سورة الحديد — الآية ١٦

عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ بني إسرائيل لَمّا طال عليهم الأَمد، فقَسَتْ قلوبهم؛ اخترعوا كتابًا من عند أنفسهم، استهوتْه قلوبُهم، واستحلّته ألسنتهم، وكان الحقّ يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فقالوا: اعْرِضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل؛ فإن تابعوكم فاتركوهم، وإنْ خالفوكم فاقتلوهم. قالوا: لا، بل أرسِلوا إلى فلان -رجل من علمائهم-، فاعرِضوا عليه هذا الكتاب؛ فإن تابعكم فلن يخالفكم أحدٌ بعده، وإنْ خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم أحد بعده. فأرسَلوا إليه، فأخذ ورقةً، وكتب فيها كتاب الله، فوضعها في قَرَنٍ، ثم علّقها في عُنقه، ثم لبس عليه الثياب، فعرَضوا عليه الكتاب، فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومأ إلى صدره، فقال: آمنتُ بهذا، وما لي لا أومن بهذا؟! يعني: الكتاب الذي فيه القَرَن. فخلّوا سبيله، وكان له أصحاب يَغْشَونه، فلمّا مات وجدوا القَرَن الذي فيه الكتاب مُعلّقًا عليه، فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنتُ بهذا، ومالي لا أومن بهذا؟! إنما عنى: هذا الكتاب. فاختلف بنو إسرائيل على بضعٍ وسبعين مِلّة، وخير مِلَلهم أصحابُ ذي القَرَن. قال عبد الله: وإنّ مَن بقي منكم سيرى منكرًا، وبحسب امرئٍ يرى منكرًا لا يستطيع أن يغيّره أن يعلم اللهُ مِن قلبه أنّه له كارِه

سورة النبأ — الآية ١٨

عن معاذ بن جبل، قال: يا رسول الله، ما قول الله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾؟ فقال: «يا معاذ، سألتَ عن عظيم من الأمر». ثم أرسل عينيه، ثم قال: «عشرة أصناف قد ميّزهم الله مِن جماعة المسلمين، فبدَّل صورهم؛ فبعضهم على صورة القِردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكوسون، أرجلهم فوق وجوههم أسفل، يُسحبون عليها، وبعضهم عُمْيٌ يَتردّدون، وبعضهم صُمٌّ بُكمٌ لا يَعقلون، وبعضهم يَمضَغُون ألسنتهم وهي مُدلاة على صدورهم، يَسيل القِيح من أفواههم لُعابًا، يَقْذَرُهم أهل الجمع، وبعضهم مُقطّعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مُصلَّبون على جذوع من نار، وبعضهم أشدُّ نَتنًا مِن الجِيَف، وبعضهم يَلبسون جِبابًا سابغة من قَطِران لازقة بجلودهم، فأما الذين على صورة القِردة فالقتّات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فأكَلة السُّحت، والمُنكّسون على وجوههم فأكَلة الربا، والعُمي مَن يَجُور في الحكم، والصُّمّ البُكم المُعجبون بأعمالهم، والذين يَمضَغُون ألسنتهم فالعلماء والقصّاص مِن الذين يخالف قولهُم أعمالهَم، والمُقطّعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمُصلَّبون على جذوع من نار فالسُّعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نَتنًا مِن الجِيَف الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حقّ الله وحقّ الفقراء من أموالهم، والذين يَلبسون الجِباب فأهل الكِبْر والخُيلاء والفَخْر»

رَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏٨٦-٨٧) هذا القول مستندًا إلى القرآن، والسياق، والدلالات العقلية، فقال: «وإنّما قُلنا ذلك أشْبَهُ بتأويل الآية لأنّ الله -تعالى ذكره- ذكر حين قال: ﴿وإن عزموا الطلاق﴾: ﴿فإن الله سميع عليم﴾، ومعلومٌ أنّ انقضاء الأشهر الأربعة غير مسموع، وإنّما هو معلوم، فلو كان عزم الطلاق انقضاء الأشهر الأربعة لم تكن الآية مختومة بذكر الله الخبر عن الله -تعالى ذكره- أنه سميع عليم، كما أنه لم يختم الآية التي ذكر فيها الفيء إلى طاعته في مراجعة المؤلي زوجته التي آلى منها وأداء حقها إليها بذكر الخبر عن أنه شديد العقاب؛ إذ لم يكن موضع وعيد على معصية، ولكنه ختم ذلك بذكر الخبر عن وصفه نفسه -تعالى ذكره- بأنه غفور رحيم؛ إذ كان موضع وعد المنيب على إنابته إلى طاعته، فكذلك ختم الآية التي فيها ذكر القول والكلام بصفة نفسه بأنّه للكلام سميع، وبالفعل عليم، فقال -تعالى ذكره-: وإن عزم المُؤْلُون على نسائهم على طلاق مَن آلَوْا منه من نسائهم فإنّ الله سميعٌ لطلاقهم إيّاهُنَّ إن طلقُوهُنَّ، عليم بما أتَوْا إليهِنَّ مما يَحِلُّ لهم ويحرم عليهم». وذكر ابنُ عطية (١‏/‏٥٥٦) أن من قال بهذا القول استدَلَّ بقوله:﴿سَمِيعٌ﴾؛ لأن هذا الإدراك إنما هو في المقولات

وجَّه ابنُ جرير (٥‏/‏٥٠٤) معنى الآية على قول ابن جريج، فقال: «تأويل الكلام على قول أهل هذه المقالة: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فتتركوا الحق أن يحاجوكم به عند ربكم من اتبعتم دينه، فاخترتموه أنه محق، وأنكم تجدون نعته في كتابكم. فيكون حينئذ قوله: ﴿أو يحاجوكم﴾ مردودًا على جواب نهي متروك على قول هؤلاء». وقد رجّح ابنُ جرير (٥‏/‏٥٠٥-٥٠٦ بتصرف) هذا القول مستندًا إلى اللغة، وإلى السياق، فذهب إلى أن قوله: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ معترض، وسائر الكلام مُتَّسِق على سياق واحد، ويكون تأويل الكلام حينئذ: «ولا تؤمنوا إلا لمن اتبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، بمعنى: لا يؤتى أحد بمثل ما أوتيتم، ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾ بمعنى: أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيمانكم؛ لأنكم أكرم على الله منهم بما فضلكم به عليهم. فيكون الكلام كله خبرًا عن قول الطائفة التي قال الله عز وجل: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار﴾، سوى قوله: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾. وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها لأنّه أصحها معنًى، وأحسنها استقامة على معنى كلام العرب، وأشدها اتِّساقًا على نَظْمِ الكلام وسياقه، وما عدا ذلك من القول فانتزاع يَبْعُد من الصحة على استكراه شديد للكلام»

اختُلِف في المعنى الذي من أجله أمر الله نبيَّه أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟ فقال بعضهم: أمر اللهُ نبيَّه بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب تطييبًا لأنفسهم، وتَأَلُّفًا لهم على دينهم، وإن كان الله قد أغناه بتدبيره له أموره. وقال آخرون: بل أمره بمشورتهم ليتبين له الأصوبَ في التدبير؛ لِما في الشورى من فضل. وقال غيرهم: إنّما أمره الله بالمشاورة مع إغنائه بتدبير أموره لِيَتَّبِعه المؤمنون. وجمع ابنُ جرير (٦‏/‏١٩٠-١٩١) بينها، فقال: «وأَوْلى الأقوال بالصواب في ذلك أن يُقال: إنّ الله -جل ثناؤه- أمر نبيَّه ﷺ بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوِّه، ومكايد حربه، تَأَلُّفًا منه بذلك مَن لم تكن بصيرتُه بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفًا منه أُمَّته مَأْتى الأمور التي تَحْزُبُهم مِن بعده ومَطْلَبَها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته ﷺ يفعله، فأمّا النبي ﷺ فإنّ الله -جل ثناؤه- كان يُعَرِّفُه مطالبَ وجوه ما حَزَبَهُ من الأمور بوحيه أو إلهامه إيّاه صواب ذلك، فأمّا أُمَّتُه فإنهم إذا تشاوروا مُسْتَنِّين بفعله في ذلك على تَصادُقٍ، وتَأَخٍّ للحقِّ، وإرادةِ جميعهم للصواب، مِن غير ميلٍ إلى هوًى، ولا حَيْدٍ عن هُدًى؛ فاللهُ مُسَدِّدُهم ومُوَفِّقُهم»

اختلف السلف في معنى الجبت والطاغوت اللذَّيْن ذكرهما الله على أقوال كما هو موضح بالآثار. وقد رجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏١٤٠) مستندًا إلى اللغة، والعموم أنّ الجبت والطاغوت: اسمان لكل معبود من دون الله، يُطاع أمره، ويُخضع له. فيدخل فيهما الشيطان، والساحر، والكاهن، وغير ذلك من الآلهة المزعومة المدعاة، وكذلك يدخل فيهما حُيي بن أخطب، وكعب الأشراف، كما في قول مقاتل وغيره؛ لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله. وبنحو هذا رجَّح ابنُ عطية (٢‏/‏٥٨٠) مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «فمجموع هذا يقتضي أنّ الجِبْت والطّاغُوت: هو كل ما عُبِد وأطيع من دون الله تعالى، وكذلك قال مالك رحمه الله: الطاغوت: كُلُّ ما عبد من دون الله تعالى». ورَجَّح ابنُ تيمية (٢‏/‏٢٦٥-٢٦٨) مستندًا إلى آثار السلف، وإلى السنة أنّ الطاغوت: «هو الطاغي مِن الأعيان، والجبت: هو من الأعمال والأقوال، كما قال عمر بن الخطاب: الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان. ولذلك قال النبي ﷺ: «العيافة، والطيرة، والطرق مِن الجبت»». ثُمَّ علَّق على قول مَن قال مِن السلف: الطاغوت: الأوثان، ومَن قال الطاغوت: الشيطان. بقوله: «وكلاهما حقٌّ»

رجَّحَ ابنُ جرير (٨‏/‏٩) قولَ ابن عباس رضي الله عنهما، وبيَّنَ أنه أوْلى الأقوال بالصواب، مستندًا إلى السياق، وقال: «وإنّما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال؛ لأن الله -جل ثناؤه- أتبع ذلك البيانَ عما أحَلَّ لعباده وحَرَّم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه، فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك، ونهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه»، ثم بيَّنَ أن العموم في الآية يشمل كل عقد مأذون فيه شرعًا دون تخصيص، فقال: «قوله: ﴿أوفوا بالعقود﴾ أمر منه بالوفاء بكلِّ عقدٍ أذِن فيه، فغيرُ جائزٍ أن يُخَصَّ منه شيءٌ حتى تقوم حجةٌ بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذ كان الأمر في ذلك كما وصفنا، فلا معنى لقول مَن وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمر الله -جل ثناؤه- بالوفاء بها دون بعض». وإلى العموم في الآية ذهب ابن عطية (٣‏/‏٨٢)، وابن تيمية (١‏/‏٣٩٤)، وقال ابن عطية: «وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تُعَمَّم ألفاظُها بغاية ما تتناول، فيعمّم لفظ المؤمنين جملةً، في مُظْهِر الإيمان -إن لم يبطنه- وفي المؤمنين حقيقة، ويُعَمَّم لفظُ العقود في كل ربط بقول موافق للحق والشرع»

اختُلِف في تفسير قوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾؛ فقال بعضهم: معناه: لرفعناه بعلمه بها. وقال آخرون: معناه: لرفعنا عنه الحال التي صار إليها من الكفر بالله بآياتنا. ورجَّح ابن جرير (١٠‏/‏٥٨٣) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله عم الخبر بقوله: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾ أنّه لو شاء رفعه بآياته التي آتاه إياها. والرفع يعم معانيَ كثيرة: منها الرفع في المنزلة عنده، ومنها الرفع في شرف الدنيا ومكارمها، ومنها الرفع في الذكر الجميل والثناء الرفيع. وجائز أن يكون الله عنى كل ذلك أنه لو شاء لرفعه، فأعطاه كل ذلك بتوفيقه للعمل بآياته التي كان آتاها إياه. وإذ كان ذلك جائزًا فالصواب من القول فيه أن لا يخص منه شيء؛ إذ كان لا دلالة على خصوصه من خبر ولا عقل». وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٩٠) قولًا آخر مفادهُ: أن رفعناه بمعنى: أخذناه. وذكر أنه كما تقول: «رفع الظالم إذا هلك» وأن الضمير في ﴿بها﴾ عائد على المعصية في الانسلاخ. وكذا نقل عن ابن أبي نجيح أنه قال بأن رفعناه معناه: لتوفيناه قبل أن يقع في المعصية ورفعناه عنها. وعلَّق عليه بقوله: «والضمير على هذا عائدٌ على الآيات». ورجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٤٢٨) مستندًا إلى ظاهر الآية أنّ القول الأول هو مراد الآية، وأنّ الثاني حقٌّ، وهو من لوازم المراد

اختُلِف فيمن عُنِيَ بهذه الآية، وفيم أُنزِلَت، على قولين: الأول: أنه عُنِيَ بها: الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، وفيهم أنزلت. والثاني: أنها نزلت في الحلف الذي كان أهل الشرك؛ تحالفوا في الجاهلية، فأمرهم الله عز وجل في الإسلام أن يوفوا به ولا ينقضوه. وعلَّق ابنُ عطية (٥‏/‏٤٠٢) على القول الثاني بقوله: «كما قال ﷺ: «لا حِلْفَ في الإسلام، وما كان من حِلْفٍ في الجاهلية فلم يزِده الإسلام إلا شدة»». ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٤٠-٣٤١) العموم في الآية، فقال: «الصواب من القول في ذلك أن يُقال: إن الله تعالى أمر في هذه الآية عباده بالوفاء بعهوده التي يجعلونها على أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها على أنفسهم لآخرين بعقود تكون بينهم بحق مما لا يكرهه الله. وجائز أن تكون نزلت في الذين بايعوا رسول الله ﷺ بنهيهم عن نقض بيعتهم حذرًا من قلة عدد المسلمين وكثرة عدد المشركين، وأن تكون نزلت في الذين أرادوا الانتقال بحلفهم عن حلفائهم لقلة عددهم في آخرين لكثرة عددهم. وجائز أن تكون في غير ذلك. ولا خبر تثبت به الحجة أنها نزلت في شيء من ذلك دون شيء، ولا دلالة في كتاب، ولا حجة عقل أيّ ذلك عني بها، ولا قولَ في ذلك أولى بالحق مما قلنا؛ لدلالة ظاهرِه عليه، وأن الآية كانت قد تنزل لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامًّا في كل ما كان بمعنى السبب الذي نزلت فيه». وبنحوه رجح ابنُ عطية (٥‏/‏٤٠٢)

اختُلِف في المراد بقوله: ﴿واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا﴾ على أقوال: الأول: يعني: مُلكًا عزيزًا أقهر به العصاة. الثاني: حجة بيِّنة. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏٥٩-٦٠) مستندًا إلى السياق القول الأول الذي قاله الحسن، وقتادة، فقال: «لأن ذلك عقيب خبر الله عما كان المشركون همُّوا به من إخراجه من مكة، فأعلمه الله عز وجل أنهم لو فعلوا ذلك عوجلوا بالعذاب عن قريب، ثم أمره بالرغبة إليه في إخراجه من بين أظهرهم إخراج صدق يحاوله له عليهم، ويدخله بلدة غيرها بمدخل صدق يحاوله له عليهم ولأهلها في دخولها إليها، وأن يجعل له سلطانًا نصيرًا على أهل البلدة التي أخرجه أهلها منها، وعلى كل من كان لهم شبيهًا، وإذا أوتي ذلك فقد أوتي -لا شك- حجة بينة». وكذا رجَّحه ابنُ كثير مستندًا إلى النظائر، والواقع، فقال:«لأنه لا بُدَّ مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ [الحديد:٢٥]، وفي الحديث: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع»