جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
وهذه الآية حثّ من الله جلّ ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم، وذلك غزوة رسول الله ﷺ تبوك. يقول جلّ ثناؤه : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ما لَكُمْ أيّ شيء أمركم، إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلَ اللّهِ يقول : إذا قال لكم رسول الله محمد : انفروا أي اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم. وأصل النفر : مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاجه على ذلك، ومنه نفور الدابة غير أنه يقال من النفر إلى الغزو : نفر فلان إلى ثغر كذا يَنْفِرُ نَفْرا ونَفِيرا، وأحسب أن هذا من الفروق التي يفرقون بها بين اختلاف المخبر عنه وإن اتفقت معاني الخبر فمعنى الكلام : ما لكم أيها المؤمنون إذ قيل لكم : اخرجوا غزاه في سبيل الله أي في جهاد أعداء اللّه، اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ يقول تثاقلتم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها. وقيل :«اثّاقلتم » لأنه أدغم التاء في الثاء. فأحدث لها ألف ليتوصل إلى الكلام بها. لأن التاء مدغمة في الثاء، ولو أسقطت الألف وابتدئ بها لم تكن إلا متحركة، فأحدثت الألف لتقع الحركة بها، كما قال جلّ ثناؤه : حتى إذَا ادّاركُوا فِيهَا جَمِيعا وكما قال الشاعر :
| تُولي الضجيجَ إذا ما اسْتافَها خَصِرا | عَذْبَ المَذاقِ إذَا ما اتّابَعَ القُبَلُ |
وقوله : أرَضِيتُمْ بالحَياةِ الدّنْيَا مِنَ الاَخِرَةِ يقول جلّ ثناؤه، أرضيتم بحظّ الدنيا والدعة فيها عوضا من نعيم الاَخرة وما عند الله للمتقين في جنانه ؟ فَمَا مِتَاعُ الحَياةِ الدّنْيَا فِي الاَخِرةِ يقول : فما الذي يستمتع به المتمتعون في الدنيا من عيشها ولذّاتها في نعيم الاَخرة والكرامة التي أعدّها الله لأوليائه وأهل طاعته إلاّ قَلِيلٌ يسير. يقول لهم : فاطلبوا أيها المؤمنون نعيم الاَخرة وترف الكرامة التي عند الله لأوليائه بطاعته، والمسارعة إلى الإجابة إلى أمره في النفير لجهاد عدوّه.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ما لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلَ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرضِ أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف، وبعد حنين. أمروا بالنفير في الصيف حين خُرِفَت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشقّ عليهم المخرج.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلَ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرض. . . الآية، قال : هذا حين أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحنين، وبعد الطائف أمرهم بالنفير في الصيف، حين اخْتُرِفَت النخل، وطابت الثمار، واشتهُوا الظلال، وشقّ عليهم المخرج. قال : فقالوا : منا الثقيل، وذو الحجة، والضيّعة، والشغل، والمنتشر به أمره في ذلك. فأنزل الله : انْفِرُوا خفافا وثَقالاً.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وإنما معنى الكلام: أنهم يوافقون بعدة الشهور التي يحرِّمونها، عدة الأشهر الأربعة التي حرَّمها الله، لا يزيدون عليها ولا ينقصون منها، وإن قدَّموا وأخَّروا. فذلك مواطأة عِدتهم عدَّةَ ما حرّم الله.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ (٣٨)﴾
قال أبو جعفر: وهذه الآية حثٌّ من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسوله على غزو الروم، وذلك غزوة رسول الله ﷺ تبوك.
يقول جل ثناؤه: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله = (ما لكم)، أيّ شيء أمرُكم = (إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله)، يقول: إذا قال لكم رسولُ الله محمدٌ = (انفروا)، أي: اخرجوا من منازلكم إلى مغزاكم.
* * *
وأصل "النفر"، مفارقة مكان إلى مكان لأمرٍ هاجه على ذلك. ومنه: "نفورًا الدابة". غير أنه يقال: من النفر إلى الغزو: "نَفَر فلان إلى ثغر كذا ينْفِر نَفْرًا ونَفِيرًا"، وأحسب أن هذا من الفروق التي يفرِّقون بها بين اختلاف المخبر عنه، (١)
* * *
فمعنى الكلام: ما لكم أيها المؤمنون، إذا قيل لكم: اخرجُوا غزاة = "في سبيل الله"، أي: في جهاد أعداء الله (٢) = (اثَّاقلتم إلى الأرض)، يقول: تثاقلتم إلى لزوم أرضكم ومساكنكم والجلوس فيها.
* * *
وقيل: "اثّاقلتم" لإدغام "التاء" في "الثاء" فأحدثتْ لها ألف. (٣) ليُتَوصَّل إلى الكلام بها، لأن "التاء" مدغمة في "الثاء". ولو أسقطت الألف، وابتدئ بها، لم تكن إلا متحركة، فأحدثت الألف لتقع الحركة بها، كما قال جل ثناؤه: (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا)، [سورة الأعراف: ٣٨]، وكما قال الشاعر: (٤)
| تُولِي الضَّجِيعَ إذَا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا | عَذْبَ المَذَاقِ، إذَا مَا أتَّابَعَ القُبَلُ (٥) |
وقوله: (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة)، يقول جل ثناؤه، أرضيتم بحظ الدنيا والدّعة فيها، عوضًا من نعيم الآخرة، وما عند الله للمتقين في جنانه = (فما
(٢) انظر تفسير "سبيل الله" فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(٣) في المطبوعة: "لأنه أدغم التاء في الثاء فأحدث لها ألف"، وكان في المخطوطة: "لأنه غام"، فلم يحسن قراءتها، فغير الكلام، فأثبته على الصواب من المخطوطة. وانظر ما سلف في الإدغام ٢: ٢٢٤.
(٤) لم أعرف قائله
(٥) مضى شرحه وتفسيره آنفًا ٢: ٢٢٣، ومعاني القرآن للفراء ١: ٤٣٨.
(٦) مكان هذه الجملة في المطبوعة: "فهو بنى الفعل افتعلتم من التثاقل"، وهو كلام غث جدا. وفي المخطوطة: " فهو بين الفعل افتعلتم من التثاقل "، غير منقوط، وصححت هذه العبارة اجتهادا، مؤتنسًا بما قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢٦٠، قال: " ومجاز: اثاقلتم، مجاز: افتعلتم، من التثاقل، فأدغمت التاء في الثاء، فثقلت وشددت ". يعني أبو عبيدة: أنك لو بنيت " افتعل " من " الثقل "، كان واجبا إدغام التاء في الثاء. وانظر أيضًا معاني القرآن للفراء ١: ٤٣٧، ٤٣٨.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٦٧١٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)، أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد حنين. أمروا بالنَّفير في الصيف، حين خُرِفت النخل، (٣) وطابت الثمار، واشتَهُوا الظلال، وشقّ عليهم المخرج.
١٦٧٢٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) الآية، قال: هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وحنين وبعد الطائف. أمرهم بالنَّفير في الصيف، حين اختُرِفت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشقَّ عليهم المخرج. قال: فقالوا: "الثقيل"، ذو الحاجة، والضَّيْعة، والشغل، (٤) والمنتشرُ به أمره في ذلك كله. فأنزل الله: (انفروا خفافا وثقالا)، [سورة التوبة: ٤١]
* * *
(٢) في المطبوعة: "وترف الكرامة"، والصواب ما في المخطوطة.
(٣) "خرف النخل يخرفه خرفًا، واخترفه اخترافًا"، صرم ثمره واجتناه بعد أن يطيب.
(٤) في المطبوعة: "فقالوا: منا الثقيل وذو الحاجة والضيعة... "، غير ما في المخطوطة، وكان في المخطوطة ما أثبت. وهو مقبول، مع شكي في أن يكون سقط من الكلام شيء. وقوله: " الثقيل: ذو الحاجة والضيعة " هو تفسير قوله تعالى: (انفروا خفافًا وثقالا)، جمع " ثقيل "، كما سترى في تفسير الآية ص: ٢٦٢ وما بعدها.