ذكر ابنُ جرير (١٢‏/‏٤٦٧-٤٧٠) قولين عن أهل العربية في معنى ﴿حنيذ﴾: الأول: المشوي. والثاني: أنّ «كل شيء شوي في الأرض إذا خَدَدتَ له فيها فَدَفَنتَه وغَمَمتَه فهو الحنيذ والمحنوذ». وهذان القولان وردا في الآثار عن الكلبي ومقاتل، ثم ذكر قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وقول مجاهد، وقتادة، والضحاك، وشِمْر، والسدي، ووهب بن منبه، وابن إسحاق، وسفيان، في معنى هذه الكلمة، ثم علَّق على ما سبق بقوله: «وهذه الأقوال التي ذكرناها عن أهل العربية وأهل التفسير متقاربة المعاني، بعضها من بعض»

ذكر ابنُ جرير (٢١‏/‏١٧١) قولًا بأنّ رسول الله ﷺ جعل هؤلاء النّفر رسلًا إلى قومهم، ونسبه لابن عباس. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا القول خلاف القول الذي روي عنه -المذكور في تفسير الآية من طريق العوفي- أنه قال: لم يكن نبيُّ الله ﷺ علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن؛ لأنه محال أن يرسلهم إلى آخرين إلا بعد علمه بمكانهم. إلا أن يُقال: لم يَعلم بمكانهم في حال استماعهم للقرآن، ثم علم بعد قبل انصرافهم إلى قومهم، فأرسلهم رسلًا حينئذ إلى قومهم، وليس ذلك في الخبر الذي روي»

سورة البقرة — الآية ٦٧

عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسْباط- ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾، قال: كان رجل من بني إسرائيل مُكْثِرًا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه إياها، فغضب الفتى، وقال: والله، لأقْتُلَنَّ عمي، ولآخُذَنَّ ماله، ولأَنكِحَنَّ ابنته، ولآكُلَنَّ دِيَتَه. فأتاه الفتى وقد قَدِم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم، انطلق معي، فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السِّبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو، فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السِّبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي، فأَدُّوا إلَيَّ دِيَتَه. وجعل يبكي، ويحثو التراب على رأسه، وينادي: واعَمّاه. فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدِّيَة، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا حتى يتبين له مَن صاحبُه، فيؤخذ صاحب الجريمة، فواللهِ، إنّ دِيَتَه علينا لَهَيِّنَة، ولكنا نستحي أن نُعَيَّر به. فذلك حين يقول الله -جل ثناؤه-: ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾. فقال لهم موسى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾

سورة الصافات — الآية ١٤٠

عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا دعا يونسُ قومَه أوحى اللهُ إليه: أنّ العذاب يُصبِّحهم. فقال لهم، فقالوا: ما كذب يونس، وليصبِّحنا العذاب، فتعالوا حتى نخرج سِخال كل شيء فنجعلها من أولادنا؛ لعل الله أن يرحمهم. فأخرجوا النساء مع الولدان، وأخرجوا الإبل مع فصلانها، وأخرجوا البقر مع عجاجيلها، وأخرجوا الغنم مع سخالها، فجعلوه أمامهم، وأقبل العذاب، فلمّا رأوه جأروا إلى الله، ودعوا، وبكى النساء والولدان، ورَغَتِ الإبلُ وفصلانها، وخارَت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، فرحمهم الله، فصرف ذلك العذابَ عنهم، وغضب يونس، فقال: كذبتُ. فهو قوله: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾، فمضى إلى البحر وقومٌ رَسَت سفينتُهم، فقال: احملوني معكم. فحملوه، فأخرج الجعل، فأبوا أن يقبلوه منه، فقال: إذًا أخرج عنكم. فقبِلوه، فلما لَجَّت السفينةُ في البحر أخذهم البحر والأمواج، فقال لهم يونس: اطرحوني تنجوا. قالوا: بل نمسكك ننجو. قال: فساهِمُوني. يعني: قارِعوني، فساهموه ثلاثًا، فوقعت عليه القرعة، فأوحى إلى سمكة -يُقال لها: النجم، من البحر الأخضر-: أن شُقِّي البحار حتى تأخذي يونس، فليس يونس لكِ رزقًا، ولكن بطنكِ له سجن، فلا تخدشي له جلدًا، ولا تكسري له عظمًا. فجاءت حتى استقبلت السفينة، فقارعوه الثالثة، فوقعت عليه، فاقتحم الماءَ، فالتقمته السمكة، فشقَّت به البحار، حتى انتهت به إلى البحر الأخضر

سورة التوبة — الآية ٣٧

عن عبد الله بن عمر، قال: وقَف رسولُ الله ﷺ بالعَقَبة، فقال: «إنّ النسيءَ من الشيطان زيادةٌ في الكفر، يُضَلُّ به الذين كفروا، يُحِلُّونه عامًا، ويُحَرِّمونه عامًا». فكانوا يُحرِّمون المحرَّم عامًا ويَسْتَحِلُّون صَفَرَ، ويُحَرِّمون صفرَ عامًا ويَسْتَحِلُّون المُحَرَّم، وهو النَّسِيء[[أخرجه أبو يعلى -كما في إتحاف الخيرة المهرة ٦/٣٠٧ (٥٩٠٨)-، وابن أبي حاتم ٦/١٧٩٤ (١٠٠١٩) واللفظ له. وهو جزء من الحديث المتقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ عن ابن عمر في خطبة الرسول ﷺ في حِجة الوداع بمنًى، وتقدم تخريجه هناك.]]

قال ابنُ جرير (٢‏/‏٦٢٦-٦٢٧): «وأما الوسط فإنه في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه، أي: متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه». ثم ذكر مستنده من اللغة، وأقوال أهل التأويل، ثم علّق (٢‏/‏٦٢٧) على تفسير الوسط بالعدل كما ورد عن السلف فقال: «وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم». وإلى نحو قول ابن جرير في معنى الوسط ذهب ابنُ عطية (١‏/‏٣٦٧) أيضًا مستندًا إلى السنة، وإلى تظاهر عبارة المفسرين، حيث قال: «ووَسَطًا معناه: عدولًا، روي ذلك عن رسول الله ﷺ، وتظاهرت به عبارة المفسرين»

ذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٤٠٧) في تفسير الكلمة ثلاثة أقوال، أحدها: أنّ المراد بها: رسالةٌ من الله، وخَبَرٌ مِن عنده. ولم ينسبه لأحد. وثانيها: أنّ الكلمة التي قالها الله هي:كن. وثالثها: أنّ الكلمة هي اسم لعيسى سمّاه الله به كما سمّى سائرَ الخلائق بما شاء من الأسماء. ورَجَّح ابنُ جرير القولَ الأول مُسْتنِدًا إلى اللغة، فقال: «ولذلك قال عز وجل: ﴿اسمه المسيح﴾. فذكَّر، ولم يقل: اسمها. فيؤنث، والكلمة مؤنثة؛ لأنّ الكلمة غير مقصود بها قصد الاسم الذي هو بمعنى فلان، وإنما هي بمعنى: البشارة، فذُكّرت كنايتُها كما تُذَكّر كناية الذُّرِّيَّة، والدابَّة، والألقاب»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٨٢) في قوله: ﴿ولا تكن مع الكافرين﴾ احتمالين، فقال: «وقوله: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ يحتمل أن يكون نهيًا محضًا مع علمه أنّه كافر، ويحتمل أن يكون خفي عليه كفرَه فناداه ألا يبقى -وهو مؤمن- مع الكفرة فيهلك بهلاكهم». ثم رجح الأول بقوله: «والأول أبين». وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٨٧) في تفسير قوله: ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾ أنّ «هذه الآية تقتضي أن نوحًا عليه السلام ظن أنّ ابنه مؤمن». ثم علَّق بقوله: «وذلك أشد الاحتمالين». وظاهر ذلك التعارض مع ما هنا

أفادت الآثار اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿طوى﴾ على أربعة أقوال: الأول: أنّ معناه: إنّك بالوادي المقدس طويتَه، أي: الذي طواه موسى مشيًا بقدميه. الثاني: أنّ ﴿طوى﴾ معناه: مرتين، فيكون المعنى، إما: بالوادي المقدس مرتين، أو: ناداه مرتين بالواد المقدس. الثالث: أنه أمرٌ من الله لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. الرابع: أنه اسم للوادي. وقد رجّح ابن جرير (١٦‏/‏٣٠) القول الرابع بقوله: «وهو عندي اسم الوادي» مستندًا إلى أقوال السلف. وكذا رجّحه ابنُ كثير (٩‏/‏٣١٧) مستندًا إلى ظاهر القرآن بقوله عنه: «والأول أصحَّ؛ لقوله: ﴿إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى﴾ [النازعات: ١٦]»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿أشحة عليكم﴾ على أقوال: الأول: أشحة عليكم في الغنيمة. الثاني: أشحة عليكم بالخير. الثالث: أشحة عليكم بالنفقة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٢) العمومَ، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشح، ولم يخصص وصفهم مِن معاني الشح بمعنًى دون معنًى، فهم كما وصفهم الله به أشحة على المؤمنين بالغنيمة والخير والنفقة في سبيل الله، على أهل مسكنة المسلمين». وبنحوه ابنُ عطية (٧‏/‏١٠٢)، حيث ذكر هذه الأقوال، ثم قال معلّقًا: «والصواب تعميم الشح، وأن يكون بكل ما فيه للمؤمنين منفعة»