محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٧ من سورة التوبة في ١٢٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٧ من سورة التوبة

١٢٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّمَا النّسِيَءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلّونَهُ عَاماً وَيُحَرّمُونَهُ عَاماً لّيُوَاطِئُواْ عِدّةَ مَا حَرّمَ اللّهُ فَيُحِلّواْ مَا حَرّمَ اللّهُ زُيّنَ لَهُمْ سُوَءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : ما النسيء إلا زيادة في الكفر، والنسيء مصدر من قول القائل : نسأت في أيامك ونسأ الله في أجلك : أي زاد الله في أيام عمرك ومدة حياتك حتى تبقى فيها حيّا. وكل زيادة حدثت في شيء، فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه نسيء ولذلك قيل للبن إذا كثر بالماء نسيء، وقيل للمرأة الحبلى نسوء، ونُسئت المرأة، لزيادة الولد فيها وقيل : نسأت الناقة وأنسأتها : إذا زجرتها ليزداد سيرها. وقد يحتمل أن النسيء فعيل صرف إليه من مفعول، كما قيل : لعين وقتيل، بمعنى : ملعون ومقتول، ويكون معناه : إنما الشهر المؤخر زيادة في الكفر. وكأنّ القول الأول أشبه بمعنى الكلام، وهو أن يكون معناه : إنما التأخير الذي يؤخره أهل الشرك بالله من شهور الحرم الأربعة وتصييرهم الحرام منهن حلالاً والحلال منهنّ حراما، زيادة في كفرهم وجحودهم أحكام الله وآياته. وقد كان بعض القرّاء يقرأ ذلك :«إنّمَا النّسي » بترك الهمز وترك مده : يُضَلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُوا.
واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة الكوفيين : يُضِلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُوا بمعنى : يضل الله بالنسيء الذي ابتدعوه وأحدثوه الذين كفروا. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : يَضَلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُوا بمعنى : يزول عن حجة الله التي جعلها لعباده طريقا يسلكونه إلى مرضاته الذين كفروا. وقد حُكي عن الحسن البصري : يُضِلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُوا بمعنى : يضلّ بالنسيء الذي سنة الذين كفروا، الناس.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : هما قراءتان مشهورتان، قد قرأت بكلّ واحدة القرّاء أهل العلم بالقرآن والمعرفة به، وهما متقاربتا المعنى، لأن من أضله الله فهو ضالّ ومن ضلّ فبإضلال الله إياه وخذلانه له ضلّ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مصيب. وأما الصواب من القراء في النسيء، فالهمز، وقراءته على تقدير فعيل، لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا يجوز خلافها فيما أجمعت عليه.
وأما قوله : يُحِلّونَهُ عاما فإن معناه : يحلّ الذين كفروا النسيء، والهاء في قوله : يُحِلّونَهُ عائدة عليه.
ومعنى الكلام : يحلون الذين أخروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم عاما ويحرّمونه عاما، لِيُوَاطِئُوا عِدّةَ ما حَرّمَ اللّهُ يقول : ليوافقوا بتحليلهم ما حللوا من الشهور وتحريمهم ما حرّموا منها، عدّة ما حرّم الله فَيْحِلّوا ما حَرّمَ اللّهُ زُيّنَ لَهُمْ سُوءُ أعمالِهِمُ يقول : حسن لهم وحبّب إليهم سيىء أعمالهم وقبيحها وما خولف به أمر الله وطاعته. وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينِ يقول : والله لا يوفّق لمحاسن الأفعال وحلها وما لله فيه رضا، القوم الجاحدين توحيده والمنكرين نبوّة محمد ﷺ، ولكنه يخذلهم عن الهدى كما خذل هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ قال : النسيء : هو أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، فينادي : ألا إن أبا ثمامة لا يْحَابُ ولا يعاب، ألا وإن صفر العام الأوّل حلال فيحلّه الناس، فيحرّم صفر عاما، ويحرّم المحرّم عاما، فذلك قوله تعالى : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ. . . إلى قوله : الكَافِرينَ. وقوله : إنّمَا النسيء زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يقول : يتركون المحرّم عاما، وعاما يحرّمُونه.
قال أبو جعفر : وهذا التأويل من تأويل ابن عباس يدلّ على صحة قراءة من قرأ «النسي » بترك الهمزة وترك المدّ، وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه فعل من قول القائل : نسيت الشيء أنساه، ومن قول الله : نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ بمعنى : تركوا الله فتركهم.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ قال : فهو المحرّم كان يحرّم عاما وصفر عاما، وزيد صفر آخر في الأشهر الحرم، وكانوا يحرّمون صفرا مرّة ويحلونه مرّة، فعاب الله ذلك، وكانت هوزان وغطفان وبنو سليم تفعله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ قال : كان النسيء رجلاً من بني كنانة، وكان ذا رأي فيهم، وكان يجعل سنة المحرّم صفرا، فيغزون فيه فيغتنمون فيه ويصيبون، ويحرّمه سنة.
قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ. . . الآية، وكان رجل من بني كنانة يسمى النسيء، فكان يجعل المحرّم صفر ويستحل فيه الغنائم، فنزلت هذه الآية.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا إدريس، قال : سمعت ليثا، عن مجاهد، قال : كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام في الموسم على حمار له، فيقول : أيها الناس إني لا أُعاب ولا أُحاب، ولا مردّ لما أقول إنا قد حرّمنا المحرّم، وأخرنا صفر ثم يجيء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته، ويقول : إنا قد حرمنا صفر، وأخرنا المحرّم فهو قوله : لِيُوَاطِئُوا عِدّةَ ما حَرّمَ اللّهُ قال : يعني الأربعة، فيحلوا ما حرّم الله لتأخير هذا الشهر الحرام.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ النسيء : المحرّم، وكان يحرّم المحرّم عاما ويحرّم صفرا عاما، فالزيادة صفر، وكانوا يؤخرون الشهور حتى يجعلون صفر المحرّم، فيحلوا ما حرّم الله، وكانت هوزان وغطفان وبنو سليم يعظمونه، هم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ. . . إلى قوله : الكافِرِينَ عمد أناس من أهل الضلالة، فزادوا صفرا في الأشهر الحرم، فكان يقوم قائمهم في الموسم، فيقول : ألا إن آلهتكم قد حرمت العام المحرّم فيحرّمونه ذلك العام. ثم يقول في العام المقبل فيقول : ألا إن آلهتكم قد حرّمت صفر فيحرّمونه ذلك العام. وكان يقال لهما : الصفران. قال : فكان أوّل من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة : أبو ثمامة صفوان بن أمية أحد بني فقيم بن الحرث، ثم أحد بني كنانة.
حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ قال : فرض الله الحجّ في ذي الحجة. قال : وكان المشركون يسمون الأشهر : ذو الحجة، والمحرّم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، يحجون فيه مرّة ثم يسكتون عن المحرّم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان ورمضان، ثم يسمون رمضان شوالاً، ثم يسمون ذا القعدة شوّالاً، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرّم ذا الحجة فيحجون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة. ثم عادوا بمثل هذه القصة، فكانوا يحجون في كل شهر عامين، حتى وافق حجة أبي بكر رضي الله عنه الاَخر من العامين في ذي القعدة. ثم حجّ النبي ﷺ حجته التي حجّ، فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته : إنّ الزّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللّهُ السّمَوَاتِ والأرْضَ ».
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ قال : حجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرّم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الاَخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي ﷺ بسنة. ثم حجّ النبي ﷺ من قابل في ذي الحجة. فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته : إنّ الزّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللّهُ السّمَوَاتِ والأرْضَ ».
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك : إنّمَا النّسِىءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ قال : كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشرا شهرا، فيجعلون المحرّم صفرا، فيستحلون فيه الحرمات. فأنزل الله : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُوا. . . الآية. قال : هذا رجل من بني كنانة يقال له القَلَمّس، كان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمدّ إليه يده. فلما كان هو، قال : اخرجوا بنا قالوا له : هذا المحرم. فقال : ننسئه العام، هما العام صفران، فإذا كان عام قابل قضينا فجعلناهما محرمين قال : ففعل ذلك. فلما كان عام قابل، قال : لا تغزوا في صفر حرّموه مع المحرّم، هما محرّمان المحرم أنسأناه عاما أوّل ونقضيه ذلك الإنساء. وقال شاعرهم :
*** وَمِنّا مُنْسِيءُ الشّهْرِ القَلَمّسْ ***
وأنزل الله : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ. . . إلى آخر الآية.
وأما قوله : زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ فإن معناه : زيادة كفر بالنسيء إلى كفرهم بالله. وقيل ابتداعهم النسيء كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : إنّمَا النّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يقول : ازدادوا به كفرا إلى كفرهم.
وأما قوله : لِيُوَاطِئُوا فإنه من قول القائل : واطأت فلانا على كذا أواطئه مواطأة : إذا وافقته عليه، معينا له، غير مخالف عليه.
ورُوي عن ابن عباس في ذلك ما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : لِيُوَاطِئُوا عِدّةَ ما حَرّمَ اللّهُ يقول : يشبهون.
وذلك قريب المعنى مما بيّنا، وذلك أن ما شابه الشيء فقد وافقه من الوجه الذي شابهه.
وإنما معنى الكلام : أنهم يوافقون بعدة الشهور التي يحرّمونها عدة الأشهر الأربعة التي حرّمها الله، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها، وإن قدّموا وأخّروا فذلك مواطأة عدتهم عدّة ما حرّم الله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما النّسيء إلا زيادة في الكفر.
* * *
و"النسيء" مصدر من قول القائل: "نسأت في أيامك، ونسأ الله في أجلك"، أي: زاد الله في أيام عمرك ومدة حياتك، حتى تبقى فيها حيًّا. وكل زيادة حدثت في شيء، فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه: "نسيء". ولذلك قيل للبن إذا كُثِّر بالماء: "نسيء"، وقيل للمرأة الحبلى: "نَسُوء"، و"نُسِئت المرأة"، لزيادة الولد فيها، وقيل: "نسأتُ الناقة وأنسأتها"، إذا زجرتها ليزداد سيرها.
وقد يحتمل أن: "النسيء"، "فعيل" صرف إليه من "مفعول"، كما قيل: "لعينٌ" و"قتيل"، بمعنى: ملعون ومقتول. ويكون معناه: إنما الشهر المؤخَّر زيادة في الكفر.
وكأنّ القول الأوّل أشبه بمعنى الكلام، وهو أن يكون معناه: إنما التأخير الذي يؤخِّره أهل الشرك بالله من شهور الحرم الأربعة، وتصييرهم الحرام منهن حلالا والحلال منهن حرامًا، زيادة في كفرهم وجحودهم أحكامَ الله وآياته.
* * *
وقد كان بعض القرأة يقرأ ذلك: (إِنَّمَا النَّسْيُ) بترك الهمز، وترك مدِّه: (يضل به الذين كفروا)، .
* * *
واختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة الكوفيين: (يَضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) بمعنى: يضل الله بالنسيء الذي ابتدعوه وأحدثوه، الذين كفروا.
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفُرُوا)، بمعنى: يزول عن محجة الله التي جعلها لعباده طريقًا يسلكونه إلى مرضاته، الذين كفروا.
* * *
وقد حكي عن الحسن البصري: (يُضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفُرُوا)، بمعنى: يضل بالنسيء الذي سنه الذين كفروا، الناسَ.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هما قراءتان مشهورتان، قد قرأت بكل واحدةٍ القرأة أهل العلم بالقرآن والمعرفة به، وهما متقاربتا المعنى. لأن من أضله الله فهو "ضال"، ومن ضل فبإضلال الله إياه وخذلانه له ضلّ. فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مصيبٌ.
* * *
وأما الصواب من القراءة في "النسيء"، فالهمزة، وقراءته على تقدير "فعيل" لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار التي لا يجوز خلافها فيما أجمعت عليه.
* * *
وأما قوله: (يحلونه عامًا)، فإن معناه: يُحلُّ الذين كفروا النسيء = و"الهاء" في قوله: (يحلونه)، عائدة عليه.
ومعنى الكلام: يحلُّون الذي أخَّروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم، عامًا = (ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله)، يقول: ليوافقوا بتحليلهم ما حلَّلوا من الشهور، وتحريمهم ما حرموا منها، عدّة ما حرّم الله (١) = (فيحلوا ما حرّم الله زُيِّن لهم سوء أعمالهم)، يقول: حُسِّن لهم وحُبِّب إليهم سيئ أعمالهم وقبيحها،
(١) انظر تفسير " عدة " فيما سلف ٣: ٤٥٩ ١٤: ٢٣٤.
وما خولف به أمرُ الله وطاعته (١) = (والله لا يهدي القوم الكافرين)، يقول: والله لا يوفق لمحاسن الأفعال وجميلها، (٢) وما لله فيه رضًى، القومَ الجاحدين توحيدَه، والمنكرين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه يخذّلهم عن الهُدى، كما خذَّل هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم. (٣)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٧٠٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: "النسيء"، هو أن "جُنَادة بن عوف بن أمية الكناني"، كان يوافي الموسم كلَّ عام، وكان يُكنى "أبا ثُمَامة"، (٤) فينادي: "ألا إنّ أبا ثمامة لا يُحَابُ ولا يُعَابُ، (٥) ألا وإن صَفَر العامِ الأوَّلِ العامَ حلالٌ"، (٦) فيحله الناس، فيحرم صَفَر عامًا، ويحرِّم المحرم عامًا، فذلك قوله تعالى: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، إلى قوله: (الكافرين). وقوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، يقول: يتركون المحرم عامًا، وعامًا يحرِّمونه.
* * *
(١) انظر تفسير " زين " فيما سلف ص: ٧: تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) في المطبوعة: " لمحاسن الأفعال وحلها "، لم يحسن قراءة المخطوطة، وصوابه ما أثبت.
(٣) انظر تفسير " هدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(٤) انظر أخبار " النسأة "، وخبر " جنادة بن عوف بن أمية " في سيرة ابن هشام ١: ٤٤ - ٤٧، والمحبر: ١٥٦، ١٥٧، وغيرهما. و " جنادة بن عوف "، هو الذي قام عليه الإسلام من النسأة.
(٥) كان في المطبوعة: " لا يجاب " بالجيم، ووردت بالجيم في كثير من الكتب، منها لسان العرب (نسأ)، ولكنه ورد في المحبر: ١٥٧، بالحاء المهملة، وهو من " الحوب "، أي: الإثم، أي: لا ينسب إلى الإثم. وانظر الخبر التالي رقم: ١٦٧١٠.
(٦) في المطبوعة: " صفر العام الأول حلال"، حذف " العام " الثانية، وهي ثابتة في المخطوطة.
قال أبو جعفر: وهذا التأويلُ من تأويل ابن عباس، يدل على صحة قراءة من قرأ (النَّسْيُ)، بترك الهمزة وترك المدّ، وتوجيهه معنى الكلام إلى أنه "فَعْلٌ"، من قول القائل: "نسيت الشيء أنساه"، ومن قول الله: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)، [سورة التوبة: ٦٧]، بمعنى: تركوا الله فتركهم.
١٦٧٠٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: فهو المحرَّم، كان يحرَّم عامًا، وصفرُ عامًا، وزيد صفرٌ آخر في الأشهر الحُرُم، وكانوا يحرمون صفرًا مرة، ويحلُّونه مرة، فعاب الله ذلك. وكانت هوازن وغطفان وبنو سُلَيْم تفعله.
١٦٧٠٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: كان "النسيء" رجلا من بني كنانة، (١) وكان ذا رأي فيهم، وكان يجعل سنةً المحرمَ صفرًا، فيغزون فيه، فيغنمون فيه، ويصيبون، ويحرِّمه سنة.
١٦٧٠٩-...... قال حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، الآية، وكان رجل من بني كنانة يُسَمَّى "النسيء"، فكان يجعل المحرَّم صفرًا، ويستحل فيه الغنائم، فنزلت هذه الآية.
١٦٧١٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إدريس قال، سمعت ليثًا، عن مجاهد قال، كان رجل من بني كنانة يأتي كلَّ عام في الموسم على حمار له، فيقول: "أيها الناس، إني لا أعاب ولا أحَابُ، (٢) ولا مَرَدَّ لما أقول، إنَّا قد
(١) قوله: " كان النسيء رجلا "، دال على صواب قوله هناك ص: ٢٣٧، تعليق ١: ، على أن " النسيء " في ذلك الموضع صواب أيضًا، وانظر الأثر التالي، قوله: "وكان رجل من بني كنانة يسمى النسيء"، وهذا كله لم تذكره كتب اللغة التي بين يدي.
(٢) " أحاب " مضى تفسيرها ص: ٢٤٣، تعليق: ٢، وكانت هنا في المطبوعة أيضًا "أجاب" بالجيم.
حرمنا المحرَّم، وأخَّرنا صفر". ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: "إنا قد حرَّمنا صفر وأخَّرنا المحرَّم"، فهو قوله: (ليواطئوا عدة ما حرم الله)، قال: يعني الأربعة = (فيحلوا ما حرم الله)، لتأخير هذا الشهر الحرام.
١٦٧١١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، "النسيء"، المحرّم، وكان يحرم المحرَّم عامًا ويحرِّم صفر عامًا، فالزيادة "صفر"، وكانوا يؤخرون الشهور حتى يجعلون صفر المحرم، فيحلوا ما حرم الله. وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يعظمونه، هم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية.
١٦٧١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، إلى قوله: (الكافرين)، عمد أناسٌ من أهل الضلالة فزادوا صفرًا في الأشهر الحرم، فكان يقوم قائمهم في الموسم فيقول: "ألا إن آلهتكم قد حرمت العام المحرَّم"، فيحرمونه ذلك العام. ثم يقول في العام المقبل فيقول: "ألا إن آلهتكم قد حرمت صفر"، فيحرمونه ذلك العام. وكان يقال لهما "الصفران". قال: فكان أول من نَسَأ النسيء: بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة: أبو ثمامة صفوان بني أمية أحد بني فقيم بن الحارث، ثم أحد بني كنانة. (١)
(١) هكذا جاء في المخطوطة: " وكانوا ثلاثة "، ثم لم يذكر غير واحد. وقوله: " أبو ثمامة، صفوان بن أمية "، مضى قبل في الأثر رقم: ١٦٧٠٦ أن "أبا ثمامة" هو "جنادة بن عوف بن أمية"، أما صفوان هذا فقد ذكره أبو عبيد البكري في شرح الأمالي: ١٠، وقال: قال الليثي: كان الذي انبرى للنسئ، القلمس، وهو: صفوان بن محرث، أحد بني مالك بن كنانة، وكان له بذلك ملكة وأكل، وتوارثه بنوه إلى الإسلام ". ولكن الذي ذكره ابن حبيب في المحبر، وابن هشام في سيرته ١: ٤٤. قال ابن إسحاق: " وكان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحلت ما أحل، وحرمت منها ما حرم: القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم ابن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة. ثم قام بعده على ذلك، ابنه: عباد بن حذيفة. ثم قام بعد عباد: قلع بن عباد. ثم قام بعد قلع: أمية بن قلع. ثم قلم بعد أمية: عوف بن أمية. ثم قام بعد عوف: أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الإسلام ". وذلك ما قاله ابن حبيب، وما قاله ابن حزم في الجمهرة: ١٧٨، والمصعب الزبيري في نسب قريش: ١٢.
ولم أجد هذا الخبر في مكان آخر، فأعرف مقالة قتادة في أمر النسئ والنسأة.
و" صفوان بن محرث " الذي ذكره البكري، هو " صفوان بن أمية " المذكور في هذا الخبر، وهو: " صفوان بن أمية بن محرث بن بن خمل بن شق بن رقبة بن مخدج بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة "، وكان أحد حكام العرب في الجاهلية، وأحد من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية (انظر المحبر: ١٣٣، ٢٣٧ أمالي القالي ١: ٢٤٠ وذكر شعره في تحريم الخمر). وبين من هذا كله أن " صفوان بن أمية "، ليس من " بني فقيم بن الحارث بن مالك ". بل من بني " مخدج بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك ".
ثم انظر ص: ٢٥٠، تعليق: ١، وذكر " القلمس " للناسئ في شعر عبد الرحمن بن الحكم، وأمه هي: " آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية بن محرث ".
١٦٧١٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: فرض الله الحج في ذي الحجة. قال: وكان المشركون يسمون الأشهر: ذو الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، يحجون فيه مرة، ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه، ثم يعودون فيسمُّون صفر صفر. ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان ورمضان، ثم يسمون رمضانَ شوالا ثم يسمُّون ذا القعدة شوالا ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه، واسمه عندهم ذو الحجة. ثم عادوا بمثل هذه القصة، فكانوا يحجون في كل شهر عامين، حتى وافق حجةُ أبي بكر رضي الله عنه الآخرَ من العامين في ذي القعدة. ثم حج النبي ﷺ حجَّته التي حجَّ، فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض".
١٦٧١٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: حجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجُّوا في صفر عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخرَ من العامين في ذي القعدة، قبل حجة النبي ﷺ بسنة. ثم حج النبي ﷺ من قابلٍ في ذي الحجة، فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض".
١٦٧١٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثةَ عشرا شهرًا، فيجعلون المحرَّم صفرًا، فيستحلُّون فيه الحرمات. فأنزل الله: (إنما النسيء زيادة في الكفر).
١٦٧١٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا)، الآية. قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له: "القَلَمَّس"، كان في الجاهلية. وكانوا في الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يلقى الرجل قاتل أبيه فلا يمُدّ إليه يده. فلما كان هو، قال: "أخرجوا بنا"، قالوا له: "هذا المحرَّم"! فقال: "ننسئه العام، هما العام صفران، فإذا كان عام قابلٍ قضينا، فجعلناهما محرَّمَين". قال: ففعل ذلك. فلما كان عام قابل قال: "لا تغزوا في صفر، حرِّموه مع المحرم، هما محرَّمان، المحرَّم أنسأناه عامًا أوَّلُ ونقضيه. ذلك "الإنساء"، وقال منافرهم: (١)
(١) في المطبوعة: " وقال شاعرهم "، وأثبت ما في المخطوطة. و " المنافر "، هو المفاخر في المنافرة. قال ابن سيده: " وكأنما جاءت المنافرة، في أول ما استعملت، أنهم كانوا يسألون الحاكم: أينا أعز نفرا؟ ". و " المنافرة ": هي أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يحكما بينهما رجلا.
وَمِنَّا مُنْسِي الشُّهُورِ القَلَمَّسُ (١)
وأنزل الله: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، إلى آخر الآية.
* * *
وأما قوله: (زيادة في الكفر)، فإن معناه زيادة كُفْر بالنسيء، إلى كفرهم بالله قبلَ ابتداعهم النسيء، (٢) كما:-
١٦٧١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (إنما النسيء زيادة في الكفر)، يقول: ازدادوا به كفرًا إلى كفرهم.
* * *
وأما قوله: (ليواطئوا)، فإنه من قول القائل: "واطأت فلانا على كذا أواطئه مُواطأة"، إذا وافقته عليه، معينًا له، غير مخالف عليه.
* * *
وروي عن ابن عباس في ذلك ما:-
١٦٧١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (ليواطئوا عدة ما حرم الله)، يقول: يشبهون.
* * *
(١) هكذا جاء في المخطوطة مضطرب الميزان، وذكره القرطبي في تفسيره ٨: ١٣٨. ومنا ناسئ الشهر القلمس
وهو أيضًا غير مستقيم، والذي وجدته، هو ما قاله عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، قال:
نمَانِي أبُو العَاصِي الأمِينُ وَهَاشِمٌوعُثْمانُ، والنَّاسِي الشُّهُورَ القَلَمَّسُ
وأم عبد الرحمن بن الحكم، ومروان بن الحكم، هي: " آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية بن محرث بن خمل بن شق"، و "صفوان" هذا هو الذي جاء ذكره في الخبر رقم: ١٦٧١٢، وأنه كان من " النسأة "، وكل ناسئ كان يقال له: "القلمس"، فهذا البيت يؤيد ما قاله قتادة بعض التأييد. وانظر البيت الذي ذكرته في نسب قريش للمصعب الزبيري ص: ٩٨.
(٢) في المطبوعة: " وقيل: ابتداعهم النسئ "، غير ما في المخطوطة، فأفسد الكلام كله.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله، فإنهم كان فيهم من القوة الغضَبِية والشهامة والحمية ما استطالوا به مدة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإسلام بمدة تحليل المحرم وتأخيره إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة الأشهر الأربعة(١) كما قال شاعرهم - وهو عمير بن قيس المعروف - بجذل الطعان :
لَقَدْ عَلمت مَعد أنَّ قَومِي. . . كرَامُ النَّاس أنَّ لَهُمْ كِراما. . .
ألسْنا الناسئينَ على مَعد. . . شُهُورَ الحِل نَجْعلُهَا حَرَاما. . .
فأيّ النَّاسِ لَم تُدْرَك بوتْر؟. . . وأيّ النَّاس لم نُعْلك لجاما؟(٢)
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله :﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قال : النسيء أنَّ جُنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم في كل عام، وكان يكنى " أبا ثُمَامة "، فينادي : ألا إن أبا ثمامة لا يُحاب ولا يُعاب، ألا وإن صفر العام الأول حلال. فيحله للناس، فيحرم صفرا عاما، ويحرم المحرم عاما، فذلك قول الله :﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [ إلى قوله :﴿الكافرين﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ] (٣) يقول : يتركون المحرم عاما، وعاما يحرمونه.
وروى العوفي عن ابن عباس نحوه.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له، فيقول : يا أيها الناس، إني لا أعاب ولا أجاب، ولا مَرَدّ لما أقول، إنا قد حَرَّمنا المحرم، وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول : إنا قد حرمنا صفر، وأخرنا المحرم. فهو قوله :﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قال : يعني الأربعة ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ لتأخير هذا الشهر الحرام.
وروي عن أبي وائل، والضحاك، وقتادة نحو هذا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله :﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، قال : هذا رجل من بني كنانة يقال له :" القَلَمَّس "، وكان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يغيرُ بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يلقى الرجل قاتل أبيه ولا يَمُدُّ إليه يده، فلما كان هو، قال : اخرجوا بنا. قالوا له : هذا المحرم ! قال : ننسئه العام، هما العام صفران، فإذا كان العام القابل قضينا جعلناهما مُحرَّمين. قال : ففعل ذلك، فلما كان عام قابل قال : لا تغزُوا في صفر، حرموه مع المحرم، هما محرمان.
فهذه صفة غريبة في النسيء، وفيها نظر ؛ لأنهم في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط، وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر، فأين هذا من قوله تعالى :﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾.
وقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضا، فقال عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله :﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية، قال : فرض الله، عز وجل، الحج في ذي الحجة. قال : وكان المشركون يسمون الأشهر ذا الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوالا(٤) وذا القعدة. وذا الحجة يحجون فيه مرة أخرى ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر صفر، ثم يسمون رجب جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون شوالا رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوالا
ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم يسمون المحرم ذا الحجة، فيحجون فيه، واسمه عندهم ذو(٥) الحجة، ثم عادوا بمثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل شهر عامين، حتى وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في القعدة(٦) ثم حج النبي ﷺ حجته التي حج، فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته :" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ".
وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضا، وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة، وأنى هذا ؟ وقد قال الله تعالى :﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ الآية[التوبة: ٣]، وإنما نودي بذلك في حجة أبي بكر، فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى :﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ﴾ ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره، من دوران السنة عليهم، وحجهم في كل شهر عامين ؛ فإن النسيء حاصل بدون هذا، فإنهم لما كانوا يحلون شهر المحرم عاما يحرمون عوضه صفرا، وبعده ربيع وربيع إلى آخر [ السنة والسنة بحالها على نظامها وعدتها وأسماء شهورها ثم في العام القابل يحرمون المحرم ويتركونه على تحريمه، وبعده صفر، وربيع وربيع إلى آخرها ](٧) فيحلونه عاما ويحرمونه عاما ؛ ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، أي : في تحريم أربعة أشهر من السنة، إلا أنهم تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم، وتارة ينسئونه إلى صفر، أي : يؤخرونه. وقد قدمنا الكلام على قوله ﷺ :" إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية : ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر "، أي : أن الأمر في عدة(٨) الشهور وتحريم ما هو محرم منها، على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي، لا كما يعتمده جهلة العرب، من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا صالح بن بشر بن سلمة الطبراني، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال : وقف رسول الله ﷺ بالعقبة، فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل(٩) ثم قال :" وإنما النسيء من الشيطان، زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ". فكانوا يحرمون المحرم عاما، ويستحلون صفر(١٠) ويستحلون المحرم، وهو النسيء(١١) وقد تكلم الإمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب " السيرة " كلامًا جيدًا ومفيدًا حسنًا، فقال : كان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما حرم الله، وحرم منها ما أحل الله، عز وجل، " القَلمَّس "، وهو : حذيفة بن عبد مُدْرِكة فُقَيم(١٢) بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خُزَيمة بن مدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعدَّ بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عَبَّاد ثم من بعد عباد ابنه قَلَع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم، وعليه قام الإسلام. فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبًا، فحرم رجبا، وذا القعدة، وذا الحجة، ويحل المحرم عاما، ويجعل مكانه صفر، ويحرمه عاما ليواطئ عدة ما حرم الله، فيحل ما حرم الله، يعني : ويحرم ما أحل الله.
١ - في ك، أ :"ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة"..
٢ - انظر : السيرة النبوية لابن هشام (١/٤٥)..
٣ - زيادة من ت، ك، أ، والطبري..
٤ - في أ :"وشوال"..
٥ - في ك :"ذا"..
٦ - في ك، أ :"ذي القعدة"..
٧ - زيادة من ت، ك، أ..
٨ - في ت :"هذه"..
٩ - في ت، أ :"بما هو أهله"..
١٠ - في ت، ك، أ :"صفر منه"..
١١ - ورواه أبو الشيخ الأصبهاني كما في الدر المنثور (٥/١٨٨)..
١٢ - في ت، ك، أ :"عبد بن فقيم"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾
هَذَا مِمَّا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي شَرْعِ اللَّهِ بِآرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ، وَتَغْيِيرِهِمْ أَحْكَامَ اللَّهِ بِأَهْوَائِهِمُ الْبَارِدَةِ، وَتَحْلِيلِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمِهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ كَانَ فِيهِمْ مِنَ الْقُوَّةِ الغضَبِية وَالشَّهَامَةِ وَالْحَمِيَّةِ مَا اسْتَطَالُوا بِهِ مُدَّةَ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ فِي التَّحْرِيمِ الْمَانِعِ لَهُمْ مِنْ قَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ مِنْ قِتَالِ أَعْدَائِهِمْ، فَكَانُوا قَدْ أَحْدَثُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِمُدَّةٍ تَحْلِيلَ الْمُحَرَّمِ وَتَأْخِيرَهُ إِلَى صَفَرٍ، فَيُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَيُحَرِّمُونَ الشَّهْرَ الْحَلَالَ، لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ (١) كَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ -وَهُوَ عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَعْرُوفُ -بِجِذْلِ الطِّعَانِ:
لَقَدْ عَلمت مَعد أنَّ قَومِي... كرَامُ النَّاس أنَّ لَهُمْ كِراما...
ألسْنا الناسئينَ عَلَى مَعد... شُهُورَ الحِل نَجْعلُهَا حَرَاما...
فَأَيُّ النَّاسِ لَم تُدْرَك بوتْر؟وأيّ النَّاس لم نُعْلك لجاما؟ (٢)
(١) في ك، أ: "ليواطئوا عدة ما حرم الله الأشهر الأربعة".
(٢) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/٤٥).
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قَالَ: النَّسِيءُ أنَّ جُنادة بْنَ عَوْفِ بْنِ أُمَيَّةَ الْكِنَانِيَّ، كَانَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ فِي كُلِّ عَامٍ، وَكَانَ يُكَنَّى "أَبَا ثُمَامة"، فَيُنَادِي: أَلَا إِنَّ أَبَا ثُمَامَةَ لَا يُحاب وَلَا يُعاب، أَلَا وَإِنَّ صَفَرَ الْعَامَ الْأَوَّلَ حَلَالٌ. فَيَحِلُّهُ لِلنَّاسِ، فَيُحَرِّمُ صَفَرًا عَامًا، وَيُحَرِّمُ الْمُحَرَّمَ عَامًا، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ] (١) يَقُولُ: يَتْرُكُونَ الْمُحَرَّمَ عَامًا، وَعَامًا يُحَرِّمُونَهُ.
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يَأْتِي كُلَّ عَامٍ إِلَى الْمَوْسِمِ عَلَى حِمَارٍ لَهُ، فَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي لَا أعاب ولا أجاب، وَلَا مَرَدّ لِمَا أَقُولُ، إِنَّا قَدْ حَرَّمنا المحرم، وأخرنا صفر. ثُمَّ يَجِيءُ الْعَامُ الْمُقْبِلُ بَعْدَهُ فَيَقُولُ مِثْلَ مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفر، وَأَخَّرْنَا الْمُحَرَّمَ. فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَالَ: يَعْنِي الْأَرْبَعَةَ ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ لِتَأْخِيرِ هَذَا الشَّهْرِ الْحَرَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَالضَّحَّاكِ، وقَتَادَةَ نَحْوَ هَذَا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ: "القَلَمَّس"، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يغيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، يَلْقَى الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ وَلَا يَمُدُّ إِلَيْهِ يَدَهُ، فَلَمَّا كَانَ هُوَ، قَالَ: اخْرُجُوا بِنَا. قَالُوا لَهُ: هَذَا الْمُحَرَّمُ! قَالَ: نَنْسَئُهُ الْعَامَ، هُمَا الْعَامُ صَفَرَانِ، فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ قَضَيْنَا جَعَلْنَاهُمَا مُحرَّمين. قَالَ: فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ قَابِلٍ قَالَ: لَا تغزُوا فِي صَفَرٍ، حَرِّمُوهُ مَعَ الْمُحَرَّمِ، هُمَا مُحَرَّمَانِ.
فَهَذِهِ صِفَةٌ غَرِيبَةٌ فِي النَّسِيءِ، وَفِيهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُمْ فِي عَامٍ إِنَّمَا يُحَرِّمُونَ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَقَطْ، وَفِي الْعَامِ الَّذِي يَلِيهِ يُحَرِّمُونَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ صِفَةٌ أُخْرَى غَرِيبَةٌ أَيْضًا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، الْحَجَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ. قَالَ: وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الْأَشْهُرَ ذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وَشَعْبَانَ، وَرَمَضَانَ، وَشَوَّالًا (٢) وَذَا الْقَعْدَةِ. وَذَا الْحِجَّةِ يَحُجُّونَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ يَسْكُتُونَ عَنِ المحرم ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفر صفر، ثم يسمون رجب جُمَادَى الْآخِرَةَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَعْبَانَ رَمَضَانَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَوَّالًا رَمَضَانَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْقَعْدَةِ شوالا
(١) زيادة من ت، ك، أ، والطبري.
(٢) في أ: "وشوال".
ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْحِجَّةِ ذَا الْقَعْدَةِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ ذَا الْحِجَّةِ، فَيَحُجُّونَ فِيهِ، وَاسْمُهُ عِنْدَهُمْ ذُو (١) الْحِجَّةِ، ثُمَّ عَادُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ، حَتَّى وَافَقَ حَجَّةَ أَبِي بَكْرٍ الْآخِرُ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي الْقَعْدَةِ (٢) ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّتَهُ الَّتِي حَجَّ، فَوَافَقَ ذَا الْحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ".
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا، وَكَيْفَ تَصِحُّ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ وَقَعَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَنَّى هَذَا؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: ٣]، وَإِنَّمَا نُودِيَ بِذَلِكَ فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي ذِي الْحِجَّةِ لَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ﴾ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهِمُ النَّسِيءَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ، مِنْ دَوَرَانِ السَّنَةِ عَلَيْهِمْ، وَحَجِّهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ؛ فَإِنَّ النَّسِيءَ حَاصِلٌ بِدُونِ هَذَا، فَإِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا يُحِلُّونَ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ عَامًا يُحَرِّمُونَ عِوَضَهُ صفرا، وَبَعْدَهُ رَبِيعٌ وَرَبِيعٌ إِلَى آخِرِ [السَّنَةِ وَالسَّنَةُ بِحَالِهَا عَلَى نِظَامِهَا وَعِدَّتِهَا وَأَسْمَاءِ شُهُورِهَا ثُمَّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ يُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمَ وَيَتْرُكُونَهُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَبَعْدَهُ صَفَرٌ، وَرَبِيعٌ وَرَبِيعٌ إِلَى آخِرِهَا] (٣) فَيُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا؛ لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَيْ: فِي تَحْرِيمِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ تَارَةً يُقَدِّمُونَ تَحْرِيمَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَوَالِيَةِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ، وَتَارَةً يَنْسَئُونَهُ إِلَى صَفَرٍ، أَيْ: يُؤَخِّرُونَهُ. وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ"، أَيْ: أَنَّ الْأَمْرَ فِي عِدَّةِ (٤) الشُّهُورِ وَتَحْرِيمِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْهَا، عَلَى مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْعَدَدِ وَالتَّوَالِي، لَا كَمَا يَعْتَمِدُهُ جَهَلَةُ الْعَرَبِ، مِنْ فَصْلِهِمْ تَحْرِيمَ بَعْضِهَا بِالنَّسِيءِ عَنْ بَعْضٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ بِشْرِ بْنِ سَلَمَةَ الطَّبَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ (٥) ثُمَّ قَالَ: "وَإِنَّمَا النَّسِيءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عاما". فكانوا يحرمون المحرم عاما، ويستحلون صفر (٦) وَيَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ، وَهُوَ النَّسِيءُ (٧)
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ "السِّيرَةِ" كَلَامًا جَيِّدًا وَمُفِيدًا حَسَنًا، فَقَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ نَسَأَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ، فَأَحَلَّ مِنْهَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَحَرَّمَ مِنْهَا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، "القَلمَّس"، وَهُوَ: حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ مُدْرِكة فُقَيم (٨) بْنُ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بن
(١) في ك: "ذا".
(٢) في ك، أ: "ذي القعدة".
(٣) زيادة من ت، ك، أ.
(٤) في ت: "هذه".
(٥) في ت، أ: "بما هو أهله".
(٦) في ت، ك، أ: "صفر منه".
(٧) ورواه أبو الشيخ الأصبهاني كما في الدر المنثور (٥/١٨٨).
(٨) في ت، ك، أ: "عبد بن فقيم".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ٣٧ } ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
النسيء : هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من جملة بدعهم الباطلة، أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال، في بعض أوقات الأشهر الحرم، رأوا -بآرائهم الفاسدة- أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم، التي حرم اللّه القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم، أو يقدموه، ويجعلوا مكانه من أشهر الحل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حراما، فهذا -كما أخبر اللّه عنهم- أنه زيادة في كفرهم وضلالهم، لما فيه من المحاذير.
منها : أنهم ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، وجعلوه بمنزلة شرع اللّه ودينه، واللّه ورسوله بريئان منه.
ومنها : أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حراما، والحرام حلالا.
ومنها : أنهم مَوَّهوا على اللّه بزعمهم وعلى عباده، ولبسوا عليهم دينهم، واستعملوا الخداع والحيلة في دين اللّه.
ومنها : أن العوائد المخالفة للشرع مع الاستمرار عليها، يزول قبحها عن النفوس، وربما ظن أنها عوائد حسنة، فحصل من الغلط والضلال ما حصل، ولهذا قال :﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي : ليوافقوها في العدد، فيحلوا ما حرم اللّه.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ أي : زينت لهم الشياطين الأعمال السيئة، فرأوها حسنة، بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي : الذين انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، فلو جاءتهم كل آية، لم يؤمنوا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣٧} ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
النسيء: هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من جملة بدعهم الباطلة، أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال في بعض أوقات الأشهر الحرم، رأوا -بآرائهم الفاسدة- أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم، التي حرم الله القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم، أو يقدموه، ويجعلوا مكانه من أشهر الحل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا -[٣٣٧]- القتال فيه، وجعلوا الشهر الحلال حراما، فهذا -كما أخبر الله عنهم- أنه زيادة في كفرهم وضلالهم، لما فيه من المحاذير.
منها: أنهم ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، وجعلوه بمنزلة شرع الله ودينه، والله ورسوله بريئان منه.
ومنها: أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حراما، والحرام حلالا.
ومنها: أنهم مَوَّهوا على الله بزعمهم وعلى عباده، ولبسوا عليهم دينهم، واستعملوا الخداع والحيلة في دين الله.
ومنها: أن العوائد المخالفة للشرع مع الاستمرار عليها، يزول قبحها عن النفوس، وربما ظن أنها عوائد حسنة، فحصل من الغلط والضلال ما حصل، ولهذا قال: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: ليوافقوها في العدد، فيحلوا ما حرم الله.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ أي: زينت لهم الشياطين الأعمال السيئة، فرأوها حسنة، بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم.
﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: الذين انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، فلو جاءتهم كل آية، لم يؤمنوا.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير — الشنقيطي - العذب النمير تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
النَّسِيءُ
التَّاخِيرُ لِحُرْمَةِ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ آخَرَ.
لِّيُوَاطِئُوا
لِيُوَافِقُوا.
عِدَّةَ
عَدَدَ.

إعراب الآية ٣٧ من سورة التوبة

من كتاب: إعراب القرآن

والتقدير الرابع أن يكون ينفقونها للذهب والثاني معطوفا عليه. فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ في موضع خبر الابتداء أي اجعل لهم موضع البشارة عذابا أليما.

[سورة التوبة (٩) : آية ٣٥]

يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)
يَوْمَ ظرف والتقدير يعذّبون. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ. فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ اسم ما لم يسمّ فاعله. وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ عطف. هذا ما كَنَزْتُمْ أي يقال لهم.

[سورة التوبة (٩) : آية ٣٦]

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً اسم «إنّ» وخبرها، وأعربت اثْنا عَشَرَ دون نظائرها لأن فيها حرف الإعراب أو دليله، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ابتداء وخبر وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ذلِكَ الدِّينُ أي ذلك القضاء. فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ الأكثر أن يكون هذا للأربعة لأن أكثر ما تستعمل العرب فيما جاوز العشرة «فيها ومنها». وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً مصدر في موضع الحال، قال أبو إسحاق: مثل هذا من المصادر عافاه الله عافية، وعاقبه عاقبة لا يثنّى ولا يجمع وكذا عامّة وخاصّة.
قال: ومعنى كافة معنى محيطين بهم مشتقّ من كفّة الشيء وهي حرفه لأنك إذا بلغت إليه كففت عن الزيادة.

[سورة التوبة (٩) : آية ٣٧]

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ هكذا يقرأ أكثر الأئمة ولم يرو أحد عن نافع علمناه. إِنَّمَا النَّسِيءُ «١» بلا همز إلا ورش وحده، وهو مشتقّ من نسأه وأنسأه إذا أخره. حكى اللغتين الكسائي، فنسىء بمعنى منسؤ أو منسأ. قال أبو عبيد: وقرأها ابن
(١) قرأ الزهري وحميد وأبو جعفر وورش عن نافع والحلواني (النسيّ) بتشديد الياء من غير همز.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٣٧ من سورة التوبة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْكَافِرِينَ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب

بالتقليل

ورش عن نافع

بالفتح

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

النَّسِىءُ

(النَّسِىُّ) بياء مشددة مضمومة بعد السين وحذف الهمزة

ورش عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(النَّسِىءُ) بياء ساكنة تمد 3 حركات بعد السين وبعدها همزة مضمومة

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(النَّسِىءُ) بياء ساكنة تمد 4 أو 5 حركات بعد السين وبعدها همزة مضمومة

شعبة عن عاصم حفص عن عاصم

(النَّسِىءُ) بياء ساكنة تمد 4 حركات بعد السين وبعدها همزة مضمومة

هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(النَّسِىءُ) بياء ساكنة تمد 6 حركات بعد السين وبعدها همزة مضمومة

خلف عن حمزة خلاد عن حمزة

زُيِّنَ لَهُمْ

إدغام النون في اللام وإسكان الميم

السوسي عن أبي عمرو

إظهار النون مفتوحة وإسكان الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

إظهار النون مفتوحة وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

سُوءُ أَعْمَالِهِمْ

إبدال همزة (أعمالهم) واواً مفتوحة وإسكان الميم

قالون عن نافع ورش عن نافع الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو رويس عن يعقوب

إبدال همزة (أعمالهم) واواً مفتوحة وصلة الميم

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

تحقيق همزة (أَعمالهم) وإسكان الميم

هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

لِّيُوَاطِئُواْ

(لِيُوَاطِئُوا) بكسر الطاء وبعدها همزة مضمومة مع ثلاثة البدل

ورش عن نافع

(لِيُوَاطِئُوا) بكسر الطاء وبعدها همزة مضمومة وقصر البدل

قالون عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي رويس عن يعقوب روح عن يعقوب إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(لِيُوَاطُوا) بضم الطاء وحذف الهمزة بعدها

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

يُضَلُّ

(يُضَلُّ) بضم الياء وفتح الضاد

حفص عن عاصم خلف عن حمزة خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي الدوري عن الكسائي إسحاق عن خلف إدريس عن خلف

(يُضِلُّ) بضم الياء وكسر الضاد

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(يَضِلُّ) بفتح الياء وكسر الضاد

قالون عن نافع ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٧ من سورة التوبة

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٤ قولًا
١
عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾: وهو جنادةُ بن عوف بن أميةَ الكِناني، ويُكْنى: أبا ثُمامة، كان يُوافِي الموسم كلَّ عامٍ، فيُنادِي: ألا إنّ أبا ثمامةَ لا يُحابُ، ولا يُعابُ. فيقول: ألا إنّ صفرَ الأولَ حلالٌ. وكان طوائفُ من العرب إذا أرادوا أن يُغِيروا على بعضِ عدوِّهم أتَوْه، فقالوا: أحِلَّ لنا هذا الشهر. يعنون: صفرَ، وكانت العربُ لا تقاتلُ في الأشهرِ الحرم، فيُحِلُّه لهم عامًا، ويُحَرِّمُه عليهم في العام الآخر، ويُحَرِّمُ المحرَّمَ في قابلٍ، ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾ يقول: ليجعلوا الحُرُمَ أربعةً، غيرَ أنهم جعلوا صفرَ عامًا حلالًا وعامًا حرامًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٢
عن الضحاك بن مزاحم -من طريق عبيد بن سليمان- يقول في قوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾: النسيء: المُحَرَّم، وكان يُحَرِّم المحرمَ عامًا، ويُحَرِّم صفرًا عامًا، فالزيادة صَفَر، وكانوا يُؤَخِّرون الشهورَ حتى يجعلون صفر المحرم، فيُحِلُّوا ما حرَّم الله، وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يُعَظِّمونه، هم الذين كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٥٤.
٣
عن طاووس بن كيسان، قال: الشهرُ الذي نزَعه اللهُ من الشيطان: المُحَرَّم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي الشيخ.
٤
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إنما النسيء زيادة الكفر﴾ الآية، قال: عمَد أناسٌ مِن أهلِ الضلالة فزادوا صفرَ في أشهرِ الحُرُم، وكان يقومُ قائمُهم في الموسم، فيقول: ألا إنّ آلهتَكم قد حرَّمَت المُحَرَّم. فيُحَرِّمونه ذلك العام، ثم يقومُ في العام المقبل، فيقول: ألا إنّ آلهتَكم قد حرَّمت صفر. فيُحَرِّمونه ذلك العام، وكان يُقالُ لهما: الصَّفرانِ. وكان أوَّلَ من نسَأ النسيءَ بنو مالكٍ من كنانة، وكانوا ثلاثةً؛ أبو ثُمامة صفوانُ بن أمية، أحدُ بني فُقَيمِ بن الحارث، ثم أحدُ بني كنانة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٥٧. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في الآية، قال: كان رجلٌ من بني مالك بن كنانة يقالُ له: جُنادةُ بن عوف، يُكنى: أبا أمامة، يُنسِئُ الشهور، وكانت العرب يَشْتَدُّ عليهم أن يمكُثوا ثلاثةَ أشهرٍ لا يُغِيرُ بعضُهم على بعضٍ، فإذا أراد أن يُغيرَ على أحدٍ قام يومَ مِنًى، فخطَب، فقال: إنِّي قد أحلَلتُ المُحرَّمَ وحرَّمتُ صفرَ مكانَه. فيقاتِلُ الناسُ في المحرم، فإذا كان صفرُ غمدوا السيوف، ووضَعوا الأسِنَّة، ثم يقومُ في قابلٍ فيقول: إنِّي قد أحلَلت صفرَ وحرَّمت المحرم. فيواطِئوا أربعةَ أشهرٍ، فيُحِلُّوا المحرَّم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٩٥.
٦
قال محمد بن السائب الكلبي: ﴿النسيء﴾ هو المُحَرَّم، كانوا يسمونه: صفرَ الأول، وكان الذي يُحِلُّه للناس جنادةُ بن عوف الكناني، كان يُنادي بالموسم: إنّ الصفر الأول حلالٌ. فيُحِلُّه للناس، ويُحَرِّم صفر مكان المحرم؛ فإذا كان العامُ المقبل حَرَّم المُحَرَّم وأَحَلَّ صفرَ١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢‏/‏٢٠٤-٢٠٥-.
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنما النسيء زيادة﴾ يعني به: في المحرم زيادة ﴿في الكفر﴾، وذلك أنّ أبا ثمامة الكناني -اسمه: جبارة١ بن عوف بن أمية بن فُقَيْم بن الحارث، وهو أولُّ مَن ذبح لغير الله الصفرة٢ في رجب- كان يقف بالموسِم، ثم يُنادِي: إنّ آلهتكم قد حرَّمَتْ صفرَ العام. فيُحَرِّمون فيه الدماءَ والأموالَ، ويَسْتَحِلُّون ذلك في المُحَرَّم، فإذا كان مِن قابلٍ نادى: إنّ آلهتكم قد حرَّمَت المحرم العام. فيُحَرِّمون فيه الدماء والأموال، فيأخذ به هوازن، وغطفان، وسُليم، وثقيف، وكنانة. فذلك قوله: ﴿إنما النسيء﴾ يعني: ترك المحرم ﴿زيادة في الكفر﴾٣
التخريج
  1. ١كذا في المطبوع، وفي المصادر الأخرى (جنادة).
  2. ٢كذا في المطبوع.
  3. ٣تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٧٠.
٨
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾، قال: هو صفر، كانت هوازنُ وغطَفان يُحِلُّونه سنةً، ويُحَرِّمونه سنةً١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٩
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾، يقول: يَسْتَحِلُّون المُحَرَّم عامًا فيُصِيبون فيه الدماءَ والأموالَ، ويُحَرِّمونه عامًا فلا يُصيبون فيه الدماءَ والأموالَ، ولا يَسْتَحِلُّونها فيه١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٧٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (٤/٣١٢ بتصرف): «قوله: ﴿يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾ معناه: عامًا من الأعوام، وليس يريد أنّ تلك مداولة في الشهر بعينه؛ عام حلال وعام حرام. وقد تأوَّل بعضُ الناس القصةَ: أنّهم كانوا إذا شقَّ عليهم توالي الأشهر الحُرُم أحلّ لهم المحرم وحرّم عليهم صفر بدلًا منه، ثم مشت الشهور مستقيمة على أسمائها المعهودة، فإذا كان مِن قابل حرّم المحرم على حقّه وأحلّ صفر، ومشت الشهور مستقيمة. ورأت هذه الطائفةُ أنّ هذه كانت حالة القوم. والذي قدّمناه قبلُ ألْيَقُ بألفاظ الآيات، وقد بَيَّنه مجاهد، وأبو مالك، وهو مقتضي قول النبي ﷺ: «إنّ الزمان قد استدار...». مع أنّ هذا الأمر كله قد تقضّى، والله أعلم أيَّ ذلك كان».
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قوله: ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾، يقول: يُشبهون١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٥٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ جرير (١١/٤٥٧) على قول ابن عباس هذا بقوله: «ذلك قريب المعنى مما بَيَّنّا، وذلك أنّ ما شابه الشيء فقد وافقه من الوجه الذي شابهه. وإنما معنى الكلام: أنهم يوافقون بعدّة الشهور التي يُحَرِّمونها عِدَّة الأشهر الأربعة التي حرَّمها الله، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها، وإن قدَّموا وأخَّروا. فذلك مواطأة عِدتهم عدَّةَ ما حرّم الله».
١١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- قال: كان رجلٌ من بني كِنانة يأتي كلَّ عام في الموسم على حمار له، فيقول: أيُّها الناس، إنِّي لا أُعابُ ولا أُحابُ، ولا مَرَدَّ لِما أقول، إنّا قد حَرَّمنا المُحَرَّم، وأخَّرْنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده، فيقول مثل مقالته، ويقول: إنّا قد حَرَّمنا صفر، وأخَّرنا المحرم. فهو قوله: ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾ قال: يعني: الأربعة، ﴿فيحلوا ما حرم الله﴾ لتأخير هذا الشهر الحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١١‏/‏٤٥٣.
١٢
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قوله: ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾: فيواطئوا أربعةَ أشهر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٩٥.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله﴾ فيه مِن الدماء والأموال، ﴿زين لهم سواء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٢‏/‏١٧٠.
١٤
عن عباد بن منصور، قال: سألتُ الحسن البصري عن قوله: ﴿زين لهم﴾. قال: زَيَّن لهم الشيطانُ١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ٦‏/‏١٧٩٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٤/٣١٣) أنّ قوله: ﴿زُيِّنَ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يضاف إلى الله عز وجل والمراد به خلقه لكفرهم وإقرارهم عليه وتحبيبه لهم. الثاني: أن يضاف إلى مُغويهم ومُضِلِّهم من الإنس والجن.
١٥
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كانت العربُ يُحِلُّون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يُصِيبون الحجَّ إلا في كُلِّ ستةٍ وعشرين سنةً مرَّةً، وهو النسيءُ الذي ذكَر الله تعالى في كتابه، فلمّا كان عامُ حجَّ أبو بكر بالناسِ وافَق ذلك العامُ الحجَّ، فسمّاه اللهُ الحجَّ الأكبر، ثم حجَّ رسولُ الله ﷺ من العام المُقْبِل، فاستقبل الناسُ الأهِلَّة، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الزمان قد استدار كهيئتِه يومَ خلَق الله السماوات والأرض»[[أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ٤/٩٠-٩١ (١٤٥٧)، والطبراني في الأوسط ٣/١٩٦ (٢٩٠٩)، من طريقالصلت بن مسعود الجحدري، عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، حدثنا داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به. قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن شعيب إلا داود بن أبي هند، ولا عن داود إلا محمد بن عبد الرحمن، تفرَّد به الصلت». وقال الهيثمي في المجمع ٧/٢٩ (١١٠٣٨): «رجاله ثقات».]]
١٦
عن عبد الله بن عمر، قال: وقَف رسولُ الله ﷺ بالعَقَبة، فقال: «إنّ النسيءَ من الشيطان زيادةٌ في الكفر، يُضَلُّ به الذين كفروا، يُحِلُّونه عامًا، ويُحَرِّمونه عامًا». فكانوا يُحرِّمون المحرَّم عامًا ويَسْتَحِلُّون صَفَرَ، ويُحَرِّمون صفرَ عامًا ويَسْتَحِلُّون المُحَرَّم، وهو النَّسِيء[[أخرجه أبو يعلى -كما في إتحاف الخيرة المهرة ٦/٣٠٧ (٥٩٠٨)-، وابن أبي حاتم ٦/١٧٩٤ (١٠٠١٩) واللفظ له. وهو جزء من الحديث المتقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ عن ابن عمر في خطبة الرسول ﷺ في حِجة الوداع بمنًى، وتقدم تخريجه هناك.]]
١٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾، قال: المُحَرَّمُ كانوا يُسَمُّونه: صفر، وصفرُ يقولون: صَفَران؛ الأوَّلُ والآخِرُ، يُحِلُّ لهم مرةً الأول، ومَرَّةً الآخِر[[أخرجه ابن أبي حاتم ٦/١٧٩٤.]]
١٨
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾، قال: فهو المُحَرَّم، كان يُحَرَّم عامًا، وصفر عامًا، وزيد صفر آخَرُ في الأشهر الحرم، وكانوا يُحَرِّمون صفرًا مرَّةً، ويُحِلُّونه مرَّةً، فعاب اللهُ ذلك، وكانت هوازِنُ وغَطَفان وبنو سليم تفعله[[أخرجه ابن جرير ١١/٤٥٢.]]
١٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: ﴿النسيء﴾ أنّ جُنادة بن عوف بن أُميّة الكِناني كان يُوافي الموسمَ كلَّ عام، وكان يُكْنى: أبا ثُمامة، فينادي: ألا إنّ أبا ثُمامة لا يُحابُ[[الحَوْبُ: الإثم. النهاية (حوب).]]، ولا يُعابُ، ألا وإنّ صفرَ الأول العامَ حلالٌ، فيُحِلُّه للناس، فيُحَرِّمُ صفرَ عامًا، ويُحرِّمُ المُحَرَّمَ عامًا، فذلك قوله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا﴾ إلى قوله:﴿الكافرين﴾. وقوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ يقول: يَتْرُكون المحرّم عامًا[[c=٢٩٤٤]]، وعامًا يُحَرِّمُونَه، ﴿ليواطئوا﴾: ليشبهوا[[أخرجه ابن جرير ١١/٤٥١-٤٥٢، وابن أبي حاتم ٦/١٧٩٣-١٧٩٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.]]
٢٠
عن عبد الله بن عباس، قال: كانت النَّسَأَةُ حيًّا مِن بني مالك مِن كنانة مِن بني فُقَيْمٍ، فكان آخرُهم رجلًا يُقالُ له: القَلَمَّسُ، وهو الذي أنسَأ المحرَّم، وكان ملِكًا، كان يُحِلُّ المحرَّمَ عامًا ويُحَرِّمِه عامًا، فإذا حرَّمه كانت ثلاثةُ أشهرٍ متوالية؛ ذو القَعدة وذو الحِجة والمحرَّم، وهي العِدَّةُ التي حرَّم اللهُ في عهد إبراهيم عليه السلام، فإذا أحلَّه دخَل مكانَه صفرٌ في المحرم لِيُواطِئَ العِدَّة، يقول: قد أكملتُ الأربعةَ كما كانت؛ لأنِّي لم أُحِلَّ شهرًا إلا وقد حرَّمتُ مكانَه شهرًا. فكانت على ذلك العَرَبُ مَن يَدِينُ للقَلَمَّسِ بمُلْكِه، حتى بعَث الله محمدًا ﷺ، فأكملَ الحُرُم، ثلاثة أشهر متوالية، ورجبُ شهرُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبان[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]
٢١
عن أبي وائل شقيق بن سلمة -من طريق منصور- قال: كان الناسِئُ رجلًا مِن كنانةَ ذا رأيٍ يأخذون مِن رأيه، رأسًا فيهم[[c=٢٩٤٥]]، فكان عامًا يجعلُ المحرمَ صفرَ، فيُغِيرون فيه، ويستحِلُّونه، فيُصِيبون فيَغْنَمون، وكان عامًا يُحَرِّمُه[[أخرجه ابن جرير ١١/٤٥٣، وابن أبي حاتم ٦/١٧٩٤.]]
٢٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾، قال: حَجُّوا في ذي الحِجَّة عامين، ثم حَجُّوا في المُحَرَّم عامين، ثم حجُّوا في صفر عامين، فكانوا يَحُجُّون في كل سنةٍ في كل شهرٍ عامين، حتى وافقت حجة أبي بكر الآخِر مِن العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي ﷺ بسنة، ثم حجَّ النبيُّ ﷺ مِن قابلٍ في ذي الحجة، فذلك حين يقول النبي ﷺ في خطبته: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلق الله السموات والأرض»[[أخرجه عبد الرزاق ٢/١٤٩ (١٠٨٥)، وابن جرير ٣/٤٨٦-٤٨٧، ١١/٤٥٥-٤٥٦ مرسلًا.]]
٢٣
عن مجاهد بن جبر، في قوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾، قال: فرَض الله الحجَّ في ذي الحجة، وكان المشركون يُسَمُّون الأشهر: ذو الحجة، والمحرم، وصفر، وربيعٌ، وربيعٌ، وجُمادى، وجُمادى، ورجبُ، وشعبان، ورمضان، وشوّال، وذو القَعدة، وذو الحِجة، ثم يَحُجُّون فيه، ثم يسكُتون عن المحرَّم، فلا يذكُرونه، ثم يعودون فيسمُّون صفرَ صفرَ، ثم يسمُّون رجبَ جمادى الآخرة، ثم يسمُّون شعبان رمضان، ورمضانَ شوال، ويسمُّون ذا القَعدةِ شوال، ثم يسمُّون ذا الحجة ذا القَعدة، ثم يسمُّون المحرَّمَ ذا الحِجة، ثم يحُجُّون فيه، واسمُه عندَهم ذو الحجة، ثم عادوا مثلَ هذه القصة، فكانوا يحُجُّون في كلِّ شهرٍ عامًا، حتى وافَق حجةُ أبي بكرٍ الآخرةَ من العام في ذي القعدة، ثم حجَّ النبيُّ ﷺ حجتَه التي حجَّ فيها فوافَق ذا الحجة، فذلك حين يقولُ النبيُّ ﷺ في خطبته: «إنّ الزمان قد استدار كهيئتِه يوم خلَق الله السماواتِ والأرض»[[أخرجه عبد الرزاق ٢/١٤٩ (١٠٨٥)، وابن جرير ١١/٤٥٤-٤٥٥، وابن أبي حاتم ٦/١٧٩٥ (١٠٠٢١) دون ذكر المرفوع مرسلًا.]][[c=٢٩٤٦]]
٢٤
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جريج- ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾، يقول: ازدادوا به كفرًا إلى كفرهم[[أخرجه ابن جرير ١١/٤٥٧، وابن أبي حاتم ٦/١٧٩٤.]]

نزول الآية

٤ أقوال
١
عن أبي وائل شقيق بن سلمة -من طريق سفيان- في قوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾، قال: نزَلت في رجلٍ من بني كِنانةَ يُقالُ له: نَسِيءٌ، كان يجعلُ المُحرَّم صفرَ[[قال ثعلب: الناس كلهم يصرفون صفرًا إلا أبا عبيدة فإنه قال: لا ينصرف. اللسان (صرف). وينظر الخصائص لابن جنى ٢/١٨٩.]]، يستحِلُّ فيه المغانم[[أخرجه سفيان الثوري ص١٢٦، وابن جرير ١١/٤٥٣، وابن أبي حاتم ٦/١٧٩٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]][[c=٢٩٤٢]]
٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق سفيان الثوري-، مثله[[أخرجه سفيان الثوري ص١٢٦.]]
٣
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق حُصَين- قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثةَ عشر شهرًا، فيجعلون المحرَّمَ صفرًا، فيستحِلُّون فيه الحُرُمات؛ فأنزَل الله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾[[أخرجه ابن جرير ١١/٤٥٤. وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ]]
٤
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا﴾ الآية، قال: هذا رجل مِن بني كنانة، يُقال له: القَلَمَّسُ، كان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يُغِيرُ بعضُهم على بعضٍ في الشهر الحرام، يلقى الرجلُ قاتلَ أبيه فلا يَمُدُّ إليه يدَه. فلما كان هو قال: اخرُجوا بنا. قالوا له: هذا المُحَرَّم! فقال: نَنسَؤُه العامَ، هما العامَ صفران، فإذا كان عامُ قابلٍ قضينا فجعلناهما مُحَرَّمَيْن. قال: ففعل ذلك. فلمّا كان عامُ قابِلٍ قال: لا تغزوا في صَفَر. حَرِّموه مع المُحَرَّم، هُما مُحَرَّمان[[c=٢٩٤٣]]، المحرم أنسأناه عامًا أول ونقضيه. ذلك الإنساء. وقال مُنافِرُهم: ومِنّا مُنسِئُ الشِّهْرِ القَلَمَّس وأنزل الله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ إلى آخر الآية[[أخرجه ابن جرير ١١/٤٥٦.]]

قراءات

قول واحد
١
قال سفيان الثوري: كان أصحابُ عبدِ الله بن مسعود يقرءونها: ‹يَضِلُّ›١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثوري ص١٢٦. وهي قراءة العشرة، ما عدا حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف العاشر، فإنّهم قرؤوا ‹يُضِلُّ› بضم الياء. انظر: النشر ٢‏/‏٢٧٩، والإتحاف ص٣٠٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختَلَف القُرّاء في قراءة قوله تعالى: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فقرأه بعضهم: ﴿يُضَلُّ﴾ بضمّ الياء، وفتح الضاد، بمعنى: يُضِلُّ اللهُ بالنسيء الذي ابتدعوه وأحدثوه الذين كفروا. وعلَّقَ ابنُ عطية (٤/٣١٢) على هذه القراءة بقوله: «ويُؤَيّد ذلك قولُه تعالى: ﴿زُيِّنَ﴾؛ للتناسب في اللفظ». وقرأه بعضهم: ›يَضِلُّ‹ بفتح الياء، وكسر الضاد، والمعنى: يزولُ عن محجةِ الله التي جعلها لعباده طريقًا يسلكونه إلى مرضاته الذين كفروا"". وصوَّبَ ابنُ جرير (١١/٤٥٠) القراءتين، فقال: «الصوابُ من القول في ذلك أن يقال: هما قراءتان مشهورتان، قد قَرَأَتْ بكل واحدةٍ القرأةُ أهلُ العلم بالقرآن والمعرفة به، وهما متقاربتا المعنى؛ لأنّ مَن أضله الله فهو ضالٌّ، ومَن ضلَّ فبإضلال الله إياه وخذلانه له ضلّ. فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مصيب». وحَكى قراءة ثالثة بضمّ الياء، وكسر الضاد، هكذا: (يُضِلُّ). ونسبها ابنُ عطية (٤/٣١٢) لابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وعمرو بن ميمون، وبَيَّنَ أنّ معناها مُحتَمل بقوله: «إما على معنى: يُضِلُّ اللهُ... ، وإمّا على معنى: يُضِلُّ به الذين كفروا أتباعَهم. فـ﴿الذين﴾ في التأويل الأول في موضع نصب، وفي الثاني في موضع رفع».
التفسير بالمأثور لسورة التوبة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٧ من سورة التوبة

٤ وقفات في هذه الآية

  • الحيلة لعمل محرم أو فرار من واجب لعب بالدين،كلعب المشركين بتأخير اﻷشهر الحرم ليقترفوا الحرام(إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا).

    — سعود الشريم

  • دورة الطريق إلى براءه سورة التوبة آية 37

    — حازم شومان

  • حسن العمل أو سوؤه يعرف من جهة الشرع، لا من وجهة نظر فاعله؛ فقد يزين الشيطان الأعمال السيئة! { زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ}

    — مجالس التدبر

  • قوله تعالي : " قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) " { يوسف : 47 – 49 } . قال ابن الجواليقي : " ولا تُفرّقُ عوامُّ النّاس بين ( العام ) و ( السَّنَةِ ) ، ويجعلونهما بمعنًي واحدٍ ، فيقولون : سافرَ في وقتٍ من السَّنَةِ ، أي : وقتَ كان إلي مثله ذلك ، وهو غلطٌ ، والصوابُ ما أُخبِرتُ به عن أحمد بن يحي أنّه قال : ( السَّنَةُ ) من أيّ يومٍ عددتَهُ إلي مثله . و( العامُ ) لا يكون إلا شتاءً وصيفًا ، وليس ( السَّنَةُ ) و( العامُ ) مشتقّين من شئ ، فإذا عددتَ من اليوم إلي مثله فهو سَّنَةٌ ، يدخلُ فيه نصفُ الشتاء ونصفُ الصيف ، والعامُ لا يكون إلا صيفًا وشتاءً ... فالعامُ أخصُّ من السَّنَةِ ، فعلي هذا تقول : كلُّ ( عامٍ ) سَّنَةٌ ، وليس كلُّ ( سَنَةٍ ) عامًا " انتهى من تاج العروس للز بيدى : 8 / 413 . وقال الراغب الأصفهانيّ في كتابه ( المفردات ) ص 245 : " وأكثر ما تُستعملُ السَّنَةُ في الحَوْلِ الذي فيه الجَدْبُ ، يقال : أسنتَ القومُ ، أصابتهم السَّنَةُ " ، وقال في موضعٍ آخر ص 354 : " العامُ كالسَّنَةِ لكن كثيرًا ما تُسْتَعْملُ السَّنَةُ في الحَوْلِ الذي يكون فيه الشدّةُ أو الجَدَبُ ، ولهذا يُعبّرُ عن الجَدْبِ بالسَّنَةِ ، والعام بما فيه الرخاء والخِصْبُ " . وقد سار أكثر المفسّرين – أبى السعود : 4 / 238 - علي التفريق بينهما من حيث القَحْطُ والخِصْبُ ، واستشهدوا علي ذلك بأحاديث ، منها ما رواه مسلمٌ - رحمه الله - عن ثوبان - رضي الله عنه - أنّ رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ( .... وإنّي سألتُ ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنةٍ بعامّهٍ ) صحيح مسلم : 3 / 2215 . وأقول : أوضح منه في الاستشهاد ما رواه مسلمٌ - رحمه الله - عن أبي هريرة أنّ رسول الله - صلي الله عليه وسلم - قال : ( ليست السَّنَةُ بأن لا تُمطروا ، ولكنّ السَّنَةَ أن تُمطروا ، وتمطروا ، ولا تُنبِتُ الأرضُ شيئًا ) صحيح مسلم : 3 / 2228 . ؛ لأنّ رسول الله - صلي الله صلي الله عليه وسلم - سار في تعريفه للسَّنَةِ علي ما يعرفه أصحابه - رضي الله عنهم - ، ثمّ بيّنَ لهم التعريف الصحيحَ لهم . ولكنْ فرّقَ بينهما أبو هلال العسكريّ من جوانب أخري ، فقال الفروق اللغوية : 224 : " الفرق بين ( العام ) و( السَّنَةِ ) أنّ العامَ جمعُ أيّامٍ ، والسَّنَةَ جمعُ شهورٍ ، ألا تري أنّه لمّا كان يُقال : أيّامُ الرنْجِ ، قيل عامُ الرنْجِ ، ولمّا لم يُقَل : شهورُ الرنْجِ ، لم يُقَلْ : سنة الرنْجِ . ويجوز أن يقال : ( العام ) يفيد كونه وقتًا لشيء ، ( والسَّنَةُ ) لا تفيد ذلك , ولهذا يقال : عامُ الفيل ، ولا يقال : سنة الفيل ، ويقال في التاريخ : سنة مئةٍ ، وسنة خمسين ، ولا يقال : عام مئة وعام خمسين ؛ إذ ليس وقتًا لشئ ممّا ذُكِرَ من هذا العددِ ، ومع هذا فإنّ العامَ هو السَّنَةُ ، والسَّنَةَ هي العامُ ، وإن اقتضي كلُّ واحد منهما ما لا يقتضيه الآخر ممّا ذكرناه ، كما أن الكلَّ هو الجَمْعُ ، والجَمْعُ هو الكلُّ ، وإن كان الكلُّ إحاطةً بالأبعاض ، والجَمْعُ إحاطةً بالأجزاء " . ويري السهيليّ - رحمه الله - أنّ الفرق بينهما أنّ ( العام ) يطلق علي ذي الشهور القمريّة ، وأمّا ( السنة ) فتطلق علي ذات الشهور الشمسيّة الروض الأنف 2 / 57 – 59 . وعودًا إلي الآيات التي هي محلّ هذه النظرة نجد المولي - عز وجل - قال : " سَبْعَ سِنِينَ " , ثمّ قال : " عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ " , ففي الأولي استعمل السنين , ثمّ استعمل العام , فما السرّ في ذلك ؟ . قال السهيلي - رحمه الله – الروض الأنف : 2 / 57 – 58 : " قال : " سِنِينَ " , ولم يقل : ( أعواما ) , و السَّنَةُ و العامُ - وإن اتّسعت العربُ فيهما واستعملتْ كلَّ واحد منهما مكانَ الآخر اتّساعًا - ولكَنَّ بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنـزيل الكلام فرقًا فَخُذْهُ : أولًا : من الاشتقاق ؛ فإنّ السَّنَهَ من : سَنا , يَسْنُو , إذا دار حول البئر والدابّة : هي السانية , فكذلك السَّنَهُ : دورةٌ من دورات الشمس , وقد تسمّي السَّنَةُ ( دارا ) ؛ ففي الخبر : ( إنّ بين آدم ونوحٍ ألفَ دارا ) , أي : ألف سَّنَةٍ هذا أصل الاسم , ومن ثمّ قالوا : أكلتْهم السَّنَةُ , فسمّوا شدّة القحط سنةً , قال الله سبحانه : " وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ " الأعراف : 130 , ومن ثمّ قيل : أسنتَ القومُ , إذا أقحطوا .. ؛ لأنّ الجُدُوبَةَ والخِصْبَ معتبرٌ بالشتاء والصيف , وحسابُ العجم إنّما هو بالسنين الشمسيّة , بها يؤرّخون ...... وانظرْ بعد هذا إلي قوله : " تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا " , ولم يقل : ( أعوامًا ) , ففيه شاهدٌ لما تقدّم , غير أنّه قال : " ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ " , ولم يقل : سنة , عدولًا عن اللفظ المشترك ؛ فإن السنة قد يعبّر بها عن الشدّة و الأزمة , كما تقدّم , فلو قال : ( سَّنَةٌ ) لذهب الوهم إليها ؛ لأنَّ العامَ أقلُّ أيّامًا من السنة , وإنّما دلّتِ الرؤيا علي سبعِ سنينَ شدادٍ , و إذا انقضي العدد فليس بعد الشدّة إلا رخاءٌ , وليس في الرؤيا ما يدلُّ علي مدّة ذلك الرخاء , و لا يمكن أن يكون أقلّ من عامٍ , و الزيادة علي العام مشكوكٌ فيها , ولا تقتضيها الرؤيا , فَحُكِمَ بالأقلِّ , وَتُرِكَ ما يقع فيه الشكُّ من الزيادة علي العام , فهاتان فائدتان في اللفظ بالعام في هذا الموطن " . ثمّ وجَّهَ السهيليّ - رحمه الله - بعض الآيات , فقال الروض الأنف : 2 / 58 – 59 : " وأمّا قوله : " وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً " الأحقاف : 15 , فإنّما ذكر السنين , وهي أطول من الأعوام ؛ لأنّه مخبرٌ عن اكتهالِ الإنسانِ , و تمامِ قوّتِهِ , و استوائِهِ , فلفظ السنين أولى بهذا الموطن ؛ لأنّها أكملُ من الأعوام . وفائدة أخري : أنه خبرٌ عن السنّ , والسنُّ معتبرٌ بالسنين ؛ لأنّ أصل السنّ في الحيوان لا يُعْتَبَرُ إلا بالسَّنَةِ الشمسيّة ؛ لأنَّ النتاجَ و الحملَ يكون بالربيع والصيف , حتّي قيل : ( رِبعيّ ) للبكيرِ , و ( صيفيّ ) للمُؤخَّرِ ...... , فلمّا قيل ذلك في الفصيل ونحوه : ابنُ سنةٍ , وابن سنتين , قيل ذلك في الآدميّين , وإن كان أصله في الماشية . وأمّا قوله : " وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ " لقمان : 14 , فلأنّه قال سبحانه : " يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ " البقرة : 189 , فالرضاع من الأحكام الشرعية , و قد قصرنا فيها علي الحساب بالأهلّة . وكذلك قوله : " يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا " التوبة : 37 , ولم يقل : سنة ؛ لأنه يعني شهر المحرّم وربيع إلي آخر العام , ولم يكونوا يحسبون بأيلول , ولا بتشرين ولا بينير , وهي الشهور الشمسية . وقوله سبحانه : " فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ " البقرة : 259 , إخبارٌ منه لمحمّد - صلي الله عليه وسلم - وأمّته , وحسابهم بالأعوام والأهلّة كما وقّتَ لهم سبحانه . وقوله سبحانه في قصّة نوح : " فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا " العنكبوت : 14 , قيل : إنّما ذكر أولًا السنين ؛ لأنّه كان في شدائدَ مُدَّتَهُ كُلَّها إلا خمسين عامًا منذ جاءه الفرج , وأتاه الغوث , و يجوز أن يكون الله سبحانه عَلِمَ أنّ عُمُرَهُ كان ألفًا إلا أن الخمسين منها كانتْ أعوامًا فيكون عمره ألفَ سنة , ينقص منها ما بين السنين الشمسية و القمريّة في الخمسين خاصّة ؛ لأن خمسين عامًا بحساب الأهلّة أقلّ من خمسين سنة شمسيّة بنحو عامٍ و نصف , فإن كان الله سبحانه قد عَلِمَ هذا من عُمُره , فاللفظُ موافقٌ لهذا المعني , و إلا ففي القول الأوّل مقنعٌ , والله اعلم بما أراد . فتأمّل هذا ؛ فإنّ العلم بتنـزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح لك بابًا من العلم بإعجاز القرآن . وابْنِ هذا الأصلَ تَعْرِفِ المعني في قوله تعالي : " فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) " المعارج : 4 وقوله تعالي : " وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) " الحج : 47 , وأنه كلامٌ وَرَدَ في مَعْرضِ التكثير والتفخيمِ لطول ذلك اليومِ , و السَّنَهُ أطولُ من العامِ , كما تقدّم , فلفظها أليقُ بهذا المقام .

    — صالح العايد

فتاوى متعلقة بالآية ٣٧ من سورة التوبة

٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ٣٧ من سورة التوبة

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(37) Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it[473] lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh[474] and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.
[473]- Fighting during a sacred month.
[474]- If they found it advantageous to violate a sacred month, they would do so, designating another month in its place in which to observe the restrictions concerning fighting.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال