المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ قال الحسن معناه من الإيمان والتوبة والرجوع إلى الإتابة والعمل الصالح، وذلك أنهم اشتهوه في وقت لا تنفع فيه التوبة، وقاله أيضاً قتادة، وقال مجاهد معناه وحيل بينهم وبين نعيم الدنيا ولذاتها، وقيل حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها، وهذا يتمكن جداً على القول بأن الأخذ والفزع المذكورين هو في يوم القيامة(١).
وقوله ﴿كما فعل بأشياعهم من قبل﴾ الأشياع الفرق المتشابهة، فأشياع هؤلاء هم الكفرة من كل أمة، وهو جمع شيعة(٢)، وشيع، وقوله ﴿من قبل﴾ يصلح على بعض الأقوال المتقدمة تعلقه بفعل، ويصلح على قوم من قال إن الفزع هو في يوم القيامة تعلقه ﴿بأشياعهم﴾ أي بمن اتصف بصفتهم من قبل في الزمن الأول، لأن ما يفعل بجميعهم إنما هو في وقت واحد. لا يقال فيه ﴿من قبل﴾، و «الشك المريب » أقوى ما يكون من الشك وأشده إظلاماً(٣).
١ قال الحوفي: الظرف قائم مقام اسم ما لم يسم فاعله في قوله تعالى:﴿وحيل بينهم﴾، وقد عارضه أبو حيان، وبيان بطلان ذلك في البحر المحيط"٧-٢٩٤". ثم قال:"وإنما يخرج ما ورد من مثل هذا على ان القائم مقام الفاعل هو ضمير المصدر الدال عليه(وحيل)، أي: هو، وهو الحول، ولكونه أضمر لم يكن مصدرا مؤكدا فجاز أن يقام مقام الفاعل، وعليه يخرج قول الشاعر:
وقالت: متى يبخل عليك ويعتلل بسوء وإن يكشف غرامك تدرب
أي: ويعتلل هو، أي الاعتلال"..

٢ في رأي أكثر اللغويين أن(أشياع) جمع(شيع)، و(شيع): جمع(شيعة)..
٣ نسبة الإربة إلى الشك مجاز؛ قال الزمخشري: إلا أن بينهما فرقا، وهو أن (المريب) من المتعدي منقول ممن يصح أن يكون مريبا من الأعيان على المعنى، ومن اللازم منقول من صاحب الشك إلى الشك، كما تقول: شعر شاعر.
قيل: ويجوز أن يكون قد أردف (المريب) على (الشك) وهما بمعنى واحد لتناسق آخر الآية بالتي قبلها من مكان قريب، كما تقول: عجب عجيب، وشتا شات، وليلة ليلاء، أي: هو نوع من التأكيد..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى