علَّق ابنُ عطية (٤‏/‏١١) على ما أفاده قولُ مقاتل بن سليمان من أنّ معنى الآية: ﴿فما كانوا﴾ أي: الكفار المتأخرين في الزمان ﴿ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل﴾: أي بما كذّب به أوائلهم وأسلافهم في الكفر قديمًا، فقال: «فكأنّ الضمير في قوله: ﴿كانُوا﴾ يختص بالآخرين، والضمير في قوله: ﴿كَذَّبُوا﴾ يختص بالقدماء منهم». هذا، وقد ذكر ابن عطية في تفسير الآية الكريمة احتمالًا آخر لم نقف عليه في الآثار، وهو قوله: «ويحتمل أن يريد: أنّ الرسول جاء لكل فريق منهم، فكذبوه لأول أمره، ثم استبانت حُجَّته، وظهرت الآياتُ الدالَّة على صدقه، مع استمرار دعوته، فلَجُّوا هم في كفرهم، ولم يؤمنوا بما تبين به تكذيبهم من قبل». وعَلَّق (٤‏/‏١٠) عليه قائلًا: «وكأنّه وصفهم على هذا التأويل باللجاج في الكفر والصرامة عليه، ويؤيد هذا قوله: ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾. ويحتمل في هذا الوجه أن يكون المعنى: ﴿فما كانوا ليؤمنوا﴾ أي: ما كانوا ليوفقهم الله إلى الإيمان بسبب أنّهم كذبوا قبل فكان تكذيبهم سببًا لأن يمنعوا الإيمان بعد»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وشاركهم في الأموال﴾ على أقوال: الأول: هو أمره إياهم بإنفاق أموالهم في غير طاعة الله، واكتسابها من غير حلها. الثاني: عنى بذلك: كل ما كان من تحريم المشركين ما كانوا يحرمون من الأنعام كالبحائر والسوائب ونحو ذلك. الثالث: عنى به: ما كان المشركون يذبحونه لآلهتهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٦٦٣) العموم في ذلك، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: عنى بذلك: كلَّ مال عصى الله فيه بإنفاق في حرام، أو اكتساب من حرام، أو ذبح للآلهة، أو تسييب، أو بحر للشيطان، وغير ذلك مما كان معصيًا به أو فيه، وذلك أن الله قال: ﴿وشاركهم في الأموال﴾، فكل ما أطيع الشيطان فيه مِن مال وعُصِي الله فيه فقد شارك فاعل ذلك فيه إبليس؛ فلا وجه لخصوص بعض ذلك دون بعض». وبمثله قال ابنُ عطية (٥‏/‏٥١٠): «﴿وشارِكْهُمْ فِي الأَمْوالِ﴾ عامٌّ لكل معصية يصنعها الناس بالمال، فإن ذلك المصرف في المعصية هو حظ إبليس، فمن ذلك البحائر وشبهها، ومن ذلك مهر البغي، وثمن الخمر، وحلوان الكاهن، والربا، وغير ذلك مما يوجد في الناس دأبًا»

اختُلِف في معنى قوله: ﴿لا تؤاخذني بما نسيت﴾؛ فقال بعضهم: كان هذا الكلام من موسى عليه السلام للعالم معارضة، لا أنه كان نسي عهده. وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تؤاخذني بتركي عهدك. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏٣٣٩) القول الثاني مستندًا إلى السنة، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذه بما نسي فيه عهدُه مِن سؤاله إيّاه عن وجْه ما فعل وسببه، لا بما سأله عنه، وهو لعهده ذاكر؛ للصحيح عن رسول الله ﷺ بأن ذلك معناه من الخبر». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٦٣٧) أنّ القول الثاني قول الجمهور، ثم قال: «وفي كتاب التفسير من صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «كانت الأولى من موسى نسيانًا»». وذكر أنّ مجاهدًا قال: كانت الأولى نسيانًا، والثانية شرطًا، والثالثة عمدًا. وانتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، ومخالفته ظاهر الآية، فقال: «وهذا كلام مُعتَرَض؛ لأن الجميع شرط، ولأنّ العمد يَبعُد على موسى عليه السلام، وإنّما هو التأويل إذا جُنِّب صيغة السؤال والنسيان»

انتقد ابنُ عطية (٥‏/‏٦٧ ط: دار الكتب العلمية) هذه القراءة مستندًا للإجماع، ورسم المصحف، فقال: «مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾، وصحَّ الإجماع فيها مِن لدُن مدة عثمان رضي الله عنهما، فهي التي لا يجوز خلافها، والقراءة (تَسْتَأْذِنُوا) ضعيفة، وإطلاق الخطأ والوهم على الكتّاب في لفظ أجمع الصحابة عليه لا يصح عن ابن عباس، والأشبه أن يقرأ: (تَسْتَأْذِنُوا) على التفسير، وظاهر ما حكى الطبري أنها قراءة، ولكن قد رُوِي عن ابن عباس أنه قال: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ معناه: تستأذنوا. ومِمّا ينفي هذا القولَ عن ابن عباس أن ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ متمكنة في المعنى، بينة الوجه في كلام العرب، وقد قال عمر للنبي ﷺ: أستأنس، يا رسول الله. وعمر واقف على باب الغرفة... الحديث المشهور؛ وذلك يقتضي أنّه طلب الأُنسَ به ﷺ، فكيف يُخَطِّئ ابنُ عباس رضي الله عنهما أصحابَ الرسول في مثل هذا». وعلَّق ابنُ كثير (١٠‏/‏٢٠٧) على قول ابن عباس بقوله: «وهذا غريب جدًّا عن ابن عباس»

للسلف في تفسير قوله: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ قولان: الأول: أنّ ذلك في الدنيا، ومعناه: أن يبدلهم الله بأعمالهم القبيحة في الشرك أعمالًا طيبة في الإسلام، فيبدلهم بالكفر إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل الكافرين، وهكذا. الثاني: أن معناه: أن يبدل الله سيئاتهم في الدنيا حسنات لهم يوم القيامة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٢٠) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، معللًا ذلك بقوله: «وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لأنّ الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح، وغير جائز تحويل عين قد مَضَت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه، إلا بتغييرها عمّا كانت عليه من صفتها في حال أخرى، فيجب إن فعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي كان شركًا في الكفر بعينه إيمانًا يوم القيامة بالإسلام، ومعاصيه كلها بأعيانها طاعة، وذلك ما لا يقوله ذو حِجًا». وعلّق ابنُ عطية (٦‏/‏٤٦٢) القول الثاني، فقال: «وهو معنى كرم العفو». ورجّح ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٢٦-٣٢٧) مستندًا إلى السنة وأقوال السلف القول الثاني

ذكر ابنُ جرير (١٩‏/‏٣٥٦-٣٥٧) قول ابن عباس أن الحَرور بالليل، والسَّموم بالنهار، ونسبه لرؤبة بن العجاج، ثم قال: «وأما أبو عبيدة فإنه قال: الحَرور في هذا الموضع بالنهار مع الشمس. وأما الفراء فإنه كان يقول: الحَرور يكون بالليل والنهار، والسَّموم لا يكون بالليل، إنما يكون بالنهار». ثم رجَّح قول الفراء أن الحَرور مطلقًا يكون بالليل والنهار، غير أنه رجَّح قول أبي عبيدة في تفسير الحَرور في هذا الموطن خاصة مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «والصواب في ذلك عندنا: أنّ الحَرور يكون بالليل والنهار، غير أنه يكون في هذا الموضع بأن يكون كما قال أبو عبيدة أشبه مع الشمس؛ لأن الظل إنما يكون في يومِ شمسٍ، فذلك يدل على أنه أريد بالحَرور: الذي يوجد في حال وجود الظِّلّ». ورجَّح ابنُ عطية (٧‏/‏٢١٣) قول الفراء، فقال: «وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره: أن السموم تختص بالنهار، والحَرور يقال في حرِّ الليل وفي حرِّ النهار». ولم يذكر مستندًا، وانتقد قول رؤبة بن العجّاج قائلًا: «وليس كما قال»

عن زيد بن أرْقَم، قال: كنتُ جالسًا مع عبد الله بن أُبيّ، فمَرّ رسولُ الله ﷺ في ناس مِن أصحابه، فقال عبد الله بن أُبيّ: لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. فأَتيتُ سعد بن عُبادة، فأَخبَرتُه، فأتى رسولَ الله ﷺ، فذكَر ذلك له، فأرسَل رسولُ الله ﷺ إلى عبد الله بن أُبيّ، فحَلف له عبد الله بن أُبيّ بالله ما تَكلّم بهذا، فنظر رسول الله ﷺ إلى سعد بن عُبادة، فقال سعد: يا رسول الله، إنما أخبَرنيه الغلام زيد بن أرْقَم. فجاء سعد، فأخذ بيدي، فانطلَق بي، فقال: هذا حدَّثني. فانتَهرني عبد الله بن أُبيّ، فانتهيتُ إلى رسول الله ﷺ، وبَكيتُ، وقلتُ: إي، والذي أنزل النور عليك، لقد قاله. وانصرف عنه النبيُّ ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ إلى آخر السورة

سورة المزمل — الآية ٢٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يعني: وأَتِمُّوا الصلوات الخمس، وأَعطوا الزكاة المفروضة من أموالكم، فنُسِخَ قيام الليل على المؤمنين، وثَبتَ قيام الليل على النبي ﷺ، وكان بين أول هذه السورة وآخرها سنة، حتى فُرضت الصلوات الخمس والزكاة، فهما واجبتان، فذلك قوله: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يقول: وأَعطوا الزكاة من أموالكم، ﴿وأَقْرِضُوا اللَّهَ﴾ يعني: التَّطوّع ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني بالحسن: طيِّبة بها نفسه، يَحتسبها تَطوّعًا بعد الفريضة، ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِن خَيْرٍ﴾ يعني: مِن صدقة؛ فريضة كانت أو تَطوّعًا؛ يقول: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ثوابًا عند الله في التقديم ﴿هُوَ خَيْرًا وأَعْظَمَ أجْرًا﴾ يقول: أفضل مما أعطيتم من أموالكم وأعظم أجرًا، يعني: وأكثر خيرًا وأفضل خيرًا في الآخرة، ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من الذّنوب؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكم عند الاستغفار إذا استغفرتموه، ﴿رَحِيمٌ﴾ حين رخّص لكم بالتوبة

عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل مِن الحبشة إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «سَلْ، واستَفْهِم». فقال: يا رسول الله، فُضِّلتم علينا بالألوان والصُّوَر والنّبوة، أفرأيتَ إن آمنتُ بما آمنتَ به، وعملتُ بما عملتَ به؛ إنِّي كائن معك في الجنة؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده، إنه ليُرى بياض الأَسود في الجنة مِن مسيرة ألف عام». ثم قال: «مَن قال: لا إله إلا الله، كان له عهد عند الله، ومَن قال: سبحان الله وبحمده، كُتبتْ له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة». ونزلت عليه هذه السورة: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ إلى قوله: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾. فقال الحبشي: وإنّ عيني لتَرى ما تَرى عيناك في الجنة؟ قال: «نعم». فاشتكى حتى فاضتْ نفسُه، قال ابن عمر: فلقد رأيتُ رسول الله ﷺ يُدْليه في حُفرته بيده

في ﴿طه﴾ خمسة أقوال: الأول: أنّ معناه: يا رجل. الثاني: أنّه اسم من أسماء الله، وقَسَمٌ أقسم الله به. الثالث: أنّه حرف من الحروف المُقَطَّعة التي تفتتح بها السور. الرابع: أن معناه: طأِ الأرضَ بقدمك. الخامس: أن معناه: طهارة أهل بيت النبي ﷺ. وقد رجّح ابن جرير (١٦‏/‏٨) مستندًا إلى اللغة وأقوال السلف القولَ الأول، فقال: ""والذي هو أولى بالصواب عندي مِن الأقوال فيه: قولُ مَن قال: معناه: يا رجل. لأنّها كلمة معروفة في عكٍّ فيما بلغني، وأن معناها فيهم: يا رجل، أُنشدت لمتمم بن نويرة: هتفت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلاوقال آخر: إنّ السفاهة طه مِن خلائقكم لا بارك الله في القوم الملاعينفإذا كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكرنا فالواجب أن يُوَجَّه تأويلُه إلى المعروف فيهم مِن معناه، ولا سيما إذا وافق ذلك تأويلَ أهل العلم من الصحابة والتابعين""