عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ إلى قوله: ﴿عليم حكيم﴾، قال: كان امتحانهنّ أن يشهدن: أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فإذا علِموا أنّ ذلك حقٌّ منهن لم يَرجعوهنّ إلى الكفار، وأُعطي بَعْلُها في الكفار الذين عَقد لهم رسول الله ﷺ صَداقهُ الذي أصدَقها، وأَحلّهنّ للمؤمنين إذا آتُوهنّ أجورهنّ، ونهى المؤمنين أن يَدَعُو المُهاجِرات مِن أجل نسائهم في الكفار، وكانت مِحنة النساء أنّ رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال: «قل لهنّ: إنّ رسول الله ﷺ بايَعكنّ على أن لا تُشركنَ بالله شيئًا». وكانت هند بنت عُتبة بن ربيعة -التي شقّت بطن حمزة- متنكّرة في النساء، فقالت: إني إنْ أتكلّم يعرفني، وإنْ عَرفني قَتلني. وإنما تنكّرتْ فرَقًا مِن رسول الله ﷺ، فسكتَ النّسوة التي مع هند، وأبيْن أن يتكلّمنَ، فقالت هند وهي مُتَنكِّرة: كيف يَقبل مِن النساء شيئًا لم يَقْبله مِن الرجال؟ فنظر إليها رسول الله ﷺ، وقال لعمر: «قل لهنّ: ولا يَسرقنَ». قالت هند: واللهِ، إني لَأصيب مِن أبي سفيان الهَنة، ما أدري أيُحلهنّ أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبتِ مِن شيء مضى أو قد بقي فهو لكِ حلال. فضحك رسول الله ﷺ، وعرَفها، فدعاها، فأتتْه، فأخذتْ بيده، فعاذتْ به، فقال: «أنتِ هند؟». فقالتْ: عفا الله عما سلف. فصَرف عنها رسول الله ﷺ
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- قال: كان بنجران مَلِكٌ من ملوك حِمْيَر يُقال له: يوسف ذو نواس بن شرحبيل، في الفترة قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يُقال له: عبد الله بن تامر، وكان أبوه قد سلّمه إلى مُعلِّم يُعلّمه السحر، فكره ذلك الغلامُ، ولم يجد بُدًّا مِن طاعة أبيه، فجعل يختلف إلى المُعلّم، وكان في طريقه راهب حَسن القراءة حَسن الصوت، فأعجبه ذلك، -وذكر قريبًا مِن معنى حديث صُهيب- إلى أن قال الغلام للمَلِك: إنّك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول لك، قال: فكيف أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنتَ على سريرك، فترميني بسهم باسم إلهي. ففعل الملك ذلك، فقتله، فقال الناس: لا إله إلا الله، عبد الله بن تامر لا دين إلا دينه. فغضب الملك، وأغلق باب المدينة، وأخذ أفواه السِّكك، وخد أخدودًا، وملأه نارًا، ثم عرضهم رجلًا رجلًا؛ فمَن رجع عن الإسلام تركه، ومَن قال: ديني دين عبد الله بن تامر. ألقاه في الأخدود، فأحرقه، وكان في مملكته امرأة أسلمتْ فيمن أسلم، ولها أولاد ثلاث أحدهم رضيع، فقال لها المَلِك: ارجعي عن دينكِ، وإلا ألقيتُكِ وأولادكِ في النار، فأبَتْ، فأخذ ابنها الأكبر، فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينكِ. فأبَتْ، فألقى الثاني في النار، ثم قال لها: ارجعي. فأبَتْ، فأخذوا الصبيَّ منها ليلقوه في النار، فهَمَّت المرأة بالرجوع، فقال الصبي: يا أُمّاه، لا ترجعي عن الإسلام؛ فإنكِ على الحق، ولا بأس عليك. فأُلقي الصبي في النار، وأُلقيتْ أُمّه على أثره
رَجَّحَ ابن جرير (١/٤٢٤-٤٢٥ بتصرف) ما حكاه السدي في تفسيره عن ابن مسعود، وعن ابن عباس -من طريق أبي صالح-، وعن ناس من الصحابة مِن أنّ الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِبَ لهم من الأمثال في سورة البقرة، وعَلَّل ابن جرير ذلك بدلالة السياق، وأن «الله -جَلَّ ذِكْرُه- أخبر عبادَه أنّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، عقيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السُّوَر غيرها. فلأن يكون هذا القول... جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة أحَقُّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضُرِب لهم من الأمثال في غيرها من السور». وارتضى ترجيحَه ابنُ كثير (١/٣٢٥) بقوله: «وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمَسُّ بالسورة، وهو مناسب». وانتقد ابنُ جرير (١/٤٢٥-٤٢٦) ما يمكن أن يَظُنَّه ظانٌّ من أنه إذا كانت هذه الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة، فالواجب أن يكون ذلك في بقية الأمثال في غيرها من السور؛ لموافقتها لها في المعنى. وذكرَ أنّ الأمر بخلاف ما ظن؛ لكون الآية خبرًا منه -جَلَّ ذِكْرُه- أنه لا يستحي أن يضرب في الحق من الأمثال صغيرها وكبيرها؛ ابتلاءً بذلك عباده؛ ليميز به أهلَ الإيمان والتصديق به من أهلِ الضلال والكفر به، لا أنّه -جَلَّ ذِكْرُه- قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرب المثل بها، ولكن البعوضة لَمّا كانت أضعف الخلق خَصَّها الله بالذِّكْرِ في القِلَّة
اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بهذه الآية؛ أهُم اليهود المعاصرون لرسول الله ﷺ، أم هم اليهود الذين كانوا على عهد سليمان عليه السلام؟ فذهبَ ابنُ جرير (٢/٣١٧-٣١٨) إلى أنّ الآية تشملهما؛ لصحَّةِ ذلك في كلامِ العرب، كما لا مُخَصِّص لأحدهما، حيث قال: «والصواب من القول في تأويل قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ أنّ ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله ﷺ، فجحدوا نبوته، وهم يعلمون أنّه لله رسول مرسل، وتأنيب منه لهم في رفضهم تنزيله، وهجرهم العمل به، وهو في أيديهم يعلمونه ويعرفون أنه كتاب الله، واتباعهم واتباع أوائلهم وأسلافهم ما تلته الشياطين في عهد سليمان... وإنما اخترنا هذا التأويل لأنّ المُتَّبِعَةَ ما تلته الشياطين في عهد سليمان وبعده إلى أن بعث الله نبيه بالحق، وأَمْرُ السحر لم يزل في اليهود، ولا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله: ﴿واتبعوا﴾ بعضًا منهم دون بعض، إذْ كان جائزًا فصيحًا في كلام العرب إضافة ما وصفنا -من اتِّباع أسلاف المُخْبَر عنهم بقوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾- إلى أخلافهم بعدهم، ولم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله ﷺ أثر منقول، ولا حجة تدل عليه، فكان الواجب من القول في ذلك أن يقال: كل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود داخل في معنى الآية، على النحو الذي قلنا». وعلَّقَ ابن كثير (١/٥١٩) على هذه الآثار بعد سَوْقها بقوله: «فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهِم»
ذَهَبَ ابن جرير (٢/٥٢٣-٥٢٤)، وابن كثير (٢/١٩) إلى نَسْخِ هذه الآية بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر... ﴾ [التوبة:٢٩] استنادًا إلى السياق، وآثار السلف، فقال ابن جرير: «يعني بقوله: ﴿فاعفوا﴾ فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم: ﴿واسمع غير مسمع وراعنا ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدين﴾ [النساء:٤٦]، ﴿واصفحوا﴾ عما كان منهم من جهل في ذلك، ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء. فقضى فيهم -تعالى ذكره- وأتى بأمره، فقال لنبيه وللمؤمنين به: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، فنسخ الله العفوَ عنهم والصفحَ بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارًا». وقال ابن كثير: «ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾». وذكر ابن عطية (١/٣٢١) قولًا أنها منسوخة بقوله: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، ثم قال مُضيفًا: «وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته». ثم علّق بقوله: «وهذا على من يجعل الأمر المنتظر أوامر الشرع، أو قتل قريظة وإجلاء النضير، وأمر من يجعله آجال بني آدم فيترتب النسخ في هذه الآية بعينها، لأنه لا يختلف أنّ آيات الموادعة المطلقة قد نسخت كلها»
اختُلِف في المراد بالسلم؛ فقال قوم: معناه: الإسلام. وقال آخرون: بل معناه: ادخلوا في الطاعة. واختلف القراء في قراءة ﴿السلم﴾؛ فمنهم من قرأ بالكسر، ومنهم من قرأ بالفتح بمعنى: المسالمة والصلح، ومن قرأوا بالكسر اختلفوا؛ فمنهم مَن وجَّه المعنى إلى الإسلام، ومنهم مَن وجَّهه إلى الصلح. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٥٩٧-٥٩٩) قراءة الكسر مستندًا إلى اللغة، فقال: ""لأنّ ذلك إذا قُرِئ كذلك، وإن كان قد يحتمل معنى الصلح، فإنّ معنى الإسلام ودوام الأمر الصالح عند العرب أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة، وينشد بيت أخي كندة:دَعَوْتُ عشيرتي للسِّلم لَمّا رأيتهم تَوَلَّوْا مُدْبِرِينابكسر السين، بمعنى: دعوتهم للإسلام لَمّا ارتدوا، وكان ذلك حين ارْتَدَّت كندةُ مع الأشعث بعد وفاة رسول الله ﷺ"". ورجَّح (٣/٥٩٨-٥٩٩) توجيه المعنى إلى الإسلام، وهو القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والضحاك، وابن زيد، وعكرمة، وطاووس، مستندًا إلى الدلالات العقلية بما مفاده الآتي: أنّ الآية في خطاب المؤمنين؛ فإن كانوا المؤمنين بمحمد ﷺ فلا معنى لأن يُقال لهم: ادخلوا في صلح المؤمنين؛ لأنّ المسالمة إنما يؤمر بها من كان حربًا بترك الحرب. وإن كانوا المؤمنين بِمَن قبل محمد ﷺ فهؤلاء إنّما دعاهم الله إلى الإسلام لا الصلح، بل ولم يؤمر المؤمنون قط بالابتداء بالدخول في المسالمة، وإنّما قيل للنبي أن يجنح للسلم إذا جنحوا لها، أما أن يَبْتَدِىء بها فلا. وجَمَعَ ابنُ تيمية (١/٤٨٧) بين القولين، فقال: «وكلاهما حقٌّ؛ فإنّ الإسلام هو الطاعة»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ على أقوال: الأول: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقْبَل منكم. الثاني: أن العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضل بعده وهلك. الثالث: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب. الرابع: عُنِي بذلك كل من ضل عن دين الله الحق. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩/٥٤) مستندًا إلى السنة، والدلالة العقلية القول الثالث، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى، ومن القيام بالقسط الأخذ على يَدَيِ الظالم، ومن التعاون على البر والتقوى الأمر بالمعروف، وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول ﷺ من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو كان للناس ترك ذلك لم يكن للأمر به معنًى إلا في الحال التي رخص فيه رسول الله ﷺ ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخَّصًا له تركه، إذا قام حينئذٍ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه». وذكر ابنُ عطية (٣/٢٧٩) حديث أبي أمية الشعباني، ثم رجَّحه مستندًا إلى السنة قائلًا: «وهذا هو التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه مستوفٍ للصلاح، صادر عن النبي عليه الصلاة والسلام». ونقل ابنُ عطية (٣/٢٨٠) عن المهدوي قوله: «وقد قيل: هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ثم انتقده قائلًا: «وهذا ضعيف، ولا يعلم قائله»
رجَّح ابنُ القيم (١/٤٢١-٤٢٢) تفسير الميثاق بالفطرة؛ مستندًا إلى السنة، ودلالة العقل، وظاهر اللفظ، والنظائر، فقال: «وأحسن ما فسرت به الآية قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرانه». فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، والإشهاد الذي أشهدهم على أنفسهم، والإقرار الذي أقروا به؛ هو الفطرة التي فُطِروا عليها؛ لأنه سبحانه احتج عليهم بذلك، وهو لا يحتج عليهم بما لا يعرفه أحدٌ منهم ولا يذكره، بل بما يشتركون في معرفته والإقرار به. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإذْ أخَذَ ربك منْ بني آدَمَ مِن ظُهورِهمْ ذريتهُمْ﴾ ولم يقل: من آدم، ثم قال: ﴿من ظهورهم﴾، ولم يقل: من ظهره، ثم قال: ﴿ذريتهم﴾ ولم يقل: ذريته، ثم قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم﴾ وهذا يقتضي إقرارهم بربوبيته إقرارًا تقوم عليهم به الحجة. وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهِم على ألسنة رسله كقوله تعالى: ﴿ولَئنْ سألْتهَمْ منْ خَلَقَهمْ لَيقوِلُن الله﴾ [الزخرف:٨٧]، ﴿ولَئنْ سَألْتَهُمْ من خَلَقَ السموات والأرْضَ ليَقُولُن الله﴾ [لقمان:٢٥، والزمر:٣٨]... يحتج عليهم بما فُطِروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم، ويدعوهم بهذا الإقرار إلى عبادته وحده وألّا يشركوا به شيئًا، هذه طريقة القرآن، ومن ذلك هذه الآية... ولهذا قال في آخرها: ﴿أن تُقولُوا يَوِمَ القيامَة إنا كنا عَن هذا غافلينَ أو تَقُولُوا إنما أشرَكَ آباونا مَن قبل وكنا ذُرية منْ بعْدهم أفتهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطَلَونَ﴾، فاحتج عليهم بما أقرُّوا به من ربوبيته على بطلان شركهم وعبادة غيره، وألّا يعتذروا؛ إمّا بالغفلة عن الحق، وإمّا بالتقليد في الباطل»
اختُلِف في معنى: ﴿رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: الله الذي رفع السماوات بِعَمَدٍ لا ترونها. الثاني: رفع السماوات بغير عَمَد. ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٤١١) مستندًا إلى دلالة ظاهر لفظ الآية: «أن يُقال كما قال الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾، فهي مرفوعةٌ بغير عَمَدٍ نراها، كما قال ربُّنا -جلَّ ثناؤه-، ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه». ووجَّه ابنُ عطية (٥/١٦٩) عود الضمير في قوله تعالى: ﴿تَرَونَها﴾ بأنه على القول الأول يعود على «العَمَد»، وعلى القول الثاني يعود على «السماوات». ورجَّح (٥/١٧٠) مستندًا إلى القرآن، والدلالة العقلية القول الثاني، وهو قول قتادة، وإياس بن معاوية، قائلًا: «والحق ألا عَمَد جملة، إذ العمد تحتاج إلى عمد، ويتسلسل الأمر، فلا بد من وقوفه على القدرة، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأَرْضِ إلا بِإذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]، ونحو هذا من الآيات». وكذا ابنُ كثير (٨/١٠٢)، وزاد فقال: «وهذا هو اللائق بالسياق، ... فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَها﴾ تأكيدًا لنفي ذلك، أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة». وانتقد ابنُ عطية (٥/١٧٠) القول الأول، سواء فيه قول مَن قال بأنها عَمَد غير مرئية، ومَن قال إن العَمَد جبل قاف المحيط بالأرض، والسماء عليه كالقبة، قائلًا: «وهذا كله ضعيف»
اختلف أهل التأويل في الباغي الذي حمد -تعالى ذِكْرُه- المنتصرَ منه بعد بغيه عليه على أقوال: الأول: أنه المشرك إذا بغى على المسلم. الثاني: أن الآية في المجروح ينتصف من الجارح بالقصاص. الثالث: أنه كل باغٍ ومعتدٍ. ورجّح ابنُ جرير (٢٠/٥٢٤) -مستندًا إلى دلالة العموم- القول الأخير الذي قاله السُّدّيّ، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله لم يخصّص من ذلك معنًى دون معنًى، بل حمد كل منتصر بحقٍّ ممن بغى عليه». ثم قال: «فإن قال قائل: وما في الانتصار من المدح؟ قيل: إن في إقامة الظالم على سبيل الحق وعقوبته بما هو له أهل تقويمًا له، وفي ذلك أعظم المدح». وعلّق ابنُ عطية (٧/٥٢٣-٥٢٤) على القول الأول الذي قاله ابن زيد، وعطاء، بقوله: «وقالت هذه الفرقة -وهي الجمهور-: إن المؤمن إذا بغى على مؤمنٍ وظلمه، فلا يجوز للآخر أن ينتصف منه بنفسه ويجازيه على ظلمه. مثال ذلك: أن يخون الإنسان آخر، ثم يتمكن الإنسان من خيانته، فمذهب مالك رحمه الله أن لا يفعل، وهو مذهب جماعة عظيمة معه، ولم يروا هذه الآية من هذا المعنى، واحتجوا بقول النبي ﷺ: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»». وبيّن أن هذا القول أنزه وأقرب إلى الله تعالى. وذكر أنّ من ذهبوا إلى العموم قالوا بأن مَن بُغي عليه وظُلم فجائز له أن ينتصف لنفسه ويخون من خانه في المال حتى ينتصر منه، وأن الحديث: «ولا تخن من خانك» إنما هو في رجل سأل رسول الله ﷺ هل يزني بحرمة مَن زنا بحرمته؟ فقال له النبي ﷺ ذلك، يريد به: الزنا، ثم استدرك قائلًا: «وكذلك ورد الحديث في معنى الزنا، ذكر ذلك الرواة، أما إنّ عمومه ينسحب في كل شيء»