وجَّهَ ابنُ عطية (٦/٥١٩) هذا القول بقوله: «وأما القول بأنّ ﴿مَن في النار﴾ للنور؛ فهذا على أن يُعَبَّر عن النور مِن حيث كان أنّه مِن نور الله تعالى. ويحتمل أن يكون مِن الملائكة؛ لأنّ ذلك النور الذي حسبه موسى نارًا لم يخْلُ من ملائكة. ﴿ومَن حَوْلَها﴾ يكون موسى عليه السلام والملائكة المطيفين به». والحق إثبات ما أثبته الله لنفسه من أسماء وصفات وأفعال على ما يليق بجلاله وعظمته وكماله، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم. ينظر: الشريعة ٣/١١٤٧-١١٧٧، والإبانة الكبرى ٣/٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٥١-٤٨٠
ذكر ابنُ عطية (٧/٢٩٥) أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ يقتضي أنّه أغرق قومَ نوح وأُمَّته ومُكَذِّبيه، وأنه ليس في ذلك نصٌّ على أنّ الغرق عمَّ جميعَ أهل الأرض، ثم قال: «ولكن قد قال به جماعة من العلماء، وأُسندت به أحاديث أنه لم يبق إلا مَن كان معه في السفينة، وعلى هذا يترتب القول بأن الناس اليوم من ذريته، وقالوا: لم يكن الناس حينئذ بهذه الكثرة؛ لأن عهد آدم عليه السلام كان قريبًا، وكانت دعوة نوح عليه السلام ونبوءته قد بلغت جميعَهم لطول المدة واللّبث فيهم، فكان الجميعُ كفرةً عبَدَة أوثان، لم ينسبهم الحق إلى نفسه، فلذلك أغرق جميعهم»
قال ابنُ عطية (٨/١١): «الفسق: الخروج عن نهج الحق، وهو مراتب متباينة، كلّها مظنّة للكذب وموضع تثبت وتبين، وتأنس القائلون بقبول خبر الواحد بما يقتضيه دليل خطاب هذه الآية؛ لأنه يقتضي أنّ غير الفاسق إذا جاء بنبإ أن يعمل بحسبه، وهذا ليس باستدلال قوي». ونقل أنّ منذر بن سعيد قال: هذه الآية تردُّ على مَن قال: إنّ المسلمين كلّهم عدول حتى تثبت الجرحة؛ لأن الله تعالى أمر بالتبيّن قبل القبول. ثم علَّق (٨/١٢) بقوله: «وقوله يقتضي أن المجهول الحال يُخشى أن يكون فاسقًا، والاحتياط لازم»
انتقد ابنُ عطية (٨/٤٧) القول بأنه الزّكاة المفروضة مستندًا لدلالة العموم، فقال: «وهذا التخصيص ضعيف». ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٤٣٩) عدم التخصيص مستندًا إلى دلالة العموم، وأن المراد بالخير: كلّ حقٍّ وجب لله أو لآدمي في ماله، وأنه في هذا الموضع هو المال، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكره- عمّ بقوله: ﴿مناع للخير﴾ الخبر عنه أنه يمنع الخير، ولم يخصص منه شيئًا دون شيء، فذلك على كل خير يمكن منعه طالبه». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/٤٧)، فقال: «﴿مناع للخير﴾ لفظ عام للمال، والكلام الحسن، والتعاون على الأشياء»
علّق ابنُ عطية (٨/٤٤٦) على قول مجاهد، فقال: «وقال مجاهد: هو عائد على الله تعالى، وهذا نظير قوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان:٢٥] الذي هو ظِلّ يأتي الله فيها. والمعنى: يأتي أمره وقدرته، وكذلك هنا ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ أي: بأمره وسلطانه». وما قاله ابن عطية باطل، والحق إثبات صفة المجيء لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم. ينظر: الشريعة ٣/١١٤٧-١١٧٧، الإبانة الكبرى ٣/٩١-١٣١، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٥١-٤٨٠
اختُلِف فيمن نزلت هذه الآية؛ فقال قوم: نزلت في معقل بن يسار. وقال آخرون: نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري. وقال غيرهم: نزلت هذه الآية دلالة على نهي الرجل عن مضارة ولِيَّته من النساء، يعضلها عن النكاح. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/١٩٣) القول الثالث مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «والصواب من القول في هذه الآية أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذكره- أنزلها دلالةً على تحريمه على أولياء النِّساء مضارةَ مَن كانوا له أولياء من النساء بِعَضْلِهِنَّ عَمَّن أرَدْنَ نكاحَه من أزواجٍ كانوا لَهُنَّ، فَبِنَّ منهم بما تَبِينُ به المرأةُ من زوجها من طلاق أو فَسْخِ نكاح». ثُمَّ بَيَّن جواز كلا القولين الأخريين، فقال: «وقد يجوز أن تكون نزلت في أمر معقل بن يسار وأمر أخته، أو في أمر جابر بن عبد الله وأمر ابنة عمه، وأي ذلك كان فالآية دالَّةٌ على ما ذكرت». وذكر ابنُ كثير (٢/٣٧١) أنّ هذا القول ظاهرٌ من الآية، فقال: «وهذا الذي قالوه ظاهِرٌ من الآية»
قال ابنُ عطية (٢/٤٨٨) مُبَيِّنًا معنى ﴿مضار﴾: «وُجُوه المُضارَّةٍ كثيرةٌ لا تنحصِر، وكلُّها ممنوعةٌ، يُقِرُّ بحقٍّ ليس عليه، ويُوصِي بأكثرَ مِن ثلثه، أو لوارثه، أو بالثلث فِرارًا عن وارث محتاج، وغير ذلك». وقال ابن تيمية (٢/٢٠٩): «إنّما ذُكِر الضِّرارُ في هذه الآية دون التي قبلها؛ لأنّ الأولى تَضَمَّنت ميراث العمودين، والثانية تضمنت ميراث الأطراف مِن الزوجين والإخوة، والعادةُ أن المُوصِي قد يُضارَّ زوجتَه وإخوته، ولا يكاد يُضارُّ ولدَه. لكنَّ الضرارَ نوعان: حَيْفٌ، وإثْمٌ؛ فإنه قد يقصد مُضارَّتهم وهو الإثم، وقد يُضارُّهم مِن غير قصدٍ وهو الحَيْف. فمتى أوصى بزيادة على الثلث فهو مُضارٌّ قَصَد أو لم يَقْصِد، فتُرَدُّ هذه الوصية، وإن وصّى بدونه ولم يعلم أنّه قصد الضرار فيمضيها، فإن علم الموصى له إنما أوصى له ضرارًا لم يَحِلُّ له الأخذُ. ولو اعترف المُوصِي أنِّي إنّما أوصيت ضِرارًا لم تَجُزْ إعانتُه على إمضاء هذه الوصية، ووجب ردُّها في مقتضى هذه الآية». وبنحوه قال ابنُ القيم (١/٢٦٦-٢٦٧)
اختلف أهل العلم في كون إنظار المعسر مخصوصًا بالدَّيْن الناتج عن الربا، أو منسحبًا على كل دَيْن، ووجَّه ابن عطية (٢/١٠٧-١٠٨) قول القائلين بتخصيص النظِرة بدَيْن الربا دون سواه، فقال: «وكأن هذا القول يترتب إذا لم يكن في فقر مُدْقِع، وأما مع الفقر والعُدم الصريح فالحكم هي النَّظِرة ضرورة». ورجَّح ابنُ جرير (٥/٦٢) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ الآيات وإن كانت نازلة فيما كان من دَيْن الربا، إلا أن معناها يعم كل إعسار، فقال: «غير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا، وإياهم عنى بها؛ فإنّ الحكم الذي حكم الله به -من إنظاره المعسر برأس مال المربي بعد بطول الربا عنه- حكم واجب لكل من كان عليه دين لرجل قد حلَّ عليه، وهو بقضائه معسر في أنه مُنظَر إلى ميسرته؛ لأن دَين كل ذي دَين في مال غريمه، وعلى غريمه قضاؤه منه لا في رقبته، فإذا عدم ماله فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع؛ لأنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدي منه حق صاحبه لو كان موجودًا، وإذا لم يكن على رقبته سبيل لم يكن إلى حبسه وهو معدوم بحقه سبيل؛ لأنه غير مانعه حقًّا، له إلى قضائه سبيل، فيعاقب بمطله إياه بالحبس»
نقل ابن عطية (٢/١٧٨) عن أبي عُبيدة قوله: «﴿شهد الله﴾ معناه: قضى الله». ثم انتقده قائلًا: «وهذا مردود من جهات». وذكر ابنُ تيمية (٢/٤٤) عبارات المفسرين في لفظ ﴿شَهِدَ﴾ قائلًا: «فقالت طائفة منهم مجاهد والفراء وأبو عُبيدة: أي: حكم وقضى. وقالت طائفة منهم ثعلب والزجاج: أي: بيَّن. وقالت طائفة: أي: أعلم. وكذلك قالت طائفة: معنى شهادة الله: الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين: الإقرار. وعن ابن عباس: أنه شهد بنفسه لنفسه قبل أن يخلُق الخَلْق حين كان، ولم يكن سماء ولا أرض، ولا بر ولا بحر فقال: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾». ثم وجَّهها بقوله: «وكل هذه الأقوال وما في معناها صحيحة؛ وذلك أن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وقوله وخبره عما شهد به، وهذا قد يكون مع أن الشاهد نفسه يتكلم بذلك ويقوله ويذكره، وإن لم يكن مُعْلِمًا به لغيره، ولا مخبرًا به لسواه، فهذه أول مراتب الشهادة...». ووجَّهها ابنُ القيم (١/٢١٧) بقوله: «وعبارات السلف في ﴿شهد﴾ تدور على: الحكم والقضاء، والإعلام والبيان والإخبار... وهذه الأقوال كلها حق، لا تنافي بينها، فإنّ الشهادة تتضمن كلام الشاهد، وخبره، وقوله، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب:...» ثم فصَّلها (١/٢١٧-٢٢٠) بنحو كلام ابن تيمية
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ﴾، قال: عياش بن أبي ربيعة قتل رجلًا مؤمنًا كان يعذبه هو وأبو جهل -وهو أخوه لأمه- في اتِّباع النبي ﷺ، وعياشٌ يحسب أنّ ذلك الرجل كافر كما هو، وكان عياش هاجر إلى النبي ﷺ مؤمنًا، فجاءه أبو جهل -وهو أخوه لأمه- فقال: إنّ أمك تناشدك رحمها وحقَّها أن ترجع إليها. وهي أسماء بنت مخرمة، فأقبل معه، فربطه أبو جهل حتى قدم به مكة، فلما رآه الكفار زادهم كفرًا وافتتانًا، فقالوا: إن أبا جهل ليقدر مِن محمد على ما يشاء، ويأخذ أصحابه فيربطهم