التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن حكم القذف بصفة عامة، إلى الحديث عن حكم القذف إذا ما حدث بين الزوجين، فقال - تعالى - :{ والذين يَرْمُونَ.
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة، منها ما أخرجه البخارى عن ابن عباس، " أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبى ﷺ بشَرِيك بن السحماء، فقال له الرسول ﷺ : " البينة أوحَدٌّ فى ظهرك ". فقال : يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل النبى ﷺ يقول له : " البينة أو حد فى ظهرك ".
فقال هلال : والذى بعثك بالحق إنى لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهرى من الحد. فنزل جبريل بهذه الآيات.
فانصرف النبى ﷺ فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبى ﷺ يقول : إن الله يعلم أن أحدكم كاذب، فهل منكما تائب ؟ ثم قامت زوجته فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة - أى للعذاب ولغضب الله - تعالى -.
قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت : لا أفضح قومى سائر اليوم، فمضت.
وفى رواية فشهدت فى الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق الرسول ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد.. ".
والمراد بالرمى فى قوله - تعالى - ﴿والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الرمى بفاحشة الزنا.
وقوله - تعالى - :﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ أى : ولم يكن لهؤلاء الأزواج الذين قذفوا زوجاتهم بالزنا من يشهد معهم سوى أنفسهم.
وقوله :﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ أى : فشهادة أحدهم التى ترفع عنه حد القذف، أن يشهد " أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين " فيما رماها به من الزنا.
قال الجمل ما ملخصه : " قوله - تعالى - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ فى رفع أنفسهم وجها : أحدهما أنه بدل من شهداء، والثانى، أنه نعت له على أن إلا بمعنى غير، ولا مفهوم لهذا القيد. بل يلاعن ولو كان واجدا للشهود الذين يشهدون بزناها. وقوله :﴿فَشَهَادَةُ﴾ مبتدأ، وخبره " أربع شهادات " أى : فشهادتهم المشروعة أربع شهادات... ".
وقرأ الجمهور : " أربع شهادات " بالنصب على المصدر، لأن معنى : فشهادة : أن يشهد.
والتقدير : فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما قاله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى