محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢١٤ من سورة الشعراء في ١٠٥ كتب من كتب التفسير، وإعرابها، و٢٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢١٤ من سورة الشعراء

١٠٥ كتب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إليك قرابة، وحذّرهم من عذابنا أن ينزل بهم بكفرهم.
وذُكر أن هذه الآية لما نزلت، بدأ ببني جده عبد المطلب وولده، فحذّرهم وأنذرهم. ذكر الرواية بذلك :
حدثني أحمد بن المقدام، قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال : حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت : لما نزلت هذه الاَية : وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ قال رسول الله ﷺ :«يا صَفِيّةُ بِنْتَ عَبْدِ المُطّلِبِ، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مْحَمّد يا بَنِي عَبْد المُطّلِبِ إنّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئا، سَلُونِي مِنْ مالي ما شِئْتُمْ ».
حدثنا ابن وكيع، قال : ثني أبي ويونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ، بنحوه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، قال : حدثنا عنبسة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال : لما نزلت وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قام النبيّ ﷺ فقال :«يا فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمّدٍ، وَيا صَفِيّةُ ابْنَةَ عَبْدِ المطّلِبِ » ثم ذكر نحو حديث ابن المقدام.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : حدثنا سلامة، قال : قال عقيل : ثني الزهري، قال : قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن : إن أبا هريرة قال : قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ :«يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ اللّهِ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئا، يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئا، يا عَبّاسُ بَنَ عَبْدِ المُطّلبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللّهِ شَيْئا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شَيْئا، سَلِيِني ما شِئْتِ، لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللّهِ شَيْئا ».
حدثني محمد بن عبد الملك، قال : حدثنا أبو اليمان، قال : أخبرنا شُعيب عن الزهري، قال : أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : قال رسول الله ﷺ حين أُنزل عليه : وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قال :«يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ اللّهِ » ثم ذكر نحو حديث يونس، عن سلامة غير أنه زاد فيه «يا صَفِيّةُ عَمّةَ رَسُولِ اللّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شَيْئا » ولم يذكر في حديثه فاطمة.
حدثني يونس، قال : حدثنا سلامة بن روح، قال : قال عقيل : ثني ابن شهاب أن رسول الله ﷺ لما أنزل عليه وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ جمع قريشا، ثم أتاهم، فقال لهم :«هَلْ فِيكُمْ غَرِيبٌ ؟ » فقالوا : لا إلا ابن أخت لنا لا نراه إلا منا، قال :«إنّهُ مِنْكُمْ »، فوعظهم رسول الله ﷺ، ثم قال لهم في آخر كلامه :«لا أعْرِفَنّ ما وَرَدَ على النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ يَسُوقُونَ الآخرة، وَجِئْتُمْ إليّ تَسُوقُونَ الدّنْيا ».
حدثني يونس، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال : قال رسول الله ﷺ حين أُنزل عليه وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ :«يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ اللّهِ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئا، يا بَنِي عَبْدِ المُطّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئا، يا عَبّاسُ بْنَ عَبْدِ المطّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللّهِ شَيْئا، يا صَفِيّةُ عَمّةَ رَسُولِ اللّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شِيْئا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمّد سَلِيِني ما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شَيْئا ».
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت الحجاج يحدّث، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال : لما أنزل الله : وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قال نبيّ الله ﷺ :«يا مَعْشَرَ قُرَيْش أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النّار، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّار، ألا إنّ لَكُمْ رَحِما سأبلّها ببِلالها ».
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، قال : لما نَزَلت هذه الاَية : وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ دعا رسول الله ﷺ قريشا، فعّم وخَصّ، فقال :«يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ اللّهِ، يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبٍ بْنِ لُؤَيّ، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدَ منافٍ، يا مَعْشَرَ بَنِي هاشِمٍ، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ المُطّلِبِ »، يقول لكلهم :«أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ، يا فاطِمَةُ بِنْتِ مُحَمّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ، فإني وَاللّهِ ما أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئا، ألا إنّ لَكُمْ رَحِما سأبلّها ببِلالها ».
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال : حدثنا أبو عثمان، عن زُهير بن عمرو وقَبيصة بن مُخارق : أنهما قالا : أَنزل الله على نبيّ الله ﷺ : وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، فحدّثنا عن نبيّ الله ﷺ أنه علا صخرة من جبل، فعلا أعلاها حَجَرا، ثم قال :«يا آلَ عَبْدِ مناف، يا صَباحاه، إنّي نَذِيرٌ، إنّ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ رَجُلٍ أَتى الجَيْشَ، فَخَشِيَهُمْ عَلى أهْلِهِ، فَذَهَبَ يربؤهم، فَخَشِيَ أنْ يَسْبِقُوهُ إلى أهْلِهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِهِمْ : يا صَباحاه » أو كما قال.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن قَسامة بن زهير، قال : بلغني أنه لما نزل على رسول الله ﷺ وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ جاء فوضع أصبعه في أذنه، ورفع من صوته، وقال :«يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وَاصَباحاهُ » قال : ثني أبو عاصم، قال : حدثنا عوف، عن قسامة بن زهير، قال : أظنه عن الأشعريّ، عن النبيّ ﷺ، بنحوه.
حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال : حدثنا أبو زيد الأنصاريّ سعد بن أوس، عن عوف، قال : قال قسامة بن زهير، حدثني الأشعريّ، قال : لما نزلت، ثم ذكر نحوه إلا أنه قال : وضع أصبعيه في أذنيه.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن نُمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : لما نزلت هذه الاَية وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قام رسول الله ﷺ على الصفا، ثم نادى :«يا صَباحاهُ »، فاجتمع الناس إليه، فبينَ رجل يجيء، وبين آخر يبعث رسوله، فقال :«يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ المُطّلبِ، يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي يا بَنِي، أرأيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنّ خَيْلاً بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ صَدّقْتُمُونِي ؟ » قالوا : نعم، قالَ :«فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » فقال أبو لهب : تَبّا لكم سائَر اليوم، ما دعوتموني إلا لهذا ؟ فنزلت : تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَبِ وَتَبّ.
حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : صَعِد رسول الله ﷺ ذات يوم الصفا، فقال :«يا صباحاهُ » فاجتمعت إليه قريش، فقالوا له : مالَك ؟ فقال :«أرأيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنّ العَدُوّ مُصَبّحُكُمْ أوْ ممَسّيكُمْ ألا كُنْتُمْ تُصَدّقونَنِي ؟ » قالوا : بلى، قال :«فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ». قال أبو لهب : تَبّا لك، ألهذا دعوتنا أو جمعتنا، فأنزل الله : تَبّتْ يَدَا أبي لَهَب. . . إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا أبو أُسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : لمّا نزلت هذه الاَية : وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله ﷺ حتى صَعِد الصفا، فهتف :«يا صَباحاهُ » فقالوا : من هذا الذي يهتف ؟ فقالوا : محمد، فاجتمعوا إليه، فقال :«يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانً، يا بَنِي عَبدِ المُطّلِبِ، يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ »، فاجتمعوا إليه، فقال :«أَرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ أكُنْتُمْ مُصَدّقيّ ؟ » قالُوا : ما جرّبنا عليك كذبا، قال :«فإني نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ »، فقال أبو لهب : تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا ؟ ثم قام فنزلت هذه السورة : تَبّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وقد تبّ، كذا قرأ الأعمش، إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا أبو معاوية بن هشام، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد، عن ابن عباس، قال : لما نزلت وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ خرج رسول الله ﷺ، فقام على الصفا، فقال :«يا صَباحاهُ »
قال : ثنا خالد بن عمرو، قال : حدثنا سفيان الثوريّ، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : لما نزلت وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، قام رسول الله ﷺ على الصفا، فقال :«يا صَباحاهُ » فجعل يُعَدّدُهم :«يا بَنِي فُلانٍ، وَيا بَنِي فُلانٍ، وَيا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عمرو بن مرّة الجَمَليّ، قال : لما نزلت : وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ قال : أتى جبلاً، فجعل يهتف : يا صَباحاهُ »، فأتاه مَنْ خَفّ من الناس، وأرسل إليه المتثاقلون من الناس رُسُلاً، فجعلوا يجيئون يتّبعون الصوت فلما انتهوا إليه قال :«إنّ مِنْكُمْ مَنْ جاءَ لِيَنْظُرَ، وَمِنْكُمْ مَنْ أَرْسلَ لينظرَ مَن الهاتفُ »، فلما اجتمعوا وكثروا قال :«أرأيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنّ خَيْلاً مُصَبّحَتُكُمْ مِنْ هَذَا الجَبَل، أكُنْتُمْ مُصَدّقيّ ؟ » قالوا : نعم، ما جرّبنا عليك كذبا، فقرأ عليهم هذه الآيات التي أنزلن، وأنذرهم كما أُمِر، فجعل ينادي :«يا قُرَيْشُ، يا بَنِي هاشِمٍ » حتى قالَ :«يا بَنِي عَبْدِ المُطّلِبِ، إنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عمرو : أنه كان يقرأ : وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ورَهْطَكَ المُخْلِصين.
قال : ثنا سَلَمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المِنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوف
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
الذي هو به من السماء لمعزولون، فكيف يستطيعون أن يتنزلوا به.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: (وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) قال: هذا القرآن. وفي قوله (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) قال: عن سمع السماء.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، بنحوه، إلا أنه قال: عن سمع القرآن.
والقرّاء مجمعة على قراءة (وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ) بالتاء ورفع النون، لأنها نون أصلية، واحدهم شيطان، كما واحد البساتين بستان. وذُكر عن الحسن أنه كان يقرأ ذلك: "وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطُونَ"بالواو، وذلك لحن، وينبغي أن يكون ذلك إن كان صحيحا عنه، أن يكون توهم أن ذلك نظير المسلمين والمؤمنين، وذلك بعيد من هذا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (فَلا تَدْعُ) يا محمد (مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) أي لا تعبد معه معبودا غيره (فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) فينزل بك من العذاب ما نزل بهؤلاء الذين خالفوا أمرنا وعبدوا غيرنا. وقوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر عشيرتك من قومك الأقربين إليك قرابة، وحذّرهم من عذابنا أن ينزل بهم بكفرهم.
وذُكر أن هذه الآية لما نزلت، بدأ ببني جده عبد المطلب وولده، فحذّرهم وأنذرهم.
*ذكر الرواية بذلك:
حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما نزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا صَفِيَّةُ بِنْتَ عِبْدِ المُطَّلِبِ، يا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئا، سَلُوني مِنْ مالي ما شِئْتُمْ".
حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي ويونس بن بكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قام النبيّ ﷺ فقال: "يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، ويا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ المُطَّلِبِ"ثم ذكر نحو حديث ابن المقدام.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سلامة، قال: قال عقيل: ثني الزهري، قال: قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) :"يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا، يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا، يا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا، سَلِينِي ما شِئْتِ، لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا".
حدثني محمد بن عبد الملك، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قال: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله"ثم ذكر نحو حديث يونس، عن سلامة; غير أنه زاد فيه "يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ الله لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا"ولم يذكر في حديثه فاطمة.
حدثني يونس، قال: ثنا سلامة بن روح، قال: قال عقيل: ثني ابن شهاب أن رسول الله ﷺ لما أنزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) جمع قريشا،
ثم أتاهم، فقال لهم: "هَلْ فِيكُمْ غرِيبٌ؟ "فقالوا: لا إلا ابن أخت لنا لا نراه إلا منا، قال: "إنَّهُ منْكُمْ"، فوعظهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لهم في آخر كلامه: "لا أعْرِفَنَّ مَا وَرَدَ عليَّ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَسُوقُونَ الآخِرَةَ، وجِئْتُمْ إليَّ تَسُوقُونَ الدُّنْيا".
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين أُنزل عليه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) :"يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئًا، يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئًا، يا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رسُولِ الله لا أغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا، يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي ما شِئْتِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئًا".
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت الحجاج يحدث، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: لما أنزل الله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أنْقِذُوا أنفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها ببلالها".
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) دعا رسول الله ﷺ قريشا، فعم وخصّ، فقال: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ الله، يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يا مَعْشَرَ بِنِي هاشم، يا مَعْشَرَ بني عَبْدِ المُطَّلِبِ"، يقول لكلهم: "أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فإني وَاللهِ ما أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا، ألا إنَّ لَكُمْ رَحِمًا سأبلُّها بِبلالها".
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: ثنا أبو عثمان، عن زهير بن عمرو وقبيصة بن مخارق: أنهما قالا أنزل الله على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ)، فحدثنا عن نبي الله ﷺ أنه علا صخرة من
جبل، فعلا أعلاها حجرا، ثم قال: "يا آل عَبْدِ مَنافاه، يا صَباحاه، إنّي نَذِيرٌ، إنَّ مَثَلِي وَمَثَلَكُمْ مَثَل رَجُلٍ أتى الجَيْشُ، فَخَشِيَهُمْ على أهْلِهِ، فَذَهَبَ يَرْبَؤُهم (١) فَخَشِيَ أنْ يَسْبِقُوهُ إلى أهْلِهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِهِمْ: يا صَبَاحَاهُ"! أو كما قال.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن قسامة بن زهير، قال: بلغني أنه لما نزل على رسول الله ﷺ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) جاء فوضع أصبعه في أذنه، ورفع من صوته، وقال: "يا بَنِي عَبْدِ مَناف وَاصَبَاحَاهُ"!
قال: ثني أبو عاصم، قال: ثنا عوف، عن قسامة بن زهير، قال: أظنه عن الأشعري، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بنحوه.
حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثنا أبو زيد الأنصاري سعد بن أوس، عن عوف، قال: قال قسامة بن زهير، حدثني الأشعري، قال: لما نزلت، ثم ذكر نحوه; إلا أنه قال: وضع أصبعيه في أذنيه.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن نُمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قام رسول الله ﷺ على الصفا، ثم نادى: "يا صَباحاهُ"، فاجتمع الناس إليه، فبين رجل يجيء، وبين آخر يبعث رسوله، فقال: "يا بَنِي هَاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي يا بَنِي، أرَأَيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ صَدَّقْتُمُونِي؟ "قالوا: نعم، قال: "فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"فقال أبو لهب: تبا لكم سائر اليوم، ما دعوتموني إلا لهذا؟ فنزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ).
حدثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صعد رسول الله ﷺ ذات يوم الصفا، فقال: "يا صباحاهُ! "فاجتمعت إليه قريش، فقالوا له:
(١) يقال ربأ القوم يربؤهم، وربأ لهم إذا وقف على مكان عال، ونظر بعيدًا، يرقب عدوا أو جيشًا مغيرًا، أو نحو ذلك
مالك؟ فقال: "أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أوْ مُمُسِّيكُمْ ألا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟ "قالوا: بلى، قال: "فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيد". قال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا أو جمعتنا!، فأنزل الله:
(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ)إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله ﷺ حتى صعد الصفا، فهتف: "يا صَباحاهُ! " فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ فقالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: "يا بَنِي فُلان، يا بَنِي فُلان، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا بَنِي عَبْدِ مَنَاف"، فاجتمعوا إليه، فقال: " أرَأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا تَخْرُج بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيّ؟ "قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: "فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شَدِيدٍ"، فقال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) وقد تب، كذا قرأ الأعمش، إلى آخر السورة.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية بن هشام، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لما نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام على الصفا، فقال: "يا صَباحاهُ"!
قال ثنا خالد بن عمرو، قال: ثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ)، قام رسول الله ﷺ على الصفا، فقال: "يا صباحاه! "فجعل يعددهم: "يا بَنِي فُلان، وَيا بَنِي فُلان، ويا بَنِي عَبْدِ مَنَاف".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عمرو بن مرّة الجَمَليّ، قال: لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قال: أتى جبلا فجعل يهتف: "يا صَباحاهُ"، فأتاه من خف من الناس، وأرسل إليه المتثاقلون من الناس رسلا فجعلوا يجيئون يتبعون الصوت ; فلما انتهوا إليه قال: "إنَّ مِنْكُمْ مَنْ جَاءَ لِيَنْظُرَ، وَمِنكُمْ مَنْ أرْسَلَ لينظر مَنِ الهاتف"، فلما اجتمعوا وكثروا قال: "أرَأيتَْكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلا مُصَبِّحَتُكُمْ مِنْ هَذَا الجَبَلِ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقيّ؟ "قالوا: نعم، ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ
الآيَاتِ التي أُنزلْنَ، وأنذرهم كما أمر، فَجَعَلَ ينادي: "يا قُرَيْشُ، يا بَنِي هاشِمٍ"حتى قالَ: "يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، إنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذَاب شَدَيد".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عمرو: أنه كان يقرأ: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) ورهطك المخلصين.
قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس، عن عليّ بن أبي طالب: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: "يا عليُّ، إنَّ الله أمَرَنِي أنْ أُنْذِرْ عَشِيرَتِي الأقْرَبِين"، قال: "فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أنى متى ما أنادهم بهذا الأمر أَرَ منهم ما أكره، فصمتُّ حتى جاء جبرائيل، فقال: يا محمد، إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك. فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب، حتى أكلمهم، وأبلغهم ما أمرت به"، ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب; فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به. فلما وضعته تناول رسول الله ﷺ حِذْية من اللحم (١) فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، قال: "خذوا باسم الله"، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلا مواضع أيديهم; وايم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: "اسْقِ النَّاسَ"، فجِئْتُهُمْ بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعا، وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله; فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم، بدره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لَهَدَّ (٢) ما سحركم به صاحبكم، فتفرّق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "الغد يا عليّ، إن هَذَا الرَّجُل قدْ سَبَقَنِي إلى ما
(١) في (اللسان: حذا) : أعطيته حذية من لحم، وحذة وفلذة، كل هذا إذا قطع طولا. اهـ. وقيل: هي القطعة الصغيرة.
(٢) في (اللسان: هد) وفي الحديث "أن أبا لهب قال: لهد ما سحركم صاحبكم" قال لهد: كلمة يتعجب بها، يقال: لهد الرجل: أي ما أجلده. قلت: وهو كقولنا لشد ما قال فلان، أي ما أشد
قَدْ سَمِعْتَ مِنَ القَوْلِ، فَتفرّق القوم قبلَ أنْ أُكَلِّمَهُمْ فأعِدَّ لَنا مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ، ثُمَّ اجْمَعْهُمْ لِي"، قال: ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام، فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة، قال: "اسقهم"، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعًا، ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، إنِّي والله ما أعْلَمُ شابا فِي العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بأفْضَلَ ممَّا جئْتُكُمْ بِهِ، إنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَقَدْ أمَرَنِي الله أنْ أدْعُوكُمْ إلَيْهِ، فَأيُّكُمْ يُؤَازِرُني عَلى هَذَا الأمْرِ، عَلى أنْ يَكُونَ أخِي"وكَذَا وكَذَا؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأخمشهم ساقا. أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك، فأخذ برقبتي، ثم قال: "إن هذا أخي"وكذا وكذا، "فاسمعوا له وأطيعوا"، قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع!.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قام رسول الله ﷺ بالأبطح، ثم قال: "يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا بَنِي عَبْدِ مَناف، يا بَنِي قُصَيّ"، قال: ثم فخَّذ قريشا قبيلة قبيلة، حتى مرّ على آخرهم،"إنّي أدْعُوكُمْ إلى اللهِ، وأُنْذِرُكُمْ عَذَابَهُ".
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قال: أمر محمد أن ينذر قومه، ويبدأ بأهل بيته وفصيلته، قال: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ).
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ولما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يا صَفِيَّهُ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ".
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) بدأ بأهل بيته وفصيلته.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) جمع النبيّ ﷺ بني هاشم، فقال: "يا

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم قال تعالى آمرًا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه(١) أن ينذر عشيرته الأقربين، أي : الأدنين إليه، وأنه لا يُخَلِّص أحدًا منهم إلا إيمانهُ بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين. ومن عصاه من خلق الله كائنًا مَنْ كان فليتبرأ منه ؛ ولهذا قال :﴿. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وهذه النِّذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها، كما قال :﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦]، وقال :﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، وقال :﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال :﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقال :﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، كما قال :﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].
وفي صحيح مسلم :" والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار ".
وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها :
الحديث الأول :
قال الإمام أحمد، رحمه الله : حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال : لما أنزل الله، عز وجل :﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾، أتى النبي ﷺ الصفا فصعد عليه، ثم نادى :" يا صباحاه ". فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ :" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم، صدقتموني ؟ ". قالوا : نعم. قال :" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ". فقال أبو لهب : تبًّا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا ؟ وأنزل الله :﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١].
ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، من طرق، عن الأعمش، به(٢).
الحديث الثاني :
قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت : لما نزلت :﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾، قام رسول الله ﷺ فقال :" يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم ". انفرد بإخراجه مسلم(٣).
الحديث الثالث :
قال أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عُمَير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : لما نزلت هذه الآية :﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾، دعا رسول الله ﷺ [ قريشا ](٤)، فعمَّ وخصَّ، فقال :" يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. [ يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار ](٥)، فإني - والله - ما أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رَحمًا سأبُلها بِبلالها ".
ورواه مسلم والترمذي، من حديث عبد الملك بن عمير، به(٦). وقال الترمذي : غريب من هذا الوجه. ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلا لم يذكر فيه أبا هريرة(٧). والموصول هو الصحيح. وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة(٨).
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد، حدثنا محمد - يعني ابن إسحاق - عن أبي الزنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال : قال رسول الله ﷺ :" يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله. يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما من الله، لا أُغني عنكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما ".
تفرد به من هذا الوجه(٩). وتفرد به أيضا، عن معاوية، عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه(١٠). ورواه أيضًا عن حسن، ثنا ابن لَهِيعة، عن(١١) الأعرج : سمعت أبا هريرة مرفوعا(١٢).
وقال أبو يعلى : حدثنا سُوَيد بن سَعيد، حدثنا(١٣) ضِمَام بن إسماعيل، عن موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ :" يا بني قُصَي، يا بني هَاشم، يا بني عبد مناف. أنا النذير والموت المغير. والساعة الموعد " (١٤).
الحديث الرابع :
قال أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا التيمي، عن أبي عثمان، عن قَبِيصة بن مُخَارق وزُهَير بن عمرو قالا لما نزلت :﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ صَعد رسول الله ﷺ رَضْمَةً من جبل على أعلاها حجر، فجعل ينادي :" يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو، فذهب يربأ أهله، يخشى أن يسبقوه، فجعل ينادي ويهتف : يا صباحاه ".
ورواه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن طِرْخان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مُل النَّهْديّ، عن قَبِيصة وزُهيَر بن عَمْرو الهلالي، به(١٥).
الحديث الخامس :
قال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شَرِيك عن الأعمش، عن المْنهَال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي، رضي الله عنه، قال : لما نزلت هذه الآية :﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ جمع النبي ﷺ من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا قال : وقال لهم :" من يَضْمَنُ عَني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي ؟ ". فقال رجل - لم يسمه شريك - يا رسول الله، أنت كنت بحرًا(١٦) من يقوم بهذا ؟ قال : ثم قال الآخر، قال : فعرض ذلك على أهل بيته، فقال عَليٌ : أنا(١٧).
طريق أخرى بأبسط من هذا السياق : قال أحمد : حدثنا عفان، حدثنا أبو عَوَانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن علي، رضي الله عنه، قال : جمع رسول الله ﷺ - أو دعا رسول الله ﷺ - بني عبد المطلب، وهم رَهْطٌ، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفّرَق - قال : وصنع(١٨) لهم مدًا من طعام فأكلوا حتى شبعوا - قال : وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس. ثم دعا بغُمَرٍ(١٩) فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس - أولم يشرب - وقال :" يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟ ". قال : فلم يقم إليه أحد. قال : فقمتُ إليه - وكنت أصغر القوم - قال : فقال :" اجلس ". ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي :" اجلس ". حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي(٢٠).
طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر : قال الحافظ أبو بكر البيهقي في " دلائل النبوة " : أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يُونُس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق قال : فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ :﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال رسول الله ﷺ :" عرفت أنّي إن بادأتُ بها قومِي، رأيت منهم ما أكره، فَصَمَتُّ. فجاءني جبريل، عليه السلام، فقال : يا محمد، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك ". قال علي، رضي الله عنه : فدعاني فقال :" يا علي، إن الله قد أمرني [ أن ](٢١) أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فَصَمت عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال : يا محمد، إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك. فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعدّ لنا عُسَّ لبن، ثم اجمع لي(٢٢) بني عبد المطلب ". ففعلتُ فاجتمعوا له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا. فيهم أعمامه : أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدّمت إليهم تلك الجَفْنَةَ، فأخذ رسول الله ﷺ منها حِذْيَة فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها، وقال :" كلوا بسم الله ". فأكل القومُ حتى نَهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ :" اسقهم يا علي ". فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نَهِلُوا جميعًا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم، بَدَره أبو لهب إلى الكلام فقال : لَهَدّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلّمهم رسول الله ﷺ. فلما كان الغدُ قال رسول الله ﷺ :" يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب ؛ فإن هذا الرجلّ قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم ". ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نَهِلُوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله ﷺ :" اسقهم يا علي ". فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعًا. وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بَدَره أبو لهب بالكلام فقال : لَهَدَّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ. فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ :" يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعتَ لنا بالأمس من الطعام والشراب ؛ فإن هذا الرجل قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم ". ففعلت، ثم جمعتهم له فصنع رسول الله ﷺ [ كما صنع ](٢٣) بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ :" يا بني عبد المطلب، إني - والله - ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة ".
قال أحمد بن عبد الجبار : بلغني أن ابن إسحاق إنما(٢٤) سمعه من عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث(٢٥).
وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، فذكر مثله، وزاد بعد قوله :" إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة ". " وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني(٢٦) على هذا الأمر على أن يك
١ - في ف، أ :"صلوات الله عليه وسلامه"..
٢ - صحيح البخاري برقم (٤٨٠١) وصحيح مسلم برقم (٢٠٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٧١٤) وسنن الترمذي برقم (٣٣٦٣)..
٣ - المسند (٦/١٨٧) وصحيح مسلم برقم (٢٠٥)..
٤ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٥ - زيادة من ف، أ، والمسند..
٦ - المسند (٢/٣٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٠٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٨٥)..
٧ - سنن النسائي (٦/٢٤٨)..
٨ - صحيح البخاري برقم (٤٧٧١) وصحيح مسلم برقم (٢٠٦)..
٩ - المسند (٢/٤٤٨)..
١٠ - المسند (٢/٣٩٨)..
١١ - في ف :"ثنا"..
١٢ - المسند (٢/٣٥٠)..
١٣ - في ف :"عن"..
١٤ - مسند أبي يعلى (١١/١٠) وسويد بن سعيد متكلم فيه..
١٥ - المسند (٥/٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٠٧) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٧٩)..
١٦ - في أ :"تجري"..
١٧ - المسند (١/١١١) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٣٠٢) "رجال أحمد رجال الصحيح، غير شريك وهو ثقة"..
١٨ - في ف، أ :"فصنع"..
١٩ - في ف، أ :"بعس"..
٢٠ - المسند (١/١٥٩) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٣٠٢) "رجاله ثقات"..
٢١ - زيادة من ف، أ، ودلائل النبوة..
٢٢ - في ف :"لنا"..
٢٣ - زيادة من ف، أ، ودلائل النبوة..
٢٤ - في ف :"لما"..
٢٥ - دلائل النبوة (٢/١٧٨)..
٢٦ - في ف :"وازرني"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ولما أمره بما فيه كمال نفسه، أمره بتكميل غيره فقال :﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾.
الذين هم أقرب الناس إليك، وأحقهم بإحسانك الديني والدنيوي، وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس، كما إذا أمر الإنسان بعموم الإحسان، ثم قيل له " أحسن إلى قرابتك " فيكون هذا خصوصا(١) دالا على التأكيد، وزيادة الحق، فامتثل ﷺ، هذا الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش، فعمم وخصص، وذكرهم ووعظهم، ولم يُبْق ﷺ من مقدوره شيئا، من نصحهم، وهدايتهم، إلا فعله، فاهتدى من اهتدى، وأعرض من أعرض.
١ - وفي ب: الخصوص..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٢١٣ - ٢١٦} ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ينهى تعالى رسوله أصلا وأمته أسوة له في ذلك، عن دعاء غير الله، من جميع المخلوقين، وأن ذلك موجب للعذاب الدائم، والعقاب السرمدي، لكونه -[٥٩٩]- شركا، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ والنهي عن الشيء، أمر بضده، فالنهي عن الشرك، أمر بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، محبة، وخوفا، ورجاء، وذلا وإنابة إليه في جميع الأوقات. ولما أمره بما فيه كمال نفسه، أمره بتكميل غيره فقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾.
الذين هم أقرب الناس إليك، وأحقهم بإحسانك الديني والدنيوي، وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس، كما إذا أمر الإنسان بعموم الإحسان، ثم قيل له " أحسن إلى قرابتك " فيكون هذا خصوصا (١) دالا على التأكيد، وزيادة الحق، فامتثل صلى الله عليه وسلم، هذا الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش، فعمم وخصص، وذكرهم ووعظهم، ولم يُبْق ﷺ من مقدوره شيئا، من نصحهم، وهدايتهم، إلا فعله، فاهتدى من اهتدى، وأعرض من أعرض.
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بلين جانبك، ولطف خطابك لهم، وتوددك، وتحببك إليهم، وحسن خلقك والإحسان التام بهم، وقد فعل صلى الله عليه وسلم، ذلك كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ فهذه أخلاقه صلى الله عليه وسلم، أكمل الأخلاق، التي يحصل بها من المصالح العظيمة، ودفع المضار، ما هو مشاهد، فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله، ويدعي اتباعه والاقتداء به، أن يكون كلا على المسلمين، شرس الأخلاق، شديد الشكيمة عليهم، غليظ القلب، فظ القول، فظيعه؟ [و] إن رأى منهم معصية، أو سوء أدب، هجرهم، ومقتهم، وأبغضهم، لا لين عنده، ولا أدب لديه، ولا توفيق، قد حصل من هذه المعاملة، من المفاسد، وتعطيل المصالح ما حصل، ومع ذلك تجده محتقرا لمن اتصف بصفات الرسول الكريم، وقد رماه بالنفاق والمداهنة، وقد كمَّل نفسه ورفعها، وأعجب بعمله، فهل هذا إلا من جهله، وتزيين الشيطان وخدعه له، ولهذا قال الله لرسوله: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ في أمر من الأمور، فلا تتبرأ منهم، ولا تترك معاملتهم، بخفض الجناح، ولين الجانب، بل تبرأ من عملهم، فعظهم عليه وانصحهم، وابذل قدرتك في ردهم عنه، وتوبتهم منه، وهذا لدفع احتراز وهم من يتوهم، أن قوله ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ للمؤمنين، يقتضي الرضاء بجميع ما يصدر منهم، ما داموا مؤمنين، فدفع هذا بهذا والله أعلم.
(١) وفي ب: الخصوص.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٥ كتب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ٢١٤ من سورة الشعراء

من كتاب: إعراب القرآن

وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: هكذا يكون غلط العلماء إنما يكون بدخول شبهة. لما رأى الحسن رحمه الله في آخره ياء ونونا وهو في موضع اشتبه عليه بالجمع المسلّم فغلط. وفي الحديث «احذروا زلّة العالم» «١» وقد قرأ هو مع الناس وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [البقرة: ١٤] ولو كان هذا بالواو في موضع الرفع لوجب حذف النون للإضافة.

[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢١١ الى ٢١٢]

وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)
وَما يَنْبَغِي لَهُمْ أي وما يصلح للشياطين أن ينزلوا بالوحي والأمر بطاعة الله جلّ وعزّ وَما يَسْتَطِيعُونَ أن يتقوّلوا مثل القرآن، ولا أن يأخذوه من الملائكة استراقا لأنهم عن السمع لمعزولون.

[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢١٣ الى ٢١٤]

فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)
قيل: قل لمن كفر هذا، وقيل: هو مخاطبة له صلّى الله عليه وسلّم وإن كان لا يفعل هذا لأنه معصوم مختار ولكنه خوطب بهذا ليعلم الله جلّ وعزّ حكمه في من عبد غيره كائنا من كان وبعد هذا ما يدلّ عليه وهو وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أي لئلا يتّكلوا على نسبهم وقرابتهم منك فيدعوا ما يجب عليهم.

[سورة الشعراء (٢٦) : آية ٢١٥]

وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)
يقال: خفض جناحه إذا لان ورفق.

[سورة الشعراء (٢٦) : آية ٢١٦]

فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)
أي إنّي بريء من معصيتكم إيّاي لأن عصيانهم إياه عصيانهم لله جلّ وعزّ لأنه لا يأمرهم إلّا بما يرضاه الله جلّ وعزّ، ومن تبرّأ الله جلّ وعزّ منه.

[سورة الشعراء (٢٦) : آية ٢٢١]

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١)
قيل: الشياطين تنزّل لأنها أكثر ما تكون في الهواء لضئولة خلقها وأنها بمنزلة الريح.

[سورة الشعراء (٢٦) : آية ٢٢٢]

تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)
أي كذّاب يجترم الإثم تتنزّل عليه توسوس له بالمعصية.

[سورة الشعراء (٢٦) : آية ٢٢٣]

يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣)
(١) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال رقم (٢٨٨٣).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٢١٤ من سورة الشعراء

موضوعانِ تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية

٢٢ قولًا
١
قال محمد بن إسحاق: وكان الذي تنتهي إليه عداوةُ رسول الله ﷺ -يُجْتَمَع إليه فيها- أبو جهل، حسدًا وبغيًا لِما خصَّ اللهُ به رسولَه ﷺ من كرامته. ثم إنّ الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاء به، وأن يُنادي الناس بأمره، وأن يدعو إلى لله تعالى. وكان ربما أخفى الشيء، واسْتَسَرَّ به إلى أن أُمِر بإظهاره ثلاث سنين مِن مبعثه، ثم قال الله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ [الحجر:٩٤]، وقال: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾، وقال: ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ [الحجر:٨٩]١
التخريج
  1. ١سيرة ابن إسحاق ص١٢٦.
٢
عن عائشة، قالت: لَمّا نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ قام رسول الله ﷺ، فقال: «يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم مِن الله شيئًا، سلوني مِن مالي ما شئتم»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ١‏/‏١٩٢ (٢٠٥)، وابن جرير ١٧‏/‏٦٥٤، وأخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٦٥٥ عن عروة بن الزبير مرسلًا مثله. وقد أورد السيوطي مرسل عروة أيضًا.
٣
عن قبيصة بن مخارق، وزهير بن عمرو، قالا: لَمّا نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ انطلق رسول الله ﷺ إلى رَضْمَةٍ١ مِن جبل، فعلا أعلاها حجرًا، ثم قال: «يا بني عبد مَنافاه، إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يَرْبَأ٢ أهله، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف: يا صباحاه يا صباحاه، أُتيتُم، أُتيتُم»٣
التخريج
  1. ١الرَّضْمَة: واحدة الرَّضم والرِّضام، وهي دون الهِضاب. النهاية (رضم).
  2. ٢رَبَأ القومَ يَرْبَؤهم: اطَّلَعَ لهم على شَرَف. النهاية (ربأ).
  3. ٣أخرجه مسلم ١‏/‏١٩٣ (٢٠٧)، والطبراني في الكبير ٥‏/‏٢٧٢ (٥٣٠٥)، وابن جرير ١٧‏/‏٦٥٧-٦٥٨، وابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٨٢٥-٢٨٢٦ (١٦٠١٣).
٤
عن أبي موسى الأشعري، قال: لَمّا نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ وضع رسول الله ﷺ إصبعيه في أذنيه، ورفع صوته، وقال: «يا بني عبد مناف، يا صباحاه»١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٥‏/‏٤٠٧ (٣٤٦٣)، وابن حبان ١٤‏/‏٤٨٨ (٦٥٥١)، وابن جرير ١٧‏/‏٦٥٨. قال الترمذي: «هذا حديث غريب مِن هذا الوجه، وقد رواه بعضهم عن عوف، عن قسامة بن زهير، عن النبي ﷺ مرسلًا، ولم يذكروا فيه عن أبي موسى، وهو أصح».
٥
عن أنس بن مالك، قال: لَمّا نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ بكى رسول الله ﷺ، ثم جمع أهله، فقال: «يا بني عبد مناف، أنقِذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار». ثم التفت إلى فاطمة فقال: «يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار؛ فإنِّي لا أُغْني عنكم مِن الله شيئًا، غير أنّ لكم رحمًا سأبُلُّها بِبِلالِها»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٦
عن البراء بن عازب، قال: لَمّا نزلت على النبي ﷺ: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ صعد النبي ﷺ ربوة مِن جبل، فنادى: «يا صباحاه». فاجتمعوا، فحذَّرهم وأنذرهم، ثم قال: «لا أملك لكم من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك مِن النار، فإني لا أملك مِن الله شيئًا»١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٧
عن الزبير بن العوام، قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ صاح على أبي قبيس: «يا آل عبد مناف، إني نذير». فجاءته قريشٌ، فحذَّرهم، وأنذرهم١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو يعلى في مسنده ٢‏/‏٤٠ (٦٧٩) مطولًا. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٨٥ (١١٢٤٥): «رواه أبو يعلى، من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، وكلاهما وُثِّق، وقد ضعَّفهما الجمهور». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٧‏/‏١١٥-١١٦ (٦٤٨٩): «هذا إسناد ضعيف؛ لجهالة بعض رواته».
٨
عن عبد الله بن عباس، قال: لَمّا نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ جعل يدعوهم قبائل قبائل١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٤‏/‏١٨٤-١٨٥.
٩
عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت: (وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ)؛ خرج النبي ﷺ حتى صعد على الصفا، فنادى: «يا صباحاه». فقالوا: مَن هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: «أرأيتُكم لو أخبرتكم أنّ خيلًا بالوادي تريد أن تُغِير عليكم، أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟». قالوا: نعم، ما جَرَّبنا عليك إلا صِدقًا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏١١١ (٤٧٧٠)، ٦‏/‏١٢٢ (٤٨٠١)، ٦‏/‏١٧٩-١٨٠ (٤٩٧١، ٤٩٧٢)، ومسلم ١‏/‏١٩٣ (٢٠٨)، وابن جرير ١٧‏/‏٦٥٩-٦٦٠، ٢٤‏/‏٧١٥-٧١٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢١٦-٢١٧ (١١٥٠)، ٦‏/‏١٩٩٦ (١٠٦٣٦)، ٩‏/‏٢٨٢٥ (١٦٠١١)، ٩‏/‏٣٠٧٢ (١٧٣٧٩)، والثعلبي ٧‏/‏١٨٢-١٨٣، ١٠‏/‏٣٢٣.
١٠
عن أبي أُمامة، قال: لَمّا نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ جمع رسول الله ﷺ بني هاشم، فأجلسهم على الباب، وجمع نساءَه وأهله، فأجلسهم في البيت، ثم اطَّلع عليهم، فقال: «يا بني هاشم، اشتروا أنفسكم مِن النار، واسْعَوْا في فكاك رقابكم، وافْتَكُّوا أنفسكم من الله، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا». ثم أقبل على أهل بيته، فقال: «يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا أم سلمة، ويا فاطمة بنت محمد، ويا أم الزبير عمة رسول الله، اشتروا أنفسكم مِن الله، واسْعَوْا في فكاك رقابكم، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، ولا أغني». فبكت عائشة، وقالت: وهل يكون ذلك يوم لا تغني عنّا شيئًا؟ قال: «نعم، في ثلاثة مواطن؛ يقول الله: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ الآيتين [الأنبياء:٤٧]، فعند ذلك لا أُغني عنكم مِن الله شيئًا، ولا أملك لكم مِن الله شيئًا، وعند النور، مَن شاء الله أتمَّ له نورَه، ومَن شاء أكَبَّه في الظُّلمات يغمه فيها، فلا أملك لكم من الله شيئًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا، وعند الصراط، مَن شاء الله سلَّمه، ومَن شاء أجازه، ومَن شاء كبكبه في النار». قالت عائشة: قد علمنا الموازين، هي الكَفَّتان، فيُوضَع في هذه اليسرى، فترجح إحداهما وتخف الأخرى، وقد علمنا ما النور والظلمة، فما الصراط؟ قال: «طريق بين الجنة والنار، يجوز الناس عليها، وهو مثل حدِّ الموسى، والملائكة صافَّة يمينًا وشمالًا، يخطفونهم بالكلاليب مثل شوك السَّعْدان، وهم يقولون: ربِّ، سَلِّمْ، سَلِّمْ. وأفئدتهم هواء، فمَن شاء الله سلَّمه، ومَن شاء كبكبه فيها»١
التخريج
  1. ١أخرجه الآجري في الشريعة ٣‏/‏١٣٣٧-١٣٣٩ (٩٠٧)، والطبراني في الكبير ٨‏/‏٢٢٥ (٧٨٩٠). قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏٨٥-٨٦ (١١٢٤٦): «رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك».
١١
عن علي بن أبي طالب -من طريق عباد بن عبد الله- قال: لَمّا نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ دعاني رسول الله ﷺ، فقال: «يا عليُّ، إنّ الله أمرني أن أُنذِر عشيرتي الأقربين، فضِقت ذَرْعًا، وعرفت أنِّي مهما أُبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فَصَمَتُّ عليها حتى جاء جبريل، فقال: يا محمد، إنّك إن لم تفعل ما تُؤمَر به يعذبْك ربُّك. فاصنع لي صاعًا مِن طعام، واجعل عليه رِجْل شاة، واجعل لنا عُسًّا١ مِن لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم، وأُبَلِّغ ما أُمرتُ به». ففعلتُ ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلًا، يزيدون رجلًا أو ينقصونه، فيهم أعمامه؛ أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب. فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعتُ لهم، فجئتُ به، فلما وضعتُه تناول النَّبي ﷺ حِذْيةً٢ مِن اللحم، فشقَّها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: «كلوا بسم الله». فأكل القومُ حتى تهلوا عنه، ما نرى إلا آثارَ أصابعهم، واللهِ، إن كان الرجل الواحد منهم لَيأكل مثل ما قدمتُ لجميعهم، ثم قال: «اسقِ القوم، يا علي». فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا منه حتى رَوَوْا جميعًا، وايمُ الله، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد النبيُّ ﷺ أن يكلمهم بَدَرَه أبو لهب إلى الكلام، فقال: لقد سحركم صاحبُكم. فتفرَّق القوم، ولم يكلمهم النبي ﷺ، فلما كان الغد، قال: «يا عليُّ، إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعتَ مِن القول، فتفرَّق القومُ قبل أن أكلمهم، فعُد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس مِن الطعام والشراب، ثم اجمعهم لي». ففعلتُ، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام، فقرَّبته، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا، ثم تكلَّم النبي ﷺ، فقال: «يا بني عبد المطلب، إنِّي -واللهِ- ما أعلم شابًّا في العرب جاء قومه بأفضلَ مِمّا جئتُكم به، إنِّي قد جئتُكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيُّكم يؤازِرني على أمري هذا؟». فقلتُ وأنا أحدثهم سِنًّا: أنا. فقام القوم يضحكون٣
التخريج
  1. ١العُسّ: القَدَح الكبير. النهاية (عسس).
  2. ٢حِذْية: قطعة. النهاية (حذا).
  3. ٣أخرجه أحمد ٢‏/‏٢٢٥ (٨٨٣)، والبزار في مسنده ٣‏/‏١٩ (٧٦٦) مختصرًا. قال البزار: «هكذا رواه شريك، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي ﷺ». وقال ابن كثير في تفسيره ٦‏/‏١٧٠: «تفرَّد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعَّفه الأئمة». وقال الهيثمي في المجمع ٨‏/‏٣٠٣ (١٤١١٠): «رواه البزار... وأحمد باختصار، والطبراني في الأوسط باختصار أيضًا، ورجال أحمد وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح، غير شريك وهو ثقة».
١٢
عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي بن أبي طالب، قال: لَمّا نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا رسولُ الله ﷺ رِجالًا مِن أهل بيته، إن كان الرهطُ منهم لَآكلًا الجذعة، وإن كان لَشاربًا فرقًا، فقدم إليهم رِجل -يعني- شاة، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: «عليٌّ يَقْضِي دينِي، ويُنجِز مَوْعِدي»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢‏/‏٢٢٥ (٨٨٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢‏/‏٤٧ واللفظ له. قال الهيثمي في المجمع ٩‏/‏١١٣ (١٤٦٦٥): «رواه أحمد، وإسناده جيد».
١٣
عن البراء بن عازب، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلًا، منهم العشرة يأكلون المُسِنَّة، ويشربون العُسّ، فأمر عليًّا برِجل شاة، فصنعها لهم، ثم قرَّبها إلى رسول الله ﷺ، فأخذ منها بضعة، فأكل منها، ثم تتبع بها جوانب القَصْعَة، ثم قال: «ادنوا بسم الله». فدنا القوم عشرةً عشرةً، فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعْب مِن لبن، فجرع منها جرعة، فناولهم، فقال: «اشربوا باسم الله». فشربوا حتى رَوَوْا عن آخرهم، فقطع كلامَهم رجلٌ، فقال: لَهَدَّ ما سحركم مثل هذا الرجل! فأسكت النبيُّ ﷺ يومئذ، فلم يتكلم، ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب، ثم بدرهم بالكلام، فقال: «يا بني عبد المطلب، إنِّي أنا النذير إليكم مِن الله والبشير، قد جئتكم بما لم يجئ به أحدٌ؛ جئتكم بالدنيا والآخرة، فأسلِموا تسلموا، وأطيعوا تهتدوا»١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ٧‏/‏١٨٢. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. إسناده ضعيف جدًّا؛ فيه صباح بن يحيى المزني، قال عنه الذهبي في الميزان ٢‏/‏٣٠٦ (٣٨٥٠): «متروك، بل متهم». وفيه أيضًا زكريا بن ميسرة البصري؛ قال عنه ابن حجر في التقريب (٢٠٢٧): «مستور».
١٤
عن عكرمة مولى ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا بني هاشم، ويا صفية عمة رسول الله، إنِّي لا أُغني عنكم مِن الله شيئًا، إيّاكم أن يأتينَّ الناسَ يحملون الآخرة، وتأتون أنتم تحملون الدنيا، وإنّكم ترِدون على الحوض ذات الشمال وذات اليمين، فيقول القائل منكم: يا رسول الله، أنا فلان بن فلان. فأعرف الحسب، وأُنكِر الوصف، فإيّاكم أن يأتي أحدكم يوم القيامة وهو يحمل على ظهره فرسًا ذات حَمْحَمَة١، أو بعيرًا له رغاء، أو شاة لها ثُغاء، أو يحمل قَشْعًا مِن أدَمٍ٢، فيختلجون مِن دوني، ويُقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأطيبوا نفسي، وإياكم أن ترجعوا القَهْقَرى مِن بعدي». قال عكرمة: إنّما قال لهم رسول الله ﷺ هذا القول حيث أنزل الله عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾٣
التخريج
  1. ١الحَمْحَمَة: صوت الفرس دون الصَّهيل. النهاية (حمحم).
  2. ٢قَشَعًا من أدَمٍ: جِلدًا يابِسًا. النهاية (قشع).
  3. ٣عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد مرسلًا.
١٥
عن الحسن البصري -من طريق عمرو بن عبيد- قال: لَمّا نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ قام رسول الله ﷺ بالأَبْطَح، ثم قال: «يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني قصي -قال: ثم فخَّذ قريشًا قبيلة قبيلة، حتى مرَّ على آخرهم-، إنِّي أدعوكم إلى الله، وأُنذركم عذابَه»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير في تاريخه ٢‏/‏٣٢٢، وفي تفسيره ١٧‏/‏٦٦٣ مرسلًا.
١٦
عن الحسن البصري -من طريق أبي الأشهب- في قوله: ﴿فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون﴾، قال: إنّ هذه الآية لَمّا نزلت دعا رسولُ الله ﷺ عشيرته بطنًا بطنًا، حتى انتهى إلى بني عبد المطلب، فقال: «يا بني عبد المطلب، إنِّي رسول الله إليكم، لي عملي ولكم أعمالكم، إنِّي لا أملك لكم مِن الله شيئًا، إنما أوليائي منكم المتقون، ألا لا أعرِفَنَّكم تأتونني تحملون الدنيا على رِقابكم، ويأتيني الناس يحملون الآخرة»١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلّام ٢‏/‏٥٢٨ مرسلًا.
١٧
عن قتادة -من طريق معمر- ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، قال: ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ نادى على الصفا بأفخاذ عشيرته فخذًا فخذًا، يدعوهم إلى الله، فقال في ذلك المشركون: لقد بات هذا الرجلُ يُهَوِّتُ١ منذ الليلة. قال: وقال الحسن: جمع نبيُّ الله ﷺ أهلَ بيته قبل موته، فقال: «ألا إنّ لي عملي ولكم عملكم، ألا إنِّي لا أُغني عنكم مِن الله شيئًا، ألا إنّ أوليائي منكم المتقون، ألا لا أعرفِنَّكم يوم القيامة تأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم، ويأتي الناس يحملون الآخرة، يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، اعملا؛ فإنِّي لا أُغني عنكما مِن الله شيئًا»٢
التخريج
  1. ١يُهَوِّت: ينادي عشيرته. النهاية (هوت).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد مرسلًا.
١٨
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق عقيل-: أنّ رسول الله ﷺ لَمّا أُنزِل عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ جمع قريشًا، ثم أتاهم، فقال لهم: «هل فيكم غريب؟». فقالوا: لا، إلّا ابن أُختٍ لنا لا نراه إلا مِنّا. قال: «إنه منكم». فوعظهم رسول الله ﷺ، ثم قال لهم في آخر كلامه: «لا أعرِفَنَّ ما ورد على الناس يوم القيامة يسوقون الآخرة، وجئتم إلَيَّ تسوقون الدنيا»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٦٥٦ مرسلًا.
١٩
عن محمد بن سليم المرادي، عن خالد بن أبي عمران: أنّه حين نزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ أنزلت عليه بسَحَرٍ، فنادى بأعلى صوته: «يا قصي، يا آل عبد مناف، يا آل هاشم، يا آل عبد المطلب، النجا، النجا، صُبّحتم صُبّحتم». فأتوه خائفين عليه، فلما اجتمعوا، قال: «إنّما مَثَلي مَثَلُ رجل أتى قومه، فقال: غُشيتم. وزعم أنّه قد شهِد الغارة، ومَرَّ على القتلى، فصَدَّقه المُصَدِّقون فنَجَوْا، وكذَّبه المكذبون فهلكوا، وأنا النذير، والموت المغير، والساعة الموعد»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن وهب في الجامع ٢‏/‏٩٢-٩٣ (١٧٣).
٢٠
تفسير محمد بن السائب الكلبي، قوله عز وجل: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾: أنّ رسول الله ﷺ خرج حتى قام على الصفا، وقريش في المسجد، ثم نادى: «يا صباحاه». ففزِع الناس، فخرجوا، فقالوا: ما لك يا ابن عبد المطلب؟ فقال: «يا آل غالب». قالوا: هذه غالب عندك. ثم نادى: «يا أهل لؤي». ثم نادى: «يا آل كعب». ثم نادى: «يا آل مرة». ثم نادى: «يا آل كلاب». ثم نادى: «يا آل قصي». فقالت قريش: أنذر الرجل عشيرته الأقربين، انظروا ماذا يريد. فقال له أبو لهب: هؤلاء عشيرتك قد حضروا، فما تريد؟ فقال رسول الله ﷺ: «أرأيتم لو أنذرتكم أنّ جيشًا يُصَبِّحونكم، أصدَّقتموني؟». قالوا: نعم. قال: «فإنِّي أنذركم النار، وإني لا أملك لكم مِن الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبًا؛ إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله». فقال أبو لهب: تبًّا لك. فأنزل الله: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾، فتفرَّقَتْ عنه قريشٌ، وقالوا: مجنون يَهْذي مِن أُمِّ رأسه١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلّام في تفسيره ٢‏/‏٥٢٧-٥٢٨.
٢١
عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، قال: لَمّا هلك قُصَيِّ بن كلاب قام عبد مناف بن قُصيّ بعده، وأمْرُ قريش إليه، واختطَّ بمكة رَباعًا بعد الذي كان قصيّ قطع لقومه، وعلى عبد مناف اقتصر رسول الله ﷺ حين أنزل الله -تبارك وتعالى- عليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن سعد في الطبقات ١‏/‏٥٥ مرسلًا.
٢٢
عن أبي هريرة، قال: لَمّا أُنزِلَت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾؛ دعا رسولُ الله ﷺ قريشًا، فاجتمعوا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: «يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أنّ لكم رحمًا سأبُلُّها بِبِلالِها١»٢
التخريج
  1. ١أي: أصِلكم في الدنيا، ولا أُغنِي عنكم من اللَّه شيئًا. والبِلال جمع بَلَل. وقيل: هو كل ما بلَّ الحلق من ماء أو لبن أو غيره. النهاية (بلل).
  2. ٢أخرجه البخاري ٤‏/‏٦-٧ (٢٧٥٣)، ٦‏/‏١١١-١١٢ (٤٧٧١) بنحوه، ومسلم ١‏/‏١٩٢ (٢٠٤) واللفظ له، وابن جرير ١٧‏/‏٦٥٦-٦٥٧، وابن أبي حاتم ٩‏/‏٢٨٢٥ (١٦٠١٢)، ٩‏/‏٢٨٢٦ (١٦٠١٤).

تفسير الآية

٤ أقوال
١
عن عدي بن حاتم: أنّ النبيَّ ﷺ ذكر قريشًا، فقال: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، يعني: قومي١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١٧‏/‏٨٦ (٢٠١) مطولًا. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. قال الهيثمي في المجمع ١٠‏/‏٢٣-٢٤ (١٦٤٤٥): «رواه الطبراني، وفيه حسين السلولي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ قال: أمَر اللهُ محمدًا ﷺ أن يُنذِر قومَه، ويبدأ بأهل بيته وفصيلته، قال: ﴿وكذب به قومك وهو الحق﴾ [الأنعام:٦٦]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٦٦٤. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣
عن عبيد، قال: سمعتُ الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾: بدأ بأهل بيته وفصيلته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٦٦٤، وإسحاق البستي في تفسيره ص٥٤٤ وزاد: الأدنون فمن بعدهم.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، لَمّا نزلت هذه الآية قال النبى ﷺ: «إنِّي أُرْسِلت إلى الناس عامة، وأرسلت إليكم يا بني هاشم، وبني المطلب خاصة». وهم الأقربون، وهما أخوان؛ ابنا عبد مناف١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٢٨١.

آثار متعلقة بالآية

قولانِ
١
عن عبد الواحد الدمشقي، قال: رأيت أبا الدرداء يُحَدِّث الناس ويُفتيهم، وولده وأهل بيته جلوسٌ في جانب الدار يتحدثون، فقيل له: يا أبا الدرداء، ما بالُ الناس يرغبون فيما عندك مِن العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال: إنِّي سمعت نبيَّ الله ﷺ يقول: «إنّ أزهدَ الناس في الأنبياء وأشدَّهم عليهم الأقربون، وذلك فيما أنزل الله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾» إلى آخر الآية. ثم قال رسول الله ﷺ: «إنّ أزهد الناس في العالم أهلُه حتى يفارقهم، وإنّه لَيُشَفَّعُ في أهل داره وجيرانه، فإذا مات خلا عنهم مِن مَرَدَة الشياطين أكثر من عدد ربيعة ومضر، قد كانوا مشتغلين به، فأكثِروا التَّعَوُّذ بالله منهم»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٣٧‏/‏٢٩٠-٢٩١ (٤٣٥٤) في ترجمة عبد الواحد الدمشقي.
٢
عن محمد بن جحادة: أنّ كعبًا لقي أبا مسلم الخولاني، فقال: كيف كرامتُك على قومك؟ قال: إنِّي عليهم لَكريم. قال: إني أجد في التوراة غير ما تقول. قال: وما هو؟ قال: وجدت في التوراة أنّه لم يكن حكيم في قوم إلا كان أزهدهم فيه قومُه، ثم الأقرب فالأقرب، فإن كان في حسَبه شيء عيَّروه به، وإن كان عمل بُرهة من دهره ذَنبًا عيَّروه به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر ٢٧‏/‏٢٠٢-٢٠٣. وأخرج البيهقي في المدخل (٧٠٤) عن الحسن بن صالح، عن أبيه، قال: قال كعب لأبي مسلم الخولاني: كيف تجد قومك لك؟ قال: مكرمين مطيعين. قال: ما صَدَقَتْني التوراة إذن؛ ما كان رجل حكيم في قوم إلا بغوا عليه وحسدوه.

قراءات

قول واحد
١
عن عمرو بن مُرَّة -من طريق جرير- أنّه كان يقرأ: (وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٧‏/‏٦٦١. وهي قراءة شاذة.
التفسير بالمأثور لسورة الشعراء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢١٤ من سورة الشعراء

٣ وقفات في هذه الآية

  • (وأنذر عشيرتك الأقربين) مع قوله ﷺ (خيركم خيركم لأهله) قاعدتان عظيمتان لأجل انطلاقة صحيحة لكل داعية مسدد ومربٍ ناجح موفق

    — مجالس التدبر

  • منهج في الدعوة: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِين } فما بال بعض الدعاة كالنخلة العوجاء؟

    — مجالس التدبر

  • *هل الإنذار خاص بالكافرين في القرآن؟ (د.فاضل السامرائي) الإنذار في القرآن الكريم لا يكون خاصاً للكفار والمنافقين وقد يأتي الإنذار للمؤمنين والكافرين. والإنذار للمؤمن ليس فيه توعد فهو للمؤمنين تخويف حتى يقوم المؤمن بما ينبغي أن يقوم به كما في قوله تعالى (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ {11} يس) وهذا ليس فيه تخصيص لمؤمن أو كافر. وقد يأتي الإنذار للمؤمنين (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ {214} الشعراء) (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ {18}فاطر) وقد يكون للناس جميعاً (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ {44} إبراهيم) (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ {51}الأنعام).

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ٢١٤ من سورة الشعراء

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(214) And warn, [O Muḥammad], your closest kindred.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال