نقل ابنُ كثير (٣‏/‏٤٢٣-٤٢٤) تعليق الحافظ أبي عمر ابن عبد البر على أثر عثمان هذا، فقال: «قد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف، منهم: ابن عباس، ولكنهم اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحدٌ من فقهاء الأمصار والحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أنّ معنى قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم﴾ إلى آخر الآية: أنّ النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرًا وقياسًا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذَّ عنها». وقال ابن عطية (٢‏/‏٥٠٩): «قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ لفظٌ يَعُمُّ الجمعَ بنكاحٍ، وبملك يمين». ثُمَّ ذكر نحوًا من كلام ابن عبد البر

سورة الأعراف — الآية ٨

عن عائشة: أنّها ذَكَرَتِ النارَ فبَكَتْ، فقال رسولُ الله ﷺ: «ما لكِ؟». قالت: ذكرتُ النارَ، فبكيتُ، فهل تذكرون أهليكم يومَ القيامة؟ قال: «أمّا في ثلاثة مواطنَ فلا يذكرُ أحدٌ أحدًا: حيث يُوضعُ الميزانُ حتى يَعْلمَ يخِفُّ ميزانُه أم يثقلُ، وعندَ تطاير الكتبِ حين يُقال: ﴿هآؤمُ اقرءوا كتابيه﴾ [الحاقة:١٩] حتى يعلم أين يقعُ كتابُه؛ أفي يمينه، أم في شماله، أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وُضع بينَ ظهري جهنمَ، حافتاه كلاليب كثيرةٌ، وحسكٌ كثيٌر، يحبسُ اللهُ بها مَن شاء مِن خلقه، حتى يعلمَ أينجُو أم لا»

أفادت الآثارُ أنّ نفي سبيل الكافرين على المؤمنين إنّما يكون يوم القيامة. ونقل ابنُ جرير (٧‏/‏٦٠٩) إجماع أهل التأويل على ذلك، وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٤٩) بقوله: «وبهذا قال جميع أهل التأويل». ورَجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٣٠٣) عمومَ الآية، وأنّه لو حصل السبيلُ للكافرين في الدنيا فإنّه بمعصية المؤمنين؛ فالمعنى عنده: ما داموا مؤمنين. فقال: «فالآية على عمومها وظاهرها، وإنّما المؤمنون تصدُر منهم مِن المعصية والمخالفة التي تُضادُّ الإيمانَ ما يصير به للكافرين عليهم سبيلٌ بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تَسَبَّبوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يومَ أحد بمعصية الرسول ومخالفته، واللهُ سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانًا، حتى جعل له العبد سبيلًا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له عليه تسلُّطًا وقهرًا، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله تعالى، ومَن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسَه. وبهذا يزول الإشكالُ الذي يُورِدُه كثيرٌ من الناس على قوله تعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، ويُجِيب عنه كثيرٌ منهم: بأنّه لن يجعل لهم عليهم سبيلًا في الآخرة. ويجيب آخرون: بأنّه لن يجعل لهم عليهم سبيلًا في الحُجَّة». وذكر ابنُ كثير (٤‏/‏٣١٦) احتمالًا بأن يكون التَّسَلُّطُ في الدنيا، فقال: «ويحتمل أن يكون المراد: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾، أي: في الدنيا، بأن يُسَلَّطوا عليهم استيلاءَ اسْتِئْصالٍ بالكُلِّيَّة، وإن حصل لهم ظَفَرٌ في بعض الأحيان على بعض الناس، فإنّ العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ [غافر:٥١]. وعلى هذا فيكون رَدًّا على المنافقين فيما أمَّلوه وتَرَبَّصوه وانتظروه مِن زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه مِن مصانعتهم الكافرين خوفًا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم﴾ إلى قوله: ﴿نادمين﴾ [المائدة:٥٢]»

علَّقَ ابنُ كثير (٢‏/‏٥٩) على الأقوال السابقة بقوله: «ومضمون ما فسَّر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أنّ الله تعالى يذكر شرفَ البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس، أي: جعله مَحَلًّا تَشْتاق إليه الأرواح، وتَحِنّ إليه، ولا تقضي منه وطَرًا، ولو تَرَدَّدَتْ إليه كلَّ عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ إلى أن قال: ﴿ربنا وتقبل دعاء﴾ [إبراهيم:٣٧-٤٠]». وزاد ابن عطية (١‏/‏٣٤٢) إضافة إلى ما ورد في أقوال السلف معنى آخر، فقال: «و﴿مثابة﴾... ويحتمل أن تكون من الثواب، أي: يُثابون هناك»

انتقد ابنُ كثير (٥‏/‏١٩٣) هذا القول بالنسخ مستندًا إلى عدم الدليل عليه بقوله: «وهذا القول فيه نظر، ثم صاحبه مُطالَب ببيان تأخر الناسخ الذي ادَّعاه عن المنسوخ». وذكر أنّ هناك مَن قالوا بأنّ هذا كان قبل الحدود، ونسبه لابن سيرين. ثم علَّق (٥‏/‏١٩٣) عليه بقوله: «وفي هذا نظر؛ فإنّ قصتهم متأخرة، وفي رواية جرير بن عبد الله [الواردة في نزول الآية] لقصتهم ما يدل على تأخرها؛ فإنه أسلم بعد نزول المائدة». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏١٥٤) قولًا بأن هذه الآية ليست بناسخة لذلك الفعل؛ لأن ذلك وقع في المرتدين، وأنها في المحارب المؤمن. وعلَّق عليه بقوله: «لا سيما وفي بعض الطرق أنهم سملوا أعين الرعاة»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٨٩) أنّ النفخة المُشار إليها في هذه الآية هي نفخة القيامة التي للفزع، ومعها يكون الصعق، ثم نفخة البعْث. وذكر أنه قيل: هي نفخات ثلاثة: نفخة الفَزَع، ونفخة الصعق، ثم نفخة البعْث. ثم رجَّح -مستندًا إلى السياق- أنها نفخة الفَزَع، فقال: «والإشارة بآيتنا هذه إلى نفخة الفَزَع؛ لأنّ حَمْل الجبال هو بعدها». وذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏١١٤) أنّ الربيع قال: هي النفخة الأخيرة. ثم رجَّح -مستندًا إلى السياق- أنّ المراد بهذه النفخة: نفخة البعْث، فقال: «والظاهر ما قلناه؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ أي: فمُدّتْ مَدّ الأديم العكاظي، وتَبدّلت الأرض غير الأرض»

اختُلف في المراد بقوله: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى﴾ على قولين: الأول: أنّ المعنى: لا يُبعث. الثاني: لا يُؤمر ولا يُنهى. ورجَّح ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٠٣) عموم الآية للحالين، فقال: «والظاهر أنّ الآية تعمّ الحالين، أي: ليس يُترك في هذه الدنيا مُهمَلًا لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُترك في قبره سُدًى لا يُبعث، بل هو مأمور منهيٌّ في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة». وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٢٣٤) القول الثاني، وذكر قولًا آخر وهو أنّ المعنى: لا يُثاب ولا يُعاقب. ثم علَّق بقوله: «والصحيح: الأمران؛ فإنّ الثواب والعقاب مُترتّبان على الأمر والنهي، والأمر والنهي طلب العبادة وإرادتها، وحقيقة العبادة امتثالهما»

لم يذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٤٨٣) غير هذا القول، وقدَّم له بقوله: «يعني بذلك -جل ثناؤه-: ها أنتم القوم الذين خاصمتم وجادلتم فيما لكم به علم مِن أمر دينكم الذي وجدتموه في كتبكم، وأتتكم به رسل الله من عنده، وفي غير ذلك مِمّا أوتيتموه، وثبتت عندكم صِحَّتُه، فلِمَ تُحاجَّون؟ يقول: فلم تجادلون وتخاصمون فيما ليس لكم به علم؟ يعني: الذي لا علم لكم به من أمر إبراهيم ودينه، ولم تجدوه في كتب الله، ولا أتتكم به أنبياؤكم، ولا شاهدتموه فتعلموه». وقد استدرك ابنُ عطية (٢‏/‏٢٤٨) على ما ذهب إليه ابنُ جرير في تفسيره قوله تعالى: ﴿فيما لكم به علم﴾ مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وفسَّر الطبريُّ هذا الموضع بأنّه فيما لهم به علم مِن جهة كتبهم وأنبيائهم مِمّا أيقنوه، وثبت عندهم صِحَّتُه. وذهب عنه رحمه الله أنّ ما كان هكذا فلا يحتاج معهم فيه إلى محاجة، لأنّهم يجدونه عند محمد ﷺ، كما كان هنالك على حقيقته»

ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٢٥٠-٢٥١) عن ابن جرير أنه فسر ﴿يضلونكم﴾ بـ:يهلكونكم، فقال: ""وقال الطبري: ﴿يضلونكم﴾ معناه: يهلكونكم، واستشهد ببيت جرير:كنتَ القَذى في موجِ أكدر مُزْبدٍ قذف الأتِيُّ به فضَلَّ ضلالًاوقول النابغة: فآب مضلوه بعين جلية... البيت"". ثم علَّق قائلًا: «وهذا تفسير غير خاصٍّ باللفظة، وإنّما اطَّرد له هذا الضلال في الآية، وفي البيتين اقترن به هلاك، وأما أن تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم». وذكر ابنُ عطية في ﴿من﴾ في قوله: ﴿ودت طائفة من أهل الكتاب﴾ احتمالين: الأول: أن تكون للتبعيض. ووجّه معنى الآية عليه، فقال: «وتكون الطائفة: الرؤساء والأحبار الذين يسكن الناس إلى قولهم. الثاني: أن تكون لبيان الجنس». ووجّه معنى الآية عليه بقوله: «وتكون الطائفة: جميع أهل الكتاب». وكذا ذكر في قوله: ﴿وما يشعرون﴾ قولين، فقال: «... ثم أعلم أنهم لا يشعرون لذلك، أي: لا يتفطنون، مأخوذ من الشعار المأخوذ من الشعر. وقيل: المعنى: لا يشعرون أنهم لا يصلون إلى إضلالكم»

اختلف القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿وآتاكُمْ مِن كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ على قراءتين: الأولى: إضافة ﴿كُلِّ﴾ إلى ﴿ما﴾، بمعنى: وآتاكم مِن سؤلكم شيئًا. الثانية: تنوين (كُلٍّ) وترك إضافتها إلى (مّا)، بمعنى: وآتاكم مِن كل شيء لم تسألوه ولم تطلبوه منه. ووجَّه ابنُ عطية (٥‏/‏٢٥٢) القراءة الثانية بقوله: «والمعنى: وآتاكم من كل هذه المخلوقات المذكورات قبلُ ما من شأنه أن يُسأَل لمعنى الانتفاع به، فـ﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ مفعول ثانٍ بـ﴿آتاكُمْ﴾». ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٦٨٥) القراءة الأولى، وعلَّل ذلك بقوله: «لإجماع الحُجَّة مِن القرأة عليها، ورفضهم القراءة الأخرى». ونقل ابنُ عطية (٥‏/‏٢٥٢) عن بعض الناس في القراءة الثانية: أنّ «(مّا) نافية على هذه القراءة، أي: أعطاكم من كلٍّ شيئًا، ما سألتموه، والمفعول الثاني هو قولنا: شيئًا». ثم وجَّه ذلك بقوله: «فعدَّد -على هذه- النِّعمةَ في تفضله بما لم يسأله البشر من النِّعَم، وكأن ما سألوه لم يعرض له. وهذا تفسير الضحاك»