علَّق ابن كثير (٣‏/‏١٢) على هذه الرواية بقوله: «وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح؛ فإن أوَّل بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسَّم رسول الله ﷺ غنائم حُنَين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم -وهو ذو الخويصرة، بقر الله خاصرته-: اعدل فإنك لم تعدل. فقال له رسول الله ﷺ: «لقد خِبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل، أيأمنُني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟!»»

رجّح ابنُ عطية (٥‏/‏٦٥٢-٦٥٣) مستندًا إلى اللغة في سبب تسمية ذي القرنين بهذا الاسم قول عبيد بن علي ومن وافقه، فقال: ""فأحسن الأقوال أنه كان ذا ضفرتين مِن شعر هما قرناه، فسُمِّي بهما، ذكره المهدوي وغيره، والضفائر قرون الرأس، ومنه قول الشاعر:فلثمت فاها آخذًا بقرونها... شرب النَّزيف لبرد ماء الحشرجومنه حديث في غسل بنت النبي ﷺ، قالت أم عطية: فضفرنا رأسها ثلاثة قرون. وكثيرًا تجيء تسمية النواصي: قرونًا""

سورة النور — الآية ٦١

تفسير محمد بن السائب الكلبي: أنّ أهل المدينة قبل أن يُسلموا كانوا يعزِلون الأعمى والأعرج والمريض، فلا يؤاكلونهم، وكانت الأنصار فيهم تَنَزُّهٌ وتكرُّم، فقالوا: إنّ الأعمى لا يُبصِر طيب الطعام، والأعرج لا يستطيع الزحام عند الطعام، والمريض لا يأكل كما يأكل الصحيح؛ فاعزِلوا لهم طعامَهم على ناحية. وكانوا يرون أنّ عليهم في مؤاكلتهم جناحًا، وكان الأعمى والأعرج والمريض يقولون: لعلنّا نؤذيهم إذا أكلنا معهم. فاعتزلوا مؤاكلتهم؛ فأنزل الله: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾

سورة الفرقان — الآية ٩

قال يحيى بن سلَّام: قوله: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾، يعني: قوله: ﴿إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون﴾، وقولهم: ﴿أساطير الأولين اكتتبها﴾، ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾، وقولهم: ساحر، شاعر، ومجنون، وكاهن، ﴿لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا* أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها﴾. قال الله: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا﴾ يعني: مخرجًا مِن الأمثال التي ضربوا لك، في تفسير مجاهد. وقال بعضهم: إلى الخير

وجّه ابنُ جرير (٤‏/‏١٣٢ بتصرف) هذا القول الذي قال به السدي، والضحاك، فقال: «وكأنّ قائلي هذا القول ذهبوا إلى أنّ معنى الكلام: الطلاق مرتان، فإمساك في كل واحدة منهما لهن بمعروف، أو تسريح لهن بإحسان». ثم استدرك (٤‏/‏١٣٢ بتصرف) قائلًا: «وهذا مذهبٌ مما يحتمله ظاهر التنزيل، لولا الخبر الذي ذكرتُه عن النبي ﷺ الذي رواه إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين [المذكور في أوَّل تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾]؛ فإنّ اتباع الخبر عن رسول الله ﷺ أوْلى بنا من غيره»

اختلف المفسرون في الدأب؛ فقيل: الصنيع، والسُّنَّة، والفِعْل، والشبه. وذَكَر ابنُ عطية (٢‏/‏١٦٥-١٦٦) أن الدَّأْب والدَّأَب مصدر دأب يدأب: إذا لازَمَ فِعْلَ شيءٍ ودام عليه مجتهدًا فيه، واعتبر أنّ عبارة المفسرين راجعة إلى هذا المعنى، فقال: «واختلفت عبارة المفسرين في تفسير الدأب، وذلك كله راجع إلى المعنى الذي ذكرناه». وقال ابنُ كثير (٣‏/‏٢٢) بتقارب الأقوال الواردة في الدأب، فقال بعد ذِكرها: «والألفاظ متقاربة». وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏١٦٦) أن الآيات هنا تحتمل احتمالين: الأول: الآيات المتلُوَّة. الثاني: الآيات المنصوبة

ذهب ابنُ تيمية (٢‏/‏٥٠١ بتصرف) في تفسير قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ مستندًا إلى دلالة العموم إلى عدم التَّخصيصِ، وقال: «قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ لفظ مطلق، ليس فيه تعيين، وهو متناول لمن قام بهذه الصفات كائنًا من كان، لا يختص ذلك بأبي بكر ولا بعلي، بل هذه الآية تدُلُّ على أنه لا يرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قومًا يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون هؤلاء المرتدين»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٤٨٤): «﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهذا اللفظ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريد به الوعيد الذي توعدهم الله عز وجل على الكفر، وتأويله -على هذا- يراد به ما يؤول إليه أمره، كما هو في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، والآية بجملتها على هذا التأويل تتضمن وعيدًا. والمعنى الثاني: أنّه أراد: بل كذبوا بهذا القرآن العظيم المُنبِئ بالغيوب الذي لم تَتَقَدَّم لهم به معرفة، ولا أحاطوا بعلم غيوبه، وحسن نظمه، ولا جاءهم تفسير ذلك وبيانه»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿لفيفا﴾ على قولين: الأول: مختلطين. الثاني: جميعًا. وقد رجح ابنُ جرير (١٥‏/‏١١١) القول الأول مستندًا إلى اللغة، فقال: «﴿فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا﴾، يقول: فإذا جاءت الساعة -وهي وعد الآخرة- جئنا بكم لفيفًا، يقول: حشرناكم من قبوركم إلى موقف القيامة لفيفًا، أي: مختلطين قد التف بعضكم على بعض، لا تتعارفون، ولا ينحاز أحد منكم إلى قبيلته وحَيِّه، من قولك: لففت الجيوش، إذا ضربت بعضها ببعض، فاختلط الجميع، وكذلك كل شيء خلط بشيء فقد لفَّ به»

للسلف في تفسير قوله: ﴿بيوت﴾ ثلاثة أقوال: الأول: أنها المساجد. الثاني: أنها كل البيوت. الثالث: أنها بيوت النبي ﷺ. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٣١٨) مستندًا إلى السياق القولَ الأول، معللًا ذلك بقوله: «إنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لدلالة قوله: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ على أنها بيوت بُنِيَت للصلاة؛ فلذلك قلنا: هي المساجد». وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٣٩٠)، حيث قال: «وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ﴾ يقوّي أنها المساجد»