تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٦ : وقوله تعالى ]والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين[ روي عن ابن عباس أنه(١) قال : لما نزلت هذه الآية قال عاصم(٢) بن عدي الأنصاري : إن(٣) دخل منا رجل بيته، فوجد رجلا على بطن امرأته، فأراد أن يخرج فيجيء بأربعة رجال شهود يشهدون على ذلك يكن(٤) قد قضى الرجل حاجته، وخرج. وإن هو عجل، فقتله(٥)، قتل به. وإن هو قال : وجدت فلانا مع فلانة، ضرب به الحد، ولا عن امرأته. وإن سكت سكت على غيظ. فذكر أنه ابتلي بذلك من بين الناس.
فأتى رسول الله، فأخبره بذلك، وقال : وجدت فلانا على (٦) بطنها، فأرسل رسول الله إلى امرأته وإلى فلان، فجمع بينهما وبين عاصم، فقال للمرأة : ويحك ! ما يقول زوجك ؟ قالت : يا رسول الله إنه لكاذب، ما رأى شيئا من ذلك، ولكنه رجل غيور، فذلك الذي حمله على أن يتكلم بالذي تكلم، فكان(٧) فلان ضيفا عنده ؛ يدخل، ويخرج علي، وهو يعلم ذلك، فلم ينهني عن ذلك ساعة من ليل أو نهار أن يدخل علي، فسأله عن ذلك، فقال : يا عاصم اتق الله في حليلتك، ولا تقل إلا حقا. قال : يا رسول الله، أقسم بالله ما قلت إلا حقا، ولقد رأيته يغشى على بطنها، وهي حبلى، وما قربتها منذ كذا وكذا. فأمرهما رسول الله أن يتلاعنا عند ذلك.
وقال : يا عاصم قم، فاشهد أربع شهادات بالله إنه لكما قلت، وإنك لمن الصادقين في قولك عليها، ثم قل(١) ]والخامسة أن لعنت الله[ عليك إن كنت من الكاذبين. ففعل ما ذكر.
الآيتان ٨ و ٩ : ثم قال للمرأة مثل ذلك(١) فشهدت ]أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين[ ( والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين[ عليها/٣٦٣-أ/ في قوله.
فلما تلاعنا، وفرغا من اللعان، فرق بينهما، ثم قال للمرأة : إذا ولدت فلا ترضعيه حتى تأتيني به. فلما انصرفوا عنه قال رسول الله ﷺ : إن ولدته أحمر مثل الدبس فهو الذي يشبه أباه الذي نفاه ( وإن ولدته )(٢) أسود أدعج جعدا قططا فهو يشبه الذي رميت به. فلما وضعت أتت به رسول الله ﷺ فنظر إليه، فإذا هو أسود أدعج جعد قططا على ما نعته رسول الله ﷺ يشبه الذي رميت به. فقال رسول(٣) الله : لولا اللعان والأيمان التي سلفت لكان لي فيها رأي " ( البخاري ٤٧٤٧ ).
وفي بعض الأخبار أنه لما جمع بينهما قال لهما(٤) : " اتقيا الله، فإن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب، فإن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا " ( البخاري : ٤٧٤٧ ).
وفي بعض الأخبار أن الآية نزلت في شأن هلال بن أمية، فذكر فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم في هذا مسائل : إحداهما : أنه ذكر قذف الأزواج، وذكر فيه اللعان، ولم يبين.
فظاهر الآية الزوج والزوجة كافران أو حران مسلمان أو مملوكان أو كيف ؟
فعندنا أنه إذا كان أحدهما كافرا أو مملوكا أو كانا جميعا لم يكن بينهما لعان إلا أن يكونا جميعا من أهل الشهادة، وحجتنا(٥) في ذلك أن الله جعل على الأجنبي الحر إذا قذف أجنبية حرة الحد ثمانين، وجعل حد الزوج إذا قذف زوجته، وهما حران مسلمان، اللعان.
ثم قد ذكرنا إجماعهم على أن الحر إذا قذف أمة أو يهودية فلا حد عليه. فلما لم يكن على الحر القاذف الأمة من الحد(٦) لم يكن على زوج الأمة من اللعان ما على زوج الحرة.
وأصل هذا بأن الله ذكر الشهادة في رمي الأجنبية المحصنة وإبراء القاذف عن الحد إذا آتى بها، وأمر بإقامة الحد إذا عجز عن إتيانها(٧).
ثم استثنى من الشهداء الذين ذكر في قذف الأجنبية شهادة الزوجين بقوله :]ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله[ فإذا لم يدخلا في تلك الشهادة إذا كانا مملوكين أو كافرين، أو أحدهما لم يدخل في ما استثنى، إذ الثنيا استخراج من تلك الجملة المستثناة وتحصيل منها. لذلك بطل اللعان.
ووجه آخر في الكافرة، وهو أن المرأة تقول في الخامسة : إن ]غضب الله عليها إن كان من الصادقين[ وغضب الله يكون عليها بغير شرط. فمحال أن يقول القاضي لها : عليك غضب الله بشرط إن كان الزوج صادقا، وهو(٨) يعلم أن غضب الله(٩) عليها في كل حال لذلك بطل.
والمخالف لنا أولى بإبطال اللعان بين الحرة والأمة والمسلمة والذمية منا لأنهم يزعمون أن العبد ليس بكفء للحرة، ولا الكافر بكفء للمسلم في القصاص في النفس وفي ما دون النفس. فكيف جعلوها في أيمانها مكافئة(١٠) لأيمان الأحرار المسلمين ؟ كان يجب أن يقولوا : ليست يمين الكافر بمجارية ليمين المسلم، فلا يوجبون بينهما لعانا. والوجه فيه ما ذكرنا بدءا.
ثم المسألة الثانية(١١) : في إباء الأيمان ( في وجهين : أحدهما )(١٢) : إذا أبى أحدهم الأيمان خذ عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي.
وعندنا أنه لا يحد بالإباء، فذهب من أوجب الجلد بالإباء إلى ظاهر قوله :]ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة[ ( النور : ٤ ) أوجب الجلد في قذف الأجنبي إذا عجز عن إتيان(١٣) الشهود، ودرأ عنه الحد إذا أتى بأربعة، يشهدون. فعلى ذلك درئ عن الزوجين الحد إذا شهد كل واحد منهما أربع شهادات بالله. فوجب إذا أبى أحدهما الأيمان أن يحد ؛ إذ بالأيمان يدرأ الحد، ويوجب اللعان.
والثاني : ما قال عز وجل ]ويدرؤوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله[ جعل الأيمان سبب درء الحد عنها. فإذا أبت ذلك لزمها(١٤) الحد.
وعندنا أنه لا يحد بالإباء لأنه ليس بالإباء ظهور الكذب، إذ ليس كل من أبى اليمين يظهر كذبه فيه، وإنما يحد لظهور كذبه في القذف، وهو لا يعلم، لا يظهر بالإباء. وإنما حد في الأجنبية إذا لم يأت بأربعة شهداء، لأنه في الظاهر عند الناس كاذب، لأنه ليس بينه وبين الأجنبية سبب ولا معنى يبعثه على إظهار ما ذكر.
وأما في ما بينه وبين زوجته سبب ومعنى يحمله على إظهار ذلك، وهو الغيرة. فإذا كان كذلك فهو في قذف الزوجة في الظاهر صادق عند الناس للسبب الذي ذكرنا لأنه طالب حق قبلها على ما روي : " لا يوطئن فرشهن من يكره الأزواج " ( بنحو الترمذي : ١١٦٣ ) فلا يزال صدقه بإباء اليمين.
وأما في قذف أجنبية فهو كاذب في الظاهر لعدم السبب الحامل على إظهار ذلك الكذب حتى يأتي ما به يزيل الكذب، وهو الشهود. وفي القذف(١٥) الزوجة على الصدق حتى يظهر بالإباء. لذلك افترقا ؛ ولأن الحد لا يقام بالإباء البتة، ولأن الأيمان لا تقابل بشهادة العدول بحال.
ألا ترى أن من شهد عليه شاهدا عدل بحق، فحلف هو بأيمان لم تكن الأيمان بتلك الشهادة في سقوط الحق ؟
وأما قوله :]ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله[ فجائز(١٦) أن يكون ذلك في تلك المرأة التي في أمرها نزلت الآية ؛ علم رسول الله ﷺ كذبها بالوحي.
ألا ترى أنه قال : " إذا جاءت بكذا فهو لكذا، وإذا جاءت بكذا فهو لكذا ؟ ثم جاءت به شبيها بالذي رميت به. فقال رسول الله ﷺ " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " ( البخاري : ٤٧٤٧ ) علم كذبها حين(١٧) قال : " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " فدرأت تلك المرأة العذاب عنها بالأيمان.
أو أن يكون العذاب الذي درئ عنها الحبس ؛ إذ من قولنا : أيهما أبى باليمين حبس حتى يشهد أربع شهادات بالله. أو يقر بالزنى، أو يكذب نفسه. فدرء الحبس عنهما بالأيمان التي ذكر.
وإنما لم يحد بالإباء لأن الإباء لا يظهر الكذب كالإقرار ولأن الإباء في الحقيقة إباحة. ولو أن إنسانا أباح للحاكم أن يقيم عليه الحد لم يقم. فعلى ذلك هذا. أو لما يجوز أن يأبى عن الأيمان صونا لنفسه عن اللعن أو الغضب الذي ذكر، لم(١٨) يحد لما ذكرنا.
ثم مسألتان(١٩) في هذا، نذكرهما، وإن لم تكونا في ظاهر هذه الآية : إحداهما : في إلحاق الولد أمه. والأخرى : في تفريق الحاكم بينهما إذا تلاعنا.
قال بعض أهل العلم : إذا فرغ الزوج من ( أيمانه وقعت بينهما الفرقة، وإن لم يفرق الحاكم. وقلنا نحن : لا تقع الفرقة بينهما حتى يفرغا من تلاعنهما. ويفرق الحاكم بينهما.
والأولى (٢٠) في إلحاق الولد. قال أولئك أيضا : إذا فرغ ( الزوج )(٢١) من(٢٢) لعانه لحق الولد أمه، وإن لم تلتعن المرأة.
والقياس في لحوق الولد ما قال أولئك : إنه يلحق بفراغ الزوج من اللعان. والقياس في وقوع الفرقة ما قال أصحابنا : إنه لا يقع إلا بعد فراغ الزوجين جميعا وتفريق الحاكم بينهما ؛ لأن الزوج إذا شهد
( أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين[ قد ألزم امرأته الزنى في الظاهر.
فإذا ظهر أن الولد ليس منه فجائز لحوقه بالأم بفراغه من الأيمان.
وأما الفرقة فإنها لا تقع بظهور الزنى. ألا ترى أن امرأة الرجل إذا زنت لا تقع/٣٦٣-/ بينهما (٢٣)الفرقة ؟
ألا ترى أن دعوى المرأة باقية بعد فراغ الزوج من أيمانه ؟ لذلك افترقا.
والأخبار تدل لمذهب أصحابنا في المسالتين جميعها لأنه روي عن نافع بن مالك(٢٤) عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله ﷺ وانتقى من ولدها، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة.
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ لما لاعن بينهما فرق بينهما. وروي في الأخبار أن رسول الله ﷺ قال لهما : " الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب " ( البخاري : ٤٧٤٧ ) قال ذلك لهما ثلاثا، فأبيا، ففرق بينهما. وفي بعض الأخبار قال : " حسابكما على الله " (٢٥) ( البخاري : ٥٣٥٠ ).
فإن قيل : إنما فرق بينهما النبي لأن الفرقة قد وقعت بينهما، فأخبره النبي أنها(٢٦) لا تحل له، وقال : لا سبيل لك عليها. قيل : قولك : إن الفرقة قد وقعت بينهما باللعان دعوى منكم، وظاهر الأخبار يشهد لنا، وعلى وهم الخصم.
ثم يقال لهم : ألستم تقولون في المولى : إذا مضت مدته، فارتفعا إلى الحاكم، هل تقع الفرقة بينهما إذا امتنع من قربانها وطلاقها ما لم يقل القاضي : قد فرقت بينكما ؟
فإن قيل : فرقة الإيلاء طلاق، وفرقة اللعان غير طلاق عندنا، قيل : هما عندنا طلاق.
فإن قيل : إنكم تزعمون أن فرقة الإيلاء تقع بمضي الأجل، فما منع أن تقع الفرقة باللعان بتمام اللعان ؟ قيل : لم يكن للحاكم في الإيلاء صنع، فلا تحتاج إلى حكمه. وفي الآخر لا يتم اللعان إلا بالقاضي، فلا تقع الفرقة إلا بالقاضي.
ويقال لهم : ما تقولون في رجل، ادعى حقا، فأقام عليه شاهدان(٢٧) عند قاض. هل يلزم الحكم قبل أن يقول القاضي : قد حكمت بذلك ؟ فإن قالوا : لا يلزم الحكم حتى يقول : قد حكمت. فيقال : ما منع أن [ يكون اللعان مثله ](٢٨) ؟
ويقال لهم أيضا : ما تقولون في العنين : أجله حكم(٢٩) الحاكم بينهما. فإن قالوا : لا تقع ( الفرقة بينهما )(٣٠) حتى يفرق الحاكم بينهما. قيل :( ما منع )(٣١) في فرقة اللعان أنه كذلك ؟ فإن قالوا : إنما صارت الفرقة، لا تقع في العنين والمولى حتى يوقعها الحاكم : يقول : طلقها، أو فيء إليها، ويقول لامرأة العنين : اختاري في الفرقة أو المقام معه.
فلما كان الحاكم ينتظر(٣٢) ما يقول المولى وامرأة العنين لم تقع الفرقة حتى يوقعها. وليس في اللعان شيء ينتظره الحاكم. لذلك افترفا.
فق
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: عبد الله..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: فقتل..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ من م، ساقطة من الأصل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى