تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي

عن الكتاب
هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارة القيظ، فقال تعالى :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله﴾ أي إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله ﴿اثاقلتم إِلَى الأرض﴾ أي : تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض وطيب الثمار ﴿أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة﴾ ؟ أي ما لكم فعلتم هكذا رضاً منكم بالدنيا بدلاً من الآخرة؛ ثم زهَّد تبارك وتعالى في الدنيا، ورغب في الآخرة فقال :﴿فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ قَلِيلٌ﴾، كما قال رسول الله ﷺ :« ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بما ترجع »، وأشار بالسبابة. وقال الأعمش ﴿فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ قال : كزاد الراكب، وقال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه : لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة، قال : ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال : أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى، وهو يقول : أف لك من دار إن كان كثيرك لقليل، وإن كان قليلك لقصير، وإن كنا منك لفي غرور. ثم توعد تعالى من ترك الجهاد فقال :﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ قال ابن عباس : استنفر رسول الله ﷺ حياً من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ : أي لنصرة نبيه وإقامة دنيه كما قال تعالى :﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ : أي ولا تضروا الله شيئاً بتوليكم عن الجهاد، ونكولكم وتثاقلكم عنه ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي قادر على الانصار من الأعداء بدونكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى