محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥٤ من سورة سبأ في ٩٩ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥٤ من سورة سبأ

٩٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مّن قَبْلُ إِنّهُمْ كَانُواْ فِي شَكّ مّرِيبِ﴾.


يقول تعالى ذكره : وحيل بين هؤلاء المشركين حين فزعوا، فلا فوت، وأخذوا من مكان قريب، فقالوا آمنا به وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ حينئذ من الإيمان بما كانوا به في الدنيا قبل ذلك يكفرون ولا سبيل لهم إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني إسماعيل بن حفص الأبلي، قال : حدثنا المعتمر، عن أبي الأشهب، عن الحسن، في قوله : وَحيلَ بَيْنَهُم وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ قال : حيل بينهم وبين الإيمان بالله.
حدثنا ابن بِشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن عبد الصمد، قال : سمعت الحسن، وسئل عن هذه الآية وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ قال : حيل بينهم وبين الإيمان.
حدثني ابن أبي زياد، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ قال : حيل بينهم وبين الإيمان.
حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري، قال : حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ قال : من الرجوع إلى الدنيا ليتوبوا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها في الدنيا حين عاينوا ما عاينوا.
حدثنا الحسن بن واضح، قال : حدثنا الحسن بن حبيب، قال : حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن، في قوله : وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ قال : حيل بينهم وبين الإيمان.
وقال آخرون : معنى ذلك : وحيل بينهم وبين ما يشتهون من مال وولد وزهرة الدنيا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى قال : ثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ قال : من مال أو ولد أو زهرة.
حدثني يونس، قال : قال أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ قال : في الدنيا التي كانوا فيها والحياة.
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك، لأن القوم إنما تَمَنّوا حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا، ما أخبر الله عنهم أنهم تَمَنّوه، وقالوا آمنا به، فقال الله : وأنى لهم تَناوُش ذلك من مكان بعيد، وقد كفروا من قبل ذلك في الدنيا. فإذا كان ذلك كذلك، فلأن يكون قوله : وَحِيلَ بَيْنَهُم وَبَينَ ما يَشْتَهُونَ خبرا عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تمنوه أولى من أن يكون خبرا عن غيره.
وقوله : كمَا فُعِلَ بأشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ يقول فعلنا بهؤلاء المشركين، فحلنا بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان بالله عند نزول سَخَط الله بهم، ومعاينتهم بأسه كما فعلنا بأشياعهم على كفرهم بالله من قبلهم من كفار الأمم، فلم نقبل منهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما لم نقبل في مثل ذلك الوقت من ضُرَبائهم. والأشياع : جمع شِيَع، وشِيَع : جمع شيعة، فأشياع جمع الجمع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح كمَا فُعِلَ بأشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ قال الكفار من قبلهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة كمَا فُعِلَ بأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ أي في الدنيا كانوا إذا عاينوا العذاب لم يُقبل منهم إيمان.
وقوله : إنّهُمْ كانُوا فِي شَكَ مُرِيبٍ يقول تعالى ذكره : وحيل بين هؤلاء المشركين حين عاينوا بأس الله، وبين الإيمان : إنهم كانوا قبل في الدنيا في شكّ من نزول العذاب الذي نزل بهم وعاينوه، وقد أخبرهم نبيهم أنهم إن لم ينيبوا مما هم عليه مقيمون من الكفر بالله، وعبادة الأوثان أن الله مُهْلِكهم، ومُحِلّ بهم عقوبته في عاجل الدنيا، وآجل الآخرة قبل نزوله بهم مريب يقول : موجب لصاحبه الذي هو به ما يَرِيبه من مكروه، من قولهم : قد أراب الرجل : إذا أتى ريبة وركب فاحشة كما قال الراجز :
يا قَوْمُ مالي وأبا ذُؤَيْبِ ؟كُنْتُ إذا أتَوْتُهُ مِنْ غَيْبِ
يَشُمّ عِطْفِي وَيَبَزّ ثَوْبِيِكأنّمَا أرَبْتُهُ بِرَيْبِ
يقول : كأنما أتيت إليه ريبة.
آخر تفسير سورة سبأ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) : أي بالإيمان في الدنيا.
وقوله (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) يقول: وهم اليوم يقذفون بالغيب محمدًا من مكان بعيد، يعني أنهم يرجمونه، وما أتاهم من كتاب الله بالظنون والأوهام، فيقول بعضهم: هو ساحر، وبعضهم شاعر، وغير ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) قال: قولهم ساحر بل هو كاهن بل هو شاعر.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) أي: يرجمون بالظن، يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) قال: بالقرآن.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾

