سورة يوسف — الآية ٧

عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: كان يعقوبُ نازلًا بالشام، وكان ليس له هَمٌّ إلا يوسف وأخوه بنيامين، فحَسَدَه إخوتُه مِمّا رأَوْا مِن حُبِّ أبيه له، ورأى يوسفُ في النوم رُؤْيا أنّ ﴿أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر﴾ ساجدين له، فحدَّث أباه بها، فقال له يعقوب: ﴿يا بنُى لا تَقصُص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا﴾. فبلغ إخوةَ يوسف الرُّؤْيا، فحسدوه، فقالوا: ﴿ليوسف وأخوه﴾ بنيامين ﴿أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة﴾ كانوا عشرة، ﴿إن أبانا لفي ضلال مبين﴾. قالوا: في ضلالٍ مِن أمرِنا. ﴿اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين﴾. يقول: تتوبون مِمّا صنعتم. ﴿قال قائل منهم﴾ وهو يهوذا: ﴿لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين﴾. فلمّا أجمعوا أمرَهم على ذلك أتَوْا أباهم، فقالوا: ﴿يا أبانا ما لك لا تَأمَنّا على يوسف﴾. قال: لن أُرْسِلَه معكم إني ﴿أخاف أن يأكُلَه الذئب وأنتم عنه غافلون*قالوا لئن أكله الذئب ونحن عُصْبَةٌ إنا إذا لخاسرون﴾. فأَرسَلَه معهم، فأخرَجوه وبه عليه كرامة، فلمّا بَرَزوا به إلى البَرِّيَّةِ أظهَروا له العداوة، فجعَل يضرِبُه أحدُهم، فيستغيث بالآخَر فيضربه، فجعل لا يرى منهم رحيمًا، فضربوه حتى كادوا يقتُلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه، يا يعقوب، لو تعلم ما صنَع بابنك بنو الإماء. فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا: أليس قد أعْطَيْتُمُوني مَوْثِقًا ألّا تقتلوه؟! فانطَلَقُوا به إلى الجُبِّ لِيَطرَحوه فيه، فجعلوا يُدْلُونه في البئر، فيَتَعَلَّق بشَفِير البئر، فربطوا يديه، ونزعوا قميصه، فقال: يا إخوتاه، رُدُّوا عليَّ قميصي أتَوارى به في الجُبِّ. فقالوا له: ادْعُ الأحدَ عشرَ كوكبًا والشمس والقمر يُؤْنِسوك. قال: فإنِّي لم أرَ شيئًا. فدَلَّوْهُ في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألْقَوْه إرادةَ أن يموت، فكان في البئر ماءٌ، فسَقَط فيه، فلم يَضُرَّه، ثم أوى إلى صخرةٍ في البئر، فقام عليها، فجعل يبكى، فناداه إخوتُه، فظَنَّ أنّها رِقَّةٌ أدركتْهم، فأجابهم، فأرادوا أن يَرْضَخوه بصخرةٍ فيقتلوه، فقام يهوذا فمنعهم، وقال: قد أعْطيتُموني مَوثِقًا ألّا تقتلوه. فكان يهوذا يأتيه بالطعام. ثم إنّهم رجعوا إلى أبيهم، فأخذوا جَدْيًا مِن الغنم، فذبحوه، ونضَحوا دمَه على القميص، ثم أقْبَلوا إلى أبيهم عشًاء يبكون، فلمّا سمع أصواتهم فزِعَ، وقال: يا بَنِيَّ، ما لكم؟ هل أصابكم في غنمِكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما فعل يوسف؟ ﴿قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نَسْتَبِقُ وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمنِ لنا﴾ يعني: بمُصَدِّق لنا ﴿ولو كنا صادقين﴾. فبكى الشيخ، وصاح بأعلى صوته، ثم قال: أين القميص؟ ثم جاءوا بقميصه وعليه دَمٌ كَذِب، فأخذ القميصَ، وطرَحه على وجهه، ثم بكى حتى خُضِّبَ وجهُه مِن دمِ القميص، ثم قال: إنّ هذا الذِّئْب يا بَنِيَّ لَرحيم، فكيف أكل لحمه ولم يُخَرِّق قميصه؟! ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا وارِدَهُم فأدلى دلوه﴾، فتعلَّق يوسف بالحبل، فخرج، فلمّا رآه صاحبُ الدَّلْوِ دعا رجلًا مِن أصحابه يُقال له: بُشْرى، فقال: ‹يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ›. فسَمِع به إخوةُ يوسف، فجاءوا، فقالوا: هذا عبدٌ لنا آبِقٌ، ورَطَنوا له بلسانهم، فقالوا: لَئِن أنكرت أنّك عبدٌ لنا لَنَقْتُلنَّكَ، أتُرانا نَرْجِعُ بك إلى يعقوب وقد أخبَرناه أنّ الذئب قد أكلك؟! قال: يا إخوتاه، ارجِعوا بي إلى أبي يعقوب، فأنا أضمن لكم رضاه، ولا أذكر لكم هذا أبدًا. فأَبَوْا، فقال الغلام: أنا عبدٌ لهم. فلمّا اشتراه الرجلان فَرِقا مِن الرُّفْقةِ أن يقولا: اشترَيْناه. فيسألونهما الشرَّكِةَ فيه، فقالا: نقول إن سألونا: ما هذا؟ نقول: هذا بضاعةٌ استَبْضَعْناها أهلَ البئر. فذلك قوله: ﴿وأَسَرُّوهُ بِضاعَة﴾، ﴿وشَروه بثمن بخس دراهم معدودة﴾ كانت عشرين درهمًا، وكانوا في يوسف من الزاهدين. فانطلقوا به إلى مصر، فاشتراه العزيز مَلِك مصر، فانطلق به إلى بيته، فقال لامرأته: ﴿أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا﴾. فأَحَبَّتْهُ امرأتُه، فقالت له: يا يوسف، ما أحْسَنَ شَعرَك! قال: هو أول ما يتناثر مِن جسدي. قالت: يا يوسف، ما أحسن عينيك! قال: هما أول ما يسيلان إلى الأرض مِن جسدي. قالت: يا يوسف، ما أحسن وجهَك! قال: هو للتراب يأكله. قالت: ﴿هيت لك﴾: هلم لك -وهي بالقِبْطِيَّة-. ﴿قال معاذ الله إنه ربى﴾ قال: سيدي ﴿أحسن مثواى﴾؛ فلا أخونه في أهله. فلم تزل به حتى أطْمَعَها، فهمَّت به وهَمَّ بها، فدخلا البيت، ﴿وغلقت الأبواب﴾، فذهب لِيَحُلَّ سراويلَه، فإذا هو بصورة يعقوب قائمًا في البيت قد عَضَّ على أصبُعه، يقول: يا يوسف، لا تُواقِعْها، فإنّما مَثَلُك مَثَلُ الطَّيْر في جَوِّ السماء لا يُطاق، ومَثَلُك إذا وقَعْتَ عليها مَثَلُه إذا مات فوقع على الأرض؛ لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومَثَلُك ما لم تُواقِعْها مَثَلُ الثَّوْر الصَّعْب الذي لم يُعمَل عليه، ومَثَلُك إذا واقَعْتَها مَثَلُه إذا مات فدخل النملُ في أصل قَرْنَيْه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه. فربط سراويله، وذهب ليخرج، فأَدْرَكَتْه، فأخذت بمُؤَخَّر قميصه مِن خلفه، فخرقته حتى أخرجته منه، وسَقَط، وطرحه يوسف، واشْتَدَّ نحوَ الباب، وألفيا سيدها جالسًا عند الباب هو وابنُ عمِّ المرأة، فلمّا رأته قالت: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾، إنّه راودني عن نفسي، فدفعته عَنِّي، فشَقَقْتُ قميصَه. فقال يوسف: لا، بل هي راودتني عن نفسي، فأَبَيْتُ وفَرَرْتُ منها، فأَدْرَكَتْنِي، فأَخَذَتْ بقميصي، فشَقَّتْهُ عَلَيَّ. فقال ابنُ عمِّها: في القميص تبيان الأمر؛ انظروا إن كان القميصُ قُدَّ مِن قبُل فصَدَقت وهو من الكاذبين، وإن كان قُدَّ من دُبُرٍ فكذبت وهو من الصادقين. فلما أُتِي بالقميص وجَده قد قُدَّ مِن دُبُر، فقال: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم*يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك﴾. يقول: لا تعودي لذنبك. ﴿وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبًا﴾. والشَّغاف: جِلْدَةٌ على القلب، يُقال لها: لِسان القلب. يقول: دَخَلَ الحُبُّ الجِلْدَ حتى أصاب القلب. ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ يقول: بِقَوْلِهِنَّ ﴿أرسلت إليهن وأَعتَدَت لهن متكئًا﴾ يَتَّكِئْن عليه، ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينًا﴾ وأُتْرُجًّا يَأْكُلْنَه، وقالت ليوسف: ﴿اخرج عليهن﴾. فلمّا خرج ورأى النسوةُ يوسفَ أعْظَمْنَه، وجعلن يَحزُزْن أيديَهن وهُم يحسبن أنّهُنَّ يُقَطِّعن الأُتْرُجَّ، ويقلن: ﴿حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم﴾. قالت: ﴿فذلكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ بعدما كان حَلَّ سراويله، ثم لا أدري ما بدا له. قال يوسف: ﴿رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه﴾. يقول: الحبسُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يدعونني إليه مِن الزِّنا. ثُمَّ إنّ المرأة قالت لزوجها: إنّ هذا العبد العبرانيَّ قد فَضَحَنِي في الناس، إنّه يعتذر إليهم ويُخبِرُهم أنِّي راودته عن نفِسه، ولستُ أُطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني. فذلك قوله: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات﴾ وهو شَقُّ القميص، وقطع الأيدي ﴿ليسجننه حتى حين﴾. ﴿ودخل معه السجن فتيان﴾، غَضِب الملِكُ على خبّازِه؛ بلغه أنّه يريد أن يَسُمَّه، فحبسه، وحبس الساقي، وظَنَّ أنّه مالأه على السُّمِّ، فلمّا دخل يوسفُ السجنَ قال: إنِّي أُعَبِّر الأحلام. فقال أحد الفَتَيَيْن لصاحبه: هَلُمَّ، فلْنُجرِّب قولَ هذا العبد العبراني. فتراءيا مِن غير أن يكونا رأيا شيئًا، ولكنهما خَرَصا، فعبَّر لهما يوسفُ خَرْصَهما، فقال الساقي: رأيتُني أعصِر خمرًا. وقال الخبّاز: رأيتني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه. قال يوسف: ﴿لا يأتيكما طعام تُرْزَقانِهِ﴾ في النوم ﴿إلا نبأتكما بتأويله﴾ في اليَقَظَة. ثم قال: ﴿يا صاحبى السجن أما أحَدُكُما فيسقى ربه خمرًا﴾؛ فيُعادُ على مكانه، ﴿وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾. ففزِعا، وقالا: واللهِ، ما رأينا شيئًا. قال يوسف: ﴿قضى الأمر الذى فيه تستفتيان﴾، إنّ هذا كائِنٌ لا بُدَّ منه. وقال يوسف عليه السلام للساقي: ﴿اذكرنى عند ربك﴾. ثم إنّ الله أرى الملكَ رؤيا في منامه هالَتْهُ، فرأى سبع بقرات سِمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر يأكلهن سبعٌ يابسات، فجمع السَّحَرَة والكهنة والعافة -وهم القافَة- والحازَة -وهم الذين يزجُرون الطير-، فقصَّها عليهم، فقالوا: ﴿أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين﴾. ﴿وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون﴾. قال ابن عباس: لم يكن السجنُ في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف، فقال: ﴿أفتنا في سبع بقرات﴾ إلى قوله: ﴿لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون﴾ تأويلها. قال: ﴿تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله﴾. قال: هو أبقى له، ﴿إلا قليلًا مما تأكلون*ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلًا مما تحصنون﴾ قال: مِمّا ترفعون، ﴿ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون﴾ قال: العِنَب. فلمّا أتى المَلِكَ الرسولُ وأخبره قال: ﴿ائتونى به فلما جاءه الرسول﴾ فأمره أن يخرج إلى المَلِك أبى يوسف، وقال: ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديَهُن﴾. قال السدي: قال ابن عباس: لو خرج يوسفُ يومئذ قبل أن يعلم المَلِك بشأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة؛ يقول: هذا الذي راود امرأته. قال الملك: ائتوني بِهِنَّ. قال: ﴿ما خطبُكُنَّ إذ راوَدتُّنَّ يوسف عن نفسه قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾، ولكن امرأة العزيز أخْبَرَتْنا أنّها راودته عن نفسه، ودخل معها البيت، وحلَّ سراويله، ثُمَّ شَدَّه بعد ذلك، ولا تدري ما بدا له. فقالت امرأة العزيز: ﴿الآن حصحص الحق﴾ قال: تَبَيَّنَ، ﴿أنا راودته عن نفسه﴾. قال يوسف وقد جيء به: ﴿ذلك لِيَعْلَمَ﴾ العزيزُ ﴿أنى لم أخنه بالغيب﴾ في أهله، ﴿وأن الله لا يهدى كيد الخائنين﴾. فقالت امرأة العزيز: يا يوسف، ولا حين حللتَ السراويل؟! قال يوسف: ﴿وما أُبَرِئُ نفسى﴾. فلمّا وجد الملِك له عُذرًا قال: ﴿ائتونى به أستخلصه لنفسى﴾. فاستعمله على مصر، فكان صاحبَ أمرها؛ هو الذى يلي البيع والأمر، فأصاب الأرضَ الجوعُ، وأصاب بلادَ يعقوب التي كان فيها، فبعث بنيه إلى مصر، وأمسك بنيامين أخا يوسف، فلمّا دخلوا على يوسف ﴿فَعَرَفَهُم وهم له منكرون﴾. فلمّا نظر إليهم أخذهم، وأدخلهم الدار، وأدخل المَكُّوك، وقال لهم: أخبروني، ما أمرُكم، فإني أُنكِرُ شأنَكم؟ قالوا: نحن مِن أرض الشام. قال: فما جاء بكم؟ قالوا: نَمْتارُ طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: نحن عشرة. قال: أنتم عشرة آلاف؛ كل رجل منكم أميرُ ألف، فأخبروني خبركم. قالوا: إنّا أخوة، بنو رجل صدِّيقٍ، وإنّا كنا اثني عشر، فكان يحب أخًا لنا، وإنّه ذهب معنا إلى البَرِّيَّة فهلك مِنّا فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى مَن يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخٍ له أصغر منه. قال: كيف تحدثوني أنّ أباكم صِدِّيق وهو يُحِبُّ الصغير منكم دون الكبير؟ ائتونى بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، ﴿فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون﴾. قالوا: ﴿سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون﴾. قال: فإني أخشى ألا تأتوني به، فضعوا بعضَكم رهينةً حتى ترجعوا. فارْتَهَن شمعون عنده، فقال لفتيته وهو يكيل لهم: ﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون﴾ إلَيَّ. فلمّا رجع القوم إلى أبيهم كلَّموه فقالوا: يا أبانا، إنّ ملِك مصر أكرَمنا كرامة، لو كان رجلًا مِنّا مِن بني يعقوب ما أكرَمنا كرامته، وإنّه ارتهن شمعون، وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك حتى أنظر إليه، فإن لم تأتوني به فلا تقربوا بلادي أبدًا. فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملِك مصر فأقرِئوه مِنِّي السلام، وقولوا: إن أبانا يصلِّى عليك ويدعو لك بما أوليتنا. ﴿ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدَّت إليهم﴾، أتَوا أباهم ﴿قالوا يا أبانا ما نبغى هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾. فقال أبوهم حين رأى ذلك: ﴿لن أُرسِلَهُ معكم حتى تُؤْتُونِ مَوثِقًا من الله لَتَأْتُنَّنِى به إلا أن يحاط بكم﴾. فحلفوا له، ﴿فلما آتوه مَوْثِقَهُم﴾ قال يعقوب: ﴿الله على ما نقول وكيل﴾. ورَهِب عليهم أن تُصِيبَهم العين إن دخلوا مصر فيُقال: هؤلاء لرجل واحد. قال: ﴿يا بنى لا تدخلوا من باب واحد﴾. يقول: مِن طريق واحد. فلمّا دخلوا على يوسف عرف أخاه، فأنزلهم منزلًا، وأجرى عليهم الطعام والشراب، فلما كان الليل أتاهم بمُثُلٍ، قال: لِيَنَم كلُّ أخوين منكم على مِثال. حتى بقي الغلامُ وحده، فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي. فبات مع يوسف، فجعل يَشُمُّ ريحَه، ويَضُمُّه إليه حتى أصبح، وجعل يقول روبيل: ما رأينا رجلًا مثل هذا إن نحن نجونا منه. ﴿فلما جَهَّزَهُم بِجَهازِهِم جعل السقاية في رحل أخيه﴾، والأخ لا يشعر، فلمّا ارتحلوا ﴿أذن مؤذن﴾ قبل أن يرتحل العير: ﴿أيتها العير إنكم لسارقون﴾. فانقطعت ظهورهم، ﴿وأقبلوا عليهم﴾ يقولون: ﴿ماذا تفقدون﴾ إلى قوله: ﴿قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين*قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه﴾ يقول: تأخذونه فهو لكم. ﴿فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه﴾، فلمّا بَقِي رَحْلُ الغلام قال: ما كان هذا الغلامُ لِيَأْخُذَها. قالوا: واللهِ، لا يُتْرَكُ حتى تنظر في رحله، ونذهب وقد طابت نفسُك. فأدخل يدُه في رحله، فاستخرَجها مِن رحل أخيه. يقول الله: ﴿كذلك كدنا ليوسف﴾ يقول: صنعنا ليوسف، ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾ يقول: في حُكْم الملك ﴿إلا أن يشاء الله﴾، ولكن صنعنا لشأنِهم؛ قالوا: ﴿فهو جزاؤه﴾. قال: فلمّا استخرجها مِن رحل الغلام انقطعت ظهورهم، وهلكوا، وقالوا: ما يزال لنا منكم بلاءٌ يا بني راحيل، متى أخَذْتَ هذا الصُّواع؟! قال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البَرِّيَّة، وما وضع هذا الصواع في رحلي إلا الذى وضع الدراهم في رِحالكم. قالوا: لا تَذْكُرِ الدراهم فنُؤْخَذ بها. فوقعوا فيه، وشتموه، فلمّا أدخلوهم على يوسف دعا بالصُّواع، ثُمَّ نَقَرَ فيه، ثُمَّ أدناه مِن أُذُنِه، ثُمَّ قال: إنّ صُواعي هذا لَيُخبِرني أنّكم كنتم اثني عشر أخًا، وأنّكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه. فلمّا سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف، وقال: أيها الملك، سل صواعك هذا، أحَيٌّ أخي ذاك أم لا؟ فنقرها يوسف، ثم قال: نعم هو حيٌّ، وسوف تراه. قال: اصنع بي ما شئت، فإنّه إن عَلِم بي استنقذني. فدخل يوسف، فبكى، ثم توضأ، ثم خرج. فقال بنيامين: أيها الملِك، إني أراك تضرب بصواعك فيُخبِرُكَ بالحق، فسله مَن صاحبه؟ فنقر فيه، ثم قال: إنّ صواعي هذا غضبان، يقول: كيف تسألني مَن صاحبي وقد رأيتَ مَعَ مَن كنت؟ وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يُطاقُوا، فغَضِب روبيل، فقام، فقال: أيُّها الملك، واللهِ، لَتَتْرُكَنّا أو لَأَصِيحَنَّ صيحةً لا تَبْقى امرأةٌ حامِلٌ بمصر إلا طَرَحَتْ ما في بطنها. وقامت كلُّ شعرة مِن جسد روبيل، فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنه: مُرَّ إلى جنب روبيل، فمَسَّهُ. وكان بنو يعقوب إذا غضِب أحدُهم فمَسَّه الآخَرُ ذَهَب غضبُه، فمَرَّ الغلام إلى جانبه، فمَسَّه، فذهب غضبُه، فقال روبيل: من هذا؟! إنَّ في هذه البِلاد لَبَزْرًا مِن بَزْر يعقوب. قال يوسف: ومَن يعقوب؟ فغضب روبيل، فقال: أيُّها الملِك، لا تَذْكُرَنَّ يعقوب، فإنّه سَرِيُّ الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله. فقال يوسف: أنت إذن إن كنت صادقًا، فإذا أتيتم أباكم فاقرءوا عليه مِنِّي السلام، وقولوا له: إنّ مَلِك مصر يدعو لك ألّا تموت حتى ترى ابنك يوسف؛ حتى يعلم أبوكم أنّ في الأرض صِدِّيقين مثله. فلمّا أيِسُوا منه، وأخرَج لهم شمعون وقد كان ارْتَهَنَه؛ خلوا بينهم ﴿نجيًا﴾ يتناجون بينهم، قال كبيرهم -وهو روبيل، ولم يكن بأكبرهم سِنًّا، ولكن كان كبيرهم في العلم-: ﴿ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقًا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبى أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾. فأقام روبيل بمصر، وأقبل التسعة إلى يعقوب، فأخبروه الخبر، فبكى، وقال: يا بَنِيَّ، ما تذهبون مِن مَرَّةِ إلا نقصتم واحدًا؟! ذهبتم فنقصتم يوسف، ثم ذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، ثم ذهبتم الثالثة فنقصتم بنيامين وروبيل، ﴿فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم*وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ من الغيظ، ﴿قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف﴾ قال: لا تزال تذكر يوسف ﴿حتى تكون حرضًا﴾: باليًا، ﴿أو تكون مِن الهالكين﴾: المَيِّتين. ﴿قال إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾. قال: أتى جبريلُ يوسفَ وهو في السجن، فسَلَّم عليه، وجاءه في صورة رجل حسن الوجه، طيب الريح، نَقِيَّ الثياب، فقال له يوسف: أيها الملك الحسن الوجه، الكريم على ربه، الطيب ريحه، حدِّثني كيف يعقوب؟ قال: حَزِن عليك حُزنًا شديدًا. قال: فما بلغ مِن حُزْنِه؟ قال: حُزْنُ سبعين مُثْكَلَةً. قال: فما بلغ مِن أجره؟ قال: أجر سبعين شهيدًا. قال يوسف: فإلى مَن أوى بعدي؟ قال: إلى أخيك بنيامين. قال: فتُراني ألقاه؟ قال: نعم. فبكى يوسف لَمّا لقي أبوه بعده، ثم قال: ما أُبالي بما لقيت إنِ اللهُ أرانِيهِ. قال: فلمّا أخبروه بدعاء المَلِك أحَسَّت نفسُ يعقوب، وقال: ما يكون في الأرض صِدِّيقٌ إلا ابني. فطمِع، وقال: لعله يوسف. ثم قال: ﴿يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ بمصر، ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾. قال: مِن فرج الله أن يَرُدَّ يوسف. فلما رجعوا إليه قالوا: ﴿يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مُزجاة فأوف لنا الكيل﴾ بها كما كنت تعطينا بالدراهم الجيِّدة، ﴿وتصدق علينا﴾ بفضل ما بين الجياد والرَّديئة. قال لهم يوسف -ورَحِمَهم عند ذلك-: ﴿هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا: أءِنك لأنت يوسف قال: أنا يوسف وهذا أخى قد مَنَّ الله علينا﴾. فاعتذروا إليه، وقالوا: ﴿تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾. قال: ﴿لا تثريب عليكم اليوم﴾: لا أذكر لكم ذنبكم، ﴿يغفر الله لكم﴾. ثم قال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: عَمِي مِن الحُزن. فقال: ﴿اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرًا وأتونى بأهلكم أجمعين﴾. فقال يهوذا: أنا ذهبتُ بالقميص إلى يعقوب وهو مُتَلَطِّخ بالدماء، وقلت: إنّ يوسف قد أكله الذئب، وأنا اليوم أذهب بالقميص وأُخْبِرُه أنّ يوسف حيٌّ، فأُفْرِحه كما أحزنته. فهو كان البشير. ﴿ولما فصلت العير﴾ من مصر مُنطَلِقَةً إلى الشام؛ وجد يعقوب ريح يوسف، فقال لبني بنيه: ﴿إنى لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾. قال له بنو بنيه: ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ مِن شأن يوسف. ﴿فلما أن جاء البشير﴾ وهو يهوذا؛ ألقى القميص على وجهه ﴿فارتد بصيرًا﴾. قال يعقوب لبنيه: ﴿ألم أقل لكم إنى أعلم من الله ما لا تعلمون﴾؟!. ثُمَّ حملوا أهلهم وعيالهم، فلمّا بلغوا مصر كلَّم يوسفُ المَلِك الذي فوقه، فخرج معه هو والمَلِك يَتَلَقَّوْنَهم، فلمّا لقيهم قال: ﴿ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾. فلمّا دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه؛ أباه وخالته، ورفعهما ﴿على العرش﴾ قال: السرير. فلما حضر يعقوب الموت أوصى إلى يوسف أن يدفنه عند إبراهيم وإسحاق، فمات، فنفخ فيه المُرَّ، ثم حمله إلى الشام، وقال يوسف عليه السلام: ﴿رب قد آتيتنى من الملك﴾ إلى قوله: ﴿توفنى مسلمًا وألحقنى بالصالحين﴾. قال ابن عباس: هذا أول نبيٍّ سأل الله الموت

سورة طه — الآية ٢٤

عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن معقل- قال: لَمّا رأى موسى النارَ انطلق يسير، حتى وقف منها قريبًا، فإذا هو بنار عظيمة، تَفُور مِن ورق شجرة خضراء شديدة الخضرة يُقال لها: العُلِّيق، لا تزداد النارُ فيما يَرى إلا عِظَمًا وتَضَرُّمًا، ولا تزداد الشجرة على شِدَّة الحريق إلا خُضْرَةً وحُسْنًا، فوقف ينظر لا يدري على ما يضع أمرها، إلا أنّه قد ظن أنّها شجرة تحترق وأوقد إليها مَوْقِدُ، فَنالَها، فاحترقت، وأنّه إنما يمنع النار شدة خضرتها، وكثرة مائها، وكثافة ورَقها، وعِظَم جِذعها، فوضع أمرها على هذا، فوقف وهو يطمع أن يَسْقُط منها شيءٌ فيَقْتَبِسه، فلمّا طال عليه ذلك أهوى إليها بِضِغْثٍ في يده، وهو يريد أن يقتبس مِن لَهَبِها، فلمّا فعل ذلك موسى مالَتْ نحوه كأنها تُريده، فاستأخر عنها وهاب، ثم عاد فطاف بها، فلم تزل تُطْمِعُه ويَطْمَعُ بها، ثم لم يكن شيءٌ بأوْشَكَ مِن خُمودها، فاشْتَدَّ عند ذلك عجبه، وفكَّر موسى في أمرها، فقال: هي نارٌ مُمْتَنِعَةٌ لا يُقْتَبَس منها، ولكنها تَتَضَرَّم في جوف شجرة فلا تحرقها. ثم خمودها على قِدَر عظمها في أوْشَكَ مِن طَرْفَة عين، فلمّا رأى ذلك موسى قال: إنّ لِهذه شأنًا. ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة، لا يدري مَن أمرها ولا بما أُمِرَت ولا مَن صنعها، ولا لِمَ صُنعت، فوقف مُتَحَيِّرًا لا يدري أيرجع أم يقيم؟ فبينا هو على ذلك إذ رمى بطرفه نحو فرعها، فإذا هو أشدُّ مما كان خضرة، وإذا الخضرة ساطعة في السماء، يَنظُرُ إليها تَغشى الظَلامَ، ثم لم تزل الخضرة تُنَوِّرُ وتَصْفَرُّ وتَبْيَضُّ حتى صارت نورًا ساطعًا عمودًا بين السماء والأرض، عليه مثل شعاع الشمس، تَكَلُّ دونه الأبصار، كلمّا نظر إليه يكاد يخطف بصره، فعند ذلك اشتدَّ خوفه وحزنه، فردَّ يده على عينيه، ولصق بالأرض، وسمع الحس والوجس، إلا أنه سمع حينئذ شيئًا لم يسمع السامعون بمثله عظمًا، فلمّا بلغ موسى الكرب واشتد عليه الهولُ نُودِي من الشجرة، فقيل: يا موسى. فأجاب سريعًا وما يدري مَن دعاه، وما كان سرعةُ إجابته إلا استئناسًا بالإنس، فقال: لبيك -مرارًا- إني لأسمع صوتك، وأُحِسُّ حسك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال: أنا فوقك ومعك وخلفك، وأقربُ إليك من نفسك. فلما سمع هذا موسى علِم أنّه لا ينبغي هذا إلا لربه، فأيقن به، فقال: كذلك أنت، يا إلهي، فكلامَك أسمعُ أم رسولَك؟ قال: بل أنا الذي أُكَلِّمك، فادْنُ مِنِّي. فجمع موسى يديه في العصا، ثم تحامل حتى اسْتَقَلَّ قائمًا، فرعدتْ فَرائِصُه حتى اختلفت، واضطربت رجلاه، وانقطع لسانه، وانكسر قلبه، ولم يبق منه عَظْمٌ يحمل آخَرَ، فهو بمنزلة الميِّت، إلا أن روح الحياة تجري فيه، ثم زحف على ذلك وهو مرعوب، حتى وقف قريبًا مِن الشجرة التي نُودِي منها، فقال له الرب -تبارك وتعالى-: ما تلك بيمينك، يا موسى؟ قال: هي عصاي. قال: وما تصنع بها؟ -ولا أحد أعلم منه بذلك- قال موسى: أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى قد علمتَها. وكان لموسى في العصا مآرب، كان لها شعبتان، ومِحْجَنٌ تحت الشعبتين، فإذا طال الغصنُ حَناه بالمحْجَنِ، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، وكان يتوكَّأُ عليها، ويَهُشُّ بها، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه، فعلق بها قوسه وكِنانَته ومِرْجامه ومِخْلاتَه وثوبه وزادًا إن كان معه، وكان إذا أرْتع في البَرِّيِّة حيث لا ظل له رَكَزَها، ثم عرض بالوتد بين شعبتيها، وألقى فوقها كساءه، فاستظل بها ما كان مرتعًا، وكان إذا ورد ماءً يقصر عنه رِشاؤُه وصل بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. قال له الرب: ألْقِها، يا موسى. فظنَّ موسى أنه يقول: ارفضها. فألقاها على وجه الرفض، ثم حانت منه نظرة، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، يُرى، يلتمس كأنه يبتغي شيئًا يريد أخذه، يمرُّ بالصخرة مثل الخَلِفَةِ من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيَجْتَثُّها، عيناه توقدان نارًا، وقد عاد المحجن عرفًا فيه شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان فهما مثل القَلِيب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولّى مُدْبِرًا ولم يعقب، فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحيَّة، ثم ذكر ربَّه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى، إلَيَّ ارجع حيث كنت. فرجع وهو شديد الخوف، فقال: خذها بيمينك، ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى. قال: وكان على موسى حينئذ مِدْرَعَة مِن صوف، قد خلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدْنى طرف المِدْرَعة على يده، فقال له ملَك: أرأيت -يا موسى- لو أذن الله بما تُحاذِر أكانت المدرعة تُغني عنك شيئًا؟ قال: لا، ولكني ضعيف، ومِن ضَعْفٍ خُلِقْتُ. فكشف عن يده، ثم وضعها على فم الحيَّة، حتى سمع حِسَّ الأضراس والأنياب، ثم قبض، فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين. قال له ربه: ادْنُ. فلم يزل يُدْنِيه حتى أسنَدَ ظهرَه بجذع الشجرة، فاسْتَقَرَّ، وذهبت عنه الرّعْدَة، وجمع يديه في العصا، وخضع برأسه وعنقه، ثم قال له: إنِّي قد أقمتُك اليوم في مقام لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك؛ أدنيتك وقرَّبْتُك حتى سمعت كلامي، وكنتَ بأقرب الأمكنة مِنِّي، فانطلق برسالتي، فإنّك بعيني وسمعي، وإن معك يدي وبصري، وإنِّي قد ألْبَسْتُكَ جُبَّة من سلطاني؛ تستكمل بها القُوَّة في أمري، فأنت جندٌ عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف مِن خلقي، بَطِرَ نعمتي، وأمِنَ مكْري، وغرَّته الدنيا حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وعَبَدَ مَن دوني، وزعم أنه لا يعرفني، وإنِّي لَأُقْسِم بعِزَّتي: لولا العُذْر والحُجَّة التي وضعتُ بيني وبين خلقي لَبَطَشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حَصَبَته، وإن أمرتُ الأرضَ ابتَلَعَتْه، وإن أمرتُ البحار غَرَّقَتْهُ، وإن أمرت الجبال دمَّرته، ولكنه هان عَلَيَّ، وسقط من عيني، وسِعَهُ حلمي، واستغنيت بما عندي، وحق لي أني أنا الغني لا غَنِيَّ غيري، فبلِّغه رسالتي، وادعُه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمي، وذكِّره بأيامي، وحذِّره نقمتي وبأسي، وأخبِره أنّه لا يقوم شيءٌ لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولًا لَيِّنًا، لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أنِّي أنا العَفُوُّ، والمغفرة أسرعُ مِنِّي إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبستُه من لباس الدنيا؛ فإنّ ناصيته بيدي، ليس يَطْرِفُ ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له: أجِب ربك؛ فإنّه واسع المغفرة، فإنه قد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مُبارِزُه بالمحاربة، تَتَشَبَّه وتَتَمَثَّل به، وتصدُّ عبادَه عن سبيله، وهو يُمْطِر عليك السماء، ويُنبِت لك الأرض، لم تسقم، ولم تهرم، ولم تفتقر، ولم تُغْلَب، ولو شاء أن يجعل لك ذلك أو يَسْلُبَكَهُ فعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهِده بنفسك وأخيك وأنتما محتسبان بجهاده، فإنِّي لو شئت أن آتيه بجنود لا قِبَل له بها فعلتُ، ولكن لِيعلم هذا العبدُ الضعيفُ الذي قد أعْجَبَتْهُ نفسه وجموعُه أنّ الفئة القليلة -ولا قليل مِنِّي- تغلب الفئة الكبيرة بإذني، ولا يُعْجِبَنَّكما زِينته، ولا ما مُتِّع به، ولا تَمُدّا إلى ذلك أعينكما؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين، وإنِّي لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أنّ مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلتُ، ولكني أرغب بكما عن ذلك، وأزْوِيه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما خرتُ لهم عن ذلك، فإنِّي لَأذُودُهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيقُ غنمَه عن مواقع الهَلَكَة، وإنِّي لَأُجَنِّبهم سلوها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبلَه عن مَبارِكِ العُرَّة، وما ذاك لهوانهم عَلَيَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم مِن كرامتي سالمًا مُوَفَّرًا لم تَكْلَمُه الدنيا، ولم يُطْغِه الهوى، واعلم أنه لم يتزين إلَيَّ العبادُ بزينةٍ هي أبلغُ فيما عندي مِن الزهد في الدنيا؛ فإنّه زينة المتقين، عليهم منه لباسٌ يعرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم مِن أثر السجود، أولئك هم أوليائي حقًّا، فإذا لَقِيتَهم فاخفض لهم جناحك، وذلِّل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه مَن أهان لي ولِيًّا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادَأَنِي، وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نُصرة أوليائي، فيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟! أو يظن الذي يحادني أو يعاديني أن يعجزني؟! أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟! وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أكِلُ نصرتهم إلى غيري؟! قال: فأقبل موسى إلى فرعون في مدينةٍ قد جعل حولها الأُسْدَ في غَيْضَةٍ قد غرسها، والأُسد فيها مع ساسَتِها، إذا أرسلها على أحدٍ أكلتْه، وللمدينة أربعة أبواب في الغَيْضَة، فأقبل موسى من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون، فلما رأته الأُسْدُ صاحت صياح الثعالب، فأنكر ذلك السّاسَة، وفرقوا من فرعون، فأقبل موسى حتى انتهى إلى الباب الذي فيه فرعون، فقرعه بعصاه، وعليه جُبَّةٌ مِن صوف وسراويل، فلمّا رآه البوّاب عجب مِن جراءته، فتَرَكه، ولم يأذن له، فقال: هل تدري بابَ مَن أنت تضرب؟! إنّما أنت تضرب بابَ سيِّدك. قال: أنت وأنا وفرعون عبيدٌ لربي، فأنا ناصِره. فأخبرَ البواب الذي يليه مِن البوابين، حتى بلغ ذلك أدناهم، ودونه سبعون حاجبًا، كل حاجب منهم تحت يده مِن الجنود ما شاء الله، حتى خلص الخبر إلى فرعون، فقال: أدخلوه عَلَيَّ. فأُدْخِل، فلمّا أتاه قال له فرعون: أعرفُك؟ قال: نعم. قال: ألم نُرَبِّك فينا وليدًا؟ قال: فردَّ إليه موسى الذي ردَّ، قال فرعون: خذوه. فبادَرَ موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فحملت على الناس، فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قَتَل بعضهم بعضًا، وقام فرعون مُنْهَزِمًا حتى دخل البيت، فقال لموسى: اجعل بيننا وبينك أجلًا ننظر فيه. قال: موسى: لم أُومَر بذلك، إنّما أُمِرْتُ بمُناجَزَتِك، وإن أنت لم تخرج إلَيَّ دَخَلْتُ عليك. فأوحى الله إلى موسى: أن اجعل بينك وبينه أجلًا، وقل له: أن يجعله هو. قال فرعون: اجعله إلى أربعين يومًا. ففعل. قال: وكان فرعونُ لا يأتي خلاء إلا في كل أربعين يومًا مرة، فاختلفَ ذلك اليوم أربعين مرة. قال: وخرج موسى مِن المدينة، فلمّا مر بالأُسْد خضعت له بأذنابها، وسارت مع موسى تشِّيعه ولا تَهِيجه، ولا أحدًا من بني إسرائيل

سورة طه — الآية ٤٠

عن سعيد بن جبير، قال: سألتُ عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وفتناك فتونا﴾، فسألت عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهارَ، يا ابن جبير؛ فإنّ لها حديثًا طويلًا. فلمّا أصبحتُ غَدَوْتُ على ابن عباس لأتَنَجَّز ما وعدني مِن حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعونُ وجلساؤه ما كان اللهُ وعَدَ إبراهيم مِن أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا؛ فقال بعضهم: إنّ بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يَشُكُّون فيه، ولقد كانوا يظنون أنّه يوسف بن يعقوب، فلمّا هلك قالوا: ليس هذا كان وعدُ اللهِ إبراهيمَ. قال فرعون: فكيف ترون؟ فائْتَمَرُوا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالًا معهم الشِّفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا إلا ذبحوه، ففعلوا، فلمّا رأوا أنّ الكبار يموتون بآجالهم، وأنّ الصغار يُذْبَحون؛ قالوا: يُوشِك أن يفنى بنو إسرائيل؛ فتصيروا أن تُباشِروا الأعمال والخِدْمَة التي كانوا يَكْفُونَكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فتَقِلُّ أبناؤهم، ودعوا عامًا لا تقتلوا منهم أحدًا، فيَشِبُّ الصِّغارُ مكان مَن يموت مِن الكبار؛ فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إيّاكم، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم. فأجمعوا أمرهم على ذلك، فحملت أمُّ موسى بهارون في العام الذي لا يُذبَح فيه الغلمان، فوَلَدَتْ علانِيَةً آمِنَةً، حتى إذا كان في قابِلٍ حملت بموسى، فوقع في قلبها الهمُّ والحُزن -فذلك مِن الفتون، يا ابن جبير؛ ما دخل عليه في بطن أمه ما يُراد به-، فأوحى الله إليها أن: ﴿لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص:٧]. وأَمَرَها إذا ولَدَتْه أن تجعله في تابوت، ثم تُلقيه في اليمِّ، فلما ولَدْت فَعَلَتْ ما أُمِرَت به، حتى إذا توارى عنها ابنُها أتاها الشيطان، وقالت في نفسها: ما فعلتُ بابني؟! لو ذُبِح عندي فوارَيْتُه وكَفَّنتُه كان أحبَّ إلَيَّ مِن أن ألقيه إلى دوابِّ البحر وحيتانه. فانطلق به الماءُ حتى أوْفى به عند فُرْضَة مُسْتَقى جواري امرأة فرعون، فرَأَيْنَه، فأخَذْنَه، فهَمَمْنَ أن يَفْتَحْنَ الباب، فقال بعضُهُنَّ لبعض: إنّ في هذا لَمالًا، وإنّا إن فتحناه لم تُصَدِّقنا امرأةُ الملك بما وجدنا فيه. فحَمَلْنه بهيئته، لم يُحَرِّكْنَ منه شيئًا حتى دَفَعْنَه إليها، فلمّا فتحته رأت فيه الغلامَ، فألقي عليها محبةٌ لم تلْقَ منها على أحد مِن البشر قطُّ، ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا﴾ [القصص:١٠] مِن ذِكْرِ كلِّ شيء إلا مِن ذكر موسى. فلمّا سمع الذبّاحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشِفارِهم، يريدون أن يذبحوه -وذلك مِن الفتون، يا ابن جبير-. فقالت للذبّاحين: آمروني، فإنّ هذا الواحدُ لا يزيد في بني إسرائيل، فإني آتي فرعون فأسْتَوْهِبُه إيّاه، فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألُمْكُم. فلمّا أتت به فرعونَ قالت: ﴿قرة عين لي ولك لا تقتلوه﴾ [القصص:٩]. قال فرعون: يكون لكِ، وأما لي فلا حاجة لي فيه. قال رسول الله ﷺ: «والذي يحلف به، لو أقرَّ فرعون بأن يكون قُرَّة عين له كما قالت امرأتُه لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله عز وجل حرمه ذلك». فأرسلت إلى مَن حولها مِن كل امرأة لها لبنٌ لِتختار له ظِئْرًا، فكلَّما أخذته امرأةٌ مِنهُنَّ لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأةُ فرعون أن يمتنع مِن اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به، فأُخْرِج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظِئْرًا يأخذ منها، فلم يفعل. وأصبحتْ أمُّ موسى والِهًا، فقالت لأخته: قُصِّي أثره، واطلبيه، هل تسمعين له ذِكْرًا؟ أحيٌّ أم قد أكلته الدوابُّ؟ ونَسِيَتِ الذي كان وعَدَ اللهُ. فبصرت به أختُه عن جنب وهم لا يشعرون -والجنب: أن يَسْمُوَ بصرُ الإنسانِ إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه، وهو لا يشعر به-، فقالت مِن الفرح حين أعياهم الظُّئُورات: أنا أدلُّكم على أهل بيتٍ يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها، فقالوا: وما يدريك ما نصحهم له؟ هل يعرفونه؟! حتى شكُّوا في ذلك -وذلك من الفتون، يا ابن جبير-، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صِهر الملك رجاءَ منفعته. فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فأخبرتها الخبر، فجاءت، فلما وضعته في حِجرها نزا إلى ثديها، فمصَّه حتى امتلأ جنباه ريًّا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يُبَشِّرونها: إنّا قد وجدنا لابنك ظِئْرًا. فأرسلت إليها، فأُتِيَت بها وبه، فلمّا رأت ما يصنع بها قالت لها: امكثي عندي، أرضعي ابني هذا؛ فإني لم أُحِبَّ حُبَّه شيئًا قط. قالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسُك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرًا فعلتُ، وإلا فإني غيرُ تاركةٍ بيتي وولدي. فذكرت أمُّ موسى ما كان الله عز وجل وعَدَها، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك، وأيقنت أن الله عز وجل مُنجِزٌ وعدَه، فرجعت بابنها من يومها، فأنبته الله نباتًا حسنًا، وحفظه لِما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم يجتمعون في ناحية القرية يمتنعون به مِن الظُّلم والسُّخْرَةِ منذ كان فيهم. فلمّا ترعرع قالت امرأةُ فرعون لأم موسى: أزيريني ابني. فوعدتها يومًا تزورها فيه به، فقالت لخُزّانِها وظُئُورِها وقَهارِمَتِها: لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامةٍ أرى ذلك فيه، وأنا باعثةٌ أمينًا يُحْصِي ما صنع كلُّ إنسان منكم. فلم تزل الهدايا والنِحَل والكرامة تستقبله مِن حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها، فلما دخل عليها أكرمته ونَحَلته، وفرحت به وأعجبها، ونَحَلَتْ أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لأنطلِقَنَّ به إلى فرعون فلَيُنْحِلَنَّه وليُكْرِمَنَّه. فلما دخلت به عليه، وجعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون، فمدَّها إلى الأرض، فقالت له الغواةُ مِن أعداء الله: ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم! إنّه يَرِثُك ويصرعك ويعلوك. فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه -وذلك مِن الفتون يا بن جبير، يَعُدُّ كلَّ بلاء ابتلي به وأريد به فتونًا-، فجاءت امرأةُ فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟ قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني! ؟ قالت له: اجعل بيني وبينك أمرًا تعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقَرِّبْهُنَّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمتَ أنه يعقل، وإن هو تناول الجمرتين ولم يُرِد اللؤلؤتين فاعلم أنّ [أحدًا] لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل! فقُرِّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فانتزعوهما منه مخافة أن يحرقا بدنه، فقالت المرأة: ألا ترى؟! وصرفه الله عنه بعد أن كان همَّ به، وكان اللهُ بالغَ أمره فيه. فلمّا بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد مِن آل فرعون يخلص إلى أحد مِن بني إسرائيل معه بظُلْم ولا بسُخْرَة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان؛ أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيليُّ على الفرعوني، فغضب موسى، واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى مِن بني إسرائيل وحفظه لهم -لا يعلم إلا أنّ ذلك مِن الرضاع من أم موسى، إلا أن يكون اللهُ تعالى أطلع موسى مِن ذلك على ما لم يُطْلِع غيره عليه-، فوكز موسى الفرعونيَّ، فقتله، وليس يراهما أحدٌ إلا الله والإسرائيليُّ. فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾ [القصص:١٥]. ثم قال: ﴿ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له﴾ [القصص:١٦]. وأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتى فرعونُ، فقيل له: إنّ بني إسرائيل قتلوا رجلًا مِن آل فرعون، فخُذ لنا بحَقِّنا، ولا ترخص لهم. فقال: ائتوني قاتلَه ومَن شهد عليه؛ فإن الملك -وإن كان صَفْوُه مع قومه- لا يستقيم له أن يقِيدَ بغير بيِّنة ولا ثبت، فاطلبوا علمَ ذلك آخذْ لكم بحقِّكم. فبينما هم يطوفون فلا يجدون بيِّنة ولا ثبتًا، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيليَّ يقاتل فرعونيًّا آخر، فاستغاثه الإسرائيليُّ على الفرعوني، فصادف موسى قد ندِم على ما كان، وكَرِه الذي رأى، فغضب من الإسرائيلي، وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال: ﴿إنك لغوي مبين﴾ [القصص:١٨]. فنظر الإسرائيليُّ إلى موسى حين قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس، فخاف بعدما قال له: ﴿إنك لغوي مبين﴾، أن يكون إياه أراد -وإنما أراد الفرعوني-، فقال: ﴿يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾ [القصص:١٩]. وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إيّاه أراد موسى ليقتله، فتَتاركا، فانطلق الفرعونيُّ إلى قومه، فأخبرهم بما سمع مِن الإسرائيلي حين يقول: ﴿أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾. فأرسل فرعونُ الذبّاحين ليقتلوا موسى، فأخذ رُسُلُ فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، وجاء رجل مِن شيعة موسى مِن أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر -وذلك من الفتون، يا ابن جبير-. فخرج موسى مُتَوَجِّهًا نحو مَدْين، لم يلق بلاءً مثل ذلك، وليس له بالطريق عِلْمٌ إلا حُسْنُ ظنِّه بربه، فإنه قال: ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ [القصص:٢٢-٢٣] يعني: حابِسَتَيْ غنمَهما. ﴿قال: ما خطبكما﴾ مُعْتَزِلَتَيْن لا تسقِيانِ مع الناس؟ قالتا: ليست لنا قُوَّة نُزاحِم القوم، وإنما ننتظر فضول حِياضِهم. فسقى لهما؛ فجعل يغرِف في الدلو ماءً كثيرًا حتى كانتا أول الرعاة فراغًا، فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما، وانصرف موسى إلى شجرة فاسْتَظَلَّ بها، وقال: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص:٢٤]. فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حُفَّلًا بِطانًا، وقال: إن لكما اليوم لَشأنًا. فحدَّثتاهُ بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتته فدعته، فلما كلَّمه قال: ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ [القصص:٢٥]، ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطانًا، ولسنا في مملكته. قالت ابنتُه: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص:٢٦]. فحملته الغيرة أن قال: وما يدريك ما قُوَّتُه وما أمانته؟ قالت: أمّا قوته فما رأيتُ منه حين سقى لنا، لم أر رجلًا قطُّ أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا، وأما أمانته فإنّه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلمّا علم أني امرأة صوَّب رأسه ولم يرفعه، ولم ينظر إلَيَّ حين أقبلت إليه، حتى بلَّغتُه رسالتك، فقال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق. فلم يقل هذا إلا وهو أمين. فسُرِّي عن أبيها، وصدَّقها، وظَنَّ به الذي قالت، فقال: هل لك ﴿أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك﴾ [القصص:٢٧]. ففعل، فكانت على موسى ثماني حجج واجبة، وكانت سنتان عِدَةً منه، فقضى اللهُ عِدَتَه، فأتمها عشرًا. -قال سعيد: فسألني رجلٌ مِن أهل النصرانية مِن علمائهم: هل تدري أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أعلم، فلقيت ابنَ عباس، فذكرت له الذي قال النصرانيُّ، فقال: أما كنت تعلم أنّ ثمانيًا واجبة لم يكن موسى لينتقص منها شيئًا، وتعلم أنّ الله تعالى كان قاضيًا عن موسى عِدَته التي وعد؟ فإنّه قضى عشرًا. فأخبرت النصراني، فقال: الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك. قلت: أجلْ، وأولى!-. سار موسى بأهله، ورأى مِن أمر النار ما قصَّ اللهُ عليك في القرآن وأمرِ العصا ويدِه، فشكا إلى ربِّه ما يتخوَّف مِن آل فرعون في القتيل، وعُقدة لسانه؛ فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه مِن كثير من الكلام، فسأل ربَّه أن يعينه بأخيه هارون، ليكون له رِدْءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يُفْصِح به، فآتاه الله سُؤْلَه، فحَلَّ عُقْدَةً من لسانه، وأوحى إلى هارون، وأمَرَهُ أن يلقى موسى، فاندفع موسى بالعصا، ولَقِي هارون، فانطلقا جميعًا إلى فرعون، فأقاما ببابه حينًا لا يُؤذَن لهما، ثم أذن لهما بعدَ حِجاب شديد، فقالا: ﴿إنا رسولا ربك﴾. فقال: ومَن ربكما، يا موسى. فأخبراه بالذي قصَّ الله في القرآن، قال: فما تريدان؟ وذَكَّره بالقتيل، فاعتذر بما قد سمعتَ، قال: أريد أن تؤمن بالله، وترسل معي بني إسرائيل. فأبى عليه ذلك، وقال: ائْتِ بآيةٍ إن كنت مِن الصادقين. فألقى بعصاه، فتحولت حيَّة عظيمة فاغرةً فاها مُسْرِعةً إلى فرعون، فلما رأى فرعونُ أنّها قاصِدةٌ إليه خافها؛ فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يَكُفَّها عنه، ففعل، وأخرج يده مِن جيبه بيضاء من غير سوء، يعني: من غير برص، ثم أعادها إلى كُمِّه، فصارت إلى لونها الأول، فاستشار الملأَ فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران، يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم المثلى. يعنون: مُلْكَهم الذي هم فيه والعيش، فأبَوْا على موسى أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهم السحرةَ، فإنهم بأرضنا كثير حتى تغلب بسحرِهم سحرَهما. ﴿فأرسل فرعون في المدائن حاشرين﴾ [الشعراء:٥٤]، فحُشِر له كل ساحر مُتعالِم، فلما أتَوْا فرعونَ قالوا: بِمَ يعملُ هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات والحبال. قال: فلا، واللهِ، ما في الأرض قومٌ يعملون بالحيّات والحِبال والعُصِيِّ بالسحر ما نعمل به! فما أجرُنا إن غلبناه؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانعٌ بكم كلَّ شيء أحببتم. فتواعدوا ليوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى. -قال سعيد: فحدثني ابنُ عباس أن يوم الزينة اليومُ الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، وهو يوم عاشوراء-. فلمّا اجتمعوا في صعيد واحد قال الناسُ بعضُهم لبعض: اذهبوا بنا فلنحضُر هذا الأمر، ونتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين. يعنون بذلك: موسى وهارون استهزاءً بهما، فقالوا: يا موسى -لقدرتهم بسحرهم-، ﴿إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقين. قال: ألقوا﴾ [الأعراف:١١٥-١١٦]. ﴿فألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون﴾ [الشعراء:٤٤]. فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة، فأوحى الله إليه: أن ألق عصاك. فلمّا ألقاها صارت ثعبانًا عظيمًا فاغِرةً فاها، فجعل العصا بدعوة موسى تَلْتَبِس بالحبال، حتى صارت جَزَرًا إلى الثعبان، تدخل فيه حتى ما أبقت عصًا ولا حبلًا إلا ابتلعته، فلما عَرَف السحرةُ ذلك قالوا: لو كان هذا سحرًا لم تبتلع مِن سحرنا كل هذا! ولكن هذا مِن أمر الله عز وجل؛ فآمنّا بالله، وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا فيه. فكسر اللهُ ظهرَ فرعون في ذلك الموطنِ وأشياعَه، فظهر الحقُ وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك، وانقلبوا صاغرين، وامرأة فرعون بارِزة مُتَبَذِّلَةٌ، تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون، فمَن رآها من آل فرعون ظنَّ أنها تَبَذَّلَتْ شفقةً على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمُّها لموسى. فلمّا طال مكث موسى لمواعِدِ فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعَد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كشف ذلك عنه نكث عهده، واختلف وعده، حتى أمر موسى بقومه، فخرج بهم ليلًا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مَضَوْا بعث في المدائن حاشرين، فتبعهم جنودٌ عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر: إذا ضربك عبدي موسى فانفرِق له اثني عشر فرقًا، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التَقِ بعدُ على مَن بقي مِن قوم فرعون وأشياعه. فنسي موسى أن يضرب بعصاه، فدفع إلى البحر وله قَصِيفٌ، مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيًا، فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: إنا لمدركون، فافعل ما أمرك به ربُّك؛ فإنك لم تُكْذَب ولم تَكْذِب. قال: وعدني ربي إذا انتهيتُ إلى البحرِ أن ينفرق لي حتى أجوز. ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحرَ حين دنا أوائلُ جند فرعون مِن أواخر جند موسى، فانفرق البحرُ كما أمره الله وكما وعد موسى، فلما جاز أصحابُ موسى كلُّهم ودخل أصحابُ فرعون كلهم التقى البحرُ عليهم كما أمره الله عز وجل، فما جاوز البحر. قال أصحاب موسى: إنا لمدركون؛ إنا نخاف أن لا يكون فرعونُ غرق، ولا نؤمن بهلاكه! فدعا ربَّه، فأخرجه له ببدنه من البحر حتى استيقنوا. ثم مرُّوا بعد ذلك على قومٍ ﴿يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون﴾ [الأعراف:١٣٨]، قد رأيتم من العِبَر ما يكفيكم، وسمعتم به. فمضى حتى أنزلهم منزلًا، ثم قال لهم: أطيعوا هارون، فإنِّي قد استخلفتُه عليكم، وإني ذاهبٌ إلى ربي. وأجَّلَهم ثلاثين يومًا أن يرجع إليهم فيها. فلما أتى ربَّه، وأراد أن يكلمه في ثلاثين يومًا قد صامهن ليلهن ونهارهن، كرِه أن يُكَلِّم ربه وريحُ فمِه ريحُ فمِ الصائم، فتناول موسى مِن نبات الأرض شيئًا فمضغه، فقال له ربُّه حين أتاه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان، قال: يا ربِّ، إنِّي كرهتُ أن أُكَلِّمك إلا فمي طيب الريح. قال: وما علمتَ -يا موسى- أنّ ريح فم الصائم أطيبُ عندي من ريح المسك! ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم ائتني. ففعل موسى الذي أمره الله به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك، وقد كان هارون خطبهم، وقال لهم: إنّكم خرجتم من مصر وعندكم ودائعُ لقوم فرعون وعَوارِي، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما كان لكم عندهم، ولا أُحِلّ لكم وديعةً استودعتموها أو عارية، ولسنا نرى أداءَ شيء من ذلك إليهم ولا مُمْسِكِيه. فحفر حفرةً، وأمر كلَّ قوم عندهم شيء مِن ذلك من متاع أو حلية بأن يدفنوه في الحفيرة، ثم أوقد عليه النار، فأحرقه، وقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامريُّ رجلًا مِن قومٍ يعبدون البقر، ليس من بني إسرائيل، بل جارٌ لهم، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أن رأى أثر الفرس، فقبض منه قبضة، فمرَّ بهارون، فقال له هارون: يا سامريُّ، ألا تلقي ما في يديك؟ وهو قابِضٌ عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك، فقال: هذه قبضةٌ مِن أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء إلا أن تدعوَ الله إذا ألقيتُها أن يكون ما أريد. قال: فألقاها، ودعا له هارون، قال: أريد أن يكون عِجْلًا. فاجتمع ما كان في الحفيرة مِن متاع؛ نحاس أو حديد أو حلي، فصار عِجلًا أجوف، ليس فيه روح، له خوار. -فقال ابن عباس: واللهِ، ما كان له صوت، ولكن الريح كانت تدخل في دُبُرِه، وتخرج مِن فِيهِ، فكان ذلك الصوت من ذلك-. فتفرَّق بنو إسرائيل فِرَقًا؛ فقالت فِرْقَةٌ: يا سامريُّ، ما هذا؛ فإنّك أنت أعلمُ به؟ فقال: هذا ربُّكم، ولكن موسى أخطأ الطريق. فقالوا: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى؛ فإن يك ربَّنا لم يكن ضَيَّعنا وعجزنا حين رأيناه، وإن لم يكن ربَّنا فإننا نتبع قول موسى. وقال فرقة: هذا مِن عمل الشيطان، وليس ربَّنا، ولا نُصَدِّق به ولا نؤمن. وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامريُّ في العِجل، وأعلنوا التكذيب، فقال لهم هارون: ﴿يا قومِ، إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن﴾ [طه:٩٠]، وليس هكذا. قالوا: فما بالُ موسى وعدنا ثلاثين ليلة، ثم أخلفنا، فهذه أربعون ليلة. فقال سفهاؤهم: أخطأ ربَّه، فهو يطلبه ويتبعه. فلما كلَّم الله موسى، وقال ما قال له، وأخبره بما لقي قومه من بعده، فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه من الغضب، غير أنه عَذَرَ أخاه، واستغفر ربه، ثم انصرف إلى السامريِّ، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: قبضت قبضة من أثر الرسول، وفَطِنتُ وعُمِّيَتْ عليكم، فقذفتها، وكذلك سولت لي نفسي. قال: ﴿فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس﴾ إلى قوله: ﴿في اليم نسفا﴾. ولو كان إلهًا لم يخلص إلى ذلك! فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيُهم رأيَ هارون، فقالوا: يا موسى، سل ربك أن يفتح لنا بابَ توبة نعملها، وتُكَفِّر عنا ما عملنا. فاختار موسى من قومه سبعين رجلًا لذلك، لا يألو لخير؛ خيار بني إسرائيل، ومَن لم يُشْرِك في العِجْل، فانطلق بهم ليسأل ربَّهم التوبة، فرجفت الأرضُ بهم، فاستحيا موسى عليه السلام مِن قومه ووفده حين فعل بهم ذلك، فقال: ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ الآية [الأعراف:١٥٥]. ومنهم مَن قدِ اطَّلع اللهُ منه على ما أشرب قلبه العِجل والإيمان به؛ فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: ﴿رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون﴾ إلى قوله: ﴿والإنجيل﴾ [الأعراف:١٥٦]. فقال: ربِّ، سألتُك التوبةَ لقومي، فقلتَ: إنّ رحمتك كتبتها لقومٍ غير قومي! فليتك أخَّرتني حتى أخرج في أُمَّة ذلك الرجل المرحومة. قال الله عز وجل: فإنّ توبتهم أن يقتل كلُّ رجل منهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والد أو ولد، فيقتله بالسيف، ولا يُبالِي مِن قبل ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كان خَفِي على موسى وهارون ما اطَّلع الله عليه مِن ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أُمِروا به، فغفر اللهُ للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى متوجهًا نحو الأرض المقدسة، فأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمره الله أن يبلغهم مِن الوظائف، فثَقُلَت عليهم، وأبَوْا أن يُقِرُّوا بها، حتى نَتَقَ الله عليهم الجبل كأنه ظُلَّة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مُصْغُون ينظرون الأرض، والكتاب الذي أخذوه بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافةَ أن يقع عليهم. ثم مَضَوْا حتى أتَوُا الأرضَ المقدسة، فوجدوا فيها مدينةَ جبّارين؛ خَلْقُهمُ خلقٌ مُنكَر، وذكروا مِن ثمارهم أمرًا عجيبًا مِن عِظَمِها! فقالوا: يا موسى، إنّ فيها قوم جبارين لا طاقة لنا اليوم بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الجبارين آمنا بموسى فخرجا إليه، فقالا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم تخافون ما رأيتم مِن أجسامهم وعددهم، فإنهم ليس لهم قلوب، ولا مَنَعَة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. -ويقول أناس: إنهما من قوم موسى، وزعم سعيد: أنّهما مِن الجبارين آمنا بموسى، يقول: ﴿من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ [المائدة:٣٣]، وإنما يعني بذلك: الذين يخافهم بنو إسرائيل-. فقالوا: ﴿يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾ [المائدة:٢٤]. فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، فسماهم: فاسقين، ولم يدعُ عليهم قبل ذلك؛ لِما رأى فيهم مِن المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ، فدعا عليهم، فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى: فاسقين، فحرمها عليهم أربعين يتيهون في الأرض، يُصْبِحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار. ثم ظَلَّل عليهم في التِّيه بالغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلى ولا تَتَّسِخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرًا مُرَبَّعًا، وأمر موسى فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية ثلاث عيون، وأَعْلَم كُلَّ سِبْطٍ عينَهم التي يشربون منها، لا يرتحلون من مَنقَلَة إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول. رفع ابنُ عباس هذا الحديث عن النبي ﷺ، وصدق ذلك عندي أنّ معاوية بن أبي سفيان سمع من ابن عباس هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعونيُّ هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل، وقال: إنما أفشى عليه الإسرائيليُّ. فأخذ ابنُ عباس بيده، فانطلق إلى سعد بن مالك الزُّهري، فقال: أرأيتَ يوم حدَّثنا النبيُّ ﷺ عن قتيل موسى من آل فرعون، مَن أفشى عليه الإسرائيليُّ أو الفرعونيُّ؟ قال: أفشى عليه الفرعونيُّ بما سمع مِن الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره

سورة الأنفال — الآية ٧

عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق موسى بن عُقْبَة-، وموسى بن عُقْبَة -من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبَة-، قالا: مكث رسول الله - ﷺ - بعد قَتْل ابن الحضْرمي شَهْرين، ثم أقبل أبو سفيان بن حرب في عِير لقريش من الشام، ومعه سبعون راكبًا من بطون قريش كلِّها، وفيهم مَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرُو بن العاصي، وكانوا تُجّارًا بالشام، ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عِيرُهم ألفَ بعير، ولم يكن لأحدٍ من قريش أُوقيَّةٌ فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان، إلا حُوَيطِبَ بن عبد العُزّى، فلذلك كان تخلَّفَ عن بدر فلم يشهده، فذُكِروا لرسول الله - ﷺ - وأصحابه، وقد كانت الحربُ بينهم قبل ذلك، وقتْلُ ابن الحضْرمي، وأَسْرُ الرجلين؛ عثمان والحكم، فلما ذُكِرت عِيرُ أبي سفيان لرسول الله - ﷺ - بعَث رسول الله - ﷺ - عَدِيَّ بن أبي الزَّغْباءِ الأنصاري من بني غَنْمٍ -وأصلُه من جُهَينة- وبَسْبَسًا -يعني: ابن عمرو- إلى العِير عَيْنًا له، فسارا حتى أتَيا حيًّا من جُهَيْنة قريبًا من ساحل البحر، فسألُوهم عن العِير وعن تجار قريش، فأخبَرُوهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبراه، فاستنفَرَ المسلمين للعير، وذلك في رمضان. وقدم أبو سفيان على الجُهَنِيِّين وهو مُتَخَوِّفٌ من رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فقال: أحِسُّوا من محمد. فأخبَروه خبر الراكبين؛ عدي بن أبي الزَّغْباءِ وبَسبَسٍ، وأشاروا له إلى مُناخِهِما، فقال أبو سفيان: خُذوا من بَعْرِ بعيرِهما. ففَتَّه فوجَد فيه النَّوى، فقال: هذه علائفُ أهل يثرب، وهذه عيون محمدٍ وأصحابه. فسارُوا سِراعًا خائفين للطلب، وبعَثَ أبو سفيان رجلًا من بني غِفار -يقال له: ضَمْضمُ بن عمرو- إلىقريش: أن انفِرُوا، فاحمُوا عِيرَكم من محمد وأصحابه؛ فإنه قد استَنْفَر أصحابَه ليَعرِضُوا لنا. وكانت عاتكة بنتُ عبد المطلب ساكنةً بمكة، وهي عمة رسول الله - ﷺ -، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا قبل بدر، وقبل قدوم ضَمْضَمٍ عليهم، ففزِعتْ منها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها، فجاءها العباس، فقالت: رأيتُ الليلة رُؤْيا قد أشفَقتُ منها، وخشِيتُ على قومِك منها الهَلَكة. قال: وماذا رأيتِ؟ قالت: لن أُحدِّثَك حتى تعاهِدَني أنك لا تذكُرُها؛ فإنهم إن سمِعوها آذَوْنا، وأسمعُونا ما لا نحبُّ. فعاهَدَها العباس، فقالت: رأيتُ راكبًا أقبَل من أعلى مكة على راحلته، يصيح بأعلى صوته: يا لَغُدُرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فأقبَل يصيحُ حتى دخل المسجد على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزِعَ له الناس أشدَّ الفزع، قالت: ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر الكعبة على راحلتِه، فصاح ثلاث صيحات، فقال: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ، اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. ثم أُراهُ مَثَلَ على ظهر أبي قُبَيْسٍ كذلك يقول: يا لَغُدُرُ، ويا لَفُجَرُ. حتى أسمَعَ مَن بينَ الأخْشَبَيْن من أهل مكة، ثم عمَدَ إلى صخرة فنزعها مِن أصلها، ثم أرْسَلَها على أهل مكة، فأقبلت الصخرة لها حسٌّ شديد، حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفَضَّت، فلا أعلمُ بمكة دارًا ولا بيتًا إلا وقد دخَلَتها فِلْقةٌ من تلك الصخرة، فقد خشيتُ على قومك. ففزِعَ العباس من رؤياها، ثم خرج من عندها فلَقِيَ الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر تلك الليلة، وكان الوليد خليلًا للعباس، فقصَّ عليه رؤيا عاتكة، وأمره ألا يذكُرها لأحد، فذكَرَها الوليد لأبيه عتبة، وذكَرَها عتبة لأخيه شيبة، فارتفَعَ الحديث حتى بلَغَ أبا جهل بن هشام، واستفاض في أهل مكة. فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت، فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة وشيبة ابنيْ ربيعة، وأميةَ وأُبَيًّا ابنيْ خَلَف، وزَمْعَةَ بن الأسود، وأبا البَخْتريّ في نفرٍ من قريش يتحدَّثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل، إذا قضيتَ طوافَك فهلُمَّ إلينا. فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم، فقال له أبو جهل: مارؤيا رأَتْها عاتكة؟ فقال: ما رأَتْ من شيء. فقال أبو جهل: أما رضِيتُم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتُمونا بكذب النساء؟ إنّا وإياكم كفَرَسَيْ رِهانٍ، فاسْتَبَقْنا المجدَ منذُ حين، فلما تحاكَّتِ الرُّكَبُ قلتُم: منّا نبيٌّ. فما بقِيَ إلا أن تقولوا: مِنّا نَبِيَّةٌ. فما أعلمُ في قريش أهل بيتٍ أكذبَ امرأة ولا رجلًا منكم. وآذاهُ أشدَّ الأذى، وقال أبو جهل: زعمتْ عاتكة أن الراكب قال: اخرُجوا في ليلتين أو ثلاث. فلو قد مضتْ هذه الثلاثُ تبيَّنتْ قريشٌ كذِبَكم، وكتَبْنا سِجِلًّا أنكم أكذَبُ أهل بيت في العرب رجلًا وامرأة، أما رضيتمُ يا بني قُصَيٍّ إن ذهَبتم بالحِجابة، والنَّدوة، والسِّقاية، واللواء، والرِّفادة، حتى جئتُمونا بنبيٍّ منكم؟! فقال العباس: هل أنتَ مُنتهٍ؟ فإنّ الكذبَ منك وفي أهل بيتك. فقال مَن حضَرَهما: ما كنتَ يا أبا الفضل جهولًا ولا خَرِقًا. ولقِيَ العباس من عاتكة فيما أفْشى عليها من رؤياها أذىً شديدًا. فلما كان مساءُ الليلة الثالثة من الليلة التي رأتْ عاتكة فيها الرؤيا، جاءَهم الراكب الذي بعَثَ أبو سفيان، وهو ضَمْضَمُ بن عمرو الغِفاري، فصاح وقال: يا آل غالب بن فِهْرٍ، انفِرُوا، فقد خرَجَ محمد وأهل يثرب يعترِضُون لأبي سفيان، فأحرِزُوا عِيرَكم. ففَزِعتْ قريشٌ أشدَّ الفزع، وأشفقُوا مِن رؤيا عاتكة. وقال العباس: هذا زعمتم كذا، وكذَّبَ عاتكة. فنفرُوا على كلِّ صَعْبٍ وذَلول، وقال أبو جهل: أيظُنُّ محمدٌ أن يصيبَ مثلَ ما أصابَ بِنَخْلَةَ؟! سيعلمُ أنمنعُ عيرَنا أم لا. فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل، وساقُوا مائة فرس، ولم يَتْرُكوا كارهًا للخروج يظنُّون أنه في صَغْوِ محمدٍ وأصحابه، ولا مسلمًا يعلمُون إسلامَه، ولا أحدًا من بني هاشم -إلا مَن لا يتَّهمون- إلا أشْخَصُوه معهم، فكان مِمَّن أشْخَصُوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيلُ بن أبي طالب في آخرين. فهنالك يقول طالب بن أبي طالب: لاهُمَّ إمّا يخرُجَنَّ طالبْ بمِقْنَبٍ من هذه المقانِبْ في نفَرٍ مُقاتلٍ يُحاربْوليكن المسلوبَ غيرَ السّالبْ والرّاجعَ المغْلوبَ غيرَ الغالبْ فسارُوا حتى نزَلُوا الجُحْفَة، نزلُوها عِشاءً يتزوَّدُون من الماء، وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مَناف، يقال له: جُهَيْمُ بن الصَّلت بن مَخْرَمة. فوَضَعَ جُهَيْمٌ رأسَه فأغْفى، ثم فزِع، فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقَفَ عَلَيَّ آنِفًا؟ فقالوا: لا، إنك مجنون. فقال: قد وقَفَ عَلَيَّ فارسٌ آنِفًا، فقال: قُتِل أبو جهل، وعُتبة، وشيبة، وزَمْعَة، وأبو البَخْتَرِيّ، وأُميَّةُ بن خلف. فعدَّ أشرافًا مِن كفار قريش، فقال له أصحابه: إنما لعِب بك الشيطان. ورُفِع حديثُ جُهَيمٍ إلى أبي جهل، فقال: قد جئتُم بكذِب بني المطلب مع كذب بني هاشم، سَتَرَوْنَ غدًا مَن يُقتَلُ. ثم ذُكرَ لرسول الله - ﷺ - عِيرُ قريش، جاءتْ من الشام وفيها أبو سفيان بن حرب، ومَخْرَمةُ بن نَوْفَل، وعمرو بن العاصي، وجماعةٌ مِن قريش، فخرَج إليهم رسول الله - ﷺ -، فسلَك حينَ خرج إلى بدر على نَقْبِ بني دينار، ورجَعَ حين رجَعَ من ثَنِيَّة الوَداع، فنَفَر رسول الله - ﷺ - حين نَفَرَ ومعه ثلاثُمائةٍ وستةَ عشرَ رجلًا -وفي رواية ابن فُلَيْح: ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ رجلًا-، وأَبْطَأَ عنه كثير من أصحابه، وتَرَبَّصُوا، وكانت أولَ وقْعةٍ أعزَّ الله فيها الإسلام. فخرج في رمضان على رأس ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مَقْدَمِه المدينة، ومعه المسلمون لا يُريدون إلا العِير، فسَلَك على نَقْبِ بني دينار، والمسلمون غيرُ مُقْوِين من الظَّهْر، إنما خرَجُوا على النَّواضِح، يعتقِبُ النفرُ منهم على البعير الواحد، وكان زَميلُ رسول الله - ﷺ - عَلِيَّ بن أبي طالب، ومَرْثَدَ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوي حليفَ حمزة، فهم معه ليس معهم إلا بعيرٌ واحد، فسارُوا، حتى إذا كانوا بعِرْقِ الظُّبْيَة لَقِيَهم راكبٌ من قِبَلِ تِهامة، والمسلمون يسيرُون، فوافَقَه نفرٌ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فسألُوه عن أبي سفيان، فقال: لا عِلمَ لي به. فلما يَئِسُوا مِن خبره قالوا له: سلِّم على النبي - ﷺ -. فقال: وفيكم رسول الله؟! قالوا: نعم. قال: أيُّكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابي: أنتَ رسول الله كما تقول؟ قال: «نعم». قال: إن كنتَ رسول الله كما تزعُمُ فحدِّثنيبما في بطن ناقتي هذه؟ فغضب رجل من الأنصار ثم من بني عبد الأشهل يقال له: سلمةُ بن سلامةَ بن وقْشٍ. فقال للأعرابي: وقَعْتَ على ناقتِك فحمَلتْ منك. فكَرِه رسول الله - ﷺ - ما قال سلمةُ حينَ سمِعَه أفْحَشَ، فأَعْرَضَ عنه، ثم سار رسول الله - ﷺ - لا يلقاه خبرٌ، ولا يعلمُ بنَفْرة قريش، فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيرُوا علينا في أمرنا ومسيرنا». فقال أبو بكر: يا رسول الله، أنا أعلمُ الناس بمسافة الأرض، أخْبَرنا عدي بن أبي الزَّغْباءِ أن العِيرَ كانت بوادِي كذا وكذا، فكأَنّا وإيّاهم فرسا رهانٍ إلى بدر. ثم قال: «أشيروا عَلَيَّ». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إنها قريشٌ وعِزُّها، واللهِ ما ذلَّت منذُ عزَّت، ولا آمنتْ منذ كفرت، والله لتُقاتِلَنَّك، فتأهَّبْ لذلك أُهْبَتَه، وأعِددْ له عُدَّتَه. فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيروا عَلَيَّ». فقال المِقْداد بن عمرو: إنا لا نقولُ لك كما قال أصحاب موسى: اذهبْ أنت وربُّك فقاتِلا، إنا هاهنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتِلا، إنّا معكم مُتَّبِعون. فقال رسول الله - ﷺ -: «أشِيروا عَلَيَّ». فلما رأى سعد بن معاذ كثرةَ استشارة النبي - ﷺ - أصحابَه، فيُشيرون، فيَرجِعُ إلى المشورة، ظنَّ سعدٌ أنه يستنطِقُ الأنصار شَفَقًا ألّا يَسْتَحْوِذُوا معه على ما يريدُ من أمره، فقال سعد بن معاذ: لعلك يا رسول الله تخشى ألا تكون الأنصار يريدون مواساتَك، ولا يرَوْنها حقًّا عليهم إلا بأن يرَوْا عدوًّا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم يا رسول الله، فاظْعَنْ حيث شئتَ، وخُذْ من أموالنا ما شِئْتَ، ثم أعْطِنا ما شئتَ، وما أخَذتَه منّا أحبُّ إلينا مما ترَكتَ، وما ائتمَرْتَ من أمر فأَمْرُنا بأمرِك فيه تَبَعٌ، فوالله لو سِرْتَ حتى تبلغَ البَرْكَ من غِمْدِ ذي يَمَنٍ لَسِرْنا معك. فلما قال ذلك سعد قال رسول الله - ﷺ -: «سيروا على اسم الله، فإني قد رأيتُ مَصارِعَ القوم». فعَمَد لبدرٍ. وخفَض أبو سفيان فلَصِقَ بساحل البحر، وكتب إلى قريش حين خالف مسيرَ رسول الله - ﷺ -، ورأى أنه قد أحرَز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا؛ فإنما خرَجتُم لتُحرِزوا رَكْبَكم فقد أُحرِزَ لكم. فلَقِيَهم هذا الخبر بالجُحْفَة، فقال أبو جهل: والله لا نرجعُ حتى نَقدَمَ بدرًا، فنُقيم بها، ونُطعِم مَن حَضَرَنا من العرب؛ فإنه لن يرانا أحدٌ فيُقاتلَنا. فكَرِه ذلك الأَخْنَسُ بن شَرِيقٍ، فأحبَّ أن يرجِعوا، وأشار عليهم بالرجعة، فأبَوْا وعَصَوْا، وأخَذَتهم حَمِيَّةُ الجاهلية، فلما يئِسَ الأخنسُ من رجوع قريش أكَبَّ على بني زُهْرةَ، فأطاعوه فرجَعوا، فلم يشهَد أحد منهم بدرًا، واغْتَبَطُوا برأي الأخنس، وتَبَرَّكوا به، فلم يزَلْ فيهم مُطاعًا حتى مات، وأرادَتْ بنو هاشم الرجوعَفيمن رجَع، فاشتَدَّ عليهم أبو جهل، وقال: والله لا تُفارِقُنا هذه العصابة حتى نرجع. وسار رسول الله - ﷺ - حتى نزل أدنى شيء من بدر، ثم بعث عليَّ بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وبَسْبَسًا الأنصاري، في عصابةٍ من أصحابه، فقال لهم: «اندفِعوا إلى هذه الظِّرابَ». وهي في ناحية بدر، «فإني أرجو أن تجدُوا الخبرَ عندَ القَلِيبِ الذي يلى الظِّرابَ». فانطَلَقوا متوشِّحِي السيوف، فوجدوا وارِدَ قريشٍ عند القَلِيبِ الذي ذكَر رسول الله - ﷺ -، فأخَذوا غلامين؛ أحدُهما لبني الحجاج بن أسود، والآخرُ لأبي العاصي يقال له: أسلَم، وأفلَت أصحابُهما قِبَلَ قريش، فأقبَلوا بهما حتى أتَوا بهما رسول الله - ﷺ - وهو في مُعَرَّسِهِ دونَ الماء، فجعَلوا يسأَلون العَبدَينِ عن أبي سفيان وأصحابه، لا يرَوْن إلا أنهما لهم، فطَفِقا يُحدِّثانِهم عن قريش ومَن خرج منهم وعن رءُوسهم فيكذِّبونهما، وهم أكرَهُ شيء للذي يُخبرانِهم، وكانوا يطمَعون بأبي سفيان وأصحابِه ويكرَهون قريشًا، وكان رسول الله - ﷺ - قائمًا يصلِّي، يسمعُ ويرى الذي يصنعون بالعبدَيْن، فجعل العبدان إذا أذلَقُوهما بالضرب يقولان: نعم، هذا أبو سفيان. والرَّكبُ كما قال الله تعالى: ﴿أسفل منكم﴾. قال الله: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ [الأنفال: ٤٢]. قال: فطفِقوا إذا قال العبدان: هذه قريشٌ قد جاءَتْكم. كذَّبوهما، وإذا قالا: هذا أبو سفيان. ترَكوهما، فلما رأى رسول الله - ﷺ - صَنِيعَهم بهما سلَّم من صلاته، وقال: «ماذا أخبَراكم؟». قالوا: أخبرانا أن قريشًا قد جاءت. قال: «فإنهما قد صدَقا، والله إنكم لتضرِبونهما إذا صدَقا، وتترُكونهما إذا كذَبا، خرَجت قريش لتُحرِزَ رَكْبَها، وخافوكم عليهم». ثم دعا رسول الله - ﷺ - العبدَين، فسأَلهما، فأخبَراه بقريش، وقالا: لا عِلْمَ لنا بأبي سفيان. فسألهما رسول الله - ﷺ -: «كم القوم؟». قالا: لا ندري، والله هم كثير. فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَن أطعَمَهم أمس؟». فَسَمَّيا رجلًا من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: عشْرَ جزائرَ. قال: «فمن أطعمهم أولَ أمس؟». فسمَّيا رجلًا آخرَ من القوم، قال: «كم نَحَر لهم؟». قالا: تسعًا. فزعَموا أن رسول الله - ﷺ - قال:«القومُ ما بينَ التسعِمائة والألف». يعتبرُ ذلك بتسع جزائرَ ينحَرونها يومًا، وعشرٍ ينحَرونها يومًا، فقام رسول الله - ﷺ - فقال: «أشيروا عليَّ في المنزل». فقام الحُبابُ بن المنذر، أحد بني سَلِمة، فقال: يا رسول الله، أنا عالمٌ بها وبقُلُبِها، إن رأيتَ أن تسيرَ إلى قَلِيبٍ منها قد عرَفتُها كثيرةَ الماء عذبة، فتنزِلَ إليها، وتَسْبِقَ القومَ إليها، وتُغَوِّرَ ما سِواها. فقال رسول الله - ﷺ -: «سِيروا، فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم». فوقع في قلوب ناس كثير الخوف، وكان فيهم شيء من تخاذل من تخويف الشيطان، فسار رسول الله - ﷺ - والمسلمون مُسابِقين إلى الماء، وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرًا واحدًا؛ فكان على المشركين بلاءً شديدًا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين دِيمةً خفيفة، لَبَّد لهم المسيرَ والمَنزلَ، وكانت بَطْحاءُ، فسبَق المسلمون إلى الماء، فنزَلوا عليه شَطرَ الليل، فاقْتَحَم القوم في القليبِ فماحُوها حتى كثُر ماؤُها، وصنَعوا حوضًا عظيمًا، ثم غَوَّروا ما سواه من المياه، وقال رسول الله - ﷺ -: «هذه مَصارِعُهم -إن شاء الله- بالغداة». وأنزَل الله: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ أمَنَةً مِّنْهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ ويُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ويُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدامَ». ثم صفَّ رسول الله - ﷺ - على الحِياضِ، فلما طلَع المشركون قال رسول الله - ﷺ -: «اللهمّ هذه قريش قد جاءت بِخُيَلائِها وفخرِها، تُحادُّك وتكذِّبُ رسولك، اللهمَّ إني أسألك ما وعَدتَني». ورسول الله - ﷺ - ممسكٌ بعَضُدِ أبي بكر، يقول: «اللهم إني أسألك ما وعَدتَني». فقال أبو بكر: أبشِرْ، فوالذي نفسي بيده، ليُنجِزَنَّ اللهُ لك ما وعَدَك. فاستنصَرَ المسلمون الله واستغاثوه، فاستجاب الله لنبيِّه وللمسلمين. وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سُراقةَ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِيِّ يحدِّثُهم أن بني كِنانَةَ وراءهم قد أقبلوا لنصرهم، وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، لما أخبَرهم من مَسِير بني كِنانَةَ، وأنزل الله: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس﴾. هذه الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]، وقال رجال من المشركين لَمّا رأوا قِلَّةَ مَن مع محمد - ﷺ -: غَرَّ هؤلاء دينُهم. فأنزل الله: ﴿ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم﴾ [الأنفال: ٤٩]. وأقبل المشركون حتى نزلوا وتَعَبَّوْا للقتال، والشيطان معهم لا يُفارقُهم، فسعى حكيمُ بن حِزام إلى عُتْبَةَ بن رَبِيعَة، فقال له: هل لك أن تكون سيدَ قريش ما عِشْتَ؟ قال عتبة: فأفعلُ ماذا؟ قال: تُجِيرُ بينَ الناس، وتَحْمِلُ دمَ ابن الحضرمي وبما أصاب محمدٌ من تلك العير، فإنهم لا يطلُبون من محمدٍ غيرَ هذه العير ودم هذا الرجل. قال عتبة: نعم، قد فعَلتُ، ونِعِمّا قلتَ ونِعمّا دَعَوتَ إليه، فاسعَ في عشيرتِك فأنا أتحمَّلُ بها. فسعى حكيمٌ في أشراف قريش بذلك يدعوهم إليه، وركِبَ عُتْبَة جملًا له، فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه، فقال: يا قومِ، أطيعوني، فإنكم لا تطلُبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عِيرِكم تلك، وأنا أتحمَّلُ بوفاءِ ذلك، ودَعُوا هذا الرجل؛ فإن كان كاذبًا ولِيَ قتلَه غيرُكم من العرب، فإنّ فيهم رجالًا لكم فيهم قرابةٌ قَرِيبَةٌ، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه، أو ابنه، أو ابن أخيه، أو ابن عمِّه، فيُوَرِّثُ ذلك فيهم إحَنًا وضَغائِن، وإن كان هذا الرجلُ مَلِكًا كنتم في مُلْكِ أخيكم، وإن كان نَبِيًّا لِمَ تَقتُلوا النبي فتُسَبُّوا به؟! ولن تَخْلُصُوا إليهم حتى يُصِيبوا أعدادَهم، ولا آمَنُ أن تكونَ لهم الدَّبْرَةُ عليكم. فحسده أبو جهل على مقالته، وأبى الله إلا أن يُنفِذَ أمره، وعَمَد أبو جهل إلى ابن الحَضْرَمِيّ، وهو أخو المقتول، فقال: هذا عتبةُ يُخَذِّلُ بين الناس، وقد تحمَّلَ بدِيَةِ أخيك يزعمُ أنك قابلُها، أفلا تَسْتَحْيُون من ذلك أن تَقْبَلوا الدِّيَة؟! فزعَموا أن النبي - ﷺ - قال وهو ينظر إلى عتبة: «إن يكن عند أحد من القوم خيرٌ فهو عند صاحب الجمل الأحمر، وإن يطيعوه يَرشُدوا». فلما حَرَّض أبو جهلقريشًا على القتال أمَر النساء يُعْوِلْنَ عَمْرًا، فقُمْن يَصِحْنَ: واعَمْراه، واعَمْراه. تحريضًا على القتال، فاجتمَعت قريشٌ على القتال، فقال عتبة لأبي جهل: ستَعلمُ اليوم أيّ الأمرين أرشد. وأخَذَت قريش مَصافَّ هذا القتال، وقالوا لعُمَير بن وهب: اركَبْ فاحْزُرْ لنا محمدًا وأصحابَه. فقعَد عُميرٌ على فرسِه، فأطاف برسول الله - ﷺ - وأصحابه، ثم رجع إلى المشركين، فقال: حَزَرْتُهم بثلاثمائة مقاتل، زادوا شيئًا أو نقَصوا شيئًا، وحزَرتُ سبعين بعيرًا أو نحوَ ذلك، لكن أنظِروني حتى أنظرَ هل لهم مَدَد أو كَمِين؟ فأطاف حولَهم، وبعَثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم، ثم رجعوا فقالوا: لا مَدَدَ لهم ولا كَمِينَ، وإنما هم أكَلَةُ جَزُورٍ. وقالوا لعمير: حَرِّشْ بينَ القوم. فحمَل عُمَيرٌ على الصفِّ بمائةِ فارس، واضطجَع رسول الله - ﷺ -، وقال لأصحابه: «لا تُقاتِلوا حتى أُوذِنَكم». وغَشِيَه نومٌ فغلبه، فلما نظر بعضُ القوم إلى بعض، جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله، قد دنا القومُ ونالوا مِنّا. فاستيقظ رسول الله - ﷺ -، وقد أراه الله إياهم في منامه قليلًا، وقلَّل المسلمين في أعين المشركين، حتى طَمِع بعضُ القوم في بعض، ولو أراه عددًا كثيرًا لفشِلوا وتنازَعوا في الأمر كما قال الله. وقام رسول الله - ﷺ - في الناس فوعَظهم، وأخبَرهم أن الله قد أوجَب الجنة لمن استُشهِد اليوم، فقام عُمَيْرُ بن الحُمامِ عن عجينٍ كان يعجنُه لأصحابه حين سمع قول النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن لي الجنة إن قُتِلتُ؟ قال: «نعم». فشَدَّ على أعداء الله مكانَه فاستُشهِد، وكان أولَ قتيلٍ قُتِل. ثم أقبَل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلفُ بآلهته لَيَشْرَبَنَّ من الحوض الذي صنَع محمدٌ، ولَيَهْدِمَنَّه، فلما دنا من الحوض لَقِيَه حمزة بن عبد المطلب، فضَرَب رِجْلَه، فقطَعها، فأقبَل يحبو حتى وقَع في جَوْف الحوض، وأَتْبَعه حمزة حتى قتله، ثم نزل عتبة بن ربيعة عن جمله، ونادى: هل من مُبارِز؟ ولَحِقَه أخوه شيبة والوليد ابنُه، فنادَيا يسألان المُبارزة، فقام إليهم ثلاثةٌ من الأنصار، فاسْتَحْيا النبي - ﷺ - من ذلك، فناداهم: أن ارجِعوا إلى مَصافِّكم، ولْيَقُمْ إليهم بنو عمِّهم. فقام حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعُبيدةُ بن الحارث بن المطلب؛ فقتَل حمزةُ عتبة، وقتَل عبيدةُ شيبة، وقتَل عليٌّ الوليد، وضرَب شيبةُ رِجْلَ عبيدة فقطَعها، فاستَنْقَذه حمزة وعلي، فحُمِل حتى تُوفِّيَ بالصَّفْراء، وعندَ ذلك نذَرت هند بنتُ عتبة لَتَأْكُلَنَّ من كَبِدِ حمزة إن قَدرت عليها، فكان قَتْلُهؤلاء النفر قبل التقاءِ الجَمْعَين، وعَجَّ المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأَوُا القتال قد نَشِبَ، ورفع رسول الله - ﷺ - يَدَيْه إلى الله يسأله ما وعَدَه، ويسأله النصر، ويقول: «اللهمَّ إن ظُهِر على هذه العصابة ظَهَر الشِّرْكُ، ولم يقُمْ لك دينٌ». وأبو بكر يقول: يا رسول الله، والذي نفسي بيده لَيَنصُرَنَّك الله، ولَيُبَيِّضَنَّ وجهَك. فأنزل الله من الملائكة جُندًا في أكْنافِ العدو، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد أنزل الله نصره، ونزلت الملائكة، أبشِرْ يا أبا بكر، فإني قد رأيتُ جبريل مُعْتَجِرًا يقود فرسًا بين السماء والأرض، فلما هبَط إلى الأرض جلس عليها، فتَغيَّب عني ساعة، ثم رأيتُ على شَفَتِه غُبارًا». وقال أبو جهل: اللهمَّ انصُرْ خيرَ الدِّينَيْن، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث. ونكَص الشيطان على عَقِبَيه حين رأى الملائكة، وتَبَرَّأ من نُصرة أصحابه، وأخذ رسول الله - ﷺ - مِلءَ كفِّه من الحَصْباءِ، فرمى بها وجوهَ المشركين، فجعل الله تلك الحَصْباءَ عظيمًا شأنُها، لم تترُكْ من المشركين رجلًا إلا ملأَت عينيه، والملائكة يقتُلونهم ويأسِرونهم، ويجِدون النفرَ كلَّ رجلٍ منهم مُنكَبًّا على وجهه لا يدري أين يتوجَّهُ، يُعالِجُ التراب ينزِعُه من عينيه. ورجَعت قريش إلى مكة مُنهَزِمين مَغلوبين، وأذلَّ الله بوقعة بدر رقابَ المشركين والمنافقين، فلم يبقَ بالمدينة منافقٌ ولا يهوديٌّ إلا وهو خاضعٌ عنقُه لوقعة بدر، وكان ذلك يوم الفرقان، يوم فرَّق الله بين الشرك والإيمان، وقالت اليهود تيقُّنًا: إنه النبي الذي نجد نعته في التوراة، والله لا يرفعُ رايةً بعد اليوم إلا ظهرت. ورجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، فدخل من ثَنِيَّةِ الوداع، ونزَل القرآن يُعَرِّفُهم الله نعمتَه فيما كرِهوا من خروج رسول الله - ﷺ - إلى بدر، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ هذه الآية وثلاثَ آيات معها، وقال فيما استجاب للرسول وللمؤمنين: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾ الآية وأخرى معها، وأنزَل فيما غشِيَهم من النُّعاس: «إذْ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ» الآية، ثم أخبَرهم بما أوحى إلى الملائكة من نصرِهم، فقال: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ الآية والتي بعدها، وأنزَل في قتلِ المشركين والقبضةِ التي رمى بها رسول الله - ﷺ -: ﴿فلم تقتلوهم ولكنالله قتلهم﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ١٧، ١٨]، وأنزل في استفتاحِهم: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ [الأنفال: ١٩]، ثم أنزل: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾ في سبعِ آيات منها [الأنفال: ٢٠ - ٢٦]، وأنزل في منازلهم: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى﴾ الآية والتي بعدها [الأنفال: ٤٢، ٤٣]، وأنزل فيما يَعِظُهم به: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ الآية وثلاث آيات معها [الأنفال: ٤٥ - ٤٨]، وأنزل فيما تكلَّم به مَن رأى قِلَّة المسلمين: ﴿غر هؤلاء دينهم﴾ الآية [الأنفال: ٤٩]، وأنزل في قتلى المشركين ومَن اتَّبَعَهم: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ الآية وثمانَ آياتٍ معها [الأنفال: ٥٠ - ٥٨]