عن خالد بن أبي عمران، قال: سألتُ القاسم [بن محمد]، وسالم [بن عبد الله بن عمر] عن قول الله: ﴿والَّذِينَ فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾. فقالا: المعلوم منسوخة، وكلّ صَدقة في القرآن منسوخة، نَسَخَتْها هذه الآية: ﴿إنَّما الصَّدَقاُت لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ إلى آخر الآية [التوبة: ٦٠]. قالا: والمحروم مُحارَف في الرزق والتجارة
اختلف العلماء في سبب هذه الآية، وقد أفاد هذا الأثر وما في معناه أن السؤال المشار إليه في الآية وقع من الكفار، ولذا وجَّهَ ابن عطية (١/٣١٨) معنى الإضافة في ﴿رسولكم﴾ على هذه الأقوال، فقال: «فتجيء على هذه الأقوال إضافة الرسول إليهم حسب الأمر في نفسه، لا على إقرارهم». ثم قال ابن عطية (١/٣١٨) مُعَلِّقًا: «وما سئل موسى عليه السلام هو أن يرى الله جهرة»
رَجَّح ابنُ عطية (١/٣٧٦) قولَ السدي، فقال: «وقوله تعالى: ﴿وما بَعْضُهُمْ﴾ الآية، قال السدي وابن زيد: المعنى: ليست اليهود متبعة قبلة النصارى، ولا النصارى متَّبعة قبلة اليهود. وقال غيرهما: معنى الآية: وما من أسلم معك منهم بمتَّبع قبلة مَن لم يُسلم، ولا من لم يُسلم بمتَّبع قبلة من أسلم. والأول أظهر في الأبعاض». ولم يذكر مُسْتَنَدًا
بيَّن ابن تيمية (٢/١٨٩) أن مَن قال: إنها نزلت في النجاشي، يوافق قوله قول من قال: نزلت فيه وفي أصحابه. فقال: «وهذه الآية قد قال طائفة من السلف: إنها نزلت في النجاشي، ويروى هذا عن جابر وابن عباس وأنس. ومنهم من قال: فيه وفي أصحابه؛ كما قال الحسن وقتادة، وهذا مراد الصحابة، ولكن هو المطاع، فإن لفظ الآية لفظ الجمع لم يرد بها واحد»
انتَقَدَ ابنُ كثير (٤/٣٧٠) مستندًا إلى زمن النزول قول محمد القرظي، فقال: «وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر؛ فإن هذه الآية مكية في سورة الأنعام، وهذه الآية التي في سورة النساء مدنية، وهي ردٌّ عليهم لَمّا سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتًابا من السماء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾»
قال ابنُ عطية (٤/١١١): «قوله تعالى: ﴿ولا يستطيعون﴾ الآية، هذه تُخَرَّج على تأويل مَن قال: إنّ المراد: آدم وحواء والشمس. على ما تقدم، ولكن بقلق وتعسّف مِن المُتَأَوِّل في المعنى. وإنّما تتسق هذه الآيات ويروق نظمها ويتناصر معناها على التأويل الآخر، والمعنى: ولا ينصرون أنفسهم من أمر الله وإرادته، ومَن لا يدفع عن نفسه فأحرى أن لا يدفع عن غيره»
علَّقَ ابن كثير (٧/٤٣) على قول ابن المسيب، والزهري، بقوله: «هذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًّا، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم». واسْتَدْرَكَ ابن عطية (٤/١٥٨) على هذا القول لدلالة السياق بقوله: «هذا ضعيف؛ لأن الآية نزلت عقب بدر، وعلى هذا القول تكون أجنبية مما قبلها وما بعدها، وذلك بعيد»
علّق ابنُ عطية (٥/٦٦٣-٦٦٤) على من فسر قوله: ﴿يومئذ﴾ بيوم اكتمال السد، فقال: «فالضمير في قوله: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ -على ذلك- يَأْجُوج ومَأْجُوج». ثم وجّه معنى الآية على هذا القول، فقال: «من تأول الآية إلى قوله: ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ في أمر يأجوج ومأجوج؛ تأول القول: وتركناهم يموجون دأبًا على مر الدهر وتناسل القرون بينهم وقيامهم، ثم نُفِخَ فِي الصُّورِ، فيجتمعون»
ساق ابنُ عطية (٨/٥٩٩) أن هذه الآية متناولة بلفظها حال العصاة من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين فيبكون عنده، وساق هذه الأقوال، ثم نقل عن الثعلبي أنه قال: كانت هذه الآية تسمّى مبكى العابدين. وعلَّق بقوله: «وأما لفظها فيعطي أنه اجتراح الكفر بدليل معادلته بالإيمان، ويحتمل أن تكون المعادلة بين الاجتراح وعمل الصالحات، ويكون الإيمان في الفريقين، ولهذا بكى الخائفون»
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق قتادة- قال: كان أصحابُ الكهف أبناءَ ملوك، رزقهم الله الإسلام، فتعوَّذوا بدينهم، واعتزلوا قومَهم حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على صماخاتهم، فلبثوا دهرًا طويلًا حتى هلكت أُمَّتُهم، وجاءت أُمَّةٌ مُسْلِمة، وكان ملِكُهم مسلمًا، واختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: يبعث الروح والجسد جميعًا. وقال قائل: يبعث الروح، وأما الجسد فتأكله الأرض ولا يكون شيئًا. فشق على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المُسُوحَ، وجلس على الرماد، ثم دعا الله، فقال: أي ربِّ، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آيةً تبين لهم. فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم ليشتري لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكِر الوجوه ويعرف الطرق، ورأى الإيمان ظاهرًا بالمدينة، فانطلق وهو مُسْتَخْفٍ حتى أتى رجلًا يشتري منه طعامًا، فلما نظر الرجل إلى الوَرِق أنكرها -حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الربع. يعني: الإبل الصغار-، فقال الفتى: أليس مَلِكُكم فلان؟ فقال الرجل: بل ملكنا فلان. فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فنادى في الناس، فجمعهم، فقال: إنكم اختلفتم في الروح والجسد، وإنّ الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان. يعني: ملكهم الذي قبله. فقال الفتى: انطلقوا بي إلى أصحابي. فركب الملِك، وركب معه الناس، حتى انتهى إلى الكهف، فقال الفتى: دعوني أدخل إلى أصحابي. فلما أبصروه وأبصرهم ضرب على آذانهم، فلما استبطؤوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجسادٌ لا ينكر منها شيئًا غير أنّها لا أرواح فيها. فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم. فغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بالكهف، فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أصحاب الكهف. فقال ابن عباس: لقد ذهبت عظامُهم منذُ أكثر من ثلاثمائة سنة