اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ثم نكسوا على رءوسهم﴾ الآية؛ فقال بعضهم: غُلِبوا على حُجَّتهم؛ فاحتجوا على إبراهيم بما هو حُجَّة له. وهو قول قتادة وغيره. وقال بعضهم: ثم نكسوا في الفتنة. وهو قول السدي. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٣٠٣) مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترنا القول الذي قلنا في معنى ذلك لأنّ نكس الشيء على رأسه: قلبه على رأسه، وتصيير أعلاه أسفله. ومعلومٌ أنّ القوم لم يُقْلَبوا على رءوس أنفسهم، وأنهم إنما نكست حجتهم، فأُقِيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حُجَّتهم. وإذ كان ذلك كذلك فنكس الحجة لا شك إنما هو احتجاج المحتج على خصمه بما هو حجة لخصمه». ووافقه ابنُ كثير (٩/٤١٥) مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «وقول قتادة أظهر في المعنى؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزًا؛ ولهذا قالوا له: ﴿لقد علمت ما هؤلاء ينطقون﴾، فكيف تقول لنا: سَلُوهم إن كانوا ينطقون، وأنت تعلم أنها لا تنطق؟! فعندها قال لهم إبراهيم لَمّا اعترفوا بذلك: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾ أي: إذا كانت لا تنطق، وهي لا تضر ولا تنفع، فلِم تعبدونها من دون الله؟!». ثم انتقد (١٦/٣٠٣) ابنُ جرير مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الثاني، فقال: «وأما قول السدي: ثم نكسوا في الفتنة. فإنهم لم يكونوا خرجوا مِن الفتنة قبل ذلك فنكسوا فيها!»
قال ابنُ جرير (١٩/٥٢٤-٥٢٥) مبيّنًا معنى الآية استنادًا إلى أقوال السلف، واللغة: ""قالت الإنس للجن: إنكم -أيها الجن- كنتم تأتوننا مِن قِبَلِ الدِّين والحق، فتخدعوننا بأقوى الوجوه. واليمين: القوة والقدرة في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:إذا ما رايةٌ رُفِعَت لمجدٍ تَلَقَّاها عَرابةُ باليمينِيعني: بالقوة والقدرة"". وقال ابنُ عطية (٧/٢٧٨-٢٨٠ بتصرف): ""اضطرب المتأولون في معنى قولهم: ﴿عن اليمين﴾، وعَبَّر ابن زيد وغيره عنه بـ:طريق الجنة والخير. ونحو هذا من العبارات التي هي تفسير بالمعنى لا تختص باللفظة، وبعضهم نحا في تفسير الآية إلى ما يختصها، والذي يتحصل من ذلك معانٍ، منها: أن يريد بـ﴿اليمين﴾: القوة والشدة، فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تغووننا بقوة منكم، وتحملوننا على طريق الضلالة بمتابعة منكم في شدة. فعَبَّر عن هذا المعنى بـ﴿اليمين﴾ كما قالت العرب: بيدين ما أورد. وكما قالوا: اليد -في غير موضع- عن القوة، وقد ذهب بعض الناس ببيت الشماخ هذا المذهب، وهو قوله:إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمينفقالوا: معناه: بقوة وعزيمة، وإلا فكل أحد يتلقاها بيمينه، لو كانت الجارحة، وأيضًا فلما استعار الراية للمجد فكذلك لم يرد باليمين الجارحة. ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا: إنكم كنتم تأتوننا من الجهة التي يحسِّنها تمويهكم وإغواؤكم، ويظهر فيها أنها جهة الرشد والصواب، فتصير عندنا كاليمين التي نتيمَّن بالسانح الذي يجيؤنا من قِبَلِها... فكأنهم شبهوا أقوال هؤلاء المغوين بالسوانح التي هي عندهم محمودة، كأن التمويه في هذه الغوايات قد أظهر فيها ما يوشك أن يُحمد به. ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا: إنكم كنتم تأتوننا -أي: تقطعون بنا- عن أخبار الخير واليمن. فعَبَّر عنها بـ﴿اليمين﴾؛ إذ اليمين هي الجهة التي يتيمن بكل ما كان منها وفيها. ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا: إنكم كنتم تجيئوننا من جهة الشهوات وعدم النظر، والجهة الثقيلة من الإنسان وهي جهة اليمين منه؛ لأن كبده فيها، وجهة شماله فيها قلبه، وهي أخف، وهذا معنى قول الشاعر:تركنا لهم شق الشمالأي: نزلنا لهم عن موضع الهروب؛ لأن المنهزم إنما يرجع على شقه الأيسر؛ إذ هو أخف شقيه، وإذ قلب الإنسان في شماله، وثم نظره، فكأن هؤلاء كانوا يأتون من جهة الشهوات والثقل... وأكثر ما يتمكن هذا التأويل مع إغواء الشياطين، وهو قَلِقٌ مع إغواء بني آدم. وقيل: المعنى: تحلفون لنا، وتأتوننا إتيان من إذا حلف صدقناه... فاليمين على هذا: القَسَم«. ثم بيَّن أن بعض الناس ذهبوا في ذكر إبليس جهات بني آدم في قوله: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧] إلى ما ذكره من جهة الشهوات، فقالوا: ما بين يديه هي مغالطته فيما يراه، وما خلفه هو ما يسارق فيه الخفاء، وعن يمينه هو جانب شهواته، وعن شماله هو موضع نظره بقلبه وتحرزه، فقد يغلبه الشيطان فيه، ثم علَّق بقوله:»وهذا فيمن جعل هذا في جهات ابن آدم الخاصة بيديه، ومِن الناس مَن جعلها في جهات أموره وشؤونه؛ فيتسع التأويل على هذا""
اختُلِف في تفسير قوله: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ على قولين: الأول: وأحضرت أنفُسُ النساء الشح على أنصبائهن من أنفُس أزواجهن، وأموالهم. والثاني: وأحضرت نفسُ كل واحدٍ من الرجل والمرأة الشحَّ بحقه قِبَل صاحبه. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٥٦٤-٥٦٦ بتصرف) القول الأول، وانتَقَد الثاني مستندًا إلى أقوال السلف، والدلالات العقلية، فقال: «لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جُعْلًا على أن تصفح له عن القَسْم لها غير جائزة؛ وذلك أنه غير معتاض عوضًا من جُعْله الذي بذله لها، والجُعْل لا يصح إلا على عِوض: إما عين، وإما منفعة. والرجل متى جعل للمرأة جُعْلًا على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عينًا ولا منفعة. وإذْ كان ذلك كذلك كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل، وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول مَن قال: عنى بذلك الرجل والمرأة. فإن ظن ظانٌّ أن ذلك إذْ كان حقًّا للمرأة، ولها المطالبة به، فللرجل افتداؤه منها بجُعل، فإنّ شُفْعَة المستشفِع في حِصَّة من دارٍ اشتراها رجل من شريكٍ له فيها حقُّ المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداءُ ذلك منه بجُعل. وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عِوض غيرُ جائز؛ إذ كان غير مُعتاض منه المطلوب في الشُّفْعة عينًا ولا نفعًا ما يدل على بُطول صلح الرجل امرأته على عوض، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٣٧) قول ابن زيد مستندًا لدلالة العقل بقوله: «وهذا أحسن، فإنّ الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها، والغالب على الرجل الشح بنصيبه من الشابة»
اختلف أهل التفسير في الآيات التي أوتيها المذكور في الآية على أقوال؛ الأول: هي اسم الله الأعظم. الثاني: كتاب من كتب الله. الثالث: النبوة. وذكر ابنُ جرير (١٠/٥٧٤-٥٧٥) أنّ الآيات هي الحجج، وأنها تحتمل معنيين: ١- ما تعلمه المذكور في الآية من بعض كتب الله التي أنزلها، وعلى هذا يجوز أن يكون الذي أوتيها: بلعم أو أمية؛ لأنّ أمية كان فيما يُقال قد قرأ من كتب أهل الكتاب. ٢- كتاب أنزله الله على من أمر نبي الله أن يتلو على قومه نبأه، أو بمعنى اسم الله الأعظم، أو بمعنى النبوة، فغير جائز أن يكون معنيًّا به أُمَيَّة؛ لأنّ أمية لا تختلف الأمة في أنه لم يكن أوتي شيئًا من ذلك. ثم قال: «ولا خبر بأيِّ ذلك المراد، وأيّ الرجلين المعنيّ يُوجِب الحجة، ولا في العقل دلالة على أنّ ذلك المعني به من أيٍّ». وانتَقَد ابنُ عطية (٤/٨٨) قولَ مجاهد، وسليمان التيمي أنّها النُّبُوَّة بقوله: «وهو قول مردود، لا يصح عن مجاهد، ومَن أُعْطِي النبوة فقد أُعْطِي العِصْمَة ولا بُدَّ، ثبت هذا بالشرع». وبنحوه قال ابنُ كثير (٦/٤٥١). وذكر ابنُ عطية (٤/٨٨-٨٩) أنّ الزجاج نقل أنه قيل: إنّ الإشارة بالقصة إلى منافقي أهل الكتاب. وعلَّق عليه بقوله: «وصواب هذا أن يُقال: إلى كُفّار أهل الكتاب؛ لأنه لم يكن منهم منافق، إنما كانوا مجاهرين»
اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه﴾، وفي السبب الذي من أجله فعلوا ذلك، على أقوال: الأول: ذلك كان مِن فعل بعض المنافقين، كان إذا مر برسول الله ﷺ غطّى وجهَه، وثنى ظهرَه. الثاني: كانوا يفعلون ذلك جهلًا منهم بالله، وظنًّا أنّ الله يخفى عليه ما تُضْمِره صدورُهم إذا فعلوا ذلك. الثالث: إنما كانوا يفعلون ذلك لِئَلّا يسمعوا كلام الله تعالى. الرابع: إخبار من الله نبيه ﷺ عن المنافقين الذين كانوا يُضْمِرُون له العداوة والبغضاء، ويُبْدُون له المحبة والمودة، وأنّهم معه وعلى دينه. الخامس: كانوا يفعلون ذلك إذا ناجى بعضهم بعضًا. وقد ذكر ابنُ جرير (١٢/٣٢٢) الخلاف في قراءة ذلك، والخلاف في تأويله، ثم رجّح مستندًا إلى السياق القول الثاني، معللًا ذلك بقوله: «وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية لأنّ قوله: ﴿ليستخفوا منه﴾ بمعنى: ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله: ﴿منه﴾ عائدة على اسم الله، ولم يجرِ لمحمد ذِكْرٌ قبلُ فيُجْعَل مِن ذكره ﷺ وهي في سياق الخبر عن الله. فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون مِن ذِكْرِ الله أولى. وإذا صح أنّ ذلك كذلك كان معلومًا أنهم لم يحدثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله إلا بجهلهم به، فلما أخبرهم -جل ثناؤه- أنّه لا يخفى عليه سِرُّ أمورهم وعلانيتها على أي حال كانوا». وذكر ابنُ عطية (٤/٥٤٠) القول الأول، وعلّق عليه بقوله: «و﴿صُدُورَهُمْ﴾ منصوبة على هذا بـ﴿يَثْنُونَ﴾»
ذكر ابنُ القيم (٢/٢٥١) أن لفظة ﴿تبارك﴾ جاءت على «بناء السعة والمبالغة؛ كتعالى، وتعاظم، ونحوهما، فجاء بناء ﴿تبارك﴾ على بناء»تعالى«الذي هو دالٌّ على كمال العلوِّ ونهايته، فكذلك ﴿تبارك﴾ دالٌّ على كمال بركته وعظمها وسعتها، وهذا معنى قول مَن قال مِن السلف: ﴿تبارك﴾: تعاظم». ثم ذكر أقوال المفسرين في معنى: ﴿تبارك﴾، ثم علَّق عليها بقوله: «وحقيقة اللفظة: أنّ البركة: كثرة الخير ودوامه، ولا أحد أحق بذلك وصفًا وفعلًا منه -تبارك وتعالى-، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان، لكن الأليق باللفظة معنى الوصف لا الفعل، فإنّه فِعل لازم مثل:»تعالى«و»تقدس«و»تعاظم«. ومثل هذه الألفاظ ليس معناها أنه جعل غيره عاليًا ولا قدوسًا ولا عظيمًا، هذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه، وإنما معناها في نفس من نسبت إليه؛ فهو المتعالي المتقدس، فكذلك ﴿تبارك﴾ لا يصح أن يكون معناها: بارك في غيره، وأين أحدهما مِن الآخر لفظًا ومعنىً؛ هذا لازم وهذا متعد؟! فعلمت أنّ من فسر ﴿تبارك﴾ بمعنى: ألقى البركة، وبارك في غيره. لم يُصِب معناها، وإن كان هذا مِن لوازم كونه متباركًا». ووجَّه قول الحسن قائلًا: «وبارك من باب: أعطى وأنعم، ولما كان المتعدي في ذلك يستلزم اللازم مِن غير عكس فسَّر مَن فسَّر مِن السلف اللفظة بالمتعدي؛ لينتظم المعنيين، فقال: مجيء البركة كلها من عنده، أو البركة كلها من قِبَلِه، وهذا فَرْعٌ على تبارك في نفسه»
اختلف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾، وفي السبب الذي من أجله فُزِّع عن قلوبهم؛ على أقوال: الأول: أن الذي فُزِّع عن قلوبهم الملائكة، قالوا: وإنما يفزع عن قلوبهم مِن غشية تصيبهم عند سماعهم الله بالوحي. الثاني: أن الموصوفين بذلك الملائكة، إنما يفزع عن قلوبهم فزعهم مِن قضاء الله الذي يقضيه حذرًا أن يكون ذلك قيام الساعة. الثالث: أن ذلك من فعل ملائكة السموات إذا مرت بها المعقبات؛ فزعًا أن يكون حدث أمر الساعة. الرابع: أن الموصوفين بذلك المشركون، قالوا: وإنما يفزع الشيطان عن قلوبهم، قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم؟ عند نزول المنية بهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩/٢٨١) مستندًا إلى السنة القول الأول، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل القولُ الذي ذكره الشعبي عن ابن مسعود؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ بتأييده». وبنحوه ابنُ تيمية (٥/٢٨٨-٢٩٧)، وابنُ كثير (١١/٢٨٣-٢٨٥)، وكذا ابنُ عطية (٧/١٨٣) مستندًا إلى السياق حيث قال: «وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى». وذكر ابنُ عطية في الآية قولًا خامسًا أنها في جميع العالم، ثم انتقده وقولَ مَن جعلها في المشركين بقوله: «ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿الذين زعمتم﴾ لم تتصل له هذه الآية بما قبلها، فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها». ثم قال منتقدًا هذين التأويلين: «وهذان بعيدان»
اختُلف في قوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ على أقوال: الأول: ولا تُعطِ -يا محمد- عَطِيّة لِتُعطى أكثر منها. الثاني: ولا تَمْنُن عملك على ربّك تَسْتَكْثِر. الثالث: لا تَضْعُف أن تَسْتَكْثِر من الخير. الرابع: لا تَمْنُن بالنبوة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ووجّه ابنُ عطية (٨/٤٥٣) القول الأول، فقال: «فكأنه من قولهم: مَنَّ إذا أعطى، وقال الضَّحّاك: وهذا خاصٌّ بالنبي عليه السلام، ومباح لأُمّته، لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوا فِي أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]». وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا معنًى أجنبي مِن معنى هذه السورة». وعلّق على القول الثاني بقوله: «ففي هذا التأويل تحريض على الجد، وتخويف». وعلّق على القول الثالث، فقال: «وقال مجاهد: معناه: ولا تَضْعُف تَسْتَكْثِر ما حمّلناك من أعباء الرسالة وتَسْتَكْثِر من الخير. فهذه من قولهم: حبل منين، أي: ضعيف». وقد رجح ابنُ جرير (٢٣/٤١٧) -مستندًا إلى السياق، والقراءات- القول الثاني، فقال: «وإنما قلتُ ذلك أولى بالصواب؛ لأن ذلك في سياق آيات تَقدّم فيهنّ أمْر الله نبيّه ﷺ بالجد في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلقى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذكر عن عبد الله بن مسعود أنّ ذلك في قراءته: (ولا تَمْنُنْ أن تَسْتَكْثِر)»
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق معمر بن راشد- قال: أولُ ما ذُكِر من عبد المطلب جدِّ رسول الله ﷺ أنّ قريشًا خرَجت مِن الحرم فارَّةً مِن أصحاب الفيلِ وهو غلامٌ شابٌّ، فقال: واللهِ، لا أخرُجُ مِن حَرَم الله أبتغِي العزَّ في غيرِه. فجلَس عندَ البيت، وأَجْلَتْ عنه قريش، فقال: لاهُمَّ إنّ المرء يمـ ـنعُ رَحْلَه فامنَعْ رِحالَكْ لا يَغلِبَنَّ صليبُهُمْ وضلالُهم عدْوًا مِحالَكْ فلم يزَلْ ثابتًا في الحرمِ حتى أهلَك اللهُ الفيلَ وأصحابَه، فرجَعت قريشٌ وقد عظُم فيها لصبرِه وتعظيمِه محارَمَ الله، فبينما هو في ذلك وقد وُلِد له أكبرُ بَنيه فأدرَك، وهو الحارثُ بن عبد المطلب، فأُتِيَ عبدُ المطلب في المنام، فقيل له: احفِرْ زمزمَ، خَبيئةَ الشيخ الأعظم. فاستيقَظَ، فقال: اللَّهُمَّ، بيِّن لي. فأُتِيَ في المنامِ مَرَّةً أخرى، فقيل له: احفِرْ تُكْتَمَ بينَ الفرثِ والدم، في مَبحثِ الغراب، في قريةِ النمل، مُستقبلَ الأنصابِ الحُمْرِ. فقام عبدُ المطلب، فمشى حتى جلَس في المسجد الحرام ينتظرُ ما سُمِّيَ له من الآيات، فنُحِرَت بقرةٌ بالحَزْوَرةِ، فانفَلَتَتْ من جازرِها بحُشاشةِ نفسِها، حتى غلَبها الموتُ في المسجد في موضع زمزم، فجُزِرت تلك البقرةُ من مكانِها حتى احتُمِل لحمُها، فأقبَل غرابٌ يهوِي حتى وقَع في الفرث، فبحَث عن قرية النمل، فقام عبدُ المطلب فحفَر هنالك، فجاءته قريشٌ، فقالت لعبد المطلب: ما هذا الصنيع؟ إنّا لم نكنْ نَزُنُّك بالجهل، لِمَ تحفِرُ في مسجدِنا؟ فقال عبد المطلب: إنِّي لَحافرٌ هذا البئر، ومجاهِدٌ مَن صَدَّني عنها. فطَفِق هو وولدُه الحارث، وليس له ولدٌ يومئذٍ غيرُه، فسَفِه عليهما يومئذٍ ناسٌ من قريشٍ، فنازَعوهما، وقاتَلوهما، وتناهى عنه ناسٌ مِن قريش لِما يعلمون من عِتْقِ نسبه، وصدقه، واجتهاده في دينهم، حتى إذا أمكَن الحفرُ، واشتَدَّ عليه الأذى؛ نَذَر إن وفى له عشرةٌ من الولد أن ينحر أحدهم، ثُمَّ حفر حتى أدرك سيوفًا دُفِنت في زمزم حين دُفنت، فلمّا رأت قريشٌ أنّه قد أدرك السيوف قالوا: يا عبد المطلب، أجْدِنا مما وجَدت. فقال عبد المطلب: هذه السيوفُ لبيت الله. فحفر حتى أنبَطَ الماء في التراب، وبَحَرَها حتى لا تنزِف، وبنى عليها حوضًا، فطفِق هو وابنُه ينزِعان فيملآن ذلك الحوض، فيشرب منه الحاجُّ، فيكسِرُه أناسٌ حَسَدةٌ مِن قريش بالليل، فيُصلِحُه عبدُ المطلب حين يصبح، فلمّا أكثروا فسادَه دعا عبدُ المطلب ربَّه، فأُرِيَ في المنام، فقيل له: قل: اللَّهُمَّ، لا أُحِلُّها لِمُغْتَسِل، ولكن هي للشارب حِلٌّ وبِلٌّ، ثم كُفيتَهم. فقام عبد المطلب حين اختلفت قريش في المسجد، فنادى بالذي أُرِيَ، ثم انصرف، فلم يكن يُفسِد حوضَه ذلك عليه أحدٌ من قريش إلا رُمِيَ في جسده بداء، حتى تركوا حوضَه وسقايته. ثم تزوج عبدُ المطلب النساء، فوُلِد له عشرةُ رَهْط، فقال: اللَّهُمَّ، إنِّي كنتُ نذَرتُ لك نحرَ أحدهم، وإنِّي أُقرِعُ بينهم، فأصِبْ بذلك مَن شئت. فأقرَعَ بينهم، فطارت القرعةُ على عبد الله، وكان أحبَّ ولده إليه، فقال عبد المطلب: اللَّهُمَّ، هو أحبُّ إليك أم مائة من الإبل؟ ثم أقرع بينه وبين المائة من الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإبل، فنحرها عبد المطلب
رجَّحَ ابن كثير (٢/٤٠-٤١ بتصرف) قولَ أبي العالية، والربيع، وقتادة، والسُّدِّيِّ بأنّ القائلين ذلك هم مشركو العرب، مُستندًا إلى النظائر، فقال: «ويؤيد هذا القول وأنّ القائلين ذلك هم مشركو العرب قولُه تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ [الأنعام:١٢٣]، وقولُه تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا* أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ [الإسراء:٩٠-٩٣]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعُتُوِّهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال مَن قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾ [النساء:١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة:٥٥]». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٢/٤٧٥) هذا القولَ بأنّه لا برهان على صحته، فقال: «وأمّا الزّاعم أنّ الله عنى بقوله: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ العرب؛ فإنّه قائل قولًا لا خبر بصحته، ولا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب، والقولُ إذا صار إلى ذلك كان واضحًا خطؤُه؛ لأنه ادَّعى ما لا برهان على صحته، وادِّعاء مثل ذلك لن يَتَعَذَّر على أحد»