يقول تعالى ذكره: وحيل بين هؤلاء المشركين حين فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب، فقالوا: آمنَّا به (وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) حينئذٍ من الإيمان بما كانوا به في الدنيا قبل ذلك يكفرون، ولا سبيل لهم إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني إسماعيل بن حفص الأبلي قال: ثنا المعتمر عن أَبي الأشهب عن الحسن في قوله (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: حيل بينهم وبين الإيمان بالله.
حدثنا ابن بشار قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان عن عبد الصمد قال: سمعت الحسن، وسئل عن هذه الآية (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: حيل بينهم وبين الإيمان.
حدثني ابن أَبي زياد قال: ثنا يزيد قال: ثنا أَبو الأشهب عن الحسن (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: حيل بينهم وبين الإيمان.
حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري قال: ثنا أَبو أسامة عن شبل عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: من الرجوع إلى الدنيا ليتوبوا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها في الدنيا حين عاينوا ما عاينوا.
حدثنا الحسن بن واضح قال: ثنا الحسن بن حبيب قال: ثنا أَبو الأشهب عن الحسن في قوله (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: حيل بينهم وبين الإيمان.
وقال آخرون: معنى ذلك وحيل بينهم وبين ما يشتهون من مال وولد
وزهرة الدنيا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: من مال أو ولد أو زهرة.
حدثني يونس، قال: قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: في الدنيا التي كانوا فيها والحياة. وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك؛ لأن القوم إنما تمنوا حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا، ما أخبر الله عنهم أنهم تمنوه، وقالوا آمنا به فقال الله: وأنى لهم تناوش ذلك من مكان بعيد، وقد كفروا من قبل ذلك في الدنيا. فإذا كان ذلك كذلك فلأن يكون قوله (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) خبرًا عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تمنوه أولى من أن يكون خبرًا عن غيره.
وقوله (كما فعل باشياعهم من قبل) يقول: فعلنا بهؤلاء المشركين؛ فحلنا بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان بالله عند نزول سخط الله بهم، ومعاينتهم بأسه، كما فعلنا بأشياعهم على كفرهم بالله من قبلهم من كفار الأمم؛ فلم نقبل منهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما لم نقبل في مثل ذلك الوقت من ضربائهم.
والأشياع: جمع شِيعَ، وشِيعَ: جمع شيعة؛ فأشياع جمع الجمع.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح
(كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ) قال: الكفار من قبلهم.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ) أي: في الدنيا، كانوا إذا عاينوا العذاب لم يقبل منهم إيمان.
وقوله (إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) يقول تعالى ذكره: وحيل بين هؤلاء المشركين حين عاينوا بأس الله وبين الإيمان؛ إنهم كانوا قبل في الدنيا في شك، من نزول العذاب الذي نزل بهم وعاينوه، وقد أخبرهم نبيهم أنهم إن لم ينيبوا مما هم عليه مقيمون من الكفر بالله، وعبادة الأوثان، أن الله مهلكهم، ومحلٌّ بهم عقوبته في عاجل الدنيا، وآجل الآخرة قبل نزوله بهم، مريب يقول: موجب لصاحبه الذي هو به ما يريبه من مكروه، من قولهم: قد أراب الرجل إذا أتى ريبة وركب فاحشة، كما قال الراجز:
يا قَومُ مَا لِي وأبَا ذُؤَيبِ؟كنتُ إذَا أتَوْتُهُ من غَيبِ
يَشُمُّ عِطْفِي وَيُبُّز ثَوْبِيكأنَّما أرَبْتُهُ بِرَيْبِ (١)
يقول: كأنما أتيت إليه ريبة.
آخر سورة سبأ
(١) هذه الأبيات الرجز من المشطور، أنشدها صاحب (اللسان: أتي). قال ويقال: أتوته أتوا: لغة في أتيته. قال خالد بن زهير. "يا قوم ما لي...." الأبيات. وأنشدها أيضًا في (اللسان: ريب) ونسبها إلى خالد بن زهير الهذلي. وفيها "أتيته" في موضع "أتوته" وهي لغة. وجعلها شاهدا على أنه يقال: رابني أمره يريبني ريبًا وريبة بمعنى شككني وأما أراب فإنه يأتي متعديا بمعنى راب، ولازما بمعنى أتى بريبة. كما تقول: ألام: إذا أتى بما يلام عليه.
تفسير سورة فاطر

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
مِنْكُمْ جُعْلًا وَلَا عَطَاءً عَلَى أَدَاءِ رِسَالَةِ الله عز وجل إِلَيْكُمْ وَنُصْحِي إِيَّاكُمْ وَأَمْرِكُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أَيْ إِنَّمَا أَطْلُبُ ثَوَابَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَيْ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْأُمُورِ بِمَا أَنَا عَلَيْهِ مِنْ إِخْبَارِي عَنْهُ بِإِرْسَالِهِ إياي إليكم وما أنتم عليه.
وقوله عز وجل: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [غَافِرٍ: ١٥] أَيْ يُرْسِلُ الْمَلَكَ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَهُوَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ فَلَا تَخْفَى عليه خافية في السموات ولا في الأرض.
وقوله تبارك وتعالى: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ أَيْ: جَاءَ الْحَقُّ مِنَ اللَّهِ وَالشَّرْعِ العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل، كقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [الْأَنْبِيَاءِ: ٨] وَلِهَذَا لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَوَجَدَ تِلْكَ الْأَصْنَامَ مَنْصُوبَةً حَوْلَ الكعبة جعل يطعن الصنم منها بِسِيَةِ قَوْسِهِ وَيَقْرَأُ وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء: ٨١] قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ «١» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَحْدَهُ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ أَبِي مَعْمَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَخْبَرَةَ، عَنِ ابن مسعود رضي الله عنه بِهِ، أَيْ لَمْ يَبْقَ لِلْبَاطِلِ مَقَالَةً وَلَا رئاسة وَلَا كَلِمَةً وَزَعَمَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بالباطل هاهنا إبليس، أي إِنَّهُ لَا يَخْلُقُ أَحَدًا وَلَا يُعِيدُهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ حَقًا وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقوله تبارك وتعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي أَيِ الخير كله من عند الله، وفيما أنزل اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْوَحْيِ وَالْحَقِّ الْمُبِينِ فِيهِ الْهُدَى وَالْبَيَانُ وَالرَّشَادُ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُفَوَّضَةِ أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ ورسوله بريئان منه. وقوله تعالى: إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ أَيْ سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ قريب يجيب دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ هنا حديث أبي موسى في الصحيحين «إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سميعا قريبا مجيبا» «٢».

[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٥١ الى ٥٤]

وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)
(١) أخرجه البخاري في المظالم باب ٣٢، والمغازي باب ٤٨، وتفسير سورة ١٧، باب ١٢، ومسلم في الجهاد حديث ٨٧، والترمذي في تفسير سورة ١٧، باب ٩، وأحمد في المسند ١/ ٣٧٧.
(٢) أخرجه البخاري في الدعوات باب ٥٠، ومسلم في الذكر حديث ٤٤، ٤٥.
يقول تبارك وتعالى: وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ إِذْ فَزِعَ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَا فَوْتَ أَيْ فَلَا مفر لهم ولا وزر لهم وَلَا مَلْجَأَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ أَيْ لم يمكنوا أن يمعنوا فِي الْهَرَبِ بَلْ أُخِذُوا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: حِينَ خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَقَتَادَةُ: مِنْ تَحْتِ أقدامهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما وَالضَّحَّاكِ: يَعْنِي عَذَابَهُمْ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي قَتَلَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الطَّامَّةُ الْعُظْمَى، وَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ «١» عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جَيْشٌ يُخْسَفُ بِهِمْ بَيْنَ مكة والمدينة في أيام بني العباس رضي الله عنهم. ثُمَّ أَوْرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مَوْضُوعًا بِالْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ لَمْ يُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ غَرِيبٌ مِنْهُ وَقالُوا آمَنَّا بِهِ أَيْ يوم القيامة يقولون آمنا بالله وملائكته وكتبه وَرُسُلِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السَّجْدَةِ: ١٢] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ أَيْ وَكَيْفَ لَهُمْ تَعَاطِي الْإِيمَانِ وَقَدْ بَعُدُوا عَنْ مَحَلِّ قَبُولِهِ مِنْهُمْ، وَصَارُوا إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةَ وَهِيَ دَارُ الْجَزَاءِ لَا دَارُ الِابْتِلَاءِ، فَلَوْ كَانُوا آمِنُوا فِي الدُّنْيَا لَكَانَ ذَلِكَ نَافِعَهُمْ وَلَكِنْ بَعْدَ مَصِيرِهِمْ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةَ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى قَبُولِ الْإِيمَانِ، كَمَا لَا سَبِيلَ إِلَى حُصُولِ الشَّيْءِ لِمَنْ يَتَنَاوَلُهُ مِنْ بَعِيدٍ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ قَالَ: التَّنَاوُلُ لِذَلِكَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: التَّنَاوُشُ تَنَاوُلُهُمُ الْإِيمَانَ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَقَدِ انْقَطَعَتْ عَنْهُمُ الدُّنْيَا، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَمَا إِنَّهُمْ طَلَبُوا الْأَمْرَ مِنْ حَيْثُ لَا يُنَالُ تَعَاطَوُا الْإِيمَانَ مِنْ مكان بعيد. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طَلَبُوا الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا وَالتَّوْبَةَ مِمَّا هُمْ فِيهِ وَلَيْسَ بِحِينِ رَجْعَةٍ وَلَا تَوْبَةٍ، وَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وقوله تعالى: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أَيْ كَيْفَ يَحْصُلُ لَهُمُ الْإِيمَانُ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ كَفَرُوا بالحق في الدنيا وكذبوا الرسل وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قَالَ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ قَالَ: بِالظَّنِّ، قُلْتُ: كَمَا قَالَ تَعَالَى: رَجْماً بِالْغَيْبِ [الْكَهْفِ: ٢٢] فَتَارَةً يَقُولُونَ شَاعِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ كَاهِنٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ سَاحِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ مَجْنُونٌ إِلَى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالبعث وَالنُّشُورِ وَالْمَعَادِ وَيَقُولُونَ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية: ٣٢] قال قتادة ومجاهد: يَرْجُمُونَ بِالظَّنِّ لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نار.
وقوله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمَا:
يَعْنِي الْإِيمَانُ وَقَالَ السُّدِّيُّ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ وَهِيَ التَّوْبَةُ، وهذا اختيار ابن جرير
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٣٨٧.
رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ مَالٍ وزهرة وأهل، وروي نحوه عن ابن عمر وابن عباس والربيع بن أنس رضي الله عنهم، وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ شَهَوَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا طَلَبُوهُ فِي الْآخِرَةِ فَمُنِعُوا مِنْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا عَجِيبًا جِدًّا فنذكره بِطُولِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حُجْرٍ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ الْأَنْبَارِيُّ عَنِ الشَّرَقِيِّ بْنِ قُطَامِيِّ عن سعد بْنِ طَرِيفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاتِحًا أَيْ فتح الله تعالى لَهُ مَالًا، فَمَاتَ فَوَرِثَهُ ابْنٌ لَهُ تَافِهٌ أَيْ فَاسِدٌ، فَكَانَ يَعْمَلُ فِي مَالِ اللَّهِ تعالى بمعاصي الله تعالى عز وجل، فلما رأى ذلك أخوات أَبِيهِ، أَتَوُا الْفَتَى فَعَذَلُوهُ وَلَامُوهُ، فَضَجِرَ الْفَتَى فَبَاعَ عَقَارَهُ بِصَامِتَ «١»، ثُمَّ رَحَلَ فَأَتَى عَيْنًا ثَجَّاجَةً «٢» فَسَرَحَ فِيهَا مَالَهُ وَابْتَنَى قَصْرًا، فَبَيْنَمَا هو ذات يوم جالس إذ حملت عَلَيْهِ رِيحٌ بِامْرَأَةٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبِهِمْ أَرَجًا، أَيْ رِيحًا، فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَنَا امْرُؤٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَتْ: فَلَكَ هَذَا الْقَصْرُ وَهَذَا المال؟ فقال:
نَعَمْ. قَالَتْ: فَهَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ؟ قَالَ: لَا.
قَالَتْ: فَكَيْفَ يَهْنِيكَ الْعَيْشُ وَلَا زَوْجَةَ لك؟ قال: قد كان ذاك، قال: فَهَلْ لَكِ مِنْ بَعْلٍ؟
قَالَتْ: لَا، قَالَ: فهل لك إلا أَنْ أَتَزَوَّجَكِ؟ قَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ مِنْكَ عَلَى مسيرة ميل، فإذا كان الغد فتزود زاد يوم وائتني، وَإِنْ رَأَيْتَ فِي طَرِيقِكَ هَوْلًا فَلَا يَهُولَنَّكَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ تَزَوَّدُ زَادَ يَوْمٍ وَانْطَلَقَ، فَانْتَهَى إِلَى قَصْرٍ فَقَرَعَ رِتَاجَهُ «٣»، فَخَرَجَ إِلَيْهِ شَابٌّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبِهِمْ أَرَجًا، أَيْ رِيحًا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَنَا الْإِسْرَائِيلِيُّ، قَالَ: فَمَا حاجتك؟ قال:
دعتني صاحبة الْقَصْرِ إِلَى نَفْسِهَا، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَهَلْ رأيت في الطريق هَوْلًا؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَوْلَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنْ لا بأس علي لهالني الذي رأيت، قال: ما رأيت؟ قال: أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ إِذَا أَنَا بِكَلْبَةٍ فَاتِحَةٍ فَاهَا، فَفَزِعْتُ فَوَثَبْتُ فَإِذَا أَنَا مِنْ وَرَائِهَا، وَإِذَا جِرَاؤُهَا يَنْبَحْنَّ فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ لَهُ الشَّابُّ: لَسْتَ تُدْرِكُ هَذَا، هَذَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُقَاعِدُ الْغُلَامُ المشيخة في مجلسهم ويسرهم حديثه.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ إِذَا أَنَا بِمِائَةِ عَنْزٍ حُفَّلٍ «٤»، وَإِذَا فِيهَا جَدْيٌ يَمُصُّهَا، فَإِذَا أَتَى عَلَيْهَا وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَتَحَ فَاهُ يَلْتَمِسُ الزِّيَادَةَ، فَقَالَ: لَسْتَ تُدْرِكُ هَذَا، هَذَا يَكُونُ
(١) الصامت: أي الذهب والفضة، خلاف الناطق وهو الحيوان.
(٢) عين ثجاجة: أي عين يسيل عنها الماء سيلا.
(٣) الرتاج: الباب العظيم.
(٤) عنز حفّل: أي كثيرة اللبن.
فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَلِكٌ يَجْمَعُ صَامِتَ النَّاسِ كُلِّهِمْ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَتَحَ فَاهُ يَلْتَمِسُ الزِّيَادَةَ، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ إِذَا أَنَا بِشَجَرٍ فَأَعْجَبَنِي غُصْنٌ مِنْ شَجَرَةٍ مِنْهَا ناضرة، فَأَرَدْتُ قِطْعَهُ فَنَادَتْنِي شَجَرَةٌ أُخْرَى: يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنِّي فَخُذْ حَتَّى نَادَانِي الشَّجَرُ أَجْمَعُ يا عبد الله مني فخذ، فَقَالَ: لَسْتَ تُدْرِكُ هَذَا، هَذَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ حَتَّى إِنِ الرَّجُلَ لَيَخْطُبَ الْمَرْأَةَ فَتَدْعُوهُ الْعَشْرُ وَالْعِشْرُونَ إِلَى أَنْفُسِهِنَّ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انفرج بي السبيل، فإذا أَنَا بَرَجُلٍ قَائِمٍ عَلَى عَيْنٍ يَغْرِفُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنَ الْمَاءِ، فَإِذَا تَصَدَّعُوا عَنْهُ صَبَّ فِي جَرَّتِهِ فَلَمْ تَعْلَقْ جَرَّتُهُ مِنَ الْمَاءِ بِشَيْءٍ، قَالَ: لَسْتَ تُدْرِكُ هَذَا، هَذَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الْقَاصُّ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْعِلْمَ ثم يخالفهم إلى معاصي الله تعالى، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ إِذَا أَنَا بِعَنْزٍ وَإِذَا بِقَوْمٍ قَدْ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهَا، وَإِذَا رَجُلٌ قَدْ أَخَذَ بِقَرْنَيْهَا، وإذا رجل قد أخذ بذنبها، وإذا راكب قد ركبها، وإذا رجل يحتلبها، فَقَالَ: أَمَّا الْعَنْزُ فَهِيَ الدُّنْيَا، وَالَّذِينَ أَخَذُوا بِقَوَائِمِهَا يَتَسَاقَطُونَ مِنْ عَيْشِهَا، وَأَمَّا الَّذِي قَدْ أَخَذَ بِقَرْنَيْهَا فَهُوَ يُعَالِجُ مِنْ عَيْشِهَا ضِيقًا، وَأَمَّا الَّذِي أَخَذَ بِذَنَبِهَا فَقَدْ أَدْبَرَتْ عَنْهُ، وَأَمَّا الَّذِي رَكِبَهَا فَقَدْ تَرَكَهَا، وَأَمَّا الَّذِي يَحْلِبُهَا فَبَخٍ بَخٍ ذَهَبَ ذَلِكَ بِهَا.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ إذا أَنَا بَرْجَلٍ يَمْتَحُ عَلَى قَلِيبٍ كُلَّمَا أَخْرَجَ دَلْوَهُ صَبَّهُ فِي الْحَوْضِ فَانْسَابَ الْمَاءُ رَاجِعًا إِلَى الْقَلِيبِ، قَالَ: هَذَا رَجُلٌ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ صَالِحَ عَمَلِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا انْفَرَجَ بِي السَّبِيلُ إِذَا أَنَا بَرْجَلٍ يَبْذُرُ بَذْرًا فَيُسْتَحْصَدُ فَإِذَا حِنْطَةٌ طَيِّبَةٌ، قَالَ: هَذَا رَجُلٌ قَبِلَ اللَّهُ صَالِحَ عَمَلِهِ وَأَزْكَاهُ لَهُ. قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ ادن مني فخذ بيدي وأقعدني، فو الله ما قعدت منذ خلقني الله تعالى، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقَامَ يَسْعَى حَتَّى مَا أَرَاهُ، فَقَالَ لَهُ الْفَتَى هَذَا عُمُرُ الْأَبْعَدِ نَفَدَ، أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ، وَأَنَا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَتَتْكَ أمرني الله تعالى بِقَبْضِ رَوْحِ الْأَبْعَدِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، ثُمَّ أُصَيِّرُهُ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، قَالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ هذه الآية وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ الْآيَةَ «١»، هَذَا أثر غريب وفي صحته نظر، وتنزيل الْآيَةِ عَلَيْهِ وَفِي حَقِّهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْكُفَّارَ كُلَّهُمْ يُتَوَفَّوْنَ وَأَرْوَاحُهُمْ مُتَعَلَّقَةٌ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا، كَمَا جَرَى لِهَذَا الْمَغْرُورِ الْمَفْتُونِ، ذَهَبَ يَطْلُبُ مُرَادَهُ فجاءه ملك الْمَوْتُ فَجْأَةً بَغْتَةً وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يشتهي.
وقوله تعالى: كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ أَيْ كَمَا جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل لَمَّا جَاءَهُمْ بِأْسُ اللَّهِ تَمَنَّوْا أَنْ لَوْ آمَنُوا فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ [غافر: ٨٤- ٨٥]. وقوله تبارك وتعالى: إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ
(١) انظر الأثر في الدر المنثور ٥/ ٤٥٥، ٤٥٦. [.....]
أي كانوا في الدنيا في شك ريبة، فَلِهَذَا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُمُ الْإِيمَانُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، قَالَ قَتَادَةُ إِيَّاكُمْ وَالشَّكَّ وَالرِّيبَةَ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى شَكٍّ بُعِثَ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى يَقِينٍ بُعِثَ عَلَيْهِ.
آخَرُ تَفْسِيرِ سورة سبأ والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من الشهوات واللذات، والأولاد، والأموال، والخدم، والجنود، قد انفردوا بأعمالهم، وجاءوا فرادى، كما خلقوا، وتركوا ما خولوا، وراء ظهورهم، ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ من الأمم السابقين، حين جاءهم الهلاك، حيل بينهم وبين ما يشتهون، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ أي : محدث الريبة وقلق القلب فلذلك، لم يؤمنوا، ولم يعتبوا حين استعتبوا.
تم تفسير سورة سبأ - وللّه الحمد والمنة، والفضل، ومنه العون، وعليه التوكل، وبه الثقة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥١ - ٥٤} ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾.
يقول تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ أيها الرسول، ومن قام مقامك، حال هؤلاء المكذبين، ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ حين رأوا العذاب، وما أخبرتهم به الرسل، وما كذبوا به، لرأيت أمرا هائلا ومنظرا مفظعا، وحالة منكرة، وشدة شديدة، وذلك حين يحق عليهم العذاب.
-[٦٨٤]-
فليس لهم عنه مهرب ولا فوت ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أي: ليس بعيدا عن محل العذاب، بل يؤخذون، ثم يقذفون في النار.
﴿وَقَالُوا﴾ في تلك الحال: ﴿آمَنَّا﴾ بالله وصدقنا ما به كذبنا ﴿و﴾ لكن ﴿أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ أي: تناول الإيمان ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قد حيل بينهم وبينه، وصار من الأمور المحالة في هذه الحالة، فلو أنهم آمنوا وقت الإمكان، لكان إيمانهم مقبولا ولكنهم ﴿كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ﴾ أي: يرمون ﴿بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ بقذفهم الباطل، ليدحضوا به الحق، ولكن لا سبيل إلى ذلك، كما لا سبيل للرامي، من مكان بعيد إلى إصابة الغرض، فكذلك الباطل، من المحال أن يغلب الحق أو يدفعه، وإنما يكون له صولة، وقت غفلة الحق عنه، فإذا برز الحق، وقاوم الباطل، قمعه.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من الشهوات واللذات، والأولاد، والأموال، والخدم، والجنود، قد انفردوا بأعمالهم، وجاءوا فرادى، كما خلقوا، وتركوا ما خولوا، وراء ظهورهم، ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ من الأمم السابقين، حين جاءهم الهلاك، حيل بينهم وبين ما يشتهون، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ أي: محدث الريبة وقلق القلب فلذلك، لم يؤمنوا، ولم يعتبوا حين استعتبوا.
تم تفسير سورة سبأ - ولله الحمد والمنة، والفضل، ومنه العون، وعليه التوكل، وبه الثقة.
تفسير سورة فاطر وهي مكية
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بِأَشْيَاعِهِم
أَمْثَالِهِمْ مِنْ كُفَّارِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ.
مُّرِيبٍ
مُحْدِثٍ لِلرِّيبَةِ وَالقَلَقِ.

إعراب الآية ٥٤ من سورة سبأ

من كتاب: إعراب القرآن

الجماعة عن الجماعة وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات: ١١] والأصل «وقّتت» لأنه مشتق من الوقت. ويقال في جمع دار: أدؤر. والوجه الآخر قد ذكره أبو إسحاق:
قال: يكون مشتقا من «النئيش» وهو الحركة في إبطاء أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد وقد كفروا به من قبل؟

[سورة سبإ (٣٤) : آية ٥٣]

وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣)
وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ والعرب تقول لكلّ من يتكلّم بما لا يحقه: هو يقذف ويرجم بالغيب. مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ على التمثيل بمن يرجم ولا يصيب برجمه.
ومن قرأ وَيَقْذِفُونَ «١» فمعناه عنده يقذف به إليهم من يغويهم ويضلّهم.

[سورة سبإ (٣٤) : آية ٥٤]

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ قيل: حيل بينهم وبين النجاة من العذاب، وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهونه في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون أن يقبل منهم أن يطيعوا الله جلّ وعزّ وينتهوا إلى ما يأمرهم به فحيل بينهم وبين ذلك، لأن ذلك إنما كان في الدنيا، وقد زالت في ذلك الوقت. والأصل في حيل «حول» فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء فحذفت حركتها لثقلها. إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ أي في الدنيا والتوحيد مُرِيبٍ أي يستراب به.
(١) انظر مختصر ابن خالويه ١٢٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٥٤ من سورة سبأ

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

وَحِيلَ

بإشمام كسرة الحاء ضَمًّا

رويس عن يعقوب هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي

بكسرة خالصة للقاف

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥٤ من سورة سبأ

موضوعانِ تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٢٢ قولًا
١
عن مجاهد بن جبر، في قوله: ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾، قال: أي: مِن الكفار من قبلهم؛ كما فُعل بأمثالهم١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد (٥٥٦)، وأخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١‏/‏١١ (١٩) بنحوه من طريق القاسم بن نافع، وابن جرير ١٩‏/‏٣٢٤ من طريق ابن أبي نجيح، والفريابي -كما في تغليق التعليق ٤‏/‏٢٨٩-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾: أي: في الدنيا، كانوا إذا عاينوا العذاب لم يقبل منهم إيمان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٣٢٤.
٣
قال إسماعيل السُّدِّيّ: ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾، يعني: أهل ملتهم١
التخريج
  1. ١علقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٧٢.
٤
عن عبد الله بن أبي نجيح -من طريق ورقاء- ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾، قال: الكفار من قبلهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٣٢٣.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾، يقول: كما عُذِّب أوائلهم من الأمم الخالية من قبل هؤلاء١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٣٩-٥٤٠.
٦
قال يحيى بن سلّام: ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ أشياعهم على منهاجهم ودينهم الشرك لما كذبوا رسلهم جاءهم العذاب، فآمنوا عند ذلك، فلم يُقبَل منهم، وهو قوله: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾. قال الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ عذابنا، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ﴾ مضت ﴿فِي عِبادِهِ﴾ [غافر:٨٥] المشركين، إنهم إذا كذَّبوا الرسل أهلكهم الله بعذاب الاستئصال، ولا يقبل منهم الإيمان عند نزول العذاب، وآخر عذاب كفار هذه الأمة إلى النفخة الأولى بالاستئصال، بها يكون هلاكهم١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٧٢-٧٧٣.
٧
عن قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿إنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾، قال: إيّاكم والشكَّ والريبةَ؛ فإنّه مَن مات على شكٍّ بُعث عليه، ومَن مات على يقين بُعِث عليه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ﴾ مِن العذاب بأنّه غيرُ نازل بهم في الدنيا، ﴿مُرِيبٍ﴾ يعني: بمريب أنّهم لا يعرفون شكَّهم١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٤٠.
٩
قال يحيى بن سلّام: ﴿إنَّهُمْ كانُوا﴾ قبل أن يجيئهم العذاب ﴿فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ من الريبة، وذلك أن جحودهم بالقيامة وبأنّ العذاب لا يأتيهم إنما ظنٌّ منهم، فهو منهم شكٌّ، ليس عندهم بذلك علم١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٧٢-٧٧٣.
١٠
عن عبد الله بن عمر، أنّه شرب ماءً باردًا فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ذكرتُ آيةً في كتاب الله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، فعرفتُ أنّ أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد، وقد قال الله: ﴿أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ [الأعراف:٥٠]١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤٦١٤).
١١
عن إبراهيم النخعي -من طريق خالد بن حوشب- قال: قلَّما قرأتُ هذه الآيةَ إلا ذكرتُ برْد الشراب: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٩‏/‏٤١٨ (٣٦٥٤٠).
١٢
عن مجاهد بن جبر -من طريق عيسى وورقاء، عن ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، قال: مِن مال، أو ولد، أو زهرة، أو أهل١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد (٥٥٦)، وأخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ١‏/‏١١ (١٩) بنحوه من طريق القاسم بن نافع، وابن جرير ١٩‏/‏٣٢٢ من طريق ابن أبي نجيح، والفريابي -كما في تغليق التعليق ٤‏/‏٢٨٩-. وعلَّقه يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٧٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق شبل، عن ابن أبي نجيح- ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، قال: مِن الرجوع إلى الدنيا؛ ليتوبوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٣٢٢.
١٤
عن الحسن البصري -من طريق أبي الأشهب- في قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، قال: حيل بينهم وبين الإيمان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٩‏/‏٣٩٥ (٣٦٤٥٢)، وابن أبي الدنيا في الأهوال ٦‏/‏١٩٩ (١٥٤)، وابن جرير ١٩‏/‏٣٢١، كما أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٣٣ من طريق الثوري عمَّن حدَّثه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٥
عن عبد الصمد، قال: سمعتُ الحسنَ يقول: ﴿وحيل بينهم وبين مايشتهون﴾، قال: حيل بينهم وبين الأماني١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص١٦٠، وأخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٣٢١ بلفظ الإيمان كما في الأثر السابق.
١٦
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾: كان القوم يشتهون طاعةَ الله أن يكونوا عمِلوا بها في الدنيا حين عاينوا ما عاينوا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في الأهوال ٦‏/‏٢٠٠ (١٥٦)، وابن جرير ١٩‏/‏٣٢٢. وعزا السيوطي نحوه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
١٧
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق سفيان- في قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، قال: التوبة١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٧١٩٩).
١٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ مِن أن تُقبَل التوبة منهم عند العذاب١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٣٩.
١٩
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، قال: الدنيا التي كانوا فيها والحياة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٣٢٢.
٢٠
عن سفيان بن عُيَيْنَة -من طريق ابن أبي عمر- في قوله: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾، قال: بين التوبة. وقال ناس: وبين الرجوع إلى الدنيا وإلى عيشتهم فيها من شهواتهم، وأخذوا ما يشتهون من شهوة الدنيا ولذتها. قال سفيان: وقال آخر في قوله: ﴿وحيل بينهم وبين مايشتهون﴾، قال: المال والولد١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق البستي ص١٥٩.
٢١
عن بعض العلماء -من طريق أسلم بن عبد الملك- ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، قال: التوبة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل ٣‏/‏٣٥٠ (٢١١)، وأخرجه أيضًا في التوبة ٣‏/‏٤١٦ (١٤٦)، وكتاب الأهوال ٦‏/‏٢٠٠ (١٥٧).
٢٢
قال يحيى بن سلّام: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ الإيمان، فلا يُقبل منهم عند ذلك. وقال بعضهم: ﴿ما يَشْتَهُونَ﴾ رجوعهم إلى الدنيا١٢
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٧٧٢-٧٧٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف في معنى: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: وحيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان بما كانوا به في الدنيا يكفرون. الثاني: وحيل بينهم وبين ما يشتهون من مالٍ وولدٍ وزهرة الدنيا. ورجَّح ابنُ جرير (١٩/٣٢٣) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة، والحسن، والسدي، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن القوم إنما تَمَنَّوا -حين عاينوا من عذاب الله ما عاينوا- ما أخبر الله عنهم أنهم تَمَنَّوه، وقالوا آمنّا به، فقال الله: وأنّى لهم تناوُشُ ذلك من مكانٍ بعيد وقد كفروا من قبل ذلك في الدنيا. فإذ كان ذلك كذلك فلأن يكون قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ خبرًا عن أنه لا سبيل لهم إلى ما تَمَنَّوه أولى مِن أن يكون خبرًا عن غيره». ورجَّح ابنُ كثير (١١/٣٠٠) الجمع بين القولين، فقال: «والصحيح أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه». وذكر ابنُ عطية (٧/١٩٨) قولًا ولم ينسبه: أنّ المعنى: حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا يتمكن جدًّا على القول بأن الأَخْذَ والفزع المذكور هو يوم القيامة».

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحًا -أي: الله فتح له مالًا-، فمات، فورثه ابنٌ له تافه -أي: فاسد-، فكان يعملُ في مال أبيه بمعاصي الله، فلمّا رأى ذلك إخوانُ أبيه أتوا الفتى، فعذلوه١ ولاموه، فضجر الفتى، فباع عقاره بصامت٢، ثم رحل، فأتى عينًا ثجّاجة٣، فسرّح فيها مالَه، وابتنى قصرًا، فبينما هو ذات يوم جالس إذ شَمَلت عليه ريحٌ بامرأة مِن أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحًا، فقالت: مَن أنتَ، يا عبد الله؟ قال: أنا امرؤ من بني إسرائيل. قالت: فلك هذا القصر وهذا المال؟ قال: نعم. قالت فهل لك مِن زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يهنيك العيشُ ولا زوجة لك؟! قال: قد كان ذلك، فهل لكِ مِن بعل؟ قالت: لا. قال: فهل لكِ أن أتزوجك؟ قالت: إنِّي امرأةٌ منك على مسيرة ميل، فإذا كان غد فتزوَّد زادَ يوم وأْتني، وإن رأيتَ في طريقك فلا يهولنك. فلما كان من الغد تزوَّد زاد يوم وانطلق، فانتهى إلى قصر، فقرع رتاجه٤، فخرج إليه شابٌّ مِن أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس أرَجًا٥، فقال: مَن أنتَ، يا عبد الله؟ قال: أنا الإسرائيلي. قال: فما حاجتُك؟ قال: دعتني صاحبة هذا القصر إلى نفسها. قال: صدقتَ، فهل رأيتَ في طريقك هولًا؟ قال: نعم، ولولا أخبرتني أن لا بأس عَلَيَّ لهالني الذي رأيتُ. قال: أقبلتُ حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بكلبة فاتحةٍ فاها، ففزعتُ، فوثبتُ، فإذا أنا مِن ورائها، وإذا جراؤها ينبحْن على صدرها. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون آخر الزمان؛ يُقاعد الغلام المشيخة، فيغلبهم على مجلسهم، ويَبُزُّهم٦ حديثهم. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بمائة أعْنُز حُفَّل٧، وإذا فيها جَدْيٌ يمصُّها، فإذا أتى عليها فظن أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان؛ ملك يجمع صامت الناس كلهم، حتى إذا ظنَّ أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر، فأعجبني غصنٌ من شجرة منها ناضر، فأردت قطعَه، فنادتني شجرةٌ أخرى: يا عبد الله، مِنِّي فخُذْ. حتى ناداني الشجرُ أجمع: يا عبد الله، مِنّا فخُذْ. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان؛ يقلُّ الرجال، ويكثر النساء، حتى إن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشرة والعشرون إلى أنفسهن. قال: ثم أقبلتُ، حتى انفرج بي السبيل، فإذا أنا برجلٍ قائم على عينٍ، يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تصدَّعوا٨ عنه صبَّ في جرَّته، فلم تعلق جرَّته مِن الماء بشيء. قال: لستَ تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان؛ القاضي يعلم الناس العلمَ، ثم يخالفهم إلى معاصي الله. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعَنز، وإذا قوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل آخذ بقرنيها، وإذا رجل آخذ بذنَبها، وإذا رجل قد ركبها، وإذا رجل يحلبها. فقال: أما العنْز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها فهم يتساقطون مِن عيشها، وأما الذي قد أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقًا، وأما الذي قد أخذ بذنَبها فقد أدْبَرَتْ عنه، وأما الذي ركبها فقد تركها، وأما الذي يحلبها فبخٍ بخٍ، ذهب ذاك بها. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يمتَحُ٩ على قليبٍ، كلما أخرج دلوه صبَّه في الحوض، فانساب الماءُ راجعًا إلى القليب. قال: هذا الرجل ردَّ الله عليه صالح عمله فلم يقبله. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يبذر بذرًا فيستحصِد، فإذا حنطة طيبة. قال: هذا رجل قبِل الله صالح عمله، وأزكاه له. قال: ثم أقبلتُ، حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجلٍ مستلقٍ على قفاه، فقال: يا عبد الله، ادنُ مني، فخُذْ بيدي، وأقعدني، فواللهِ، ما قعدتُ منذ خلقني الله. فأخذتُ بيده، فقام يسعى حتى ما أراه. فقال له الفتى: هذا عمرك فقد نفذ، وأنا مَلَك الموت، وأنا المرأةُ التي أتيتك، أمرني الله بقبض روحك في هذا المكان، ثم أصيرك إلى نار جهنم. قال: ففيه نزلت هذه الآية: ﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾١٠١١
التخريج
  1. ١العذل: اللوم. اللسان (عذل).
  2. ٢الصامت: الذهب والفضة. مختار الصحاح (صمت).
  3. ٣ثجاجة: سيالة. اللسان (ثجج).
  4. ٤رتاجه: بابه. اللسان (رتج).
  5. ٥أرجًا: ريحًا. اللسان (أرج).
  6. ٦بزه: غلبه. اللسان (بزز).
  7. ٧حفل: لم تُحلب أيامًا، حتى اجتمع لبنها في ضرعها. النهاية (حفل).
  8. ٨تصدعوا: ذهبوا وتفرقوا. اللسان (صدع).
  9. ٩المتح: الاستسقاء من البئر بالدلو من أعلى البئر. النهاية (متح).
  10. ١٠أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٦‏/‏٥١٦، ٥١٨-، وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات ١٠٨-١١١ نحوه دون ذكر الآية. وعزاه السيوطي إليه.
تعليقات المحققين
  1. ١١انتقد ابنُ كثير (١١/٣٠٢) هذا الأثر، فقال: «هذا أثر غريب، وفي صحته نظر، وتنزيل الآية عليه وفي حقه بمعنى: أنّ الكفار كلهم يتوفون وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا، كما جرى لهذا المغرور المفتون، ذهب يطلب مراده فجاءه الموت فجأة بغتة، وحيل بينه وبين ما يشتهي».
التفسير بالمأثور لسورة سبأ كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥٤ من سورة سبأ

١٧ وقفةً في هذه الآية

  • وأعظم العذاب أن يُمنع الإنسان عن مراده .. كما قال تعالى: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} فكان هذا أجمع عبارة لعقوبات أهل جهنم . - الغزالي.

    — نايف الفيصل

  • (وحيل بينهم وبين ما يشتهون(  من الشهوات واللذات والأولاد والأموال والخدم والجنود قد انفردوا بأعمالهم وجاءوا فرادى.

    — تفسير السعدي

  • ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون ﴾ يا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه ، والبعد عنه ، ليس في أعدائك أشد عليك منك.

    — روائع القرآن

  • وأعظم العذاب أن يُمنع الإنسان عن مراده كما قال الله تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)؛ فكان هذا أجمع عبارة لعقوبات أهل جهنم.

    — أبو حامدالغزالى

  • شرب عبد الله بن عمر ماء باردًا، فبكى فاشتد بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟! قال: ذكرت آية في كتاب الله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)، فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد، وقد قال الله: (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) (الأعراف: ٥٠)

    — ابن أبي حاتم

  • إذا جاء الموت، وطويت صحائف الأعمال، ووجدت عِظَم ثواب الحسنات وعِظَم عقاب السيئات، تمنيت أن تُسَبِّح تسبيحة واحدة أو تصلي ركعة فلا تستطيع (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ).

    — علي الطنطاوى

  • (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) فسرها بعض السلف: بأنهم اشتهوا التوبة ساعة الرحيل، قال الحسن البصري: «اتق الله يا ابن آدم، لا يجتمع عليك خصلتان: سكرة الموت، وحسرة الفوت».

    — ابن رجب

  • أهل النار أطلقوا العنان لشهواتهم فكان مصيرهم (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) وأهل الجنة ألجموا شهواتهم فكانت الجائزة (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم)

    — بدون مصدر

  • {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} اشتهوا توبة قبل الرحيل أمان يوم الحساب نجاة من سوء العذاب لكن كفرهم حال بينهم وبين أمنياتهم.

    — محمد الغرير

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة سبأ أية 54

    — حازم شومان

  • ما أشده من موقف: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ اللهم إنا نعوذ بك أن نكون منهم.

    — مجالس التدبر

  • {وحيل بينهم وبين ما يشتهون..} تأمل هذه الكلمات يخلع القلب.. ويزهد في الدنيا.

    — مجالس التدبر

و٥ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٥٤ من سورة سبأ

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(54) And prevention will be placed between them and what they desire,[1243] as was done with their kind before. Indeed, they were in disquieting doubt [i.e., denial].
[1243]- Meaning the attainment of faith and its benefits or entrance into Paradise.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال