قال ابنُ جرير (٢/٥٨٦) مستدلًا بأقوالِ السّلفِ: «وهذه الآيات نزلت تكذيبًا من الله تعالى لليهود والنصارى في دعواهم إبراهيم وولده ويعقوب أنّهم كانوا على مِلَّتهم، فقال لهم في هذه الآية: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوبَ الموتُ﴾ فتعْلَموا ما قال لولده، وقال له ولدُه، ثم أعلمهم ما قال لهم وقالوا له؟! وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». ولم يُورِد إلّا أثرَ الربيع
اختُلِف فيمن عُنِي بهذه الآية؛ فقال قوم: عني بها الذين وصفهم الله بالخيانة بقوله: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾. وقال آخرون: بل عني بها المجادلين عن الخائنين. وجمع ابنُ جرير (٧/٤٧٥) بين القولين باندراجهما في العموم، فقال مُرَجِّحًا ذلك: «والصواب من القول في ذلك عندنا: أنّه عني بها كل مَن عمل سوءًا أو ظلم نفسه، وإن كانت نزلت في أمر الخائنين والمجادلين عنهم الذين ذكر الله أمرهم في الآيات قبلها»
انتقد ابنُ تيمية (ينظر ٢/٥٠٨) مستندًا إلى زمن النزول ما جاء في قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أنّ الآية نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنهما يوم غدير خُمٍّ، وذهب إلى أنّ هذه الآية إنما نزلت قبل حجة الوداع بمدة طويلة، ويوم الغدير إنما كان ثامن عشر ذي الحجة بعد رجوع النبي ﷺ من الحج
اختلف أنزلت هذه الآية في قريش، أم في نفر من اليهود؟ ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٦٠٥) جوازَ القولين دون القطع بأحدهما؛ لعدم الدليل على ذلك، فقال: «وجائز أن يكون كانوا من قريش، وجائز أن يكونوا كانوا من اليهود، ولا خبر بذلك عندنا يجوز قطع القول على أي ذلك كان». ورجَّح ابنُ كثير (٦/٤٩٦) القول الأول الذي قاله قتادة مستندًا لأحوال النزول، فقال: «والأوَّلُ أشبه؛ لأن الآية مكية»
ذكر ابنُ عطية (٤/٤٠٣) قولَ مَن قال: المراد بالآية: الثلاثة الذين خُلِّفوا. كما في قول قتادة وغيره. ثم ذكر قولًا آخر: أنّها نزلت في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مسجد الضرار. لم ينسبه إلى أحد، ثم علّق عليه بقوله: «وعلى هذا يكون ﴿والذين اتخذوا﴾ بإسقاط واو العطف بدلًا من ﴿وءاخَرُونَ﴾، أو خبر ابتداء تقديرهم: هم الذين، فالآية على هذا فيها ترجٍّ لهم واستدعاءٌ إلى الإيمان والتوبة»
في قوله: ﴿الحسنى﴾ قولان: الأول: أن المراد به: الذكور من الأولاد. الثاني: أن المراد به: الجنة. وقد ذكر ابنُ عطية (٥/٣٧٤-٣٧٥) القول الأول، وعلّق عليه بقوله: «وهو الأسبق من معنى الآية». وعلّق على القول الثاني بقوله: «ويؤيد هذا قوله: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾، ومعنى الآية على هذا التأويل: يجعلون لله المكروه، ويدَّعون مع ذلك أنهم يدخلون الجنة. كما تقول لرجل: أنت تعصي الله، وتقول مع ذلك أنت تنجو. أي: هذا بعيد مع هذا»
قال ابنُ عطية (٦/٥٤٨): «هذه الآية أصل لِمَن جعل مِن الفقهاء الرجم في اللوطية، وبها تأنّس؛ لأن الله تعالى عذبهم على كفرهم به، وأرسل عليهم الحجارة لمعصيتهم، ولم يقِس هذا القول على الزنا فيعتبر الإحصان. بل قال مالك وغيره: يرجمان في اللوطية أحْصنا أو لم يحْصنا. وإنما ورد عن النبي ﷺ: «اقتلوا الفاعل، والمفعول به». فذهب مَن ذهب إلى رجمهما بهذه الآية»
ذكر ابن عطية (٦/٦٢٧) في نزول الآية قولين: الأول: أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص، كما في الآثار. الثاني: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، ولم ينسبه إلى أحد من السلف. ثم علّق بقوله: «ولا مرية أنها نزلت فيمن كان من المؤمنين بمكة يشقى بجهاد أبويه في شأن الإسلام أو الهجرة، فكان القصدُ بهذه الآية النهيَ عن طاعة الأبوين في مثل هذا؛ لعظم الأمر، وكثرة الخطر فيه مع الله تعالى»
اختُلف في نزول هذه الآية على قولين: الأول: أنها مكية. الثاني: أنها نَزَلَتْ يوم بدر. وذكر ابنُ عطية (٨/١٥٣) أنه على القول الأول فالرسول إنما كان مستشهدًا بهذه الآية يوم بدر حين تلاها. وانتقد الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق علي بن أبي داود، وعكرمة، ورجَّح الأول، فقال: «وهذا ضعيف، والصواب أنّ الوعد أنجز يوم بدر». ولم يذكر مستندًا
عن رجل من الصحابة، أنّ قائلًا من المسلمين قال: يا رسول الله، ما النجاةُ غدًا؟ قال: «لا تُخادِع الله». قال: وكيف نُخادِع الله؟ قال: «أن تعمل بما أمرك به تُريد به غيرَه، فاتقوا الرياء؛ فإنه الشرك بالله، فإنّ المرائي يُنادى به يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر، ضَلَّ عملُك، وبَطَل أجرُك، فلا خلاق لك اليوم عند الله، فالتَمِسْ أجرَك مِمَّن كنتَ تعمل له، يا مخادع». وقرأ آيات من القرآن: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا﴾ الآية [الكهف: ١١٠]، و﴿إن المنافقين يخادعون الله﴾ الآية [النساء: ١٤٢]