بيّن ابنُ عطية (٥‏/‏٥١٢) أن الإنسان في الآية للجنس، ثم ذكر نحو قول يحيى عن الزجاج، وانتقده بقوله: «وهذا غير بارع»

انتقد ابنُ عطية (٦‏/‏١٥٧) قول مجاهد مستندًا لظاهر لفظ الآية، فقال: «وهذا تفسير لا يعطيه اللفظ»

علَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٢٥٩) على هذا القول الذي قاله قتادة، والضحاك، ومقاتل، فقال: «ومعنى الآية يقتضي أنه كان كذلك قبل خرابه»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٥١٣) قول عبد الله بن القاسم، ثم علّق بقوله: «فالآية على هذا أمر بصلة الرحم»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٠٠) أنّ قوله تعالى: ﴿إن هذه تذكرة﴾ يحتمل أن يشير إلى هذه الآية، أو إلى السورة بأسْرها، أو إلى الشريعة بجملتها

اختُلِفَ هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ ووجَّه ابنُ عطية (١‏/‏٤٦٥) القولَ بالنسخ الذي قاله مجاهد، وقتادة من طريق مَعْمَر، وابن زيد بأنّ قوله تعالى: ﴿وقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أمرٌ بالقتال لِكُلِّ مُشْرِك في كل موضع. ووجَّه القولَ بعدم النسخ بأنّ المعنى: قاتِلُوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾. ثُمَّ رَجَّح (١‏/‏٤٦٥) القولَ الأولَ مُسْتَنِدًا إلى سياق الآية، فقال: «والأَوَّلُ أظهرُ، وهو أمرٌ بقتال مطلقٍ، لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾». وحكى ابنُ جرير الخلافَ في قراءة هذه الآية بَيْنَ مَن قرأها: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ بمعنى: ولا تَبْتَدِؤوا -أيها المؤمنون- المشركين بالقتال عند المسجد الحرام حتى يبدءوكم به. وبَين مَن قرأها: ›ولا تَقْتُلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ‹ بمعنى: ولا تبدؤوهم بقتلٍ حتى يبدءوكم به. ورجَّح (٣‏/‏٢٩٨) القراءةَ الأولى مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يأمر نبيَّه ﷺ وأصحابه في حال إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يقتلوا منهم قتيلًا بعد ما أذن له ولهم بقتالهم». ثم قال: «وقد نَسَخَ الله -تعالى ذِكْرُه- هذه الآية بقوله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾، وقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]، ونحو ذلك من الآيات»

اختُلِف فيمَن نزلت هذه الآية؟ فقال ابن عباس: نزلت هذه الآية وما في معناها بمكة، والإسلام لم يَعِزّ، فلَمّا هاجر الرسول ﷺ، وعزَّ دينُه؛ أُمر المسلمون برفع دينهم إلى حُكّامهم، وأُمِرُوا بقتال الكفار. وقال مجاهد: بل نزلت في المدينة بعد عمرة القضاء، وهي في التدريج في الأمر بالقتال. ورجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٣١٠) قولَ مجاهد مُسْتَنِدًا إلى السياق، وزمن النزول، فقال: «لأنّ الآيات قبلها إنّما هي أمر من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة، وذلك قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ والآيات بعدها، وقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ إنّما هو في سياق الآيات التي فيها الأمر بالقتال، والجهاد، والله إنّما فَرَض القتالَ على المؤمنين بعد الهجرة، فمعلوم بذلك أنّ قوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ مدنيٌّ لا مكي، إذ كان فرض قتال المشركين لم يكن وجب على المؤمنين بمكة، وأنّ قوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ نظيرُ قوله: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾، وأنّ معناه: فمن اعتدى عليكم في الحرم فقاتلكم فاعتدوا عليه بالقتال نحو اعتدائه عليكم بقتاله إيّاكم، لأنِّي قد جعلت الحرمات قصاصًا، فمن استَحَلَّ منكم -أيها المؤمنون- من المشركين حُرْمَةً في حَرَمِي؛ فاسْتَحِلُّوا منه مثلَه فيه»

رجَّحَ ابنُ عطية (٢‏/‏٩٤) العموم في لفظ الآية، وعلَّقَ على أثر ابن عباس هذا بقوله: «الآية وإن كانت نزلت في علي رضي الله عنهما، فمعناها يتناول كل من فعل فِعْلَه، وكل مشّاءٍ بصدقته في الظُّلَم إلى مظنة ذي الحاجة، وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولًا محكمًا، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية». وكذا ذهبَ إليه ابنُ تيمية (١‏/‏٦٠١-٦٠٢) في معرض رده على الرافضة، حيث قال: «والجاهل بمعنى الآية -لِتَوَهُّمِهِ أنّ الذي أنفَقَه سِرًّا وعلانية غيرُ الذي أنفقه في الليل والنهار- يقول: نزلت فيمن أنفَقَ أربعة دراهم، إمّا عَلِيٌّ وإمّا غيره، ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾، ولم يَعْطِف بالواو فيقول:»وسِرًّا وعَلانِيَةً«، بل هذان داخلان في الليل والنهار». ثم قال مُسْتَدِلًّا بالعقل: «لو قَدَّرْنا أنّ عليًّا فعل ذلك، ونزلت فيه الآيةُ، فهل هنا إلا إنفاق أربعة دراهم في أربعة أحوال؟! وهذا عمل مفتوح بابه، مُيَسَّرٌ إلى يوم القيامة. والعاملون بهذا وأضعافه أكثرُ من أنْ يُحْصَوْا، وما من أحد فيه خيرٌ إلا ولا بُدَّ أن ينفق -إن شاء الله- تارةً بالليل وتارةً بالنهار، وتارةً في السر وتارةً في العلانية؛ فليس هذا من الخصائص، فلا يدل على فضيلة الإمامة»

سورة يس — الآية ٣٨

عن أبى ذرٍّ الغفاري، قال: كنت آخذ بيد رسول الله ﷺ، ونحن نتماشى جميعًا نحو المغرب، وقد طَفَلَت الشمس، فما زلنا ننظر إليها حتى غابت، قال: قلت: يا رسول الله، أين تغرب؟ قال: «تغرب في السماء ثم ترفع مِن سماء إلى سماء، حتى ترفع إلى السماء السابعة العليا، حتى تكون تحت العرش، فتخر ساجدة، فتسجد معها الملائكة الموكلون بها، ثم تقول: يا رب، مِن أين تأمرني أن أطلع؛ أمِن مغربي أم مِن مطلعي؟». قال: فذلك قوله عز وجل: ﴿والشمس تجرى لمستقر لها﴾ حيث تحبس تحت العرش ﴿ذلك تقدير العزيز العليم﴾. قال: يعني: ذلك صنع الرب العزيز في ملكه العليم بخلقه. قال: فيأتيها جبرائيل عليه السلام بحلة ضوء مِن نور العرش، على مقادير ساعات النهار في طوله في الصيف أو قصره في الشتاء أو ما بين ذلك في الخريف والربيع. قال: فتلبس تلك الحُلَّة كما يلبس أحدكم ثيابه، ثم ينطلق بها في جو السماء حتى تطلع من مطالعها. قال النبي ﷺ: «فكأنها قد حُبست مقدار ثلاث ليال، ثم لا تُكسى ضوءًا، وتُؤمر أن تطلع من مغربها». فذلك قوله عز وجل: ﴿إذ الشمس كورت﴾ [التكوير:١]. قال: والقمر كذلك في مطلعه ومجراه في أفق السماء ومغربه وارتفاعه إلى السماء السابعة العليا، ومحبسه تحت العرش وسجوده واستئذانه، ولكن جبرائيل عليه السلام يأتيه بالحلة من نور الكرسي. قال: فذلك قوله عز وجل: ﴿جعل الشمس ضياء والقمر نورا﴾ [يونس:٥]. قال أبو ذر: ثم عدلت مع رسول الله ﷺ، فصلَّيْنا المغرب

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في المراد بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأَعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ الآية، وفي المعنى الذي نزلت فيه، على أقوال: الأول: أُنزِلَت هذه الآية مرخصًة لمن خشي من المسلمين الأكل مع العُمْيان والعُرْجان والمرضى وأهل الزَّمانة من طعامهم، مخافة الوقوع فيما نهاهم الله عنه بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ﴾ [النساء:٢٩]. الثاني: نزلت هذه الآية ترخيصًا لأهل الزَّمانة في الأكل من بيوت مَن سمّى الله في هذه الآية؛ لأن قومًا كانوا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بعض مَن سمّى الله في هذه الآية، فكان أهل الزَّمانة يتحوَّبون [يتحرجون ويتخوفون من الإثم] مِن أن يطعَموا ذلك الطعام؛ لأنه أطعمهم غير مالكه. الثالث: نزلت ترخيصًا لأهل الزَّمانة -الذين وصفهم الله في هذه الآية- أن يأكلوا من بيوت مَن خلَّفهم في بيوته مِن الغزاة. الرابع: أنها نزلت في إسقاط الجهاد عن أهل الزَّمانة المذكورين في الآية. الخامس: نزلت ترخيصًا للمسلمين الذين كانوا يتَّقون مؤاكلة أهل الزَّمانة في مؤاكلتهم إذا شاءوا ذلك. ووجَّه ابنُ جرير (١٧‏/‏٣٦٧) القول الأول بقوله: «فمعنى الكلام على تأويل هؤلاء: ليس عليكم أيها الناس في الأعمى حرجٌ أن تأكلوا منه ومعه، ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج، ولا في أنفسكم، أن تأكلوا من بيوتكم. فوجَّهوا معنى ﴿على﴾ في هذا الموضع إلى معنى: في». ورجَّح (١٧‏/‏٣٧١-٣٧٢) مستندًا إلى الأغلب لغة القول الثالث، وهو قول الزهري، وعبيد الله بن عبد الله، وانتقد القول الأول، وعلَّل ذلك بأن «أظهر معاني قوله: ﴿لَيْسَ عَلى الأَعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾: أنه لا حرج على هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من ذكره الله فيها، على ما أباح لهم من الأكل منها. فإذ كان ذلك أظهر معانيه فتوجيه معناه إلى الأغلب الأعرف من معانيه أوْلى من توجيهه إلى الأنكر منها. فإذ كان ذلك كذلك كان ما خالف من التأويل قول من قال: معناه: ليس في الأعمى والأعرج حرج أولى بالصواب». ورجَّح ابنُ عطية (٦‏/‏٤٠٩) مستندًا إلى ظاهر الآية: «أنّ الحرج مرفوع عنهم في كل ما يضطرهم إليه العذر، وتقتضي نيتهم الإتيان فيه بالأكمل، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا». وانتقد ابنُ جرير (١٧‏/‏٣٧٣) القول الثاني مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، والدلالة العقلية بأنه لا «معنى لقول مَن قال: إنما أُنزِلَت هذه الآية من أجل كراهة المستَتْبَع أكل طعام غير المُسْتَتْبِع؛ لأن ذلك لو كان كما قال مَن قال ذلك لقيل: ليس عليكم حرج أن تأكلوا من طعام غير من أضافكم، أو من طعام آباء من دعاكم، ولم يقل: ﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ﴾». وانتقد القول الرابع مستندًا إلى اللغة، فقال: «وكذلك لا وجْه لقول من قال: معنى ذلك: ليس على الأعمى حرجٌ في التخلُّف عن الجهاد في سبيل الله؛ لأن قوله: ﴿أنْ تَأْكُلُوا﴾ خبر ﴿لَّيْسَ﴾، و﴿أنْ﴾ في موضع نصبٍ على أنها خبرٌ لها، فهي متعلقة بـ﴿لَّيْسَ﴾، فمعلوم بذلك أن معنى الكلام: ليس على الأعمى حرجٌ أن يأكل من بيته. لا ما قاله الذين ذكرنا من أنه لا حرج عليه في التخلف عن الجهاد». ثم ذكر (١٧‏/‏٣٧٣-٣٧٤ بتصرف) بأنّ معنى الكلام: «لا ضيق على الأعمى، ولا على الأعرج، ولا على المريض، ولا عليكم أيها الناس، أن تأكلوا من بيوت مَن سَمّى الله في هذه الآية إذا أذِنوا لكم في ذلك عند مَغِيبِهم ومَشْهَدِهِم»