشْهَدِي بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاكِ بِهِ مِنَ الزِّنَى". فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، ثُمَّ قَالَ لَهَا فِي الْخَامِسَةِ: "وغَضب اللَّهِ عَلَيْكِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاكِ بِهِ مِنَ الزِّنَى"، فَقَالَتْ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ أَوِ الْخَامِسَةُ سَكَتَتْ سَكْتَةً، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا سَتَعْتَرِفُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ. فَمَضَتْ عَلَى الْقَوْلِ، ففرَّق رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: "انْظُرُوهُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ جَعْدًا حَمْشَ السَّاقِينَ، فَهُوَ لشَرِيك بْنِ سَحْماء، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أبيض سبطا فَضيء (١) الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ". فَجَاءَتْ بِهِ آدَمَ جَعَدًا حَمْش السَّاقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْلَا مَا نَزَلَ فِيهِمَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شأن" (٢).
(١) في أ: "قضي قصير".
(٢) مسند أبي يعلى (٥/٢٠٧) ورواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٩٦) من طريق هشام، عن محمد، به

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وإنما يجلد القاذف، إذا لم يأت بأربعة شهداء إذا لم يكن زوجا، فإن كان زوجا، فقد ذكر بقوله :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته، دارئة عنه الحد، لأن الغالب، أن الزوج لا يقدم على رمي زوجته، التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقا، ولأن له في ذلك حقا، وخوفا من إلحاق أولاد ليسوا منه به، ولغير ذلك من الحكم المفقودة في غيره فقال :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ْ﴾ أي : الحرائر(١) لا المملوكات.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ْ﴾ على رميهم بذلك ﴿شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ْ﴾ بأن لم يقيموا شهداء، على ما رموهم به ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ْ﴾ سماها شهادة، لأنها نائبة مناب الشهود، بأن يقول : " أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به ".
١ - في النسختين: الأحرار ولعل الصواب ما أثبت..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٦ - ١٠} ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾.
وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته، دارئة عنه الحد، لأن الغالب، أن الزوج لا يقدم على رمي زوجته، التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقا، ولأن له في ذلك حقا، وخوفا من إلحاق أولاد ليسوا منه به، ولغير ذلك من الحكم المفقودة في غيره فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: الحرائر (١) لا المملوكات.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ﴾ على رميهم بذلك ﴿شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ﴾ بأن لم يقيموا شهداء، على ما رموهم به ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ سماها شهادة، لأنها نائبة مناب الشهود، بأن يقول: " أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به ".
﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: يزيد في الخامسة مع الشهادة المذكورة، مؤكدا تلك الشهادات، بأن يدعو على نفسه، باللعنة إن كان كاذبا، فإذا تم لعانه، سقط عنه حد القذف، ظاهر الآيات، ولو سمى الرجل الذي رماها به، فإنه يسقط حقه تبعا لها. وهل يقام عليها الحد، بمجرد لعان الرجل ونكولها أم تحبس؟ فيه قولان للعلماء، الذي يدل عليه الدليل، أنه يقام عليها الحد، بدليل قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ إلى آخره، فلولا أن العذاب وهو الحد قد وجب بلعانه، لم يكن لعانها دارئا له.
ويدرأ عنها، أي: يدفع عنها العذاب، إذ قابلت شهادات الزوج، بشهادات من جنسها.
﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ وتزيد في الخامسة، مؤكدة لذلك، أن تدعو على نفسها بالغضب، فإذا تم اللعان بينهما، فرق بينهما إلى الأبد، وانتفى الولد الملاعن عليه، وظاهر الآيات يدل على اشتراط هذه الألفاظ عند اللعان، منه ومنها، واشتراط الترتيب فيها، وأن لا ينقص منها شيء، ولا يبدل شيء بشيء، وأن اللعان مختص بالزوج إذا رمى امرأته، لا بالعكس، وأن الشبه في الولد مع اللعان لا عبرة به، كما لا يعتبر مع الفراش، وإنما يعتبر الشبه حيث لا مرجح إلا هو.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ وجواب الشرط محذوف، يدل عليه سياق الكلام أي: لأحل بأحد المتلاعنين الكاذب منهما، ما دعا به على نفسه، ومن رحمته وفضله، ثبوت هذا الحكم الخاص بالزوجين، لشدة الحاجة إليه، وأن بين -[٥٦٣]- لكم شدة الزنا وفظاعته، وفظاعة القذف به، وأن شرع التوبة من هذه الكبائر وغيرها.
(١) في النسختين: الأحرار ولعل الصواب ما أثبت
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٦ من سورة النّور

من كتاب: إعراب القرآن

الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً قد ذكرنا معناه وأن الوجه فيه أن يكون منسوخا وحرّم ذلك أن ينكح الرجل زانية والمرأة زانيا.

[سورة النور (٢٤) : آية ٤]

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤)
وقرأ أبو زرعة «١» بن عمرو بن جرير ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ «٢» وفيه ثلاثة أوجه: يكون «شهداء» في موضع جرّ على النعت لأربعة، ويكون في موضع نصب بمعنى ثم لم يحضروا أربعة شهداء. والوجه الثالث أن يكون حالا من النكرة. وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.

[سورة النور (٢٤) : آية ٥]

إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا في موضع نصب على الاستثناء، ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل. والمعنى: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا.

[سورة النور (٢٤) : آية ٦]

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ على البدل والنصب على الاستثناء وعلى خبر يكون فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ «٣» بالنصب قراءة أهل المدينة وأبي عمرو، وقراءة الكوفيين أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ «٤» بالرفع على الابتداء، والخبر: أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حدّ القاذف أربع شهادات، كما تقول: صلاة الظهر أربع ركعات، والنصب لأن معنى شهادة أن شهد، فالتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات.

