وجَّه ابنُ جرير (٤‏/‏٣٠٠-٣٠١) هذا القول الذي قال به ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وقتادة من طريق سعيد، ومجاهد من طريق حميد، ونافع، وعطاء، وشريح من طريق إبراهيم، ذاكرًا مستندهم مِن السياق، فقال: «وأمّا مُوجِبُوها على كُلِّ أحد سوى المُطَلَّقة المفروضِ لها الصداق؛ فإنّهم اعْتَلُّوا بأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لَمّا قال: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾ [البقرة:١٨٠] كان ذلك دليلًا على أنّ لِكُلِّ مطلقةٍ متاعًا سوى مَن استثناه الله -تعالى ذِكْرُه- في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فلمّا قال: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ كان في ذلك دليلٌ عندَهم على أنّ حقَّها النصفُ مِمّا فَرَض لها؛ لأنّ المتعة جعلها الله في الآية التي قبلها عندهم لغير المفروض لها، فكان معلومًا عندهم بخصوص الله بالمتعة غيرَ المفروض لها أنّ حكمها غيرُ حكم التي لم يفرض لها إذا طلقها قبل المسيس فيما لها على الزوج من الحقوق»

اختلف القراء في قراءة قوله تعالى: ﴿حتى تفجر لنا﴾ على وجهين: الأول: بضم تاء ‹تُفَجِّرَ›، وفتح الفاء، وخفض الجيم مشددة. والثاني: ﴿تفجر﴾ بفتح التاء، وسكون الفاء، وضمّ الجيم مخففة. مع اتفاق الجميع على تشديد الجيم في قوله تعالى: ﴿فَتُفَجِّرَ الأَنْهارَ﴾. وعلَّقَ ابنُ جرير (١٥‏/‏٧٩بتصرف) على الوجه الثاني بقوله: «كأنهم ذهبوا بتخفيفهم الأولى إلى معنى: حتى تفجر لنا من الأرض ماء مرة واحدة، وبتشديدهم الثانية إلى أنها تفجير في أماكن شتى مرة بعد أخرى؛ إذ كان ذلك تفجيرَ أنهارٍ لا نهرٍ واحدٍ». ثم بين صحّة الوجهين، مع ميله إلى الوجه الثاني، فقال (١٥‏/‏٧٩): «والتخفيف في الأولى، والتشديد في الثانية -على ما ذكرت من قراءة الكوفيين- أعجبُ إلَيَّ؛ لما ذكرت من افتراق معنييهما، وإن لم تكن الأخرى مدفوعة صحتها». وعَلَّق ابنُ عطية (٥‏/‏٥٤٣) على القراءتين، فقال: «في القرآن ﴿فانفجرت﴾ [البقرة:٦٠]، و»انفَجَرَ«مطاوع»فَجَرَ«، فهذا مما يقوِّي القراءة الثانية [﴿تَفْجُرَ﴾]، وأما الأولى [‹تُفَجِّرَ›] فتقتضي المبالغة في التفجير»

اختُلِف في المخاطَب بقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ أأَنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ على قولين: الأول: أنّ المخاطَب هو عيسى عليه السلام، وعزير، والملائكة. الثاني: أنّ المخاطَب هو الأوثان وعَبَدَتُها، ثم يأذن الله تعالى لها في الكلام. وعلَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٤٢٥) على القول الثاني بقوله: «ويجيء خِزْي الكفرة لذلك أبلغ». ورجَّح ابنُ القيم (٢‏/‏٢٥٤) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وهو قول مجاهد، فقال بعد أن ذكر إجابة المعبودين بقولهم: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾: «وهذا الجواب إنّما يحسن مِن الملائكة والمسيح وعزير، ومَن عبدهم المشركون من أولياء الله». وانتقد (٢‏/‏٢٥٥) القول الثاني قائلًا: «وأمّا كونه من الأصنام فليس بظاهر». غير أنه ذَكَر له مخرجًا يُمكن أن يُحمَل عليه، فقال: «وقد يقال: إنّ الله سبحانه أنطقها بذلك تكذيبًا لهم، وردًّا عليهم، وبراءة منهم، كقوله: ﴿إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦]، وفي الآية الأخرى: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص:٦٣]»

سورة الأنعام — الآية ٧٦

عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: كان من شأن إبراهيم عليه السلام أنّ أولَ مَلِكٍ مَلَك في الأرض شرقَها وغربَها نمرود بن كنعان بن كوشِ بن سام بن نوح، وكانت الملوك الذين مَلكُوا الأرضَ كلَّها أربعة؛ نمرود، وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختُنَصَّر، مُسْلِمَيْن وكافِرَيْن، وإنّه اطَّلع كوكبٌ على نمرودَ ذهَب بضوء الشمس والقمر، ففزِع من ذلك، فدعا السحرةَ والكهنة والقافَةَ والحازَةَ، فسأَلهم عن ذلك، فقالوا: يَخرُجُ من مُلْكِكَ رجلٌ يكون على وجْهِهِ هلاكُكَ، وهلاكُ مُلْكِكَ. وكان مَسْكَنُه ببابِل الكوفة، فخرج من قريته إلى قرية أخرى، وأخرَج الرجال، وترك النساء، وأمرَ ألا يولَدَ مولود ذَكَر إلا ذبَحَه، فذَبَّح أولادَهم، ثم إنّه بدَت له حاجةٌ في المدينة لم يأْمَن عليها إلا آزرَ أبا إبراهيم، فدعاه، فأرسلَه، فقال له: انظُر، لا تُواقِعْ أهلَك. فقال له آزر: أنا أضَنُّ بدِيني من ذلك. فلمّا دخَل القرية نظَر إلى أهله، فلم يملِكْ نفسَه أن وقَع عليها، ففَرَّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يُقال لها: أُورٌ. فجعَلها في سَرَبٍ، فكان يتعاهدُها بالطعام وما يُصلِحُها، وإنّ الملِكَ لَمّا طال عليه الأمر قال: قولُ سحرةٍ كذّابين، ارجِعوا إلى بلدكم. فرجَعُوا، ووُلِد إبراهيم، فكان في كلِّ يومٍ يَمرُّ به كأنه جُمُعة، والجمعةُ كالشهر من سُرعة شبابه، ونسِي الملِك ذلك، وكبِر إبراهيم ولا يرى أنّ أحدًا من الخلق غيرُه وغيرُ أبيه وأمِّه، فقال أبو إبراهيم لأصحابه: إنّ لي ابنًا وقد خبَّأتُه فتخافون عليه الملِك إن أنا جئتُ به؟ قالوا: لا، فأتِ به. فانطلق، فأَخرَجه، فلما خرَج الغلام من السَّرَب نظَر إلى الدواب والبهائم والخلق، فجعَل يسأل أباه، فيقول: ما هذا؟ فيُخبره عن البعير أنّه بعير، وعن البقرة أنّها بقرة، وعن الفرَس أنّها فرس، وعن الشاة أنّها شاة، فقال: ما لهؤلاء الخلق بُدٌّ مِن أن يكون لهم رَبٌّ. وكان خروجُه حينَ خرج من السَّرَب بعد غروب الشمس، فرفع رأسه إلى السماء، فإذا هو بالكوكب، وهو ال

سورة طه — الآية ٨٨

قال يحيى بن سلّام: وذلك أن موسى كان واعدهم أربعين ليلة، فعدُّوا عشرين يومًا وعشرين ليلة، فقالوا: هذه أربعون، قد أخلف موسى الوعد. وكانوا استعاروا مِن آل فرعون حليًّا لهم، كان نساء بني إسرائيل استعاروا مِن نساء آل فرعون ليوم الزينة، يعني: يوم العيد الذي واعدهم موسى. وكان الله أمر موسى أن يَسْرِي بهم ليلًا، فكره القومُ أن يَرُدُّوا العواري على آل فرعون فيفطن بهم آل فرعون، فأسروا مِن الليل والعواري معهم. فقال لهم السامريُّ بعد ما مضت عشرون يومًا وعشرون ليلة في غيبة موسى -في تفسير الكلبي، وقال قتادة: بعد ما مضى الثلاثون-: إنما ابتليتم بهذا الحلي، فهاتوه. وألقى ما معه مِن الحلي، وألقى القوم ما معهم، وهو قوله: ﴿فقذفناها فكذلك ألقى السامري﴾ ما معه كما ألقينا ما معنا. فصاغه عِجْلًا، ثم ألقى في فيه التراب الذي كان أخذه مِن تحت حافر فرس جبريل

سورة الأحزاب — الآية ٧٢

عن عبد الله بن محمد بن أبي الوضاح، عن الحسن، في تفسير هذه الآية: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال﴾، فقال الحسن: إنّ أقوامًا غدوا في المطارف العتاق، والعمائم الرقاق، يطلبون الإمارات، يتعرضون للبلاء، وهم مِنه في عافية، حتى إذا أصابوها خافوا مَن فوقهم مِن أهل العقد، وظلموا بها مَن تحتهم مِن أهل العهد، هزلوا بها دينهم، وسمَّنوا بها براذينهم، ووسَّعوا بها دورهم، وضيَّقوا بها قبورهم، ألم ترهم قد جدَّدوا الثياب، وأخلقوا الدِّين؟ يتكئ أحدهم على يمينه فيأكل مِن غير طعامه؛ طعامه غصب، وخدمه سخَرَة، يدعو بحلوٍ بعد حامض، ورطب بعد يابس، حتى إذا أخذته الكظة تجشأ من البَشَم، ثم قال: يا جارية هاتي حاطومًا، هاتي ما يهضم الطعام. يا أحمق، لا والله، إن تهضم إلا دينك، أين جارك؟ أين يتيمك؟ أين مسكينك؟ أين ما أوصى الله به؟

أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في تفسير قوله: ﴿على ما آتاهم الله من فضله﴾؛ فقال بعضهم: فضل الله: النبوة. وقال آخرون: بل هو ما أباحه الله لنبيه من أمر النساء يتزوج منهن ما شاء. وعلّق ابنُ عطية (٢‏/‏٥٨٣) على القول الثاني، فقال: «فالملك في هذا القول إباحة النساء، كأنه المقصود أولًا بالذكر». وقد رجّح ابنُ جرير (٧‏/‏١٥٧-١٥٨بتصرف) مستندًا إلى سياق الآية: أنّه النبوة، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قولُ من قال: إن معنى الفضل في هذا الموضع: النبوة التي فضَّل الله بها محمدًا، وشرَّف بها العرب إذ آتاها رجلًا منهم دون غيرهم، لما ذكرنا مِن أنّ دلالة ظاهر هذه الآية تدل على أنها تقريظ للنبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، على ما قد بينا قبل، وليس النكاح وتزويج النساء، وإن كان من فضل الله -جل ثناؤه- الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح»

للسلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وآتيناهم ملكا عظيما﴾ أقوال أربعة: الأول: أنّه النبوة. الثاني: أنّه تحليل النساء. الثالث: أنّه ملك سليمان وداود. الرابع: أنّهم أُيِّدوا بالملائكة. وقد رجّح ابنُ جرير (٧‏/‏١٦٠) مستندًا إلى اللغة القول الثالث، فقال: ""وأولى هذه الأقوال بتأويل الآي -وهي قوله: ﴿وآتيناهم ملكا عظيما﴾- القولُ الذي رُوي عن ابن عباس أنّه قال: يعني: ملك سليمان؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال: إنه ملك النبوة. ودون قول من قال: إنه تحليل النساء والملك عليهن. لأن كلام الله الذي خوطب به العرب غير جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالة أو تقوم حجة على أن ذلك بخلاف ذلك يجب التسليم لها». وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٥٨٣) اختلاف السلف، ثم رَجَّح، وقال: «والأصوب: أنّه ملك سليمان، أو أمر النساء»

نَقَل ابنُ عطية (٥‏/‏٢٨٧) قول ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة: أنّ المسنون: الرطب. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا تفسير لا يخص اللفظة». ووجَّه القول الثاني، ثم انتقده، فقال: «وهو مِن: أسِن الماءُ، إذا تغيّر، والتصريف يرُدُّ هذا القول». ثم ذكر (٥‏/‏٢٨٧-٢٨٨) احتمالين لمعنى ﴿مسنون﴾، فقال: «والذي يترتب في ﴿مَسنون﴾ إما أن يكون بمعنى: محكوك مُحْكَم العمل أملس السطح، فيكون مِن معنى: المسنّ والسنان، وقولهم: سننت السكين، وسننت الحجر: إذا أحكمت مَلْسه، ... وإما أن يكون بمعنى: المصبوب، تقول: سنَنتُ التراب والماء، إذا صبَبْتَه شيئًا بعد شيءٍ، ... ومِن هذا: سنُّ الغارة، وقال الزجاج: هو مأخوذ من كونه على سُنَّة الطريق؛ لأنّه إنّما يتغير إذا فارق الماء». ثم وجَّه هذا المعنى بقوله: «فمعنى الآية على هذا: مِن حمأٍ مصبوب يوضع بعضه فوق بعض على مثال وصورة»

أفادت الآثارُ اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿حصب جهنم﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أي: وقود جهنم وشجرها. الثاني: أي: حطب جهنم. الثالث: أي: تحصب جهنم بهم، يعني: تُرمى. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٤١٣ بتصرف) مستندًا إلى القراءة، واللغة، والنظائر القولَ الثالث، فقال: «فإذا كان الصواب من القراءة في ذلك قراءة: ﴿حصب جهنم﴾، وكان المعروف مِن معنى الحصب عند العرب: الرمي، من قولهم: حصبت الرجل: إذا رميته، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿إنا أرسلنا عليهم حاصبا﴾ [القمر:٣٤]؛ كان الأَوْلى بتأويل ذلك قول من قال: معناه: أنهم تقذف جهنم بهم، ويرمى بهم فيها». ثم قال: «وقد ذكر أن الحصب -في لغة أهل اليمن-: الحطب، فإن يكن ذلك كذلك فهو أيضًا وجه صحيح، وأما ما قلنا من أن معناه الرمي فإنه في لغة أهل نجد». وعلّق ابنُ كثير (٩‏/‏٤٤٨) على مجموع هذه الأقوال بقوله: «والجميع قريب»