اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ على قراءتين: الأولى: ءءمُسَوَّمِينَ‹ بفتح الواو، وبها قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي، والمعنى: أن الله سوَّمها. الثانية: ﴿مسوِّمين﴾ بكسر الواو، وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، والمعنى: أن الملائكة سوَّمت أنفسها. ورجَّح ابنُ جرير (٦‏/‏٣٣، ٣٧) القراءة الثانية مستندًا إلى أقوال السلف، وعلَّل ذلك بقوله: «لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ وأهل التأويل منهم ومن التابعين بعدهم بأنّ الملائكة هي التي سوَّمت أنفسها، من غير إضافة تسويمها إلى الله عز وجل أو إلى غيره من خلقه». ثم ذكر (٦‏/‏٣٧) أنّ من قرأ ›مُسَوَّمِينَ‹ بالفتح فإنهم تأوَّلوا في ذلك قول عكرمة السابق، وقول قتادة من طريق سعيد بمعناه. ونقل ابنُ عطية (٢‏/‏٣٤٨) عن كثير من أهل التفسير أن «معنى ﴿مسوِّمين﴾ -بكسر الواو- أي: هم قد سوَّموا خيلهم أي: أعطوها سَوْمَها من الجري والقتال والإحضار فهي سائمة، ومنه سائمة الماشية، لأنها تركت وسومها من الرعي». ونقل عن المهدوي أن هذا المعنى إنما هو على القراءة الأولى، «أي: أرسلوا وسومهم». ثم انتقده قائلًا: «وهو قلق». ولم يذكر مستندًا

لم يذكر ابنُ جرير (١٠‏/‏٣١٩) في تفسير قوله تعالى: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ غير قول السدي. وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٦١٥ بتصرف) عدة احتمالات في الاستثناء الوارد في الآية: أولها: أن يريد: إلا أن يسبق علينا من الله في ذلك سابقٌ وسوء وينفذ منه قضاء لا يرد. وهو موافق لقول السدي، وقد وجَّهه بقوله: «والمؤمنون هم المُجَوِّزون لذلك، وشعيب قد عَصَمَتْه النبوة». ورجّحه مستندًا إلى ظاهر الآية بقوله: «وهذا أظهر ما يحتمل القول... وقوله: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ استسلام لله، وتمسك بلفظه، وذلك يؤيد التأويل الأول في قوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾». ثانيها: ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يَتعبد اللهُ به المؤمنين مما يفعله الكفار من القربات. ثالثها: ويحتمل أن يريد بذلك معنى الاستبعاد، كما تقول: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب. وهذا تأويل إنما هو للمعتزلة الذين من مذهبهم أنّ الكفر والإيمان ليسا بمشيئة من الله تعالى، فلا يترتب هذا التأويل إلا عندهم، وهذا تأويل حكاه المفسرون ولم يشعروا بما فيه. رابعها: إنّ هذا الاستثناء إنما هو تستر وتأدب. ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء، ولو كان في الكلام «إن شاء الله» قوي هذا التأويل

ذكر ابنُ جرير (١٢‏/‏٣٢١) في قوله: ﴿يثنون﴾ قراءتين: الأولى: ﴿يثنون﴾ على تقدير: يفعلون من الفعل ثنيت، ونسب هذه القراءة إلى عامة قراء الأمصار. الثانية: نسبها ابن جرير لابن عباس أنه قرأ ذلك: ﴿تثنوني﴾ على وزن: تفعوعل. ثم رجّح ابن جرير مستندًا إلى إجماع قراء الأمصار القراءة الأولى، فقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وهو: ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾ على مثال: يفعلون». وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٥٣٩-٥٤٠) في معنى الآية احتمالين: الأول: أنّ ذلك كان من الكفار حين يلقون رسول الله تطامنوا، وثنوا صدورهم كالمستتر، ورَدُّوا إليه ظهورهم، وغشوا وجوههم بثيابهم تباعدًا منه وكراهةً للقائه، وهم يظنون أن ذلك يخفى عليه وعلى الله عز وجل. الثاني: أنّ ذلك استعارة للغِلِّ والحِقد الذي كانوا يَنطَوُون عليه ويتكتمون عليه ظنًّا منهم أنه يخفى على الله. ثم ذكر قراءة ابن عباس وبيّن أنها تحتمل هذين الاحتمالين من التفسير. وذكر ابنُ كثير (٧‏/‏٤١٤) قراءة ابن عباس، وعلّق عليها، فقال: «وقرأ ابن عباس: (ألَآ إنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ)، برفع الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾ على أربعة أقوال: الأول: أن اللغو هو ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين، ويكلمونهم به من الأذى. ومرورهم به كرامًا إعراضهم عنهم وصفحهم. الثاني: كانوا إذا ذكروا النكاح كنَوا عنه. الثالث: أنهم إذا مروا بإفك المشركين ينكرونه. الرابع: أن اللغو المعاصي كلها. وقد رجّح ابن جرير (١٧‏/‏٥٢٥) مستندًا إلى اللغة والعموم جميعَها، فقال: «واللغو في كلام العرب: هو كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح؛ فسبُّ الإنسانِ الإنسانَ بالباطل الذي لا حقيقة له من اللغو، وذكر النكاح بصريح اسمه مما يستقبح في بعض الأماكن، فهو مِن اللغو، وكذلك تعظيمُ المشركين آلهتهم من الباطل الذي لا حقيقة لما عظموه على نحو ما عظموه، وسماع الغناء مما هو مستقبح في أهل الدين، فكل ذلك يدخل في معنى اللغو، فلا وجه إذ كان كل ذلك يلزمه اسم اللغو أن يُقال: عُنِي به بعض ذلك دون بعض. إذ لم يكن لخصوص ذلك دلالة من خبر أو عقل». وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٤٦٢-٤٦٣) مستندًا إلى عموم اللفظ، فقال: «واللغو: كل سقط من فعل أو قول، يدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك، ويدخل في ذلك سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين، وذكر النساء، وغير ذلك من المنكر»

قال ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٩١) ردًّا على سؤال مفاده: كيف يوصف الخشب والحديد والنحاس بعداوة ابن آدم؟: «معنى ذلك: فإنهم عدوّ لي -لو عبدتهم- يوم القيامة، كما قال -جلّ ثناؤه-: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨١-٨٢]». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٨٩): «عَبَّرَ عن بغضته واطّراحه لكل معبود سوى الله تعالى بالعداوة؛ إذ هي تقتضي التفسير، وقيل: في الكلام قَلْبٌ؛ لأن الأصنام لا تعادي، وإنما هو عاداها». وقال ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٥١-٣٥٢): «أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير فَلْتَخْلُص إلَيّ بالمساءة، فإنِّي عدو لها، لا أباليها، ولا أفكر فيها. وهذا كما قال تعالى مُخْبِرًا عن نوح عليه السلام: ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون﴾ [يونس:٧١]. وقال هود عليه السلام: ﴿إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾ [هود:٥٤-٥٦]»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿هذا عطاؤنا﴾ على أقوال: الأول: أنّه المُلك الذي أعطاه الله. الثاني: ذلك تسخيره له الشياطين. الثالث: أنه ما أوتي من القوة على الجماع. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏١٠٠) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب: القولُ الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك مِن أنه عُنِي بالعطاء: ما أعطاه مِن المُلك -تعالى ذِكْرُه-، وذلك أنه -جلَّ ثناؤه- ذكر ذلك عَقِيب خبره عن مسألة نبيه سليمان -صلوات الله وسلامه عليه- إيّاه مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يسخر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له -عزَّ ذِكْرُه-: هذا الذي أعطيناك من الملك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك». ووافقه ابنُ عطية (٧‏/‏٣٥٠) مستندًا إلى السياق بقوله: «وقال الحسن بن أبي الحسن: أشار إلى جميع ما أعطاه من الملك، وأمره بأن يمن على من يشاء ويمسك عمن يشاء، فكأنه وقفه على قدر النعمة، ثم أباح له التصرف فيه بمشيئته، وهو تعالى قد علم منه أن مشيئته عليه السلام إنما تتصرف بحكم طاعة الله، وهذا أصحُّ الأقوال وأجمعها لتفسير الآية»

ذكر ابنُ جرير (٢٠‏/‏١٣٠-١٣١) هذه القراءة، ثم علَّق عليها، فقال: «وقرأ ذلك بعضُ المكيين وبعض البصريين: ‹وأُخَرُ› على الجماع، وكأنّ مَن قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلح أن يكون الأزواج -وهي جمع- نعتًا لواحد، فلذلك جمع أُخَر لتكون الأزواج نعتًا لها؛ والعرب لا تمنع أن ينعت الاسم إذا كان فعلًا بالكثير والقليل والاثنين كما بينا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفان». وذكر ابنُ جرير قراءة من قرأ ذلك بالتوحيد، وعلَّق عليها، فقال: «عامة قراء المدينة والكوفة: ﴿وآخر من شكله أزواج﴾ على التوحيد، بمعنى: هذا حميم وغساق فليذوقوه، وعذاب آخر من نحو الحميم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان ضروب وأنواع، وقد يحتمل أن يكون مرادًا بالأزواج: الخبر عن الحميم والغساق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقيل: أزواج، يراد أن ينعت بالأزواج تلك الأشياء الثلاثة». ثم رجَّحها مستندًا إلى الأصحّ لغة وأقوال أهل التأويل بقوله: «وأعجب القراءتين إلَيَّ أن أقرأ بها: ﴿وآخر﴾ على التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفاضة القراءة بها في قراء الأمصار، وإنما اخترنا التوحيد لأنه أصح مخرجًا في العربية، وأنه في التفسير بمعنى التوحيد. وقيل: إنه الزمهرير»

سورة الأعراف — الآية ١٦٣

عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: جئتُ عبد الله بن عباس يومًا وهو يَبْكي، وإذا المصحفُ في حِجْرِه، فقلتُ: ما يُبْكيك، يا عبد الله بن عباس؟ فقال: هؤلاء الوَرَقاتُ. وإذا في سورةِ الأعراف. قال: تَعْرِفُ أيْلَةَ؟ قلت: نعم. قال: فإنّه كان بها حَيٌّ مِن يهود، سِيقَتِ الحِيتانُ إليهم يوم السبت، ثم غاصَتْ، لا يَقْدِرون عليها حتى يغُوصوا عليها بعدَ كَدٍّ ومُؤْنَةٍ شديدةٍ، وكانت تَأْتيهم يوم السبتِ شُرَّعًا بيضًا سِمانًا، كأنّها الماخِضُ، فكانوا كذلك بُرْهَةً من الدهرِ، ثم إنّ الشيطانَ أوْحى إليهم، فقال: إنّما نُهِيتُم عن أكْلِها يوم السبتِ، فخُذُوها فيه، وكُلُوها في غيره من الأيام. فقالت ذلك طائفةٌ منهم، وقالت طائفةٌ: بل نُهِيتم عن أكْلِها وأخْذِها وصَيْدِها في يوم السبت. فَغَدَتْ طائفةٌ بأنفُسِها وأبنائِها ونسائِها، واعْتَزَلَتْ طائفةٌ ذات اليمين وتَنَحَّتْ، واعْتَزَلَتْ طائفةٌ ذات اليسارِ وسَكَتَتْ، وقال الأيمَنُون: ويْلَكم، لا تَتَعَّرضُوا لعقوبة الله. وقال الأيْسَرُون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَومًا الله مُهلِكُهُم أو مُعَذِبُهُم عَذابًا شَدِيدًا﴾. قال الأيمَنُون: ﴿مَعذِرَةً إلى رَبِكُم ولَعَلَّهُم يَتَّقُونَ﴾؛ إن يَنتَهُوا فهو أحَبُّ إلينا ألّا يُصابوا ولا يَهْلِكوا، وإن لم يَنتَهوا فمَعْذِرَة إلى ربِّكم. فمَضَوْا على الخطيئة، وقال الأيمَنُون: قد فعلتُم يا أعداء الله! واللهِ، لَنُبايِنَنَّكُمُ الليلةَ في مدينتكم، واللهِ، ما أراكم تُصْبِحون حتى يُصَبِّحَكم اللهُ بخَسْفٍ أو قَذْفٍ أو بعض ما عنده من العذاب. فلَمّا أصْبَحوا ضَرَبوا عليهم الباب، ونادَوْا، فلم يُجابوا، فوَضَعوا سُلَّمًا، وأعلَوْا سورَ المدينةِ رَجُلًا، فالتَفَتَ إليهم، فقال: أيْ عبادَ الله، قِرَدَةٌ –واللهِ- تَعاوى، لها أذنابٌ! ففتحوا، فدخلوا عليهم، فعَرَفت القِرَدَةُ أنسابَها مِن الإنس، ولا تعرف الإنسُ أنسابَها مِن القِرَدة، فجعَلَتِ القِردةُ تأتي نَسيبَها من الإنس، فتَشَمُّ ثيابه، وتبكي، فيقول: ألم نَنْهكم؟ فتقول برأسِها، أي: نعم. ثم قرأ ابن عباس: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِرُوا بِهِ أنجَينا الَّذِينَ يَنْهَونَ عَنِ السُّوءِ وأخَذنا الَّذينَ ظَلَمُوا بِعَذابِ بَئِيسِ﴾. قال: أليمٍ وجيعِ. قال: فأَرى الذين نَهَوْا قد نَجَوْا، ولا أرى الآخَرين ذُكِروا، ونحن نَرى أشياءَ نُنكِرُها ولا نقول فيها. قلت: إي، جعَلني الله فِداك، ألا تَرى أنّهم قد كَرِهوا ما هم عليه، وخالَفوهم، وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَومًا الله مُهلكُهُم﴾؟ قال: فأَمَر بي، فكُسِيتُ ثوبَيْن غَلِيظَيْن

اختُلف في معنى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ على أقوال: الأول: إخبارٌ من الله نبيَّه عليه الصلاة والسلام بقوله: سنُقرِئُك فلا تنسى إلا ما شئتُ أنا فأُنسيك. الثاني: سنعلِّمك القرآن، ونجمعه في قلبك فلا تنساه أبدًا، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ الآية [القيامة:١٦-١٧]، والاستثناء في هذا الموضع على النسيان، والمعنى: فلا تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه ولا تَذْكُره، وذلك هو ما نسخه الله من القرآن، فرَفَع حُكْمَه وتلاوتَه. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩٢) القول الأول بقوله: على نحو قوله ﷺ: «إني لأنسى، وأُنَسّى لأَسُنَّ». ووجَّه (٨‏/‏٥٩١) القول الثاني بقوله: «وفي هذا التأويل آية للنبي ﷺ في أنه أُمِّيٌّ، وحفظ الله تعالى عليه الوحي، وأمَّنه من نسيانه». ونقل ابنُ جرير (٢٤‏/‏٣١٦ بتصرف) قولين آخرين: أحدهما: أنّ «معنى النسيان في هذا الموضع: التَّرْك، وأنّ معنى الكلام: سنقرئك، يا محمد، فلا تَتْرُكُ العمل بشيءٍ منه، إلا ما شاء الله أن تَتْرُكَ العمل به، مما ننسَخُه». والآخر: أنّ «بعض أهل العربية كان يقول في ذلك: لم يشأ اللهُ أن تَنسى شيئًا، وهو كقوله: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّمَواتُ والأَرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٨] ولا يشاء. قال: وأنتَ قائلٌ في الكلام: لأُعطينَّك كلّ ما سألتَ إلا ما شئتُ، وإلا أنْ أشاءَ أنْ أمنعَك. والنِّيَّةُ أن لا تمنعه، ولا تشاءَ شيئًا. قال: وعلى هذا مجاري الأيمان، يُستَثنى فيها، ونيَّة الحالف التَّمام». ثم رجَّح القول الثاني مستندًا إلى الأظهر لغة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ ذلك أظهرُ معانيه». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٥٩١) عن آخرين: أنّ هذه الآية «وعدٌ بإقراء الشرع والسور، وأَمْرٌ بأن لا ينسى، على معنى التثبيت والتأكيد، وقد علم تعالى أنّ تَرْك النسيان ليس في قدرته، فهو نهيٌ عن إغفال التعاهد». ونقل (٨‏/‏٥٩٢) عن بعض المتأولين أنّ معنى الاستثناء: «إلا ما شاءَ اللَّهُ أن يغلبك النسيان عليه، ثم يذكِّرك به بعد». ثم وجَّهه بقوله: «ومن هذا قول النبي -عليه الصلاة والسلام- حين سمع قراءة عبّاد بن بشر: «رحمه الله تعالى، لقد أذْكرني كذا وكذا آيةً في سورة كذا». ثم علَّق بقوله:»ونسيان النبي ﷺ ممتنعٌ فيما أُمِر بتبليغه؛ إذ هو معصوم، فإذا بلَّغه ووُعِيَ عنه فالنسيان جائزٌ، على أن يتذكر بعد ذلك، أو على أن يسنّ، أو على النسخ""

اختلف المفسّرون في وقت الدخان على ثلاثة أقوال: الأول: أنه الدُّخان الذي رأته قريش حين دعا عليهم رسول الله ﷺ بسبع كسبع يوسف عليه السلام، فأصابهم جوع، فكانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدُّخان من الجوع. وهو قول ابن مسعود، وأبي العالية، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والضّحّاك، ومقاتل. الثاني: دُخان يجيء قبل القيامة فيأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. وهو قول علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وابن عمر، وابن عباس، والحسن. الثالث: أنه كان يوم فتح مكة. وهو قول أبي هريرة، والأعرج. وقد رجَّح ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٠) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤه- توعّد بالدخان مشركي قريش، وأنّ قوله لنبيه ﷺ: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش، وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون﴾، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأسه وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّه بهم أشبه مِن أن يكون أخَّرَهُ عنهم لغيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٥٧١) على القول الأول بقوله: «وما يأتي من الآيات يقوي هذا التأويل». ورجَّح ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٣٩) -مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- القول الثاني، وانتقد الأول، فقال بعد أن أورد عدة أحاديث وآثار فيه، ومنها قول ابن عباس من طريق ابن أبي مليكة: «وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، وهكذا قول مَن وافقه مِن الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة مِن الصّحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسّر به ابن مسعود رضي الله عنه: إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجَهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أي: يتغشاهم ويَعُمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخصّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشى النّاسَ﴾». وجعل ابنُ جرير (٢١‏/‏٢٠-٢١) الحكم بصحة القول الثاني متوقفة على صحة حديث حذيفة المُثبت لكون النبي ﷺ فسّر الدُّخان في الآية بدخان يوم القيامة، ثم انتقد صحة الحديث بقوله: «وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمِن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ، فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منّا. فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدّثوا به عنِّي، أو كما قال». وعلَّق ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٣٧) على انتقاده للحديث بقوله: «وقد أجاد ابنُ جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابنُ جرير من سياقه في أماكن مِن هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًّا، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى». ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ انتقاده لا يُراد به إنكار وقوع الدُّخان في المستقبل -لثبوت ذلك في السنة-، وإنما كان انتقاده متجهًا إلى تفسير الآية به، فقال: «وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعّدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلًّا فيما يُستأنَفُ بعد بآخرين دُخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله ﷺ صحيح، وإن كان تأويل الآية في هذا الموضع ما قلنا». وقال ابنُ عطية (٧‏/‏٥٧٢): «ويحتمل إن صحَّ حديثُ حُذيفة أن يكون قد مرَّ دُخان، ويأتي دُخان آخر»