اختَلف أهل التأويل في السكينة، هل هي عينٌ قائمة بنفسها؟ والمقصود: أنّ السكينة في نفس التابوت. أو هي: معنى؟ والمقصود: مجيء التابوت سكينةً لكم وطمأنينة. على قولين. ثم اختلف أصحابُ القول الأول في صفتها، كما ورد بالآثار. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٤/٤٧٢ بتصرف) القولَ الأول، وهو ما ذهب إليه عطاء بن أبي رباح في معنى السكينة، مستندًا إلى لغة العرب، ودلالة العقل قائِلًا: «وأَوْلى هذه الأقوال بالحقِّ في معنى السكينة ما قاله عطاءُ بن أبي رباح: من الشيء تسكن إليه النفوسُ من الآيات التي تعرفونها. وذلك أنّ السكينة في كلام العرب (الفعيلة) مِن قول القائل: سكن فلانٌ إلى كذا وكذا: إذا اطمأنّ إليه وهدأت عنده نفسُه، فهو يسكن سكونًا وسكينة. وإذا كان معنى السكينة ما وصفتُ فجائزٌ أن يكون ذلك على ما قاله عليُّ بن أبي طالب على ما روينا عنه، وجائز أن يكون ذلك على ما قاله مجاهد على ما حكينا عنه، وجائزٌ أن يكون ما قاله وهب بن منبه، وما قاله السدي؛ لأنّ كل ذلك آياتٌ كافياتٌ تَسْكُنُ إليهنَّ النفوسُ، وتَثْلُجُ بِهِنَّ الصُّدُور. وإذا كان معنى السكينة ما وصفنا فقَدِ اتَّضح أنّ الآية التي كانت في التابوت التي كانت النفوس تسكن إليها لمعرفتها بصحة أمرها إنما هي مسماة بالفعل، وهي غيره؛ لدلالة الكلام عليه». وبنحو هذا قال ابنُ عطية (٢/٩). وزاد ابنُ القيم (١/١٨٩) السياق مُرَجِّحًا به القول الأول: «ويؤيده عطف قوله: ﴿وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون﴾»
أفادت الآثارُ اختلافَ المفسِّرين في المراد من الشهادة التي نهى الله عن إباء الإجابة إليها؛ فمِن قائل: إنها شهادة الأداء لأمرٍ حصل. ومِن قائلٍ: إنها شهادة تحمُّل. ومِن قائلٍ بكليهما. ورجَّح ابنُ جرير (٥/١٠٠-١٠٢) أنّ المراد بها شهادة الأداء، وانتَقَدَ القول بكونها شهادة التحمُّل مستندًا إلى دلالة العقل، واللغة، وذلك أنّ: أ) اسم ﴿الشهداء﴾ يُطلق على مَن وقعت منه الشهادة، لا على من دُعِيَ إليها ولم تقع منه بعد؛ إذ لو جاز إطلاقها عليه لم يكن على الأرض أحدٌ له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له: شاهد، بمعنى أنه سيشهدُ، أو أنّه يصلح لأن يشهد. ب) أنّ أل في ﴿الشهداء﴾ للعهد، فالمعنيُّ بالنهي عن ترك الإجابة للشهادة أشخاص معلومون قد عُرِفوا بالشهادة، ولو كان المراد غيرهم لقيل: ولا يأب شاهد إذا ما دُعي. ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ من دُعيَ لتحمل الشهادة في موضع ليس به سواه ممن يصلح للشهادة تعيَّن عليه إجابة داعيه، ولكنَّ تعيُّنَ ذلك عليه ليس من هذه الآية. ورجَّح ابن عطية (٢/١٢٠) ما أفاده قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وقول الحسن من طريق معمر، في احتمال الآية لشهادتي التحمل والأداء، وأن ذلك على جهة الندب، وجعل الوجوب خاصًا بما إذا «عُلِمَ أنّ الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة، فواجِبٌ عليه القيامُ بها، لا سيَّما إن كانت محصَّلة وكان الدعاء إلى أدائها؛ لأنها قلادة في العنق، وأمانة تقتضي الأداء»
انتَقَدَ ابنُ جرير (٦/٥٨٩) هذه القراءة لمخالفتها مصاحف المسلمين، فقال: «أمّا ما رُوِي عن أبي بن كعب وابن عباس مِن قراءتهما: (فَما اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُّسَمًّى) فقِراءةٌ بخلاف ما جاءت به مصاحفُ المسلمين، وغيرُ جائز لأحد أن يُلْحِق في كتاب الله تعالى شيئًا لم يأتِ به الخبرُ القاطِعُ العذرَ عَمَّن لا يجوز خلافُه». وبنحو ذلك قال ابنُ تيمية (٢/٢٢٧)، وزاد: «هذا الحرفُ -إن كان نزل- فلا ريب أنه ليس ثابتًا مِن القراءة المشهورة، فيكون منسوخًا، ويكون نزولُه لَمّا كانت المتعةُ مباحةً، فلمّا حُرِّمت نُسِخ هذا الحرف، ويكون الأمرُ بالإيتاء في الوقت تنبيهًا على الإيتاء في النكاح المطلق. وغاية ما يقال: إنهما قراءتان، وكلاهما حقٌّ. والأمر بالإيتاء في الاستمتاع إلى أجل مسمى واجب إذا كان ذلك حلالًا، وإنما يكون ذلك إذا كان الاستمتاع إلى أجل مسمى حلالًا، وهذا كان في أول الإسلام، فليس في الآية ما يدلُّ على أن الاستمتاع بها إلى أجل مسمى حلال؛ فإنه لم يقل: وأُحِلَّ لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمى. بل قال: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾. فهذا يتناول ما وقع مِن الاستمتاع: سواء كان حلالًا، أو كان في وطء شبهة، ولهذا يجب المهرُ في النكاح الفاسد بالسُّنَّة والاتفاق. والمتمتع إذا اعتقد حِلَّ المتعة وفعلها فعليه المهر، وأمّا الاستمتاع المحرم فلم تتناوله الآية؛ فإنّه لو استمتع بالمرأة من غير عقد مع مطاوعتها لكان زنا، ولا مهر فيه. وإن كانت مستكرهة ففيه نزاع مشهور»
نَقَل ابنُ جرير (٧/٢٩٣) عن بعض أهل العربية: «أنّ معنى قوله: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾: إلا الذين يتصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق، من قولهم: اتصل الرجل، بمعنى: انتمى وانتسب». واستشهدوا ببيتٍ من الشِّعر، ثم انتَقَدهم مستندًا إلى دلالة العقل، والواقع قائلًا: «ولا وجْه لهذا التأويل في هذا الموضع». وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الانتساب إلى قوم من أهل الموادَعِة والعهد لو كان يُوجِب للمنتسبين إليهم ما لهم -إذا لم يكن لهم من العهد والأمان ما لمن له العهد والأمان منهم- لَما كان رسول الله ﷺ ليقاتل قريشًا وهم أنسِباء السابقين الأولين، ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم أكثر مما لأهل العهد بعهدهم، وفي قتال رسول الله ﷺ مشركي قريش بتركها الدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان منهم مع قرب أنسابهم من أنساب المؤمنين منهم الدليلُ الواضح أنّ انتساب مَن لا عهد له إلى ذي العهد منهم لم يكن مُوجِبًا له من العهد ما لذي العهد منهم من انتسابه. فإن ظَنَّ ذو غَفْلَةٍ أن قتال النبي ﷺ مَن قاتَل مِن أنْسِباء المؤمنين من مشركي قريش إنما كان بعد ما نُسِخ قوله: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾، فإنّ أهل التأويل أجمعوا على أن ذلك نُسِخ ببراءَةَ، وبراءةُ نزلت بعد فتح مكة ودخول قريشٍ في الإسلام». ونسب ابنُ عطية (٢/٦٢٣) هذا القول إلى أبي عبيدة، ثم انتَقَده قائلًا: «وهذا غير صحيح»، ثم نقل علَّة انتقاد ابن جرير
علَّقَ ابنُ جرير (٨/٢١) على هذا القول بقوله: «كأنهم وجَّهوا الشَّعائر إلى المعالم؛ معالم حدود الله، وأمره، ونهيه، وفرائضه». ورجَّحَه ابن جرير (٨/٢٤) مستندًا إلى لغة العرب والعموم، فقال: «وأَوْلى التأويلات بقوله: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قَوْلُ عَطاء الَّذي ذَكَرْناهُ مِن توجيهه معنى ذلك إلى: لا تُحِلُّوا حُرُماتِ الله، ولا تُضيعوا فَرائِضَه؛ لأنّ الشَّعائر جمع شَعيرة، والشعيرة: فَعِيلَةٌ مِن قول القائل: قد شَعَرَ فلانٌ بهذا الأمر: إذا عَلِم به، فالشَّعائِر: المعالِم مِن ذلك. وإذا كان ذلك كذلك كان معنى الكلام: لا تَسْتَحِلُّوا أيُّها الذين آمنوا مَعالِم الله، فيدخل في ذلك مَعالِمُ الله كلها في مناسك الحج؛ مِن تحريم ما حرَّم الله إصابتَه فيها على المُحْرم، وتَضْيِيعُ ما نهى عن تَضْيِيعِه فيها، وفيما حَرَّمَ مِن اسْتِحْلال حُرُمات حَرَمِه، وغيرِ ذلك من حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه؛ لأنّ كل ذلك مِن معالمه وشعائره التي جعلها أماراتٍ بَيْنَ الحق والباطل، يُعْلمُ بها حَلاله وحرامه وأمره ونهيه. وإنَّما قلنا ذلك القول أوْلى بتأويل قوله تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾؛ لأنّ الله عز وجل نهى عن اسْتِحْلال شَعائِرِه ومَعالِمِ حدوده وإحلالِها نهيًا عامًّا مِن غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء، فلم يَجُزْ لأحد أن يُوَجِّهَ معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحُجَّة يَجِبُ التسليم لها، ولا حُجَّةَ بذلك كذلك». ورجَّحَه أيضًا ابنُ عطية (٣/٨٦)
ذكر ابنُ عطية (٨/٤١٠-٤١١) أنّ قوله: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾ له معنيان: الأول: أنهم يَحفظون ما يَشهدون فيه، ويَتيقّنونه ويَقومون بمعانيه حتى لا يكون لهم فيه تقصير. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا هو وصف من تمثيل قول النبي ﷺ: «على مثل الشمس فاشهد»». الثاني: أنّ المعنى: الذين إذا كانت عندهم شهادة ورأوا حقًّا يدرَس أو حُرمة لله تُنتهك قاموا بشهادتهم. ونَقل عن ابن عباس القول بأنّ شهادتهم في هذه الآية: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وساق حديث النبي ﷺ: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها». ثم قال: «واختلف الناس في معنى هذا الحديث بحسب المَعْنَيَيْن اللذَيْن ذكرنا في الآية، إحداهما: أنْ يكون يحفظها مُتقنة فيأتي بها ولا يَحتاج أن يُسْتَفْهَم عن شيء منها ولا أن يُعارَض. والثاني: إذا رأى حقًّا يعمل بخلافه وعنده في إحياء الحق شهادة». ثم ساق حديث النبي ﷺ: «سيأتي قوم يخونون ولا يُؤتمنون، ويشهدون ولا يُستشهدون، ويظهر فيهم السّمَن». وبيّن أنه اختُلف في معنى هذا الحديث على قولين: الأول: أنهم قوم مُؤمنون يَتعرّضون ويحرصون على وضْع أسمائهم في وثائق الناس، وينصبون لذلك الحبائل من زي وهيئة وهم غير عُدول في أنفسهم فيغرّون بذلك ويَضرّون. وعلَّق عليه بقوله: «فهذا في ابتداء الشهادة لا في أدائها، ويجيء قوله ﷺ: «ولا يُستشهدون»، أي: وهم غير أهل لذلك». الثاني: أنهم هم شهود الزُّور، يؤدونها، والمشهود عليهم لم يشهدهم، ولا الآخر""
اختُلف في المراد بقوله: ﴿ولو ألقى معاذيره﴾ على أقوال: الأول: لو اعتذر يومئذ لم يُقبل منه. الثاني: لو تَجرّد من ثيابه. الثالث: لو أظهر حُجّته. قاله السُّدِّيّ. الرابع: لو أرخى السُّتور وأغلق الأبواب. الخامس: بل للإنسان على نفسه شهود من نفسه، ولو اعتذر بالقول مما قد أتى من المآثم، وركب من المعاصي، وجادل بالباطل. ورجَّح ابنُ جرير (٢٣/٤٩٦) -مستندًا إلى السياق- أنّ أولى الأقوال بالصواب قول مَن قال: ولو اعتذر. فقال: «لأنّ ذلك أشبه المعاني بظاهر التنزيل؛ وذلك أنّ الله -جلّ ثناؤه- أخبَر عن الإنسان أنّ عليه شاهدًا من نفسه بقوله: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ فكان الذي هو أولى أن يَتبع ذلك، ولو جادل عنها بالباطل، واعتذر بغير الحق، فشهادة نفسه عليه به أحقّ وأولى من اعتذاره بالباطل». ورجَّح ابنُ كثير (١٤/١٩٤) -مستندًا إلى النظائر- القول الأخير الذي قاله مجاهد، وعطاء، فقال: «والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام:٢٣]، وكقوله: ﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾ [المجادلة:١٨]». وذكر ابنُ عطية (٨/٤٧٥) أنّ الحسن قال: المعنى: بل الإنسان على نفسه بَليّة ومِحنة، ووجَّهه بقوله: «كأنه ذهب إلى البصيرة التي هي طريقة الدّم، وداعية طلب الثأر». وانتقده بقوله: «وفي هذا نظر»
اختُلف في التين والزيتون على أقوال: الأول: عني بالتين: التين الذي يؤكل، والزيتون: الزيتون الذي يُعصَر. الثاني: التين: مسجد دمشق، والزيتون: بيت المقدس. الثالث: التين: مسجد نوح، والزيتون: مسجد بيت المقدس. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٥٠٤) -مستندًا إلى الأعرف لغة- القول الأول، وانتقد البقية، فقال: «لأنّ ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يُعرف جبل يُسمّى: تينًا، ولا جبل يقال له: زيتون، إلا أن يقول قائل: أقسم ربّنا -جلّ ثناؤه- بالتين والزيتون، والمراد من الكلام: القسم بمنابت التين، ومنابت الزيتون. فيكون ذلك مذهبًا، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك دلالة في ظاهر التنزيل، ولا من قول مَن لا يجوز خلافه؛ لأنّ دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون». ورجّح ابنُ تيمية (٧/٦٦) -مستندًا إلى اللغة- أنّ التين والزيتون: «هي الأرض التي بُعِث فيها المسيح، وكثيرًا ما تُسمّى الأرض بما يَنبتُ فيها، فيقال: فلان خرج إلى الكرْم وإلى الزيتون وإلى الرُّمّان، ونحو ذلك، ويراد الأرض التي فيها ذلك، فإنّ الأرض تتناول ذلك، فعبر عنها ببعضها». واختار ابن القيم (٣/٣٣٤) أنّ المراد: كلا الشجرتين ومنبتهما ببيت المقدس -مستندًا إلى دلالة العقل-، وقال بعد ذكر المعنى الأوّل: «وهذا الذي قالوه حقّ، ولا ينافي أن يكون مَنبَته مرادًا؛ فإنّ مَنبتَ هاتين الشجرتين حقيق بأن يكون من جُملة البقاع الفاضلة الشريفة، فيكون الإقسام قد تناول الشجرتين ومَنبَتهما»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحًا -أي: الله فتح له مالًا-، فمات، فورثه ابنٌ له تافه -أي: فاسد-، فكان يعملُ في مال أبيه بمعاصي الله، فلمّا رأى ذلك إخوانُ أبيه أتوا الفتى، فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى، فباع عقاره بصامت، ثم رحل، فأتى عينًا ثجّاجة، فسرّح فيها مالَه، وابتنى قصرًا، فبينما هو ذات يوم جالس إذ شَمَلت عليه ريحٌ بامرأة مِن أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحًا، فقالت: مَن أنتَ، يا عبد الله؟ قال: أنا امرؤ من بني إسرائيل. قالت: فلك هذا القصر وهذا المال؟ قال: نعم. قالت فهل لك مِن زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يهنيك العيشُ ولا زوجة لك؟! قال: قد كان ذلك، فهل لكِ مِن بعل؟ قالت: لا. قال: فهل لكِ أن أتزوجك؟ قالت: إنِّي امرأةٌ منك على مسيرة ميل، فإذا كان غد فتزوَّد زادَ يوم وأْتني، وإن رأيتَ في طريقك فلا يهولنك. فلما كان من الغد تزوَّد زاد يوم وانطلق، فانتهى إلى قصر، فقرع رتاجه، فخرج إليه شابٌّ مِن أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس أرَجًا، فقال: مَن أنتَ، يا عبد الله؟ قال: أنا الإسرائيلي. قال: فما حاجتُك؟ قال: دعتني صاحبة هذا القصر إلى نفسها. قال: صدقتَ، فهل رأيتَ في طريقك هولًا؟ قال: نعم، ولولا أخبرتني أن لا بأس عَلَيَّ لهالني الذي رأيتُ. قال: أقبلتُ حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بكلبة فاتحةٍ فاها، ففزعتُ، فوثبتُ، فإذا أنا مِن ورائها، وإذا جراؤها ينبحْن على صدرها. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون آخر الزمان؛ يُقاعد الغلام المشيخة، فيغلبهم على مجلسهم، ويَبُزُّهم حديثهم. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بمائة أعْنُز حُفَّل، وإذا فيها جَدْيٌ يمصُّها، فإذا أتى عليها فظن أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان؛ ملك يجمع صامت الناس كلهم، حتى إذا ظنَّ أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر، فأعجبني غصنٌ من شجرة منها ناضر، فأردت قطعَه، فنادتني شجرةٌ أخرى: يا عبد الله، مِنِّي فخُذْ. حتى ناداني الشجرُ أجمع: يا عبد الله، مِنّا فخُذْ. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان؛ يقلُّ الرجال، ويكثر النساء، حتى إن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشرة والعشرون إلى أنفسهن. قال: ثم أقبلتُ، حتى انفرج بي السبيل، فإذا أنا برجلٍ قائم على عينٍ، يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تصدَّعوا عنه صبَّ في جرَّته، فلم تعلق جرَّته مِن الماء بشيء. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان؛ القاضي يعلم الناس العلمَ، ثم يخالفهم إلى معاصي الله. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعَنز، وإذا قوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل آخذ بقرنيها، وإذا رجل آخذ بذنَبها، وإذا رجل قد ركبها، وإذا رجل يحلبها. فقال: أما العنْز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها فهم يتساقطون مِن عيشها، وأما الذي قد أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقًا، وأما الذي قد أخذ بذنَبها فقد أدْبَرَتْ عنه، وأما الذي ركبها فقد تركها، وأما الذي يحلبها فبخٍ بخٍ، ذهب ذاك بها. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يمتَحُ على قليبٍ، كلما أخرج دلوه صبَّه في الحوض، فانساب الماءُ راجعًا إلى القليب. قال: هذا الرجل ردَّ الله عليه صالح عمله فلم يقبله. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يبذر بذرًا فيستحصِد، فإذا حنطة طيبة. قال: هذا رجل قبِل الله صالح عمله، وأزكاه له. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجلٍ مستلقٍ على قفاه، فقال: يا عبد الله، ادنُ مني، فخُذْ بيدي، وأقعدني، فواللهِ، ما قعدتُ منذ خلقني الله. فأخذتُ بيده، فقام يسعى حتى ما أراه. فقال له الفتى: هذا عمرك فقد نفذ، وأنا مَلَك الموت، وأنا المرأةُ التي أتيتك، أمرني الله بقبض روحك في هذا المكان، ثم أصيرك إلى نار جهنم. قال: ففيه نزلت هذه الآية: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾
عن عائشة أنّها قالت: قدِمَتْ عليَّ امرأةٌ من أهل دَوْمَةِ الجَندَل تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حَداثَة ذلك، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به، قالت: كان لي زوج، فغاب عنِّي، فدخلتُ على عجوز، فشكوتُ إليها، فقالت: إن فعلتِ ما آمُرُكِ، فأجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبتُ أحدهما، ورَكِبَت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، فإذا أنا برَجُلَيْن مُعَلَّقَيْن بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر. فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، وارجعي. فأبَيْتُ، وقلت: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التَّنُّور، فبُولِي فيه. فذهبتُ، ففزِعتُ، ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا: فعلتِ؟ فقلت: نعم. فقالا: هل رأيتِ شيئًا؟ قلت: لم أرَ شيئًا. فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلدكِ، ولا تكفري. فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التَّنُّور، فبولي فيه، ثم ائْتِي. فذهبتُ، فاقْشَعَرَّ جلدي، وخِفْتُ، ثم رجعتُ إليهما، فقلت: قد فعلتُ. فقالا: ما رأيتِ؟ فقلت: لم أرَ شيئًا. فقالا: كذبتِ، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، ولا تكفري، فإنكِ على رأس أمرك. فأبيتُ، فقالا: اذهبي إلى ذلك التَّنُّور، فبُولِي فيه. فذهبت، فبُلْتُ فيه، فرأيت فارسًا مُقَنَّعًا بحديد خرج مِنِّي حتى ذهب في السماء، وغاب عَنَّي حتى ما أراه، وجئتُهما، فقلتُ: قد فعلتُ. فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: رأيت فارسًا مُقَنَّعًا خرج مِنِّي، فذهب في السماء حتى ما أراه. قالا: صدقتِ، ذلك إيمانُك خرج منكِ، اذهبي. فقلت للمرأة: واللهِ، ما أعلم شيئًا، ولا قالا لي شيئًا. فقالت: بلى، لم تريدي شيئًا إلا كان، خذي هذا القمح فابْذُرِي، فَبَذَرْتُ، وقلت: أطْلِعِي. فأَطْلَعَت، قلت: أحْقلِي. فأَحْقَلَت، ثم قلت: أفْرِكِي، فأَفْرَكَت، ثم قلت: أيْبِسي. فأَيْبَسَتْ، ثم قلت: أطْحَنِي. فأَطْحَنَتْ، ثم قلت: أخْبِزِي، فأَخْبَزَتْ، فلما رأيتُ أنِّي لا أريد شيئًا إلا كان سُقِط في يدي، ونَدِمت، والله، يا أم المؤمنين، ما فعلت شيئًا، ولا أفعله أبدًا. فسألَت أصحابَ رسول الله ﷺ وهم يومئذ متوافرون، فما دَرَوْا ما يقولون لها، وكلهم خاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك