ذكر ابنُ عطية (٢/٣٧٨-٣٧٩) قولَ مَن جوَّز قتلَ النبيِّ، ثُمَّ عَلَّق عليه بقوله: «إذا كان هذا فـ﴿ربيون﴾ مرتفع بالظرف بلا خلاف. وقوله: ﴿معه ربيون﴾ على هذا التأويل يجوز أن يكون صفة لـ﴿نبي﴾، ويجوز أن يكون حالًا مِن الضمير الذي أُسْنِد إليه ‹قُتِلَ›. فإن جعلته صفةً أضمرت للمبتدأ الذي هو ﴿كَأيِّن﴾ خبرًا تقديره في آخر الكلام: مضى أو ذهب أو فقد: ﴿فما وهنوا﴾. وإن جعلت ﴿معه ربيون﴾ حالًا من الضمير فخبر المبتدأ في قوله: ‹قُتِلَ›، وإذا جعلته صفة فالضمير في معه عائد على النبي، وإذا جعلته حالًا فالضمير في ﴿معه﴾ عائد على الضمير ذي الحال، وعلى كلا الوجهين من الصفة أو الحال فـ﴿معه ربيون﴾ متعلق في الأصل بمحذوف، وليس متعلقًا بـ‹قُتِلَ›». وعَلَّق (٢/٣٨١) عليه أيضًا عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فما وهنوا﴾ بقوله: «الضمير في قوله: ﴿فما وهنوا﴾ عائد على جميع الربيين في قول مَن أسند ‹قُتِلَ› إلى ﴿نبي﴾»
اختلف المفسرون في تفسير قوله: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ على أقوال: الأول: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء. والثاني: لا تفتح لأعمالهم ودعائهم أبواب السماء فلا يصعد منها إلى الله شيء. والثالث: لا تفتح لأرواحهم وأعمالهم ودعائهم أبواب السماء. كما قال ابن جريج وما في معناه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٠/١٨٤) القول الثالث -قول ابن جريج- مستندًا إلى دلالة العموم، والسُّنَّة، حيث قال: «وإنما اخترنا في تأويل ذلك ما اخترنا من القول لعموم خبر الله -جل ثناؤه- أنّ أبواب السماء لا تفتح لهم، ولم يخصص الخبر بأنّه يفتح لهم في شيء، فذلك على ما عمه خبر الله تعالى بأنها لا تفتح لهم في شيء، مع تأييد الخبر عن رسول الله ﷺ ما قلنا في ذلك». وذكر حديثي رسول الله عن أبي هريرة وعن البراء المثبتان أعلاه. وعلّق ابنُ كثير (٣/٤١٤) على قول عبد الملك ابن جُرَيْج، فقال: «وهذا فيه جَمْعٌ بين القولين»
اختُلِف في قراءة قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾؛ فقرأها قوم: (مِنَ الصّادِقِينَ)، ووجهوا معنى الآية إلى أنه صِدْق الحديث. وقرأ آخرون: ﴿مع الصادقين﴾ ووجهوا المعنى إلى أنّه أعم من صدق الحديث، وأنّه بمعنى الصحة في الدين والتَّمَكُّن في الخير. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٧٠) مستندًا إلى رسم المصحف القولَ الثانيَ دون الأول الذي قاله ابن مسعود، فقال: «والصحيح من التأويل في ذلك هو التأويل الذي ذكرناه عن نافع والضحاك [سيأتي في تفسير الآية]، وذلك أنّ رسوم المصاحف كلها مجمعة على: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾، وهي القراءة التي لا أستجيز لأحد القراءة بخلافها، وتأويل عبد الله -رحمة الله عليه- في ذلك على قراءته تأويل صحيح، غير أن القراءة بخلافها». وذكر أنّ قائلي هذا القول وجهوا المعنى إلى ما وجههوه إليه؛ لأنّ كون المنافق مع المؤمنين غير نافِعِه بأي وجوه الكون كان معهم إن لم يكن عامِلًا عَمَلَهم، وإذا عمل عملَهم فهو منهم، وإذا كان منهم كان وجْه الكلام أن يُقال: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين
اختلف القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿وآتاكُمْ مِن كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ على قراءتين: الأولى: إضافة ﴿كُلِّ﴾ إلى ﴿ما﴾، بمعنى: وآتاكم مِن سؤلكم شيئًا. الثانية: تنوين (كُلٍّ) وترك إضافتها إلى (مّا)، بمعنى: وآتاكم مِن كل شيء لم تسألوه ولم تطلبوه منه. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٥٢) القراءة الثانية بقوله: «والمعنى: وآتاكم من كل هذه المخلوقات المذكورات قبلُ ما من شأنه أن يُسأَل لمعنى الانتفاع به، فـ﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما سَأَلْتُمُوهُ﴾ مفعول ثانٍ بـ﴿آتاكُمْ﴾». ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٦٨٥) القراءة الأولى، وعلَّل ذلك بقوله: «لإجماع الحُجَّة مِن القرأة عليها، ورفضهم القراءة الأخرى». ونقل ابنُ عطية (٥/٢٥٢) عن بعض الناس في القراءة الثانية: أنّ «(مّا) نافية على هذه القراءة، أي: أعطاكم من كلٍّ شيئًا، ما سألتموه، والمفعول الثاني هو قولنا: شيئًا». ثم وجَّه ذلك بقوله: «فعدَّد -على هذه- النِّعمةَ في تفضله بما لم يسأله البشر من النِّعَم، وكأن ما سألوه لم يعرض له. وهذا تفسير الضحاك»
اختُلِف في المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: أنهم المشركون. الثاني: أنهم الشياطين. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٦١٠-٦١١) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وهو قول قتادة، وابن زيد، ومقاتل، ويحيى بن سلام، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أن الله -تعالى ذِكْره- أتْبع ذلك قوله: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾، فأن يكون ذلك خبرًا عنهم أوْلى -إذ كان بخبرهم متصلًا- من أن يكون خبرًا عمَّن لم يَجْرِ له ذكرٌ». ووجَّه ابنُ عطية (٥/٤٨٨) القول الثاني بقوله: «يريد: أن المعنى يدل عليهم، وإن لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ في اللفظ، وهذا نظير قول النبي ﷺ: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له حصاصٌ»». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٩/٢٣) بقوله: «وهذا غريب جدًّا في تفسيرها، وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان أو ذكر الله انصرفوا»
عَلَّقَ ابنُ كثير (٩/٥٠) على هذا الأثر بقوله: «والأظهر أن هذا ليس بصحيح؛ فإن النبي لم يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ [التوبة:١٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة:٢٩]، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه. ولو صحَّ هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام». قال الوليد: يعني: بيت المقدس. وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس»
اختلف المفسرون في البطشة الكبرى بحسب اختلافهم السالف ذكره في وقت الدُّخان والمراد منه، فالقائلون بأنه مضى وأنه ما نزل بكفار قريش من القحط والجوع فسّروا البطشة الكبرى بيوم بدر، والقائلون بأنه دُخان يكون قبل قيام الساعة فسّروا البطشة الكبرى بأنها يوم القيامة. هذا حاصل ما قرره ابنُ جرير (٢١/٢٨). وبنحوه ابنُ كثير (١٢/٣٤٠) فقال: «وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فسّر ذلك ابن مسعود بيوم بدر. وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدُّخان بما تقدم، ورُوي أيضًا عن ابن عباس [وجماعة] من رواية العوفي، عنه، وعن أُبي بن كعب وجماعة، وهو محتمل». ثم رجَّح أنّ البطشة الكبرى: يوم القيامة، وأنّ القول بأنها يوم بدر داخل تحت مدلول البطشة، فقال: «والظاهر أنّ ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضًا»
ذكر ابنُ كثير (١٤/٢٩٧-٢٩٨) قول ابن عباس، ووجّهه، فقال: «وهو محتمل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير عن النبي ﷺ، كأنه قال: سمعتُ هذا من نبيّكم ﷺ، فيكون قوله:»نبيّكم«مرفوعًا على الفاعلية مِن»قال«وهو الأظهر، والله أعلم، كما قال أنس: لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيّكم ﷺ... ويحتمل أنْ يكون المراد: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾ حالًا بعد حال. قال: هذا، يعني المراد بهذا: نبيّكم ﷺ، فيكون مرفوعًا على أنّ»هذا«و»نبيّكم«يكونان مبتدأ وخبرًا، والله أعلم. ولعلّ هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة، كما قال أبو داود الطيالسي وغندر: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: ﴿لتركبن طبقا عن طبق﴾، قال: محمد ﷺ. ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعامة أهل مكة والكوفة: ‹لَتَرْكَبَنَّ› بفتح التاء والباء»
قال يحيى بن سلّام، في قوله: ﴿فعقروها فأصبحوا نادمين (١٥٧) فأخذهم العذاب﴾: كان أول سبب عقرهم إيّاها أنّها كانت تَضُرُّ بمواشيهم وأرضهم، كانت مواشيهم لا تقر مع الناقة، كانت المواشي إذا رأتها هربت منها، فإذا كان الصيف صافت الناقة بظهر الوادي في برده وخصبه وطيبه، وهبطت مواشيهم إلى بطن الوادي في جدبه وحَرِّه، وإذا كان الشتاء شَتَت الناقة في بطن الوادي في دِفئه وخِصبه، وصعدت مواشيهم إلى ظهر الوادي في جدبه وبرده، حتى إذ أضرَّ ذلك بمواشيهم؛ الأمر الذي أراد الله بهم، فبينما قوم منهم يومًا جلوس يشربون الخمر ففَنِي الماءُ الذي يمزجون به، فبعثوا رجلًا ليأتيهم بالماء، وكان يوم شرب الناقة، فرجع إليهم بغير ماء، وقال: حالَتِ الناقةُ بيني وبين الماء. ثم بعثوا آخر، فقال مثل ذلك، فقال بعضهم لبعض: ما تنظرون؟! قد منعتنا الماء، ومنعت مواشينا الرعي، وأضرَّت بأرضنا. فانبعث أشقاها، فعقرها، فقتلها، فتذامروا بينهم، في تفسير سعيد عن قتادة، وقالوا: عليكم الفصيل. وصعد الفصيل إلى القارة، والقارة: الجبل
تفسير محمد بن السائب الكلبي، قوله عز وجل: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾: أنّ رسول الله ﷺ خرج حتى قام على الصفا، وقريش في المسجد، ثم نادى: «يا صباحاه». ففزِع الناس، فخرجوا، فقالوا: ما لك يا ابن عبد المطلب؟ فقال: «يا آل غالب». قالوا: هذه غالب عندك. ثم نادى: «يا أهل لؤي». ثم نادى: «يا آل كعب». ثم نادى: «يا آل مرة». ثم نادى: «يا آل كلاب». ثم نادى: «يا آل قصي». فقالت قريش: أنذر الرجل عشيرته الأقربين، انظروا ماذا يريد. فقال له أبو لهب: هؤلاء عشيرتك قد حضروا، فما تريد؟ فقال رسول الله ﷺ: «أرأيتم لو أنذرتكم أنّ جيشًا يُصَبِّحونكم، أصدَّقتموني؟». قالوا: نعم. قال: «فإنِّي أنذركم النار، وإني لا أملك لكم مِن الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبًا؛ إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله». فقال أبو لهب: تبًّا لك. فأنزل الله: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾، فتفرَّقَتْ عنه قريشٌ، وقالوا: مجنون يَهْذي مِن أُمِّ رأسه