اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾. روى عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه(١) - قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله - ﷺ - ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ دعاني رسول الله - ﷺ - فقال :«يا عليّ، إنَّ اللَّه أمرني أَنْ أنذر عشيرتي الأقربين، وضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمت عليها حتى جاءني جبريل فقال : يا محمد : إلاَّ تفعل ما تؤمر يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملأ لنا عُسًّا(٢) من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أمرت به ». ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له وهم يؤمئذٍ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه : أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا دعاني بالطعام الذي صنعت، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله - ﷺ - جَذْبَةً(٣) من اللحم، فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الحصفة، ثم قال : خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم، ثم قال : اسْقِ القومَ. فجئت بذلك العُسّ فشربوا حتى رووا جميعاً، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله - ﷺ - أن يكلمهم بَدَرهُ(٤) أبو لهب فقال : سحركم صاحبكم : فتفرق القوم، ولم يكلمهم رسول الله - ﷺ - فقال : الغد يا علي، إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فأعدّ لنا من الطعام مثل ما صنعت ثم اجمعهم ففعلت، ثم دعاني بالطعام فقدمته، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا، ثم تكلم رسول الله - ﷺ - فقال : يا بني عبد المطلب : إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني(٥) على أمري ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم(٦) القوم عنها جميعها، فقلت وأنا أحدثهم سنّاً : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه، قال : فأخذ برقبتي ثم قال : إنَّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب. قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع(٧).
وعن ابن عباس قال : لما نزلت :﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ خرج رسول الله - ﷺ - حتى صعد الصفا، فهتف : يا صَبَاحَاه، فقالوا : من هذا ؟ فاجتمعوا(٨) إليه، فقال :«أرأيتم إنْ أَخبرتكم أن خَيْلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقِيَّ » ؟ قالوا : ما جَرَّبْنَا عليك كذباً. قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب : تبّاً لك(٩) ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام، فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾(١٠) [المسد: ١].
١ في ب: كرم الله وجهه..
٢ العسُّ: القدح الضخم، وقيل: هو أكبر من الغمر، وهو إلى الطول، يروي الثلاثة والأربعة والعدَّة، والرِّفد أكبر منه والجمع عساسٌ وعسسةٌ. اللسان (عسس)..
٣ الجذبة: القطعة. ففي اللسان (جذب): يقال: بيني وبين المنزل جذبة أي: قطعة، يعني: بعدٌ، ويقال: جذبةٌ من غزلٍ، للمجذوب منه مرةً..
٤ بدرت إلى الشيء أبدر بدوراً: أسرعت، وكذلك بادرت إليه، وتبادر القوم أسرعوا، وابتدروا السلاح: تبادروا إلى أخذه، وبادر الشيء مبادرة وبداراً وابتدره وبدر غيره إليه يبدره: عاجله، وبدرني الأمر وبدر إليّ: عجل إليّ واستبق. اللسان (بدر)..
٥ وازره على الأمر: أعانه وقواه. اللسان (وزر)..
٦ أحجم عن الأمر: كف أو نكص هيبة. اللسان (حجم)..
٧ أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي. انظر البغوي ٦/٢٤٤-٢٤٥، الدر المنثور ٥/٩٧..
٨ في ب: واجتمعوا..
٩ التَّبُّ: الخسار، والتَّباب: الخسران والهلاك، وتبًّا له على الدعاء، نصب، لأنه مصدر محمول على فعله، كما تقول: سقياً لفلان، معناه سقي فلان سقياً. اللسان (تبب)..
١٠ أخرجه البخاري (تفسير) ٣/١٧١، ١٧٩، ٢٢٢ الترمذي (تفسير) ٥/١٢١، أحمد ١/٢٨١، ٣٠٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى