اختلف المفسرون في معنى ﴿قائما﴾؛ فمنهم مَن ذهب إلى أنّ معناه: قائمًا على رأسه. ومنهم مَن قال: قائمًا على اقتضاء دَيْنِك. ورجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏٥١٠) القول الثاني الذي قال به قتادة ومجاهد مستندًا إلى دلالة عقلية، وهي أنّ المُسْتَحِلَّ لمال الغير لا ينفع معه إلا شدة المطالبة، فقال: «لأنّ الله عز وجل إنما وصفهم باستحلالهم أموال الأميين، وأنّ منهم مَن لا يقضي ما عليه إلا بالاقتضاء الشديد والمطالبة». وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٢٦١) أنّ من قال بهذا القول يشير إلى أن اقتضاء الدَّيْن يكون بأنواع الاقتضاء من الحَفْز والمرافعة إلى الحكام، ثم قال: «فعلى هذا التأويل لا تُراعى هيئة هذا الدائم، بل اللفظة مِن قيام المرء على أشغاله، أي: اجتهاده فيها». وانتَقَد ابنُ جرير (٥‏/‏٥١٠) القول الأول الذي قال به السدي مستندًا إلى دلالة عقلية، وهي أنّ مَن استحل مالًا لأحد فليس القيام على رأسه بموجب له النقلة عما هو عليه، ولكن الاقتضاء والمخاصمة هو السبيل لاسترداد الحق منه. بينما رأى ابنُ عطية (٢‏/‏٢٦١) فيه غاية الحفز، فقال: «وتلك نهاية الحَفْز؛ لأنّ معنى ذلك أنه في صدر شغل آخر، يريد أن يستقبله»

اختُلِف فيمن عني بهذه الآية على قولين: الأول: عني بها المؤمنين من أمة محمد، وفيهم نزلت. والثاني: عني ببعضها أهل الشرك، وببعضها أهل الإسلام. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٣٠٨) أنها في المشركين، وأنها خطاب لهم مستندًا إلى السياق، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنها تتلو قوله: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون﴾. ويتلوها قوله: ﴿وكذب به قومك وهو الحق﴾. وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذبين، فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك، وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين؛ كان بيِّنًا أنّ ذلك وعيد لمن تقدَّم وصف الله إيّاه بالشرك، وتأخَّر الخبرُ عنه بالتكذيب، لا لمن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، غير أنّ ذلك وإن كان كذلك فإنه قد عَمَّ وعيده بذلك كل مَن سلك سبيلهم مِن أهل الخلاف على الله وعلى رسوله، والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها». وبنحوه رجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏٣٨٢). وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٣٨٢) على هذا الخلاف بقوله: «وهذا الاختلاف إنما هو بحسب ما يظهر من أنّ الآية تتناول معانيها المشركين والمؤمنين»

ذَكَرَ ابنُ جرير (١٠‏/‏٦٤٤-٦٤٥) اختلاف أهلِ التأويل في المراد بـ«العُرْف» المذكور في الآية على قولين: أحدهما: أنّ المراد به: صِلةُ رَحِمِ مَن قَطَعَ، وإعطاءُ مَن حَرَمَ، والعفوُ عمَّن ظَلَمَ، كما ورد في حديث النبي ﷺ. ولم ينسبه ابن جرير لأحد. والآخر: أنّ المراد به: المعروف. وهذا قول ابن عباس، وعروة، ومجاهد، والسديّ، وسفيان الثوري، وقتادة، ومقاتل. ورجَّحَ ابنُ جرير القولَ الثاني، وهو قول الجمهور استنادًا إلى اللغة، وعموم اللفظ، وعدم المُخَصِّص، فقال: «الصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله أمر نبيه ﷺ أن يأمر الناس بالعُرْف -وهو المعروف في كلام العرب-، مصدرٌ في معنى: المعروف، يقال: أوليتُه عُرْفًا، وعارفًا، وعارفةً. كل ذلك بمعنى المعروف. فإذ كان معنى العُرْف ذلك فمن المعروف: صِلةُ رَحِمِ مَن قَطَعَ، وإعطاءُ مَن حَرَمَ، والعفوُ عمَّن ظَلَمَ، وكلُّ ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إليه فهو من العُرْف، ولم يَخْصُصِ اللهُ من ذلك معنًى دون معنًى؛ فالحقُّ فيه أن يُقال: قد أمر الله نبيَّه ﷺ أن يأمر عبادَه بالمعروف كلِّه، لا ببعض معانيه دون بعض»

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في جنس إبليس: فقيل: هو من الملائكة. وقيل: هو من الجن. وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٦١٨) أنّ وجه التعبير عن الملائكة بالجن على القول الأول مِن حيث إنهم مستترون، وأنها صفة تعم الملائكة والشياطين، ثم وجَّه الاستثناء على القول الأول بأنّه متصل، وعلى الثاني بأنّه منقطع، ثم بيَّن أنه لا خلاف أن إبليس كان من الملائكة في المعنى؛ إذ كان مُتَصَرِّفًا بالأمر والنهي مُرْسَلًا، والملك مشتق من المألكة، وهي الرسالة، فهو في عداد الملائكة يتناوله قول ﴿اسْجُدُوا﴾. وعلَّق ابنُ كثير (٩‏/‏١٥٥) على الآثار الواردة في معنى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قائلًا: «وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة الأتقياء»

اختُلِف في البيوت التي عنتها الآية على أقوال: الأول: حوانيت التجار. الثاني: منازل الأسفار ومناخات الرجال التي يرتفِق بها مارة الطريق في أسفارهم. الثالث: الخرابات العاطلات. الرابع: بيوت مكة. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٥٢-٢٥٣) جميع ما يشمله لفظ البيوت لدلالة العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ الله عمَّ بقوله: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم﴾ كلَّ بيت لا ساكن به لنا فيه متاع ندخله بغير إذن؛ لأنّ الإذن إنما يكون ليؤنس المأذون عليه قبل الدخول، أو ليأذن للداخل إن كان له مالكًا، أو كان فيه ساكنًا. فأما إن كان لا مالك له؛ فيُحْتاج إلى إذنه لدخوله، ولا ساكن فيه؛ فيُحْتاج الداخل إلى إيناسه، والتسليم عليه، لئلّا يهجم على ما لا يحب رؤيته منه، فلا معنى للاستئذان فيه. فإذا كان ذلك فلا وجه لتخصيص بعض ذلك دون بعض، فكلُّ بيت لا مالك له ولا ساكن من بيت مبنيٍّ ببعض الطرق للمارَّة والسابلة ليأووا إليه، أو بيت خراب قد باد أهله ولا ساكن فيه حيث كان ذلك، فإنّ لِمَن أراد دخوله أن يدخل بغير استئذان لمتاع له يؤويه إليه، أو للاستمتاع به لقضاء حقه من بول أو غائط أو غير ذلك». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٣٧١) أنّ أقوال المفسرين تخرج مخرج المثال

اختُلِف في قوله: ﴿إني سقيم﴾ على قولين: الأول: أنها كذبة في ذات الله. وعلى هذا التأويل يأتي حديث النبي ﷺ: «ما كذب إبراهيم غير ثلاث كذبات». والثاني: أنها مِن المعاريض، ولا يجوز الكذب عليه. وعلى هذا قيل: أراد إني سقيم النفس، أي: من أموركم وكفركم، فظهر لهم من كلامه أنه أراد سقمًا بالجسد حاضرًا، وهكذا هي المعاريض. واختار ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٦٩) القولَ الأول، واسْتَدْرَكَ على الثاني بقوله: «الخبر عن رسول الله ﷺ بخلاف هذا القول، وقول رسول الله ﷺ هو الحق دون غيره». واختار ابنُ تيمية (٥‏/‏٣٤٨) الثاني، حيث علَّقَ على مقالات إبراهيم عليه السلام الثلاث الواردة في الحديث بقوله: «وهذه الثلاثة معاريض». والظاهر مِن كلام ابن عطية (٧‏/‏٢٩٧) أنه يميل إلى الثاني، حيث قال مُعَلِّقًا مستندًا إلى الدلالة العقلية: «وهذا التأويل لا يرده الحديث وذكر الكذبات؛ لأنه قد يقال لها: كذب. على الاتساع بحسب اعتقاد المخبر، والكذب الذي هو قصد قول الباطل، والإخبار بضد ما في النفس بغير منفعة شرعية، هو الذي لا يجوز على الأنبياء». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٣-٣٤)، ولم يذكر مستندًا

علَّق ابنُ القيم (٢‏/‏٤٤٨) على هذا القول، فقال: «المعنى: أضلّه الله عالِمًا به وبأقواله، وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده، وأنّه أهلٌ للضلال، وليس أهلًا أن يهدى، وأنه لو هدي لكان قد وضع الهدى في غير محله، وعند مَن لا يستحقه، والربّ تعالى حكيم إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها، فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدّر عليه الضلال». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٦٠٠-٦٠١) عن فرقة أنها قالت: أي: على علمٍ من هذا الضلال، فإنّ الحقّ هو الذي يُترك ويُعرض عنه. وعلَّق عليه بقوله: «فتكون الآية -على هذا التأويل- مِن آيات العناد؛ من نحو قوله: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل:١٤]». ثم قال: «وعلى كلا التأويلين فقوله تعالى: ﴿على علم﴾ حال». وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٤٤٧-٤٤٨) أنه على الأول يكون: ﴿على علم﴾ حال من الفاعل، والمعنى: أضله الله عالِمًا بأنه من أهل الضلال في سابق علمه، وعلى الثاني حال من المفعول، أي: أضلّه الله في حال عِلم الكافر بأنه ضال. وساق ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٦٢) القولين، ثم علَّق بقوله: «والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس»

اختُلف في الذي رآه النبي ﷺ على قولين: الأول: أنه رأى ربَّه عز وجل. وهو قول ابن عباس، وعكرمة وما في معناه. الثاني: أنه رأى جبريل عليه السلام في صورته التي خُلِق عليها. وهو قول عائشة، وابن مسعود رضي الله عنهم، وما في معناه. ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏١١٠-١١٢) القول الثاني مستندًا إلى السنة، من حديث عائشة رضي الله عنها [من طريق مسروق الآتي في تفسير قوله: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾]، فقال: «وحديث عائشة عن النبي ﷺ قاطع لكل تأويل في اللفظ؛ لأن قول غيرها إنما هو منتزعٌ مِن ألفاظ القرآن». وعلَّق ابنُ تيمية (٦‏/‏١٣١) على القول الأول بقوله: «وليس قولُ ابن عباس أنّه رآه مُناقِضًا لهذا -أي: للقول الثاني-، ولا قوله رآه بفؤاده، وقد صحَّ عنه أنه قال: «رأيتُ ربي -تبارك وتعالى-». لكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لَمّا احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربّه -تبارك وتعالى- تلك الليلة في منامه. وعلى هذا بنى الإمام أحمد وقال: نعم رآه حقًّا، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌّ ولا بد»

سورة العلق — الآية ١

عن عائشة أم المؤمنين -من طريق عروة- أنها قالت: أول ما بُدِئ به رسولُ الله ﷺ مِن الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن يَنزِع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه المَلك، فقال: اقرأ. قال: «قلتُ: ما أنا بقارئ». قال: «فأخذني، فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسَلني، فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقارئ». قال: «فأخذني، فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسَلني، فقال: اقرأ. فقلتُ: ما أنا بقارئ. فأخذني، فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسَلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾» الآية. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خُوَيلِد، فقال: «زمِّلوني، زمِّلوني». فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيتُ على نفسي». فقالت خديجة: كلا، واللهِ، ما يُخزيك الله أبدًا؛ إنّك لَتَصِل الرَّحِم، وتحمل الكلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق. فانطلقتْ به خديجة حتى أتتْ ورَقة بن نَوْفل بن عبد العُزّى -ابن عم خديجة-، وكان امرءًا قد تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العِبْرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعِبْرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع مِن ابن أخيك. فقال له ورَقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني أكون فيها جَذعًا، يا ليتني أكون فيها حيًّا إذا يُخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: «أوَمخرجيّ هم؟». قال: نعم، لم يأتِ رجل قطّ بمثل ما جئتَ به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم يَنشب ورَقة أن تُوفِّي، وفتَر الوحي. قال ابن شهاب: وأخبَرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أنّ جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يُحدِّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي إذ سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعتُ بصري، فإذا المَلك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرُعِبتُ منه، فرجعتُ، فقلتُ: زَمِّلوني. فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر:١-٥]، فحمي الوحي وتتابع»

اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿يسمعون كلام الله﴾؛ فقال بعضهم: التوراة. وقال آخرون: بل سمعوا كلام الله مباشرة كما سمعه موسى عليه السلام. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢‏/‏١٤٢) القول الثاني، وهو قول ابن عباس، والربيع بن أنس، وابن إسحاق، مستندًا إلى ظاهر التلاوة، والأخبار الإسرائيليّة، والدلالة العقلية، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنّ الله إنما أخبر أنّ التحريف كان من فريق منهم كانوا يسمعون كلام الله، استعظامًا من الله لِما كانوا يأتون من البهتان، بعد توكيد الحجة عليهم والبرهان، وإيذانًا منه -تعالى ذِكْرُه- عبادَه المؤمنين قطْعَ أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمد من الحق والنور والهدى، فقال لهم: كيف تطمعون في تصديق هؤلاء اليهود إياكم، وإنما تخبرونهم عن غَيْبٍ لم يشاهدوه ولم يعاينوه، وقد كان بعضهم يسمع من الله كلامه وأمره ونهيه ثم يبدله ويحرفه ويجحده؟! فهؤلاء الذين بين أظهركم من بقايا نسلهم أحرى أن يجحدوا ما أتيتموهم به من الحق -وهم لا يسمعونه من الله، وإنما يسمعونه منكم- من أوائلهم الذين باشروا كلام الله من الله -جل ثناؤه-، ثم حرَّفوه من بعد ما عقلوه وعلموه متعمدين التحريف». وانتقد ابنُ عطية (١‏/‏٢٥٩-٢٦٠) هذا القول مستندًا إلى دلالة عقلية، فقال: «وفي هذا القول ضعف، ومَن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ، وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم». وانتقد ابنُ جرير (٢‏/‏١٤٣) مستندًا إلى دلالة عقلية القول الأول، وهو قول أبي العالية، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، وعلَّل ذلك أنه لو كان تأويل الآية: يسمعون التوراة. لم يكن لقوله: ﴿يسمعون كلام الله﴾ معنى مفهوم؛ لأن ذلك قد سمعه المحرف منهم وغير المحرف، فخصوص المحرف منهم بأنّه كان يسمع كلام الله لا معنى له، وإنما المراد الإخبار عن خاصٍّ من اليهود كانوا أعطوا من مباشرتهم سماع كلام الله ما لم يُعْطَه أحدٌ غير الأنبياء والرسل، ثم بَدَّلوا وحَرَّفوا ما سمعوا من ذلك. وما انتقده ابنُ جرير قبِلَه ابنُ كثير (١‏/‏٤٦١)؛ لكون الحجة التي استند إليها ابن جرير غير لازمة، فقال: «وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران، وقد قال الله: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] أي: مُبَلَّغًا إليه». ثم ذكر الآثار عن قتادة، ومجاهد، وأبي العالية