[سورة النور (٢٤) : آية ٧]

وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧)
وَالْخامِسَةُ رفع بالابتداء، والخبر «أنّ» وصلتها ومعنى المخفّفة كمعنى الثقيلة لأن معناها أنه. وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة (والخامسة أنّ) «٥» بالنصب بمعنى ويشهد الشهادة الخامسة.
(١) أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي الكوفي، روى عن أبي هريرة، وهو من التابعين الثقات ترجمته في:
غاية النهاية ١/ ٦٠٢.
(٢) انظر مختصر ابن خالويه ١٠٠. [.....]
(٣) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٩٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٢.
(٤) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٩٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٤٥٢.
(٥) انظر البحر المحيط ٦/ ٣٩٩، ومعاني الفراء ٢/ ٢٤٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٦ من سورة النّور

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية. [٦].
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد المؤذن، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الحيري، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:
لما نزلت ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ إلى قوله تعالى ﴿ٱلْفَاسِقُونَ﴾ قال سعد بن عُبادة، وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الا تسمعون يا معشر الأنصار إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله، إنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، ولا طلّق امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها، من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنها حق، وأنها من عند الله، ولكن قد تعجبت أن لو وجدت لَكَاعِ قد تَفَخَّذَها رجل لم يكن لي أن أُهِيجَهُ ولا أحَرِّكَه حتى آتيَ بأربعة شهداء، فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته. فما لبِثُوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية من أرضه عشية فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يُهْجهُ حتى أصبح فَغَدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عَشِياً فوجدت عندها رجلاً، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه، فقال سعد بن عبادة: الآن يضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هلالَ بن أمية، ويبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مَخْرَجاً، فقال هلال: يا رسول الله، إني قد أرى ما قد اشتد عليك مما جئتك به، والله يعلم أني لصادق، فوالله إنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُريد أنْ يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تَرَبُّدِ جلده، فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ الآيات كلها، فسُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجاً ومَخْرجاً، فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربي، وذَكَرَ باقي الحديث.
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد الفقيه، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن سِنَان المقري، قال أخبرنا أحمد بن علي بن المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو خَيْثَمة، قال: حدثنا جرير، عن الأعْمَش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال:
إنا ليلة الجمعة في المسجد، إذ دخل رجل من الأنصار، فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فإن تكلم جَلَدْتُموه، وإن قَتَلَ قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظٍ، والله لأسألن عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان من الغد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم جلدتموه، أو قَتَلَ قتلتموه، أو سكت سكت على غيظ! فقال: اللهم افتح، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ الآية، فابتُلي به الرجل مِنْ بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلتعن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه، فلَعَنتْ. فلما أدبرتْ قال: لعلها أن تجيء به أسودَ جَعْداً. فجاءت به أسودَ جعداً.
رواه مسلم عن أبي خَيْثَمَة.

القراءات في الآية ٦ من سورة النّور

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

أَرْبَعُ

(أَرْبَعُ) بضم العين

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة حفص عن عاصم

(أَرْبَعَ) بفتح العين

ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم هشام عن ابن عامر قالون عن نافع السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر رويس عن يعقوب روح عن يعقوب البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٦ من سورة النّور

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣٧ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

٩ أقوال
١
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها﴾ عن المرأةِ ﴿العذاب﴾ الحدَّ؛ الرجمَ إن كان دخل بها أو أُحْصِنَت قبلَه، أو الجلد إن لم تكن محصنة١ ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمنالكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ يعني: زوجها في قذفِه إيّاها، وذلك إذا ارتفعا إلى الإمام، وإن لم يرتفعا إلى الإمام فهي امرأته، وإن ارتفعا إلى الإمام وثَبَتَ على قَذْفِها قال أربع مرات عند الإمام: أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق، أشهد بالله إني لصادق. ثم يقول الخامسة: لعنة الله علَيَّ إن كنت من الكاذبين. وتقول هي أربع مرات: أشهد بالله إنّه لكاذب -يعني: زوجها-، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب، أشهد بالله إنه لكاذب. ثم تقول الخامسة: غضب الله عَلَيَّ إن كان من الصادقين، قال يحيى: ذكره حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال يحيى بن سلّام: ثم يُفَرَّق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا٢
التخريج
  1. ٢تفسير يحيى بن سلام ١/ ٤٣٠ - ٤٣١.
تعليقات المحققين
  1. ١اختُلِف في العذاب الذي عناه الله في هذا الموضع على قولين: أحدهما: أنه الحدّ. والآخر: أنه الحبس. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧/ ١٨٧ - ١٨٨) القولَ الأولَ استنادًا إلى دلالة العقل، وقال مُعَلِّلًا: «إنما قلنا: الواجب عليها إذا هي امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج الحدّ الذي وصفنا. قياسًا على إجماع الجميع على أنّ الحدّ إذا زال عن الزوج بالشهادات الأربع على تصديقه فيما رماها به؛ أنّ الحدّ عليها واجب، فجعل الله أيمانه الأربع والتعانه في الخامسة مخرجًا له من الحدّ الذي يجب لها برميه إيّاها، كما جعل الشهداء الأربعة مخرجًا له منه في ذلك وزائلًا به عنه الحدّ، فكذلك الواجب أن يكون بزوال الحدّ عنه بذلك واجبًا عليها حدّها، كما كان بزواله عنه بالشهود واجبًا عليها، لا فرق بين ذلك». وإليه ذَهَبَ ابنُ عطية (٦/ ٣٤٨)، حيث قال: «والعذاب المدرأ في قول جمهور العلماء: الحدّ. وحكى الطبري عن آخرين: أنه الحبس -وهو قول أصحاب الرأي-، وأنه لا حدّ عليها -إن لم تلاعن-، وليس يوجبه عليها قول الزوج... وظاهر الحديث الوقفة في الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أنها كانت تُحَدّ لقول النبي - ﷺ - لها: «فعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة»».
٢
عن عبد الله بن عباس، قال: في سورة النور: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم﴾، واستثنى من ذلك فقال: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ الآية، فإذا حَلفا فُرِّقَ بينهما، وإن لم يحلفا أُقِيم الحدُّ؛ الجلد أو الرجم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ إلى قوله: ﴿إن كان من الكاذبين﴾، قال: إذا شهد الرجلُ خمسَ شهادات فقد برِئ كلُّ واحدٍ مِن الآخر، وعِدَّتُها إن كانت حاملًا أن تضع حملها، ولا يُجْلَد واحدٌ منهما، وإن لم تحلف أُقيم عليها الحدُّ والرجمُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏١٨٦.
٤
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ قال: هو الرجل يرمي زوجته بالزِّنا، ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ يعني: ليس للرجل شهداء غيره أنّ امرأته قد زنت، فرفع ذلك إلى الحكام، ﴿فشهادة أحدهم﴾ يعني: الزوج؛ يقوم بعد الصلاة في المسجد فيحلف أربع شهادات بالله، ويقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنّ فلانة -يعني: امرأته- زانية، ﴿والخامسة ان لعنة الله عليه﴾ يعني: على نفسه؛ ﴿إن كان من الكاذبين﴾ في قوله، ﴿ويدرأ﴾ يدفع الحكام عن المرأة ﴿العذاب﴾ يعني: الحدَّ ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله أنه﴾ يعني: زوجها ﴿لمن الكاذبين﴾ فتقوم المرأةُ مقامَ زوجها، فتقول أربع مرات: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنِّي لست بزانية، وأن زوجي لمن الكاذبين، ﴿والخامسة أن غضب الله عليها﴾ يعني: على نفسها؛ ﴿إن كان﴾ زوجها ﴿من الصادقين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٣٢.
٥
عن عامر الشعبي -من طريق مغيرة- أنّه سُئِل عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا، فجاءت بحمل، فانتفى منه. قال: فقال: يُلاعِن. قال: فقال الحارثُ: يا أبا عمرو، إنّ الله قال في كتابه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾، أفتُراها له زوجة؟ قال: فقال الشَّعبيُّ: إنِّي لأستحي إذا رأيتُ الحقَّ أن لا أرجع إليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة (ت: محمد عوامة) ١٤‏/‏٥٥٥ (٢٩٤٥٤).
٦
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الحكم بن أبان- في قوله: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾، قال: وجَبَتْ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٣٦.
٧
عن قتادة بن دعامة، ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾، قال: فإن هي اعْتَرَفَتْ رُجِمَت، وإن هي أبَتْ ﴿يدرأ عنها العذاب﴾ قال: عذاب الدنيا ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. ثم يُفَرَّق بينهما، وتعتد عِدَّة المُطَلَّقة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ يقول: يحجر عليها العذاب، ﴿والخامسة أن غضب الله عليها﴾ يعني: نفسها ﴿إن كان﴾ هلالُ ﴿من الصادقين﴾، ففرّق بينهما، فذلك قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾، ثم قامت المرأةُ حين قام زوجُها، فقالت: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إنّ زوجي لَمِن الكاذبين، وإنّ الحَبَل منه. ثم شهدت الثانية بالله الذي لا إله إلا هو: إنّ زوجي لمن الكاذبين، وما أنا بزانية، وما رأى عليَّ مِن ريبة. ثم شهدت الثالثة بالله الذي لا إله الا هو: إن زوجي لمن الكاذبين. ثم شهدت الرابعة بالله الذي لا إله إلا هو: إن زوجي لمن الكاذبين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٣٦-٢٥٣٨.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ بالزِّنا، ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم﴾ يعني: الزوج ﴿أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ويدرؤا عنها العذاب﴾ يقول: يدفع عنها الحدَّ لشهادتها بعدُ ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان﴾ زوجُها ﴿من الصادقين﴾ في قوله١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٨٤-١٨٧.

أحكام متعلقة بالآية

٦ أقوال
١
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع-: أنّ رسول الله ﷺ فرَّق بين المتلاعنَينِ، وألحق الولدَ بالأُمِّ١
التخريج
  1. ١أخرجه الشافعي في مسنده ٣‏/‏١٤٤ (١٣٤١)، والبزار ١٢‏/‏١٩٧ (٥٨٦٩)، من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر به. وسنده صحيح.
٢
عن عمر بن الخطاب -من طريق إبراهيم- قال: لا يجتمع المتلاعنان أبدًا١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٤٣١، وعبد الرزاق (١٢٤٣٣).
٣
عن علي [بن أبي طالب]-من طريق زر بن حبيش-، وابن مسعود -من طريق شقيق بن سلمة-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٣٤، ١٢٤٣٦).
٤
عن عطاء -من طريق الحجاج بن أرطاة-: إن أكْذَبَ نفسَه قبل أن يفرغا مِن الملاعنة جُلِد حدُّ القاذف ثمانين، وهي امرأته١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام ١‏/‏٤٣١.
٥
قال مقاتل بن سليمان: والملاعنان يفترقان، فلا يجتمعان أبدًا، وإن صدَّقَت زوجَها لم يتلاعنا، فإن كان زوجُها جامعها بعد الدخول بها رُجِمَت، ويرثها زوجُها، وإن كان لم يُجامعها جُلِدَت مائة، وهي امرأته، وإن كان الزوجُ رجع عن قوله قبل أن يفرغا مِن الملاعنة جُلِد ثمانين جلدة، وكانت امرأتُه كما هي١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٨٤-١٨٧.
٦
قال يحيى بن سلّام: وإن كان لاعنها في إنكار ولدها أُلْحِق الولدُ بها، وهي عَصَبَتُه وعَصَبَتُها بعدها. وإن أكذب نفسَه، وقد بقي من الملاعنة شيءٌ؛ جُلِد حدُّ القذف، وهي امرأتُه، والولد له. وإن أكذب نفسه بعد اللعان جُلِد، ولا سبيل له عليها. قال بعضهم: ويلحق الولد به، أبو بكر بن عياش، عن المغيرة، عن إبراهيم [النخعي]، قال: إذا لاعن الرجلُ امرأتَه، ثم أكذبَ نفسَه؛ جُلِد، ورُدَّ إليه ولدُه. ولا يلاعن الرجل امرأتَه الأمة، ولا اليهودية، ولا النصرانية. وإن أنكر الرجلُ ولدَه من اليهودية أو النصرانية لزمه الولد، وإن أنكر ولده مِن الأمة -بعد ما أقرَّ به مرةً واحدة- لزمه الولد. وإذا قذف الرجلُ امرأته الحُرَّة قبل أن يدخل بها، ثم ارتفعا إلى السلطان؛ تلاعنا. وإذا طلق الرجل امرأته الحُرَّة واحدة أو اثنتين، ثم قذفها؛ تلاعنا ما كانت في العدة إن ارتفعا إلى السلطان١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ١/ ٤٣١.

آثار متعلقة بالآية

٦ أقوال
١
عن أبي هريرة، قال: لَمّا نزلت هذه الآية قال سعد بن عبادة: لو أنِّي لو رأيتُ أهلي ومعها رجل أنتظر حتى آتي بأربعة؟! قال رسول الله ﷺ: «نعم». قال: والذي بعثك بالحقِّ، لو رأيتُه لعاجلتُه بالسيف. فقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، اسمعوا ما يقولُ سيِّدُكم! إنّ سعدًا لَغيور، وأنا أغْيَرُ منه، واللهُ أغْيَرُ مِنِّي»١
التخريج
  1. ١أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق ص١٧٧ (٥٣٥)، وأخرجه مسلم ٢‏/‏١١٣٥ (١٤٩٨) دون قوله: لما نزلت هذه الآية.
٢
عن أبي هريرة، أنّه سمِع رسولَ الله ﷺ يقول حين نزلت آيةُ الملاعنة: «أيما امرأةٍ أدْخَلَتْ على قوم ما ليس منهم فليست مِن الله في شيء، ولن يُدخلها اللهُ جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجَبَ اللهُ منه يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن ماجه ٤‏/‏٤٣ (٢٧٤٣)، وأبو داود ٣‏/‏٥٧٥-٥٧٦ (٢٢٦٣)، والنسائي ٦‏/‏١٧٩ (٣٤٨١)، وابن حبان ٩‏/‏٤١٨ (٤١٠٨)، والحاكم ٢‏/‏٢٢٠ (٢٨١٤). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال ابن الملقن في البدر المنير ٨‏/‏١٨٤ (٥): «هذا الحديث صحيح». وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٣‏/‏١٥٠ (٠٧٩): «هذا إسناد ضعيف؛ يحيى بن حرب مجهول، قال الذهبي في الكاشف: وموسى بن عبيدة الربذي ضعّفوه». وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣‏/‏٤٨٦ (١٦٢١): «صحّحه الدارقطني في العلل، مع اعترافه بتفرّد عبد الله بن يونس به عن سعيد المقبري». وقال العجلوني في كشف الخفاء ١‏/‏٣٠٨ (٨٤٥): «وصحّحه ابن حبان». وقال الألباني في الإرواء ٨‏/‏٣٤ (٢٣٦٧): «ضعيف».
٣
عن جابر بن عبد الله، قال: ما نزلت آية التَّلاعُنِ إلا لكثرة السؤال١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار (١٩٩ - كشف).
٤
عن سعيد بن المسيب -من طريق داود بن أبي هند- قال: وجَبَتِ اللعنةُ على أكذبهما١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٦١).
٥
عن عامر الشعبي -من طريق بيان- قال: اللِّعانُ أعظمُ مِن الرَّجْم١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٦٠).
٦
قال محمد ابن شهاب الزهري -من طريق مالك-: فكانت تلك سُنَّة المتلاعنَيْن١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ٦‏/‏١٢.

نزول الآية

١٦ قولًا
١
عن سهل بن سعد، قال: جاء عُوَيْمِر إلى عاصم بن عدِيٍّ، فقال: سَل رسول الله ﷺ: أرأيتَ رجلًا وجَد معَ امرأته رجلًا، فقتله، أيُقْتَل به، أم كيف يُصْنَع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ، فعاب رسول الله ﷺ المسائل، فلقيه عُوَيْمِر، فقال: ما صنعت؟ قال: إنك لم تأتني بخير؛ سألتُ رسول الله ﷺ، فعاب المسائل. فقال عويمر: واللهِ، لآتينَّ رسول الله ﷺ، ولأسألنه. فأتاه، فوجده قد أُنزِل عليه، فدعا بهما، فلاعن بينهما، قال عُوَيْمِر: إن انطلقت بها -يا رسول الله- لقد كذبت عليها. ففارقها قبل أن يأمره رسول الله ﷺ، فصارت سُنَّة المتلاعنَين، فقال رسولُ الله ﷺ: «أبصِروها؛ فإن جاءت به أسْحَم١، أدعَج العينين٢، عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أُحَيْمِر، كأنّه وحَرة٣، فلا أراه إلا كاذبًا». فجاءت به على النعت المكروه٤
التخريج
  1. ١الأسحم: الأسود. النهاية (سحم).
  2. ٢أدْعج العينين: شديد سواد العينين شديد بياضهما. انظر: النهاية (دعج).
  3. ٣الوَحَرة: دُوَيْبة كالعَظاءةِ تَلْزَق بالأرض، شبيهة بالوزغ، إلا أنها بيضاء منقّطَة بحُمْرةٍ. النهاية واللسان (وحر).
  4. ٤أخرجه البخاري ١‏/‏٩٢ (٤٢٣)، ٦‏/‏٩٩-١٠٠ (٤٧٤٥، ٤٧٤٦)، ٧‏/‏٤٢ (٥٢٥٩)، ٧‏/‏٥٣-٥٤ (٥٣٠٨)، ٩‏/‏٩٨ (٧٣٠٤)، ومسلم ٢‏/‏١١٢٩-١١٣٠ (١٤٩٢)، وأحمد ٣٧‏/‏٤٨٥-٤٨٦ (٢٢٨٣٠) واللفظ له، وابن جرير ١٧‏/‏١٨٦.
٢
عن أنس، قال: لَأولُ لعانٍ كان في الإسلام أنّ شريك بن سَحْماء قذفه هلالُ بن أمية بامرأته، فرفعته إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «أربعة شهود، وإلا فحَدٌّ في ظهرك». فقال: يا رسول الله، إنّ الله ليعلم أنِّي لصادق، ولَيُنزِلَنَّ الله ما يُبَرِّىء به ظهري مِن الجلد. فأنزل الله آية اللعان: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ إلى آخر الآية. فدعاه النبيُّ ﷺ، فقال: «اشهد بالله أنّك لَمِن الصادقين فيما رميتها به مِن الزِّنا». فشهد بذلك أربعَ شهادات بالله، ثم قال له في الخامسة: «ولعنة الله عليك إن كنت مِن الكاذبين فيما رميتها به مِن الزنا». ففعل، ثم دعاها رسول الله ﷺ، فقال: «قُومي، فاشهدي بالله أنّه لمن الكاذبين فيما رماك به مِن الزنا». فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: «وغضب الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به مِن الزنا». فقالت، فلما كان في الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائرَ اليوم. فمَضَت على القول، ففَرَّق رسولُ الله ﷺ بينهما، وقال: «انظروا؛ فإن جاءت به جَعْدًا، حَمْشَ الساقين١؛ فهو لشريك بن سَحْماء، وإن جاءت به أبيض، سبطًا، قَضِيء العينين٢؛ فهو لهلال بن أمية». فجاءت به آدم، جعدًا، حمش الساقين، فقال رسول الله ﷺ: «لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن»٣
التخريج
  1. ١حَمْش الساقين: دقيقهما. النهاية (حمش).
  2. ٢قَضِيء العينين: فاسد العينين. النهاية (قضأ).
  3. ٣أخرجه أبو يعلى في مسنده ٥‏/‏٢٠٧-٢٠٨ (٢٨٢٤). وأصل الحديث عند مسلم ٢‏/‏١١٣٤ (١٤٩٦).
٣
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنّ رجلًا مِن الأنصار مِن بني زريق قذف امرأتَه، فأتى النبيَّ ﷺ، فرَدَّد ذلك عليه أربع مرات، فأنزل الله آيةَ الملاعنة، فقال رسول الله ﷺ: «أين السائل؟ قد نزل مِن الله أمر عظيم». فأبى الرجلُ إلا أن يلاعنها، وأبت إلا أن تَدْرَأَ عن نفسها العذاب، فتلاعنا، فقال رسول الله ﷺ: «إمّا تجيء به أُصَيْفِر، أحْمَش، مفتول العظام؛ فهو للمُلاعِن، وإما تجيء به أسود، كالجمل الأوَرْق١؛ فهو لغيره». فجاءت به أسود كالجمل الأورق، فدعا به رسولُ الله ﷺ، فجعله لعَصَبَة أمه، وقال: «لولا الأيمان التي مَضَتْ لكان فيه كذا وكذا»٢
التخريج
  1. ١الأورق: الأسمر. النهاية (ورق).
  2. ٢أخرجه النسائي في الكبرى ٦‏/‏١١٨ (٦٣٢٨)، والدارقطني ٣‏/‏٢٧٥، بلفظ: «إمّا هي تجيء به أُصَيْفر، أخينس، منشول العظام [الخَنس -محركة-: تأخر الأنف عن الوجه. القاموس المحيط (خنس). والمنشول: قليل اللحم. جمهرة اللغة]؛ فهو للملاعن»، من طريق أحمد بن إبراهيم بن محمد القرشي، قال: حدثنا ابن عائذ، قال: حدثنا الهيثم بن حميد، قال: أخبرني ثور بن يزيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. إسناده حسن.
٤
عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «لو رأيتَ مع أمِّ رَوْمان رجلًا ما كنتَ فاعلًا به؟». قال: كنت -واللهِ- فاعلًا به شَرًّا. قال: «فأنت، يا عمر؟». قال: كنت -واللهِ- قاتلَه. فنزلت: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البزار ٧‏/‏٣٤٣ (٢٩٤٠). قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٧٤ (١١١٩٥): «ورجاله ثقات». وقال ابن حجر في مختصر زوائد البزار ٢‏/‏٩٦: «كلهم ثقات». وقال السيوطي: «رجال إسناده ثقات، إلا أن البزار كان يحدِّث من حفظه فيُخْطِئ».
٥
عن حذيفة بن اليمان -من هذا الطريق- نحوه، وزاد بعد قوله: كنت قاتلَه. قال: «فأنتَ، يا سهيل ابن بيضاء». قال: كنت أقول: لعن الله الأبعدَ؛ فهو خبيث، ولعن الله البُعْدى؛ فهي خبيثة، ولعن الله أولَ الثلاثة أخبرَ بهذا. فقال رسول الله ﷺ: «تأولتَ القرآن، يا ابن بيضاء: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٨‏/‏١٠٦-١٠٧ (٨١١١)، وأبو نعيم في الحلية ٩‏/‏٢٣٧-٢٣٨. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال أبو نعيم: «غريبٌ، تفرَّد به يونس عن أبي إسحاق، وعنه النضر». وقال الهيثمي في المجمع ٥‏/‏١٢ (٧٨٤١): «رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه موسى بن إسحاق، ولم أعرفه، وبقيَّةُ رجاله رجال الصحيح». وقال السيوطي: «وهذا أصحُّ من قول البزار: فنزلت».
٦
عن زيد بن يُثيع، أنّ النبي ﷺ قال لأبي بكر: «أرأيتَ لو وجدت مع أهلك رجلًا كيف كنت صانعًا؟» قال: إذن لقتلته. ثم قال لعمر، فقال مثل ذلك، ثم تتابع القومُ على قول أبي بكر وعمر، ثم قال لسهيل ابن البيضاء، قال: كنت أقول: لعنكِ الله؛ فأنت خبيثة، ولعنكَ الله؛ فأنت خبيث، ولعن الله أولَ الثلاثةِ مِنّا يُخرج هذا الحديث. فقال رسول الله ﷺ: «تأولت القرآن، يا ابن البيضاء، لو قتله قُتِل به، ولو قذفه جُلِد، ولو قذفها لاعنها»١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٧‏/‏٩٧ (١٢٣٦٤) بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- قال: لَمّا نزلت ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ قال سعد بن عبادة: الله! إن أنا رأيت لَكاع مُتَفَخِّذها رجلٌ، فقلتُ بما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين إلى ما أجمع أربعة، قد ذهب؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيِّدُكم؟». قالوا: يا رسول الله، لا تَلُمْهُ. وذكروا مِن غيرته: فما تَزَوَّج امرأةً قطُّ إلا بِكرًا، ولا طلَّق امرأةً قطُّ فرجع فيها أحدٌ مِنّا. فقال رسول الله ﷺ: «فإنّ الله يأبى إلا ذاك». فقال: صدق اللهُ ورسوله. قال: فلم يلبثوا أن جاء ابنُ عمٍّ له، فرمى امرأتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين، فقال: لا، واللهِ، لا يجعل في ظهري ثمانين أبدًا، لقد نظرت حتى أيقنتُ، ولقد استسْمعَتُ حتى استشْفَيتُ. قال: فأنزل اللهُ القرآنَ باللِّعان، فقيل له: احلِف. فحلف، قال: «قِفوه عند الخامسة؛ فإنّها مُوجِبة». فقال: لا يُدْخِلُه اللهُ النارَ بهذا أبدًا، كما درأ عنه جَلْدَ ثمانين؛ لقد نظرتُ حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيتُ. فحلف، ثم قيل لها: احلفي. فحلفت، ثم قال: «قفوها عند الخامسة؛ فإنها موجبة». فقيل لها: إنها مُوجِبة. فتَلَكَّأت ساعة، ثم قالت: لا أُخْزِي قومي. فحلفت، فقال رسول الله ﷺ: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للَّذي قيل فيه ما قيل». قال: فجاءت به غلامًا كأنّه جملٌ أوْرَق، فكان بعدُ أميرًا بمصر، لا يُعْرَف نسبُه، أو لا يُدْرى مَن أبوه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏١٧٩-١٨٠ مرسلًا.
٨
قال مقاتل بن سليمان: قرأ النبيُّ ﷺ هاتين الآيتين١ في خطبة يوم الجمعة، فقال عاصم بن عدي الأنصاري للنبي ﷺ: جعلني الله فداك، لو أنّ رجلًا مِنّا وجد على بطن امرأته رجلًا، فتكلَّم جُلِد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة في المسلمين أبدًا، ويسميه المسلمون فاسقًا، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء، إلى أن يلتمس أحدنا أربعة شهداء فقد فرغ الرجلُ من حاجته. فأنزل الله عز وجل في قوله: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين﴾ إلى ثلاث آيات. فابتلى الله عز وجل عاصمًا بذلك في يوم الجمعة الأخرى، فأتاه ابنُ عمِّه عُوَيْمِر الأنصاري من بني العجلان بن عمرو بن عوف، وتحته ابنة عمه أخي أبيه، فرماها بابنِ عمِّه شريك بن السحماء، والخليل والزوج والمرأة كلهم من بني عمرو بن عوف، وكلهم بنو عم عاصم، فقال: يا عاصم، لقد رأيت شَرِيكًا على بطن امرأتي. فاسترجع عاصِم، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: أرأيتَ سؤالي عن هذه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾، فقد ابتُلِيت بها في أهل بيتي. فقال النبيُّ ﷺ: «وما ذاك، يا عاصم؟». فقال: أتاني ابنُ عمِّي، فأخبرني أنّه وجد ابنَ عمٍّ لنا على بطن امرأته. فأرسل النبيُّ ﷺ إلى الزوج والخليل والمرأة، فأتوه، فقال النبي ﷺ لزوجها عويمر: «ويحكَ! اتَّقِ الله عز وجل في خليلتك وابنةِ عمِّك أن تقذفها بالزنا». فقال الزوج: أقسم لك بالله عز وجل أنِّي رأيته معها على بطنها، وإنها لَحُبْلى منه، وما قربتها منذُ أربعة أشهر. فقال النبيُّ ﷺ للمرأة -خولة بنت قيس الأنصارية-: «ويحكِ! ما يقولُ زوجُكِ؟». قالت: أحلف بالله إنه لكاذب، ولكنه غار، ولقد رآني معه نُطِيل السَّمَر بالليل، والجلوس بالنهار، فما رأيت ذلك في وجهه، وما نهاني عنه قطُّ. فقال النبيُّ ﷺ للخليل: «ويحكَ! ما يقول ابنُ عمِّك؟». فحدَّثه مثلَ قولها، فقال النبيُّ ﷺ للزوج والمرأة: «قوما، فاحلفا بالله عز وجل». فقام الزوج عند المنبر دُبُرَ صلاة العصر يوم الجمعة، وهو عويمر بن أُمَيَّة، فقال: أشهد بالله أنّ فلانة زانية -يعني: امرأته خولة-، وإني لمن الصادقين. ثم قال الثانية: أشهد بالله أن فلانة زانية، ولقد رأيت شريكًا على بطنها، وإني لمن الصادقين. ثم قال الثالثة: أشهد بالله أن فلانة زانية، وإنها لَحُبلى من غيري، وإني لمن الصادقين. ثم قال في الرابعة: أشهد بالله أن فلانة زانية، وما قربتها منذ أربعة أشهر، وإني لمن الصادقين. ثم قال الخامسة: لعنة الله على عويمر، إن كان من الكاذبين عليها في قوله. ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾. ثم قامت خولة بنت قيس الأنصاري مقام زوجها، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الثانية: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى شريكًا على بطني، وإن زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الثالثة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وإني لَحُبلى منه، وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت الرابعة: أشهد بالله ما أنا بزانية، وما رأى عليَّ مِن رِيبَة ولا فاحشة، وإنّ زوجي لمن الكاذبين. ثم قالت الخامسة: غضِب اللهُ على خولة إن كان عويمرًا مِن الصادقين في قوله. ففرَّق النبيُّ بينهما، فذلك قوله عز وجل: ﴿ويدرؤا عنها العذاب﴾ يقول: يدفع عنها الحدَّ لشهادتها بعد ﴿أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان﴾ زوجها ﴿من الصادقين﴾ في قوله، وكان الخليلُ رجلًا أسود ابن حبشية، فقال النبي ﷺ: «إذا ولَدَتْ فلا تُرضِع ولدَها حتى تأتوني به». فأتوه بولدها، فإذا هو أشبه الناس بالخليل، فقال النبيُّ ﷺ: «لولا الأيمان لكان لي فيهما أمْر»٢٣
التخريج
  1. ١أي: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ (٤) إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأَصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏١٨٤.
تعليقات المحققين
  1. ٣قال ابنُ عطية (٦/٣٤٤): «المشهور أن نازلة هلال قبلُ، وأنها سبب الآية. وقيل: نازلة عويمر قبلُ، وهو الذي وسَّط إلى رسول الله ﷺ عاصم بن عدي».
٩
عن عبد الله بن مسعود، قال: كُنّا جلوسًا عَشِيَّة الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ! واللهِ، لَئِن أصبحتُ صالِحًا لأسألنَّ رسول الله ﷺ. فسأله، فقال: يا رسول الله، أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ! اللهُمَّ، احكم. فنزلت آيةُ اللعان، فكان ذلك الرجل أول مَن ابتُلِي به١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏١١٣٣ (١٤٩٥)، وأحمد ٧‏/‏١٠٥ (٤٠٠١)، ٧‏/‏٣١٢ (٤٢٨١) واللفظ له، وابن جرير ١٧‏/‏١٨٣.
١٠
عن عاصم بن عدي -من طريق الشعبي- قال: لَمّا نزلت: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية؛ قُلتُ: يا رسول الله، إلى أن يأتي الرجلُ بأربعة شهداء قد خرج الرجل! فلم ألبث إلا أيامًا فإذا ابنُ عمٍّ لي معه امرأتُه ومعها ابنٌ، وهي تقول: منك. وهو يقول: ليس مِنِّي. فنزلت آيةُ اللعان. قال عاصم: فأنا أولُ مَن تكلَّم به، وأول مَن ابتُلِي به١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ١‏/‏٢٦١ (٨٥٥)، وابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٢٨ (١٤١٦١) واللفظ له. قال الهيثمي في المجمع ٥‏/‏١٣ (٧٨٤٢): «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح».
١١
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنّ عاصم بن عدي لما نزلت: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾؛ قال: يا رسول الله، أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن مردويه -كما في الفتح ٩‏/‏٤٤٨-. قال الحافظ ابن حجر: «وفي سنده مع إرساله ضعف».
١٢
عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية؛ قال سعد بن عبادة -وهو سيِّد الأنصار-: أهكذا أُنزِلت، يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيِّدُكم؟!». قالوا: يا رسول الله، لا تُلْمُه؛ فإنّه رجل غيور، واللهِ، ما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بِكْرًا، وما طلَّق امرأةً له قطُّ فاجترأ رجلٌ مِنّا على أن يتزوجها مِن شدة غيرته. فقال سعد: واللهِ، يا رسول الله، إنِّي لأعلم أنها حقُّ، وأنّها من الله، ولكني تعجبتُ أنِّي لو وجدت لَكاعًا١ قد تَفَخَّذها رجلٌ لم يكن لي أن أهيجه ولا أُحَرِّكه حتى آتي بأربعة شهداء! فواللهِ، لا آتي بهم حتى يقضي حاجتَه. قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء مِن أرضه عِشاءً، فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينه، وسمع بأذنيه، فلم يُهِجْه حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني جئتُ أهلي عِشاءً، فوجدت عندها رجلًا، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني. فكَرِه رسول الله ﷺ ما جاء به، واشْتَدَّ عليه، واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتُلِينا بما قال سعدُ بن عبادة، الآن يضرب رسولُ الله ﷺ هلالَ بنَ أمية، وتَبْطُل شهادتُه في المسلمين. فقال هلال: واللهِ، إنِّي لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. فقال: يا رسول الله، إنِّي قد أرى ما اشْتَدَّ عليك مِمّا جئت بهُ، واللهُ يعلمُ أنّي لَصادق. فواللهِ، إنّ رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل على رسول الله ﷺ الوحيُ، وكان إذا نزل عليه الوحيُ عرفوا ذلك في تَرَبُّد٢ جلده، فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية، فسُرِّي عن رسول الله ﷺ، فقال: «أبشِرْ، يا هلال، قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا». فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربِّي. فقال رسول الله ﷺ: «أرسلوا إليها». فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، وذكَّرهما، وأخبرهما أنّ عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا، فقال هلال: واللهِ، يا رسول الله، لقد صدقتُ عليها. فقالت: كَذَب. فقال رسول الله ﷺ: «لاعِنوا بينهما». فقيل لهلال: اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل لهلال: اتَّقِ الله، فإنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، وإنّ هذه المُوجِبَة التي تُوجِب عليك العذاب. فقال: واللهِ، لا يُعَذِّبني اللهُ عليها كما لم يجلدني عليها. فشهد في الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان مِن الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي. فشهدتْ أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت في الخامسة قيل لها: اتَّقي الله، فإنّ عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإنّ هذه المُوجِبة التي تُوجِب عليك العذاب. فتَلَكَّأتْ ساعةً، وقالت: واللهِ، لا أفضح قومي. فشهدت في الخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرَّق رسولُ الله ﷺ بينهما، وقضى أنّه لا يُدعى لأبٍ، ولا تُرمى ولا يُرمى ولدها مِن أجل الشهادات الخمس، وقضى رسول الله ﷺ أنّه ليس لها قوت ولا سكنى ولا عِدَّة؛ من أجل أنّهما تَفَرَّقا مِن غير طلاق، ولا مُتَوَفى عنها٣
التخريج
  1. ١اللُّكَع عند العرب: العَبد، ثم اسْتُعمِل في الحُمق والذَّم. يقال للرجُل: لُكَعُ، ولِلْمَرْأَةِ لَكاعِ. النهاية (لكع).
  2. ٢تَرَبّد وجهه: أي تغَيَّرَ إلى الغُبرة. النهابة (ربد).
  3. ٣أخرجه أحمد ٤‏/‏٣٣-٣٦ (٢١٣١)، وأبو داود ٣‏/‏٥٦٩-٥٧٠ (٢٢٥٦)، وابن جرير ١٧‏/‏١٨٠-١٨٢، وابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٢٩-٢٥٣٠ (١٤١٦٥)، ٨‏/‏٢٥٣٣-٢٥٣٤ (١٤١٨٢، ١٤١٨٣). وأورده الثعلبي ٧‏/‏٦٨-٧٠. قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٧٤ (١١١٩٤): «رواه أحمد، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وقد وُثِّق». وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢‏/‏٢٤٥-٢٤٦ (٣٨٨): «إسناده ضعيف؛ لِعَنْعَنَة عباد بن منصور وضَعْفِه، وبه أعلَّه الحافظُ المنذري والعسقلاني».
١٣
عن ابن عباس: أنّ هلال بن أمية قذَفَ امرأته عند النبيِّ ﷺ بشَرِيك بن سَحْماء، فقال النبيُّ ﷺ: «البَيِّنة، وإلا حَدٌّ في ظهرك». فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة! فجعل رسول الله ﷺ يقول: «البينة، وإلا حدٌّ في ظهرك». فقال هلال: والذي بعثك بالحقِّ، إنِّي لَصادق، وليُنزِلَنَّ اللهُ ما يبرىء ظهري من الحد. فنزل جبريل، فأنزل الله عليه: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ: ﴿إن كان من الصادقين﴾. فانصرف النبيُّ ﷺ، فأرسل إليهما، فجاء هلال، فشهد، والنبي ﷺ يقول: «الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟». ثم قامت، فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا: إنّها مُوجِبة. فتَلَكَّأَتْ ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائِرَ اليوم. فمضت، فقال النبيُّ ﷺ: «أبصِروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين، سابِغ الألْيَتَيْن١، خَدَلَّج٢ الساقين فهو لِشريك بن سَحْماء». فجاءت به كذلك، فقال النبي ﷺ: «لولا ما مضى مِن كتاب الله لكان لي ولها شأن»٣
التخريج
  1. ١سابغ الإليتين: تامّها وعَظِيمهما، مِن سُبُوغِ الثَّوب والنّعمِة. النهاية (سبغ). والإلية: العجز. النهاية (ألي).
  2. ٢خَدَلَّج الساقين: عظيمهما. النهاية (خدلج).
  3. ٣أخرجه البخاري ٣‏/‏١٧٨ (٢٦٧١)، ٦‏/‏١٠٠ (٤٧٤٧)، ٧‏/‏٥٣ (٥٣٠٧).
١٤
عن عبد الله بن عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فرمى امرأته برجل، فكَرِه ذلك رسولُ الله ﷺ، فلم يزل يُرَدِّده حتى أنزل الله: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾، حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما، فدعاهما، فقال: «إنّ الله قد أنزل فيكما». فدعا الرجلَ، فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فِيه، فوعظه، فقال له: «كل شيء أهون عليك مِن لعنة الله». ثم أرسله، فقال: لعنة الله عليه إن كان مِن الكاذبين. ثم دعا بها، فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين. ثم أمر بها فأمسك على فيها، فوعظها، وقال: «ويحكِ! كلُّ شيء أهونُ عليك مِن غضب الله». ثم أُرسِلَتْ، فقالت: غضب الله عليها إن كان مِن الصادقين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٨‏/‏٢٥٣٤ (١٤١٨٣)، من طريق أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا صالح بن عمر، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، حدثني ابن عباس به. إسناده صحيح.
١٥
عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ، فقال: إنّ امرأتي زَنَتْ. وسكتَ رسولُ الله ﷺ كأنّه مُنَكَّس في الأرض، ثم رفع رأسَه، فقال: «قد أنزل اللهُ فيك وفي صاحبتِكَ، فائْتِ بها». فجاءت، فقال: «قم فاشهد أربع شهادات». فقام، فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، فقال له: «ويلك -أو: ويحك-؛ إنّها مُوجِبة». فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قامت امرأته فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، ثم قال: «ويلك -أو: ويحك-؛ إنها موجبة». فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم قال له: «اذهب، لا سبيل لك عليها». فقال: يا رسول الله، مالي؟ قال: «لا مال لك؛ إن كنت صدقتَ عليها فهو بما استحللتَ مِن فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٧‏/‏٥٥ (٥٣١١، ٥٣١٢)، ٧‏/‏٦١ (٥٣٤٩)، ٧‏/‏٦٢ (٥٣٥٠)، ومسلم ٢‏/‏١١٣١ (١٤٩٣)، وعبد الرزاق ٢‏/‏٤٣١ (٢٠١٣، ٢٠١٤) جميعهم بنحوه.
١٦
عن سعيد بن جبير، قال: سُئِلت عن المتلاعنَينِ أيُفَرِّق بينهما؟ فما دَرَيْتُ ما أقول، فقُمْت من مكاني إلى منزل ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيُفَرَّق بينهما؟ فقال: سبحان الله! نعم، إنّ أول مَن سأل عن ذلك فلانُ بن فلان، قال: يا رسول الله، أرأيتَ الرجلَ يرى امرأته على فاحشة، فإن تكلَّم تكلَّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك! فسكت فلم يُجِبه، فلمّا كان بعد ذلك أتاه، فقال: إنّ الذي سألتُك عنه قد ابتُلِيت به. فأنزل اللهُ هذه الآية في سورة النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ حتى بلغ ﴿أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾. فبدأ بالرجل، فوَعَظَه وذَكَّره، وأخبره أنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقال: والذي بعثك بالحق، ما كَذَبْتُك. ثم ثَنّى بالمرأة، فوعظها وذَكَّرها، وأخبرها أنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحقِّ، إنّه لَكاذب. فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله أنه لَمِن الصادقين، والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهِدت أربع شهادات بالله أنّه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏١١٣٠ (١٤٩٣)، وأحمد ٨‏/‏٣١٩-٣٢٠ (٤٦٩٣)، ٩‏/‏٥٢-٥٣ (٥٠٠٩) واللفظ له، وابن جرير ١٧‏/‏١٨٤.
التفسير بالمأثور لسورة النّور كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٦ من سورة النّور

٥ وقفات في هذه الآية

  • تأملات قرآنية تأمل سورة النور أية 6

    — سعد العتيق

  • وقفات مع سورة النور(سورة النور آية 6)

    — عبدالله بلقاسم

  • سورة النور آية 6

    — عبدالله الشهري

  • آية (6): * ورتل القرآن ترتيلاً : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ (6)) انظر كيف أُعفي الزوج من إحضار أربعة شهود واكتُفي منه بأَيمان أربعة. وذلك لأن الزوج بما عنده من الغيرة يأنف من الإتيان بأربعة رجال ليشهدوا على زوجه وهي على هذه الحالة من التلبّس بالزنا لما في ذلك من تشنيع لها وفضحٍ لعِرضه قبل عِرضها.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • التفسير الفقهي سورة النور آية 6

    — سعد الشثري

ترجمات معاني الآية ٦ من سورة النّور

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(6) And those who accuse their wives [of adultery] and have no witnesses except themselves - then the witness of one of them[976] [shall be] four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the truthful.
[976]- The husbands who have been betrayed.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال