اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ على أربعة أقوال: الأول: معناه: أعطى كل شيء زوجه مِن جنسه، ثم هداه لنكاحه. الثاني: أعطى كل شيء صورته، ثم هداه إلى معيشته ومطعمه ومشربه. الثالث: أعطى كلًّا ما يصلحه، ثم هداه له. الرابع: أنه هداهم إلى الألفة والاجتماع والمناكحة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٨١-٨٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وانتقد ما عداه، فقال: «لأنه -جلَّ ثناؤه- أخبر أنه أعطى كلَّ شيء خلقه، ولا يُعْطى المعطى نفسَه، بل إنما يعطى ما هو غيره؛ لأنّ العطية تقتضي المعطي والمعطى والعطية، ولا تكون العطية هي المُعْطى، وإذا لم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كل خلق بعض أجزائه؛ كان معلومًا أنه إذا قيل: أعطى الإنسان صورته إنما يعني: أنه أعطى بعض المعاني التي به مع غيره دعي إنسانًا، فكأن قائله قال: أعطى كل خلق نفسه. وليس ذلك إذا وُجِّه إليه الكلام بالمعروف من معاني العطية، وإن كان قد يحتمله الكلام. فإذا كان ذلك كذلك فالأصوب مِن معانيه أن يكون مُوَجَّهًا إلى أن كل شيء أعطاه ربه مثل خلقه، فزوجه به، ثم هداه لما بينا». ورجّح ابنُ عطية (٦‏/‏٩٩) القول الثاني مستندًا إلى العموم، ودلالة العقل بقوله: «وهذا القولُ أشرفُ معنًى، وأعمُّ في الموجودات». وأما ابنُ القيم فقد رجّح (٢‏/‏١٨١ بتصرف) القول الثالث مستندًا إلى النظائر، فقال: «وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه. وهذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين؛ فيكون نظير قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى:٣]»

اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وأنت من الكافرين﴾ على قولين: الأول: أنّ المراد به: أنت من الكافرين بالله على ديننا. وهو قول السدي -من طريق أسباط- وغيره. الثاني: أنت من الكافرين بنعمتنا. وهو قول ابن عباس، وابن زيد وغيرهما. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٥٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ فرعون لم يكن مُقِرًّا لله بالربوبية، وإنما كان يزعم أنه هو الرب». ثم انتقد القول الأول، فقال: «فغير جائز أن يقول لموسى -إن كان موسى كان عنده على دينه يوم قتل القتيل. على ما قاله السدي-: فعلت الفعلة وأنت من الكافرين، [و]الإيمان عنده: هو دينه الذي كان عليه موسى عنده». ثم وجّهه بقوله: «إلا أن يقول قائل: إنما أراد: وأنت من الكافرين يومئذ -يا موسى- على قولك اليوم، فيكون ذلك وجهًا يتوجه». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٧٤-٤٧٥): «وقوله: ﴿وأَنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يريد: وقتلت القبطي وأَنتَ في قتلك إيّاه مِنَ الكافِرِينَ؛ إذ هو نفس لا يحل قتله. قاله الضحاك، أو يريد: وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه. قاله ابن زيد. وهذان بمعنًى واحد في حق لفظ الكفر، وإنما اختلفا باشتراك لفظ الكفر. والثاني: أن يكون بمعنى الهزؤ؛ أي: وأنت على هذا الدين، وأنت من الكافرين بزعمك. قاله السدي. والثالث: هو قول الحسن، أن يريد: وأنت من الكافرين الآن، يعني فرعون: بالعقيدة التي يكون بيَّنها، فيكون الكلام مقطوعًا من قوله: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾، وإنما هو إخبارٌ مبتدأٌ أنّه كان من الكافرين. وهذا التأويل أيضًا يحتمل أن يريد به: كفر النعمة»

علَّق ابنُ القيم (٣‏/‏١١٠) على قول مقاتل بقوله: «ويؤيد هذا التفسير حديث أنس المرفوع: «هنّ عجائزكم العُمْش الرُّمْص»... ويؤيده...». ثم ذكر حديث عائشة الوارد في الآثار المتعلقة بالآية وما في معناهما، ثم نقل عن مقاتل قولًا آخر وأنه اختيار الزجاج «أنهن الحُور العين التي ذكرهن، قيل: أنشأهن الله عز وجل لأوليائه لم يقع عليهن ولادة». ثم رجَّح أن «الظاهر أنّ المراد: أنشأهن الله تعالى في الجنة إنشاء. ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه قد قال في حقّ السابقين: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾، فذكر سُررهم وآنيتهم وشرابهم وفاكهتهم وطعامهم وأزواجهم من الحور العين، ثم ذكر أصحاب الميمنة وطعامهم وشرابهم وفرشهم ونساءهم، والظاهر أنهن مثل نساء من قبلهن خلقهن في الجنة. الثاني: أنه سبحانه قال: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، وهذا ظاهر أنه إنشاء أول لا ثان؛ لأنه سبحانه حيث يريد الإنشاء الثاني يقيّده بذلك، كقوله: ﴿وأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرى﴾ [النجم:٤٧]. الثالث: أنّ الخطاب بقوله: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ إلى آخره للذكور والإناث، والنشأة الثانية أيضًا عامة للنوعين، وقوله: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، ظاهره اختصاصهن بهذا الإنشاء، وتأمّل تأكيده بالمصدر، والحديث لا يدل على اختصاص العجائز المذكورات بهذا الوصف، بل يدل على مشاركتهن للحُور العين في هذه الصفات المذكورة، فلا يتوهم انفراد الحور العين عنهن بما ذكر مِن الصفات، بل هي أحقّ به منهن، فالإنشاء واقع على الصنفين»

سورة ص — الآية ٤١

عن عبد الله بن عباس -من طريق يوسف بن مهران-: أنّ الشيطان عرج إلى السماء، فقال: يا ربِّ، سلِّطني على أيوب. قال الله: قد سلَّطتك على ماله وولده، ولم أسلِّطك على جسده. فنزل، فجمع جنوده، فقال لهم: قد سُلِّطت على أيوب؛ فأروني سلطانكم. فصاروا نيرانًا، ثم صاروا ماء، فبينما هم بالمشرق إذا هو بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هو بالمشرق، فأرسل طائفةً منهم إلى زرعه، وطائفة إلى إبله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: إنّه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف. فأتَوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك أرسل على زرعك نارًا فأحرقتْه؟! ثم جاء صاحب الإبل، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك أرسل على إبلك عدوًّا فذهب بها؟! ثم جاءه صاحب البقر، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك أرسل على بقرك عدوًّا فذهب بها؟! ثم جاءه صاحب الغنم، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك أرسل على غنمك عدوًّا فذهب بها؟! وتفرَّد هو لبنيه، فجمعهم في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون ويشربون إذ هبَّت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام بأذنيه قُرْطان، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون ويشربون إذ هبّت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم؟! فلو رأيتَهم حين اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم. فقال له أيوب: فأين كنتَ أنت؟ قال: كنتُ معهم. قال: فكيف انفلتَّ؟! قال: انفلتُّ. قال أيوب: أنت الشيطان. ثم قال أيوب: أنا اليوم كيوم ولدتني أمي. فقام فحلق رأسه، وقام يصلي، فرنَّ إبليس رنَّة سمعها أهلُ السماء وأهل الأرض، ثم عرج إلى السماء، فقال: أي ربِّ، إنه قد اعتصم، فسلِّطني عليه؛ فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك. قال: قد سلَّطتُك على جسده، ولم أسلِّطك على قلبه. فنزل، فنفخ تحت قدمه نفخة فَرَّج ما بين قدميه إلى قرنه، فصار فرجة واحدة، وأُلقي على الرماد حتى بدا حِجاب قَلْبِه، فكانت امرأتُه تسعى عليه، حتى قالت له: أما ترى، يا أيوب؛ قد نزل بي -واللهِ- مِن الجَهد والفاقة ما أن بِعتُ قروني برغيف فأطعمتُك، فادعُ الله أن يشفيك ويريحك. قال: ويحك! كنا في النعمة سبعين عامًا، فاصبري حتى نكون في الضُّر سبعين عامًا. فكان في البلاء سبع سنين، ودعا، فجاء جبريل ذات يوم، فأخذ بيده، ثم قال: قم. فقام، فنحاه عن مكانه، وقال: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾. فرَكَض برجله، فنبعتْ عين، فقال: اغتسِل. فاغتسلَ منها، ثم جاء أيضًا فقال: اركُض. فركض برجله، فنبعتْ عين أخرى، فقال له: اشرب منها. وهو قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾، وألبسه الله حُلّة من الجنة، فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أين المُبتلى الذي كان ههنا، لعلَّ الكلاب ذهبت به أو الذئاب! وجعلت تكلِّمه ساعة، فقال: ويحكِ! أنا أيوب، قد ردَّ الله عليَّ جسدي. وردَّ عليه ماله وولده عيانًا، ومثلهم معهم، وأمطر عليهم جَرادًا من ذَهَبٍ، فجعل يأخذ الجراد بيده، ثم يجعله في ثوبه، وينشر كساءه ويأخذه، فيجعل فيه، فأوحى الله إليه: يا أيوب، أما شبعتَ؟ قال: يا رب، مَن ذا الذي يشبع مِن فضلك ورحمتك؟!

سورة البقرة — الآية ٣٥

عن عطاء، قال: لَمّا سجدت الملائكة لآدم نَفَر إبليس نَفْرَة، ثُمَّ ولّى مُدْبِرًا، وهو يلتفت أحيانًا ينظر هل عصى ربَّه أحدٌ غيرُه، فعصمهم الله، ثم قال الله لآدم: قُمْ، يا آدم، فسَلِّم عليهم. فقام، فسَلَّم عليهم، وردوا عليه، ثم عرض الأسماء على الملائكة، فقال الله لملائكته: زعمتم أنكم أعلم منه، ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾. قالوا: ﴿سبحانك﴾ إنّ العلم منك ولك، و﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾. فلما أقَرُّوا بذلك قال: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾. فقال آدم: هذه ناقة، جمل، بقرة، نَعْجَة، شاة، فَرَس، وهو من خلق ربي. فكل شيء سَمّى آدمُ فهو اسمه إلى يوم القيامة، وجعل يدعو كُلَّ شيء باسمه حِين يَمُرُّ بين يديه، حتى بَقِي الحمار، وهو آخر شيء مَرَّ عليه، فخالف الحمار من وراء ظهره، فدعا آدم: أقْبِل، يا حمار. فعلمت الملائكة أنه أكرم على الله، وأعلم منهم، ثم قال له ربه: يا آدم، ادخل الجنة تُحَيّى وتُكرَمْ. فدخل الجنة، فنهاه عن الشجرة قبل أن يخلق حواء، فكان آدم لا يستأنس إلى خَلْقٍ في الجنة، ولا يسكن إليه، ولم يكن في الجنة شيء يشبهه، فألقى الله عليه النوم، وهو أول نوم كان، فانتزعت من ضلعه الصُّغْرى من جانبه الأيسر، فخُلِقَت حواء منه، فلما استيقظ آدم جلس، فنظر إلى حواء تشبهه، من أحسن البشر -ولكل امرأة فضل على الرجل بضلع-، وكان الله عَلَّم آدم اسم كل شيء، فجاءته الملائكة فَهَنَّوه، وسلَّموا عليه، فقالوا: يا آدم، ما هذه؟ قال: هذه مرأة. قيل له: فما اسمها؟ قال: حَوّاء. فقيل له: لِمَ سَمَّيْتَها حَوّاء؟ قال: لأنّها خُلِقَت من حيٍّ. فنُفِخ بينهما من روح الله، فما كان من شيء يتراحم الناس به فهو من فَضْل رحمتها

للسلف في تفسير قوله: ﴿بروجا﴾ قولان: الأول: أنها النجوم الكبار. الثاني: أنها القصور التي في السماء. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٤٨٤) مستندًا إلى اللغة القولَ الثاني، فقال: ""لأن ذلك في كلام العرب ﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء:٧٨]، وقول الأخطل:كأنها برجُ رُومِيٍّ يُشَيِّده بانٍ بِحص وآجُرٍّ وأحجاريعني بالبرج: القصر"". وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٥٢): «والبروج هي التي علمتها العرب بالتجربة، وكل أمة مُصحِرة، وهي الشهور عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث مِن منازل القمر التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس:٣٩]، والعرب تسمي البناء المرتفع المستغني بنفسه: برجًا، تشبيهًا ببروج السماء». وذكر ابنُ عطية القول الأول، وعلّق عليه قائلًا: «حكاه الثعلبي عن أبي صالح، وهذا غير ما بيناه إلا أنه غير مُخلَّص». وذكر ابن عطية (٦‏/‏٤٥٢) في الآية قولًا ثالثًا لم ينسبه لأحد مِن السلف: أنّ البروج قصور في الجنة. ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية بقوله: «وأما القول بأنها قصور في الجنة فقول يحط غرض الآية في التنبيه على أشياء مُدرَكات تقوم بها الحُجَّة على كل مُنكِر لله أو جاهل به». وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٣١٨) القولين، ثم رجّح مستندًا إلى النظائر الأول، فقال: «والقول الأول أظهر، اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين﴾ [الملك:٥]؛ ولهذا قال: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا﴾ وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: ﴿وجعلنا سراجا وهاجا﴾ [النبأ:١٣]»

للسلف في تفسير قوله: ﴿لزاما﴾ أربعة أقوال: الأول: أنّ اللزام: عذاب الدنيا، وهو القتل يوم بدر. الثاني: أنه الموت. الثالث: أنه القتال. الرابع: أنه العذاب في الآخرة. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٣٧) مستندًا إلى أقوال السلف القولَ الأول، فقال: «وقوله: ﴿فقد كذبتم﴾، يقول -تعالى ذِكْرُه- لمشركي قريش قومِ رسول الله ﷺ: فقد كذبتم -أيها القومُ- رسولَكم الذي أُرْسِل إليكم، وخالفتم أمر ربكم الذي أمَرَ بالتمسك به، لو تمسكتم به كان يعبأ بكم ربي، فسوف يكون تكذيبكم رسول ربكم وخلافكم أمر بارئكم عذابًا لكم مُلازمًا؛ قتلًا بالسيوف وهلاكًا لكم مُفنيًا يلحق بعضكم بعضًا. ففعل الله ذلك بهم، وصدقهم وعده، وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه، وألحق بعضهم ببعض، فكان ذلك العذابُ اللزامَ». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٤٦٥): «وأكثر الناس على أنّ»اللزام«المشار إليه في هذا الموضع هو يوم بدر، وهو قول أبي بن كعب، وابن مسعود، والمعنى: فسوف يكون جزاء التكذيب». ثم علّق على القول الثاني، فقال: «وقال ابن عباس أيضًا: اللزام: الموت. وهذا نحو القول ببدر، وإن أراد به متأول الموت المعتاد في الناس عرفًا، فهو ضعيف». ورجّح ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٣٥) أنّه لا مُنافاة بين القولين، فقال: «﴿فسوف يكون لزاما﴾ أي: فسوف يكون تكذيبكم لزامًا لكم، يعني: مُقْتَضِيًا لهلاككم وعذابكم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يومُ بدر، كما فسَّره بذلك عبدُ الله بن مسعود، وأبيُّ بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وقال الحسن البصري: ﴿فسوف يكون لزاما﴾ يعني: يوم القيامة. ولا منافاة بينهما»

اختُلف في معنى «السدر المخضود» على قولين: الأول: هو الذي لا شوك فيه. الثاني: هو الموقَر حَمْلًا. ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏١٩٧) القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة وما في معناه، فقال: «وهو الصواب». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏١٠٩) أنّ أصحاب القول الأول احتجوا بحجتين: «أحدهما: أنّ الخَضد في اللغة: القطع، وكلّ رطب قضبته فقد خَضدته، وخضدت الشجر إذا قطعت شوكه، فهو خضيد ومخضود، ومنه الخضد على مثال الثمر، وهو كلّ ما قطع من عود رطب خضد بمعنى: مخضود كقبض وسلب، والخضاد شجر رخو لا شوك له». والثانية: استشهادهم بحديث أبي أمامة، وعتبة بن عبد الله السلمي الواردين في تفسير الآيات، ثم ذكر بأنّ أصحاب القول الثاني أُنكِر عليهم قولهم بأنه «لا يُعرف في اللغة الخضد بمعنى: الحمل». ثم استدرك على إنكارهم بقوله: «ولم يُصب هؤلاء الذين أنكروا هذا القول، بل هو قول صحيح وأربابه ذهبوا إلى أنّ الله لما خضد شوكه وأذهبه، وجعل مكان كلّ شوكة ثمرة أُوقرت بالحمل، والحديثان المذكوران يجمعان القولين. وكذلك قول من قال المخضود: الذي لا يعقر اليد، ولا يرد اليد عنه شوك ولا أذًى فيه. فسّره بلازم المعنى، وهكذا غالب المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة، وفردًا مِن أفراده تارة، ومثالًا من أمثلته، فيحكيها الجمّاعون للغثّ والسمين أقوالًا مختلفة، ولا اختلاف بينها». وعلَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٣٦٣) على القولين بقوله: «والظاهر أن المراد هذا وهذا، فإنّ سِدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وفي الآخرة على العكس من هذا لا شوك فيه، وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٣٥) اختلاف أهل التأويل في المَعْنِيّ بـ«الذّكر»، و«الرسول» في هذا الموضع، فقال: «قال قوم من المتأولين: المراد بالاسمين القرآن، و﴿رسولًا﴾ يعني: رسالة، وذلك موجود في كلام العرب. وقال آخرون: ﴿رسولًا﴾ نعت أو كالنعت لقوله سبحانه: ﴿ذكرًا﴾، فالمعنى: ذكرًا ذا رسولٍ. وقيل: الرسول ترجمة عن الذّكر كأنه بدل منه. وقال آخرون: المراد بهما جميعًا: محمد ﷺ، والمعنى: ذا ذِكْرٍ رسولًا. وقال بعض حُذّاق المتأولين: الذّكر: اسم من أسماء الرسول ﷺ. واحتجَّ بهذا القاضي أبو بكر الباقلاني في تأويل قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ [الأنبياء:٢]. وقال بعض النحاة: معنى الآية: ذِكرًا بعث رسولًا، فهو منصوب بإضمار فعل. وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون ﴿رسولًا﴾ معمولًا للمصدر الذي هو الذّكر». وذهبَ ابنُ جرير (٢٣‏/‏٧٦) -مستندًا إلى اللغة- إلى أنّ الرسول تفسير للذّكر، فقال: «الصواب من القول في ذلك أنّ الرسول ترجمة عن الذّكر، ولذلك نُصِب؛ لأنه مردود عليه على البيان عنه والترجمة. فتأويل الكلام إذن: قد أنزل الله إليكم -يا أولي الألباب- ذكرًا من الله لكم يذكركم به، ويُنبّهكم على حظّكم من الإيمان بالله، والعمل بطاعته، رسولًا يتلو عليكم آيات الله التي أنزَلها عليه مبينات لمن سمعها وتدبّرها أنها من عند الله». وذهب ابنُ عطية (٨‏/‏٣٣٦) إلى أنّ المراد بالذّكر: القرآن، والمراد بالرسول: محمد ﷺ، فقال: «أبْين الأقوال عندي معنًى أن يكون الذّكر: القرآن، والرسول: محمدًا ﷺ، والمعنى: بعث رسولًا، لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول، ونحا هذا المنحى السُّدِّيّ». ولم يذكر مستندًا. وهو ظاهر كلام ابن كثير (١٤‏/‏٤٣)

اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية: هل يجب استيعاب الدفع إليها، أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين: أحدهما: أنه يجب ذلك. وهو قول الشافعي وجماعة. والثاني: أنه لا يجب استيعابها، بل يجوز الدفع إلى واحد منها، ويعطى جميع الصدقة مع وجود الباقين. وهو قول مالك وجماعة. وذكر ابنُ جرير (١١‏/‏٥٣١) أنّ القول الثاني قولُ عامَّةِ أهل العلم. وعلَّق ابنُ كثير (٧‏/‏٢١٩) على القول الثاني بقوله: «وعلى هذا فإنما ذكرتُ الأصناف هاهنا لبيان المَصْرِف، لا لوجوب استيعاب الإعطاء». ورَجَّح ابنُ تيمية (٣‏/‏٣٩٠-٣٩١) مستندًا إلى اللغة، والدلالات العقلية القولَ الثاني، وانتَقَد الأولَ، فقال: ""هذا خطأٌ لوجوه:أحدها: أن اللام في هذه إنما هي لتعريف الصدقة المعهودة التي تقدم ذكرها في قوله: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ وهذه إذًا صدقات الأموال دون صدقات الأبدان باتفاق المسلمين. ولهذا قال في آية الفدية: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ [البقرة:١٩٦]، لم تكن هذه الصدقة داخلة في آية براءة، واتفق الأئمة على أنّ فدية الأذى لا يجب صرفها في جميع الأصناف الثمانية، وكذلك صدقة التطوع لم تدخل في الآية بإجماع المسلمين، وكذلك سائر المعروف فإنه قد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي ﷺ أنّه قال: «كل معروف صدقة». لا يختص بها الأصناف الثمانية باتفاق المسلمين. وهذا جواب مَن يمنع دخول هذه الصدقة في الآية، وهي تَعُمُّ جميع الفقراء والمساكين والغارمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يقل مسلمٌ أنّه يجب استيعاب جميع هؤلاء، بل غاية ما قيل: إنه يجب إعطاء ثلاثة من كل صنف، وهذا تخصيص اللفظ العام من كل صنف، ثم فيه تعيين فقير دون فقير. وأيضًا لم يُوجِب أحدٌ التسويةَ في آحاد كل صنف، فالقول عند الجمهور في الأصناف عمومًا وتسوية، كالقول في آحاد كل صنف عمومًا وتسوية. الوجه الثاني: أن قوله: ﴿إنما الصدقات﴾ للحصر، و﴿إنما﴾ يثبت المذكور وينفي ما عداه، والمعنى: ليست الصدقة لغير هؤلاء، بل لهؤلاء، فالمثبت من جنس المنفي، ومعلوم أنّه لم يقصد تبيين الملك، بل قصد تبيين الحل، أي: لا تحل الصدقة لغير هؤلاء، فيكون المعنى: بل تحل لهم، وذلك أنه ذُكِر في معرض الذَّمِّ لِمَن سأله مِن الصدقات وهو لا يستحقها، والمذموم يُذَمُّ على طلب ما لا يحل له، لا على طلب ما يحل له، وإن كان لا يملكه، إذ لو كان كذلك لذم هؤلاء وغيرهم إذا سألوها من الإمام قبل إعطائها، ولو كان الذمُّ عامًّا لم يكن في الحصر ذمٌّ لهؤلاء دون غيرهم، وسياق الآية يقتضي ذمَّهم، والذمُّ الذي اختصوا به سؤال ما لا يحل، فيكون ذلك الذي نفي، ويكون المثبت هذا يحل، وليس من الإحلال للأصناف وآحادهم وجود الاستيعاب والتسوية، كاللام في قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة:٢٩]، وقوله: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ [الجاثية:١٣]، وقوله ﷺ: «أنت ومالك لأبيك». وأمثال ذلك مِمّا جاءت به اللام للإباحة. فقول القائل: إنّه قسمها بينهم بواو التشريك ولام التمليك ممنوعٌ لِما ذكرناه. الوجه الثالث: أنّ الله لَمّا قال في الفرائض: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء:١١]، وقال: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ إلى قوله: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ [النساء:١٢]، وقال: ﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء:١٧٦] لَمّا كانت اللامُ للتمليك وجب استيعاب الأصناف المذكورين، وإيرادُ كلِّ صنف، والتسوية بينهم، فإذا كان لرجل أربع زوجات، وأربعة بنين أو بنات، أو أخوات، أو إخوة، وجب العموم والتسوية في الأفراد؛ لأنّ كُلًّا منهم استحق بالنسب، وهم مستوون فيه. وهناك لم يكن الأمر فيه كذلك، ولم يجب فيه ذلك. ولا يقال: أفراد الصنف لا يمكن استيعابه؛ لأنه يقال: بل يجب أن يقال في الأفراد ما قيل في الأصناف. فإذا قيل: يجب استيعابها بحسب الإمكان، ويسقط المعجوز عنه. قيل في الأفراد كذلك. وليس الأمر كذلك، لكن يجب تحري العدل بحسب الإمكان، كما ذكرناه""