سورة قريش — الآية ٢

عن سعيد بن جُبَير، قال: مرّ رسول اللّه ﷺ ومعه أبو بكر وبلال بملأٍ وهم ينشدون: قل للذي طلب السماحة والندى هلّا مررتَ بآل عبد الدار هلّا مررتَ بهم تريد قِراهم منعوك من جهد ومن إقتار فقال رسول اللّه ﷺ لأبي بكر: «هكذا قال الشاعر؟». قال: لا، والذي بعثك بالحق، بل قال: يا ذا الذي طلب السماحة والندى هلّا مررت بآل عبد مناف هلا مررت بهم تريد قراهم منعوك من جهد ومن إكتاف الرائشين وليس يوجد رائش والقائلين هلمّ للأضياف والخالطين غنيّهم بفقيرهم حتى يصير فقيرهم كالكاف والقائمين بكل وعد صادق ورجال مكّة مسنتون عجاف سفرين سنّهما له ولقومه سفر الشتاء ورحلة الأصياف

جمع ابنُ جرير (٥‏/‏٦٦٢) بين قول الربيع وقول ابن عباس وقول الحسن القاضي بأنّ المشار إليهم في الآية اليهود والنصارى، فقال: «يعني بذلك -جَلَّ ثناؤه-: ولا تكونوا -يا معشر الذين آمنوا- كالذين تفرقوا من أهل الكتاب، واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه، من بعد ما جاءهم البينات من حُجَج الله فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه، فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه، جراءة على الله، ﴿وأولئك لهم﴾ يعني: ولهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا من أهل الكتاب من بعد ما جاءهم عذاب من عند الله عظيم، يقول -جل ثناؤه-: فلا تفرقوا -يا معشر المؤمنين- في دينكم تفرق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم»

اختُلِف في المشار إليه بـ﴿ذلك﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّه متوجه إلى القتل؛ لأنه أقرب مذكور. وهذا قول عطاء. وثانيها: أنه متوجه إلى أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حقٍّ؛ لأن النهي عنهما جاء متَّسقًا مسرودًا، ثم ورد الوعيد حسب النهي. وثالثها: أنه متوجه إلى كلِّ ما نهى عنه من القضايا من أول السورة، إلى قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك﴾. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦‏/‏٦٣٩) مستندًا إلى دلالة العقل، والسياق إلى أنّه متوجه إلى ما نهى عنه من آخر وعيد؛ وذلك قوله تعالى: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ النِّساءَ كَرْهًا﴾؛ لأنّ كل ما نهي عنه من أول السورة قُرِن به وعيد إلا من قوله: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ النِّساءَ كَرْهًا﴾، فإنّه والنواهي بعده لا وعيد معها إلا قوله: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما﴾

نقل ابنُ جرير اختلاف السلف في المراد بابن السبيل على قولين: الأول: أنّه المسافر الذي يجتاز مارًّا. والثاني: أنّه الضيف. ثم رجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏١٨) مستندًا إلى اللغة قول الربيع ومَن وافقه أنّ «ابن السبيل: هو صاحب الطريق، والسبيل: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضارب فيه، فله الحقُّ على مَن مَرَّ به محتاجًا منقطعًا به إذا كان سفره في غير معصية الله أن يُعينَه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان». ورَجَّحه ابن كثير أيضًا بقوله (٤‏/‏٤٢): «وهذا أظهر. وإن كان مراد القائل بالضيف: المارُّ في الطريق، فهما [أي: القولين] سواء». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٥٤٩) القولين، ثُمَّ قال مُعَلِّقًا: «وهذا كله قول واحد»

قال ابنُ عطية (٣‏/‏٢٢٧) في تفسير الآية: «ومعنى الآية: لا تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم. فالمعنى: لا تتبعوا طرائقهم. والذي دعا إلى هذا التأويل أنّ النصارى في غُلُوِّهم ليسوا على هوى بني إسرائيل، هم بالضِّدِّ في الأقوال، وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى، فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على عِوَج: هذه طريقة فلان. تُمَثِّله بآخر قد اعْوَجَّ نوعًا آخر من الاعوجاج، وإن اختلفت نوازله». وبيّن أن قوله تعالى: ﴿قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا﴾ وصف لليهود بأنهم قد ضلوا قديمًا، وأضلُّوا كثيرًا من أتباعهم، ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى: يا أهل الكتاب من النصارى، لا تتبعوا أهواء هؤلاء اليهود الذين ضلُّوا من قبل، أي: ضل أسلافهم وهم قبل مجيء محمد، وأضلوا كثيرًا من المنافقين، وضلوا عن سواء السبيل الآن بعد وضوح الحق»

وجَّه ابنُ جرير (٩‏/‏٣٤١) قول ابن عباس هذا، فقال: «فكأنّ ابن عباس تأوَّل في ذلك أن قوله: ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ اسم الفاعل الذي لم يسم في قوله: ﴿يوم ينفخ في الصور﴾، وأن معنى الكلام: يوم ينفخ الله في الصور عالم الغيب والشهادة، كما تقول العرب: أُكِلَ طعامُك عبدُ الله. فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسم آكله». وذكر ابنُ عطية ٣‏/‏٣٩٦ أنّ قول ابن عباس نظيره من القرآن قراءة مَن قرأ: (زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ) [الأنعام:١٣٧] بضم الزاي ورفع الشركاء"". ثم رجَّح ابنُ جرير مستندًا إلى الأظهر أنّ قوله:﴿عالم الغيب والشهادة﴾ مرفوع على أنّه نعت لـ﴿الذي﴾ في قوله: ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق﴾

علَّق ابنُ كثير (٧‏/‏١٥٠) على قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه قائلًا: «هكذا رواه مختصرًا، وأظنُّ أنّ السيف الثاني: هو قتال أهل الكتاب، في قوله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهُمْ صاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، والسيف الثالث: قتال المنافقين في قوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة:٧٣، والتحريم:٩]، والرابع: قتال الباغين في قوله: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٣١٢ بتصرف): «قوله: ﴿يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾ معناه: عامًا من الأعوام، وليس يريد أنّ تلك مداولة في الشهر بعينه؛ عام حلال وعام حرام. وقد تأوَّل بعضُ الناس القصةَ: أنّهم كانوا إذا شقَّ عليهم توالي الأشهر الحُرُم أحلّ لهم المحرم وحرّم عليهم صفر بدلًا منه، ثم مشت الشهور مستقيمة على أسمائها المعهودة، فإذا كان مِن قابل حرّم المحرم على حقّه وأحلّ صفر، ومشت الشهور مستقيمة. ورأت هذه الطائفةُ أنّ هذه كانت حالة القوم. والذي قدّمناه قبلُ ألْيَقُ بألفاظ الآيات، وقد بَيَّنه مجاهد، وأبو مالك، وهو مقتضي قول النبي ﷺ: «إنّ الزمان قد استدار...». مع أنّ هذا الأمر كله قد تقضّى، والله أعلم أيَّ ذلك كان»

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ مَن قائله؟ ومَن الذي وُصِف به؟ فقيل: إنه من كلام السامريّ لبني إسرائيل، أي: فنسي موسى عليه السلام ربه وإلهه وذهب يطلبه في غير موضعه. وقيل: إن هذا خبر مِن الله تعالى عن السامريّ أنه نسي دينه وطريق الحق. ورجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏١٤٣) مستندًا إلى دلالة الإجماع، والسياق القول الأوّل، وهو قول الجميع سوى ابن عباس من طريق سعيد بن جبير، وعلَّل ذلك بقوله: «لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأنه عَقِيب ذِكْرِ موسى، فهو بأن يكون خبرًا من السامريّ عنه بذلك أشبه من غيره». ووافقه ابنُ القيم (٢‏/‏١٨٥). ووجَّه ابنُ عطية (٦‏/‏١٢٤) «النسيان» على كلا القولين بقوله: «فالنسيان في التأويل الأول بمعنى: الذهول، وفي الثاني بمعنى: الترك»

وجَّه ابنُ عطية (٦‏/‏٥١٩) هذا القول الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة من طريق معمر، وعكرمة، وابن سلام، فقال: «فأما قول الحسن وغيره فإنّما يتخرَّج على حذف مضاف، بمعنى: بورك مَن قدرته وسلطانه في النار، والمعنى: في النار على ظنِّك وما حسبت». وذكر أنّ بعض القائلين بهذا القول عبَّروا عنه بعبارات مردودة شنيعة. وما قاله ابن عطية باطل، والحق إثبات ما أثبته الله لنفسه من أسماء وصفات وأفعال على ما يليق بجلاله وعظمته وكماله، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم. ينظر: الشريعة ٣‏/‏١١٤٧-١١٧٧، والإبانة الكبرى ٣‏/‏٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢‏/‏٤٥١-٤٨٠