فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر سورة العنكبوت، حين ذكر الله قوم نوح، فقال: ﴿فأخذهم الطوفان وهم ظالمون﴾ [العنكبوت:١٤]؟! أرأيتَ لو ماتوا؛ إلى مَن جاء موسى عليه السلام بالآيات الأربع بعد الطوفان؟!. قال [سعيد بن جبير]: فقال موسى: يا ربِّ، إنّ عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا وعدي؛ ربِّ، خذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عِظَةً، ولمن بعدهم آية في الأمم الباقية. قال: فبعث الله عليهم الجرادَ، فلم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلا أكلها، حتى لم يُبْقِ جَنًى، حتى إذا أفنى الخَضِر كلها أكَل الخشب، حتى أكل الأبواب، وسقوف البيوت، وابتُلِي الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع، غير أنّه لا يدخل بيوت بني إسرائيل، فعَجُّوا وصاحوا إلى موسى، فقالوا: يا موسى، هذه المرَّةَ ادع لنا ربك بما عهد عندك، لَئِن كشفت عنّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لك، ولَنُرْسِلَنَّ معك بني إسرائيل. فأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا لهم ربه، فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ثم أقاموا شهرا في عافية، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم، ولأعمالهم أعمال السوء، قال: فقال موسى: يا ربِّ، عبادك قد نقضوا عهدي، وأخلفوا موعدي؛ فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولق
رجَّحَ ابنُ جرير (٨/٩) قولَ ابن عباس رضي الله عنهما، وبيَّنَ أنه أوْلى الأقوال بالصواب، مستندًا إلى السياق، وقال: «وإنّما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال؛ لأن الله -جل ثناؤه- أتبع ذلك البيانَ عما أحَلَّ لعباده وحَرَّم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه، فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه»، ثم بيَّنَ أن العموم في الآية يشمل كل عقد مأذون فيه شرعًا دون تخصيص، فقال: «قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ أمر منه بالوفاء بكلِّ عقدٍ أذِن فيه، فغيرُ جائزٍ أن يُخَصَّ منه شيءٌ حتى تقوم حجةٌ بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول مَن وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمر الله -جل ثناؤه- بالوفاء بها دون بعض». وإلى العموم في الآية ذهب ابن عطية (٣/٨٢)، وابن تيمية (١/٣٩٤)، وقال ابن عطية: «وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تُعَمَّم ألفاظُها بغاية ما تتناول، فيعمّم لفظ المؤمنين جملةً، في مُظْهِر الإيمان -إن لم يبطنه- وفي المؤمنين حقيقة، ويُعَمَّم لفظُ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع»
أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في المعنيين بأئمة الكفر على قولين: الأول: هم أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ونظراؤهم. والثاني: أنه لم يأتِ أهلها بعدُ. ورجَّح ابنُ عطية (٤/٢٧٠) مستندًا إلى دلالة العموم شمول الآية لهذه الأقوال، فقال: «وأَصْوَبُ ما في هذا أن يُقال: إنّه لا يُعنى بها مُعيَّن، وإنما وقع الأمر بقتال أئمة الناكثين بالعهود من الكَفَرة إلى يوم القيامة دون تعيين، واقتضت حال كفار العرب ومحاربي رسول الله ﷺ أن تكون الإشارة إليهم أولًا بقوله: ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾، وهم حصلوا حينئذ تحت اللفظة؛ إذ الذي يتولى قتال النبي ﷺ والدفع في صدر شريعته هو إمام مَن يَكْفُر بذلك الشرع إلى يوم القيامة، ثم تأتي في كل جيل من الكفار أئمة خاصة بجيلٍ جيل». ووافقه ابنُ كثير (٧/١٥٥) فقال: «الآية عامَّةٌ، وإن كان سبب نزولها مشركي قريش، فهي عامَّة لهم ولغيرهم». وانتقد ابنُ عطية مستندًا إلى التاريخ قول قتادة بأنّه أبو جهل وأضرابه قائلًا: «وهذا -إن لم يُتَأَوَّل أنّه ذكرهم على جهة المثال- ضعيف؛ لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير». ووجَّه قول حذيفة رضي الله عنه بقوله: «يريد: لم ينقرضوا، فهم يحيون أبدًا ويُقاتلون»
اختُلِف في الفتنة التي كاد المشركون أن يفتنوا رسول الله ﷺ بها عن الذي أوحى الله إليه إلى غيره على قولين: الأول: أنّ ذلك الإلمام بالآلهة؛ لأن المشركين دعوه إلى ذلك، فَهَمَّ به رسول الله ﷺ. والثاني: أنّ ذلك كان أن رسول الله ﷺ همَّ أن يُنظِرَ قومًا بإسلامهم إلى مُدَّة سألوه الإنظار إليها. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٥/١٥) إلى أنّ كِلا القولين جائز لعدم الدليل على تعيين أحدهما، فقال: «الصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله -تعالى ذكره- أخبر عن نبيه ﷺ أن المشركين كادوا أن يفتنوه عما أوحاه الله إليه ليعمل بغيره، وذلك هو الافتراء على الله. وجائز أن يكون ذلك كان ما ذكر عنهم من ذكر أنهم دعوه أن يمسَّ آلهتهم ويُلِمَّ بها، وجائز أن يكون كان ذلك ما ذُكِر عن ابن عباس من أمر ثقيف، ومسألتهم إياه ما سألوه مما ذكرنا، وجائز أن يكون غير ذلك، ولا بيان في الكتاب ولا في خبر يقطع العذر أيّ ذلك كان، والاختلاف فيه موجود على ما ذكرنا، فلا شيء فيه أصوبُ من الإيمان بظاهره، حتى يأتي خبرٌ يجب التسليم له ببيان ما عنى بذلك منه». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥/٥١٩) على القولين، فقال: «وجمع ما أُريد من النبي ﷺ بحسب هذا الاختلاف قد أوحى الله إليه خلافه؛ إما في مُعْجِز، وإما في غير مُعْجِز، وفعله هو -إن لو وقع- افتراء على الله؛ إذ أفعاله وأقواله إنما هي كلها شرع»
اختلف السلف في قوله: ﴿سلقوكم بألسنة حداد﴾ على أقوال: الأول: أن ذلك سلقهم إياهم عند الغنيمة بمسألتهم القسم لهم. الثاني: ذلك سلقهم إياهم بالأذى. الثالث: أنهم يسلقونهم من القول بما تحبون نفاقًا منهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩/٥٥) مستدًا إلى الظاهر ودلالة العقل القول الأول، وبيّن أن الثاني لازم له، فقال: «وأشبه هذه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل قولُ مَن قال: ﴿سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير﴾ فأخبر أنّ سلقهم المسلمين شحًّا منهم على الغنيمة والخير، فمعلوم إذ كان ذلك كذلك أن ذلك لطلب الغنيمة، وإذا كان ذلك منهم لطلب الغنيمة دخل في ذلك قولُ مَن قال: معنى ذلك: سلقوكم بالأذى؛ لأن فعلهم ذلك كذلك لا شك أنه للمؤمنين أذى». وقد ذكر ابنُ عطية (٧/١٠٢) في قوله تعالى: ﴿فإذا ذهب الخوف﴾ احتمالين: الأول: أنه خوفهم من العدو. الثاني: أنه خوفهم من النبي ﷺ وأصحابه. ورتب ابنُ عطية على هذين الاحتمالين في الخوف احتمالين في قوله: ﴿سلقوكم بألسنة حداد﴾، فقال: «واختلف الناس في المعنى الذي فيه يسلقون، فقال يزيد بن رومان وغيره: ذلك في أذى المؤمنين وسبهم وتنقص الشرع ونحو هذا، وقال قتادة: ذلك في طلب العطاء من الغنيمة والإلحاف في المسألة. وهذان القولان يترتبان مع كل واحد من التأويلين المتقدمين في الخوف»
علَّقَ ابنُ عطية (٢/٤٩٧) على كلام للربيع يشبه ما ورد في أثر ابن عباس هذا بقوله: «طَعَنَ بعضُ الناس في هذا القول بأنّ الآية خبرٌ، والأخبارُ لا تُنسَخُ. وهذا غير لازمٍ؛ لأنّ الآيةَ لفظها الخبر، ومعناها تقرير حكم شرعي، فهي نحو قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [البقرة:٢٨٤]، ونحو قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال:٦٥]، وإنّما يضعف القولَ بالنسخ مِن حيث تنبني الآيتان، ولا يحتاج إلى تقرير نسخ؛ لأنّ هذه الآية لم تنفِ أن يغفر للعاصي الذي لم يَتُبْ مِن قريب، فنحتاج أن نقول: إنّ قوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ نسخها. وإنّما نَفَتْ هذه الآيةُ أن يكون تائبًا مَن لم يتب إلا مع حضور الموت. فالعقيدة عندي في هذه الآيات: أنّ مَن تاب مِن قريبٍ فله حكم التائب فيغلب الظَّنُّ عليه أنه ينعم ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم: بل هو مغفور له قطعًا؛ لإخبار الله تعالى بذلك. وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومَن لم يتب حتى حضره الموتُ فليس في حكم التائبين، فإن كان كافرًا فهو يخلد، وإن كان مؤمنًا فهو عاصٍ في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوى الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أنّ مَن هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلًا منه ولا يعذبه. وأعلم الله تعالى أيضًا أنّ ﴿الذين يموتون وهم كفار﴾ فلا مُسْتَعْتَبَ لهم، ولا توبة في الآخرة»
رجَّح ابنُ جرير (٩/١٠٩) القول بأن حكم الآية غير منسوخ، مستندًا إلى عدم دليل النسخ، وعلَّل ذلك بأنه: «غير جائز أن يُقْضى على حكمٍ من أحكام الله -تعالى ذكره- أنه منسوخ إلا بخبر يقطع العذر؛ إما من عند الله، أو من عند رسوله ﷺ، أو بورود النقل المستفيض بذلك، فأمّا ولا خبر بذلك، ولا يَدْفَعُ صحته عقل؛ فغير جائز أن يُقْضى عليه بأنه منسوخ». وانتَقَد ابنُ القيم (١/٣٣٤) قول زيد بن أسلم وغيره لعدم دليل النسخ قائلًا: «أما دعوى النسخ فباطلة، فإنه يتضمن أن حكمها باطل، لا يحل العمل به، وأنه ليس من الدين، وهذا ليس بمقبول إلا بحجة صحيحة لا معارض لها، ولا يمكن أحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية مخالف لها لا يمكن الجمع بينه وبينها، فإن وجد إلى ذلك سبيلًا صح النسخ، وإلا فما معه إلا مجرد الدعوى الباطلة، ثم قد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن: إنه لا منسوخ في المائدة. وقاله غيرها أيضًا من السلف، وعمل بها أصحاب رسول الله ﷺ بعده، ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة لكان كل من احتج عليه بنص يقول: هو منسوخ. وكأن القائل لذلك لم يعلم أنّ معنى كون النص منسوخًا: أنّ الله سبحانه حرَّم العمل به، وأبطل كونه من الدين والشرع، ودون هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق». وكذا انتقده ابنُ كثير (٥/٤٠٢) قائلًا: «وفي هذا نظر»
اختلف أهل التفسير في الآيات التي أوتيها المذكور في الآية على أقوال؛ الأول: هي اسم الله الأعظم. الثاني: كتاب من كتب الله. الثالث: النبوة. وذكر ابنُ جرير (١٠/٥٧٤-٥٧٥) أنّ الآيات هي الحجج، وأنها تحتمل معنيين: ١- ما تعلمه المذكور في الآية من بعض كتب الله التي أنزلها، وعلى هذا يجوز أن يكون الذي أوتيها: بلعم أو أمية؛ لأنّ أمية كان فيما يُقال قد قرأ من كتب أهل الكتاب. ٢- كتاب أنزله الله على من أمر نبي الله أن يتلو على قومه نبأه، أو بمعنى اسم الله الأعظم، أو بمعنى النبوة، فغير جائز أن يكون معنيًّا به أُمَيَّة؛ لأنّ أمية لا تختلف الأمة في أنه لم يكن أوتي شيئًا من ذلك. ثم قال: «ولا خبر بأيِّ ذلك المراد، وأيّ الرجلين المعنيّ يُوجِب الحجة، ولا في العقل دلالة على أنّ ذلك المعني به من أيٍّ». وانتَقَد ابنُ عطية (٤/٨٨) قولَ مجاهد، وسليمان التيمي أنّها النُّبُوَّة بقوله: «وهو قول مردود، لا يصح عن مجاهد، ومَن أُعْطِي النبوة فقد أُعْطِي العِصْمَة ولا بُدَّ، ثبت هذا بالشرع». وبنحوه قال ابنُ كثير (٦/٤٥١). وذكر ابنُ عطية (٤/٨٨-٨٩) أنّ الزجاج نقل أنه قيل: إنّ الإشارة بالقصة إلى منافقي أهل الكتاب. وعلَّق عليه بقوله: «وصواب هذا أن يُقال: إلى كُفّار أهل الكتاب؛ لأنه لم يكن منهم منافق، إنما كانوا مجاهرين»
اختُلِف في الخلق الآخر على أقوال: الأول: نفخ الروح فيه. الثاني: تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة؛ في الطفولة، والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر، والسن، ونحو ذلك من أحوال الأحياء في الدنيا. الثالث: كمال الشباب. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٢٤-٢٥) مستندًا إلى الدلالات العقلية القولَ الأول الذي قاله علي بن أبي طالب، وابن عباس من طريق عطاء، وعكرمة، والشعبي، ومجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وابن زيد، والحسن، والكلبي، ومقاتل، فقال: «وذلك أنه بِنَفْخِ الروحِ فيه يتحول خلقًا آخر إنسانًا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفه الله أنه كان بها؛ من نطفة وعلقة ومضغة وعظم، وبنفخ الروح فيه؛ يتحول عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تَحول أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانًا وخلقًا آخر غير الطين الذي خُلِق منه». ولم ير ابنُ كثير (١٠/١١٤) منافاة بين هذا القول والقول الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي، وقتادة، والضحاك، فقال: «ولا منافاة؛ فإنه من ابتداء نفخ الروح فيه شرع في هذه التنقلات والأحوال». وساق ابنُ عطية (٦/٢٨٣) الأقوال، ثم انتقد ما فيها من تخصيص، مستندًا إلى دلالة العموم، فقال: «وهذا التخصيص كله لا وجه له، وإنما هو عامٌّ في هذا وغيرِه مِن وجوه النطق والإدراك وحسن المحاولة؛ هو بها آخَرَ، وأول رتبة من كونه آخَرَ هي نفخ الروح فيه، والطرف الآخر من كونه آخَرَ تحصيله المعقولات»
عن حميد بن هلال، قال: كان يونسُ يدعو قومَه، فيأبون عليه، فإذا خلا عنهم دعا الله لهم بالخير، وقد بعثوا عليه عينًا، فلمّا أعيوه دعا الله عليهم، فأتاهم عينهم، فقال: ما كنتم صانعين فاصنعوا؛ فقد أتاكم العذاب؛ فقد دعا عليكم. فانطلق ولا يشك أنه سيأتيهم العذاب، فخرجوا قد ولَّهُوا البهائم عن أولادها، فخرجوا تائبين يعجُّون، فرحمهم الله، وجاء يونس ينظر بأي شيء أهلكها، فإذا الأرض مسودة منهم، يدبون، وذلك حين ذهب مغاضبًا، فركب مع قوم في سفينة، فجعلت السفينة لا تنفذ ولا ترجع، فقال بعضهم لبعض: ما ذا إلا لذنب بعضكم؟ فاقترعوا أيكم نلقيه في الماء ونخلي وجهنا. فاقترعوا، فبقي سهم يونس في الشمال، فقالوا: لا نفتدي مِن شيء أصابنا الليلة بنبي الله. فأعادوا القرع، فبقى سهم يونس في الشمال، فقالوا: لا نفتدي من شيء أصابنا الليلة بنبي الله. فقال يونس: ما يراد غيري، فانبذوني ولا تنكسوني على رأسي، ولكن صبوني على رجلي صبًّا. ففعلوا، وجاء الحوت شاحِبًا فاه، فالتقمه، فاتبعه حوت أكبر مِن ذلك الحوت ليلتقمهما، فسبقه، فكان يونس في بطن الحوت حتى رقَّ العظم، وذهب اللحم والبشر والشعر، وكان سقيمًا فدعا بما دعا به، فنبذ بالعراء وهو سقيم، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكان فيها غذاؤه حتى اشتدَّ العظم، ونبت اللحم والشعر والبشر، فعاد كما كان، فبعث الله عليها، فيبست، فبكى عليها، فأوحى الله إليه: يا يونس، أتبكي على شجرة جعل الله لك فيها غذاء، ولا تبكي على قومك أن يهلكوا؟!