عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: عادني النبي ﷺ عامَ حَجَّةِ الوداع من مرضٍ أشْفَيْتُ منه على الموت، فقلتُ: يا رسول الله، بلغ بي مِن الوَجَع ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلا ابنةٌ لي واحدة، أفأتصدق بثُلُثَي مالي؟ قال: «لا». قال: فأتصدق بشَطْره؟ قال: «الثُّلُثُ، يا سعدُ، والثلثُ كثيرٌ، إنّك أن تَذَرَ ذُرِّيَّتك أغنياءَ خيرٌ مِن أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، ولست بنافقٍ نفقة تبتغي بها وجه الله إلا آجَرَكَ اللهُ بها، حتى اللقمة تجعلها فِي فِي امرأتك»
علَّق ابنُ كثير (١/٤٧٤-٤٧٥) فقال: «قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ أي: كلموهم طَيِّبًا، ولِينُوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ فالحسن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا رَوْح... ، عن أبي ذر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق»»
عَلَّق ابنُ كثير (٢/٢١٧-٢١٨ بتصرف) على قول مجاهد بقوله: «يقول: فإن انتهوا عمّا هُم فيه من الشرك، وقتالِ المؤمنين؛ فكُفُّوا عنهم، فإنّ مَن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، هذا معنى قول مجاهد. أو يكون تقديره: فإن انتهوا فقد تَخَلَّصوا من الظلم، وهو: الشرك، فلا عُدْوان عليهم بعد ذلك. والمراد بالعدوان هاهنا: المعاقبة والمقاتلة، كقوله: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾، وقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى:٤٠]، ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله»
قال ابنُ عطية (٦/٣٨٣): «قوله: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ راجع إلى الفتيات، وذلك أنّ الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يتصور، ويمكن أن يكون السيد مكرِهًا، ويمكن أن يُنهى عن الإكراه، وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يُقال للسيد: لا تكرهها؛ لأنّ الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنا، فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين، فقال بعضهم: قوله: ﴿إنْ أرَدْنَ﴾ راجع إلى ﴿الأَيامى﴾ في قوله سبحانه: ﴿وأَنْكِحُوا الأَيامى مِنكُمْ﴾، وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: ﴿إنْ أرَدْنَ﴾ ملغًى، ونحو هذا مما ضُعِّف»
علَّق ابنُ كثير (١٣/٣٥١) على هذه الأقوال بقوله: «وهذه الأقوال كلّها صحيحة؛ فإنّ المراد بالسابقين: هم المُبادِرون إلى فعل الخيرات كما أُمروا، كما قال تعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال: ﴿سابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد:٢٢]، فمَن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإنّ الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١١-١٢]»
ذكر ابنُ كثير (١٤/٢٦٠) عبارات السلف في قوله: ﴿عطلت﴾، ثم علّق قائلًا: «والمعنى في هذا كله متقارب». وبيّن أنّ العِشار هي النُّوق الحوامل، كما جاء في أقوال السلف، ثم ذكر فيها عدة أقوال أخر، فقال: «وقد قيل في العِشار: إنها السحاب يُعطّل عن المسير بين السماء والأرض لخراب الدنيا. وقد قيل: إنها الأرض التي تعشر. وقيل: إنها الديار التي كانت تُسكن، تُعطَّل لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه التذكرة، ورجّح أنها الإبل. وعزاه إلى أكثر الناس». ثم علّق قائلًا: «قلتُ: بل لا يُعرف عن السلف والأئمة سواه»
للسلف في معنى الزور أقوال: فقيل: هو الشِّرك بالله تعالى. وقيل: هو الغِناء. وقيل: هو الكذب. وقيل: أعياد الكافرين. وقيل غير هذا كما في الآثار. وقد ذكر ابنُ جرير (١٧/٥٢٣) الأقوال الثلاثة الأولى، ثم رجّح مستندًا للغة والعموم أنّ اللفظة عامةٌ في كل باطل، فيدخل فيها الشرك والغناء والكذب، وغير هذا من معاني الباطل، فقال: «وأصل الزور: تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى مَن يسمعه أو يراه أنّه خلاف ما هو به، والشِّرك قد يدخل في ذلك؛ لأنه محسَّنٌ لأهله، حتى قد ظنوا أنه حق، وهو باطل، ويدخل فيه الغناء؛ لأنه أيضًا مما يحسنه ترجيع الصوت، حتى يستحلي سامعُه سماعَه، والكذب أيضًا قد يدخل فيه؛ لتحسين صاحبه إيّاه، حتى يظن صاحبُه أنّه حقٌّ، فكلُّ ذلك مِمّا يدخل في معنى الزور. فإذا كان ذلك كذلك فأَوْلى الأقوال بالصواب في تأويله أن يُقال: والذين لا يشهدون شيئًا مِن الباطل؛ لا شركًا، ولا غناء، ولا كذِبًا، ولا غيره، وكل ما لزمه اسم الزور؛ لأنّ الله عمَّ في وصفه إيّاهم أنّهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص مِن ذلك شيء إلا بحُجَّة يجب التسليم لها، من خبر أو عقل». وبنحوه ابنُ عطية (٦/٤٦٢)، حيث قال: «والزُّور: كل باطل زُوِّر وزُخْرِف، فأعظمه الشرك، وبه فسر الضحاك وابن زيد، ومنه الغناء، وبه فسر مجاهد، ومنه الكذب، وبه فسَّر ابن جريج». وبنحوهما ابنُ القيم (٢/٢٧٠). وظاهرٌ أن الآثار الواردة هنا مبنية على أن ﴿يشهدون﴾ في الآية مأخوذ من المشاهدة، وهو ما رجّحه ابنُ القيم (٢/٢٧١) وابنُ كثير (١٠/٣٣١)، فقال ابنُ كثير مستندًا إلى السياق: «والأظهر من السياق أنّ المراد: لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه؛ ولهذا قال: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾، أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا منه بشيء، ولهذا قال: ﴿مروا كراما﴾». وقد أورد ابنُ عطية قولًا آخر أن ﴿يشهدون﴾ مأخوذٌ من الشهادة، فقال: «وقال علي بن أبي طالب ومحمد بن علي المعنى: لا يشهدون بالزور، فهو من الشهادة لا مِن المشاهدة، والزور: الكذب». ثم علّق عليه بقوله: «والشاهد بالزور: حاضره ومؤديه فجرةٌ». ثم علّق على القولين بقوله: «فالمعنى الأول أعمُّ، لكن المعنى الثاني أغرق في المعاصي وأنكى»
انتقد ابنُ جرير (٥/٩١-٩٢)، وابنُ عطية (٢/١١٩)، وابنُ القيم (١/٢١٣)، وابنُ كثير (٢/٥٠٨) هذا القول استنادًا إلى الدلالات العقلية، ومخالفة الإجماع، وذلك أنّ ضلال المرأة في الشهادة نسيانها إياها، فالضالَّة حينئذ محتاجة إلى التذكير لا إلى الإذكار، لأنه لا يحسن في مقابلة الضلال إلا الذِّكْر، إذ هو مقابل له ومضاد، وليس للإذكار في ذلك مدخل. ووجَّه ابنُ جرير (٥/٩١-٩٢) قول ابن عيينة بتوجيهٍ، إلا أنه انتقده أيضًا؛ لصيرورته إلى معنى التذكير الذي رجَّحه، وكونه مبنيًّا على قراءة خلاف التي اختارها، فقال: «إلا إن أراد أن الذاكرة إذا ضعفت صاحبتُها عن ذكر شهادتها، شحذتها على ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته، فقوَّتها بالذِّكر حتى صيَّرتْها كالرجل في قوتها في ذِكر ما ضعُفَت عن ذِكْره من ذلك، كما يقال للشيء القوي في عمله: ذَكَرٌ، وكما يقال للسيف الماضي في ضربه: سيف ذَكَرٌ، ورجل ذَكَرٌ، يُراد به: ماض في عمله، قوي البطش، صحيح العزم. فإن كان ابن عيينة هذا أراد، فهو مذهبٌ من مذاهب تأويل ذلك، إلا أنه إذا تؤول كذلك، صار تأويله إلى نحو تأويلنا الذي تأولناه فيه، وإن خالفت القراءةُ بذلك المعنى القراءةَ التي اخترناها، بأن تصير القراءة حينئذ الصحيح بالذي اختار قراءته من تخفيف الكاف من قوله: (فتُذْكِر)، ولم نعلم أحدًا تأوَّل ذلك كذلك، فنستجيز قراءته كذلك بذلك المعنى»
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿لا فيها غول﴾ على خمسة أقوال: الأول: ليس فيها وجع البطن. والثاني: ليس فيها صداع. والثالث: ليس فيها ما يغتال العقل. والرابع: ليس فيها إثم. والخامس: ليس فيها أذى ولا مكروه. ذهب ابنُ كثير (١٢/١٧) إلى القول الأول، ونصَّ على أنه «الصحيح». وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد. وذهب ابنُ جرير (١٩/٥٣٤-٥٣٥)، وكذا ابنُ عطية (٧/٢٨٣) إلى أنّ اسم «الغول» يعُمّ كلّ تلك الأقوال، استنادًا إلى اللغة والعموم، فقال ابنُ جرير: «ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها وجهٌ، وذلك أن الغول في كلام العرب: هو ما غال الإنسان فذهب به. فكل من ناله أمر يكرهه ضربوا له بذلك المثل، فقالوا: غالت فلانًا غول. فالذاهب العقل من شرب الشراب، والمشتكي البطن منه، والمصدع الرأس من ذلك، والذي ناله منه مكروه؛ كلهم قد غالته غول. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله -تعالى ذِكْرُه- قد نفى عن شراب الجنَّة أن يكون فيه غول، فالذي هو أولى بصفته أن يقال فيه كما قال -جل ثناؤه-: ﴿لا فيها غول﴾ فيعم بنفي كل معاني الغول عنه، وأعم ذلك أن يقال: لا أذى فيها، ولا مكروه على شاربيها في جسم ولا عقل، ولا غير ذلك». وقال ابنُ عطية: «والاسم أعم من هذا كله، فنفى عن خمر الجنة جميع أنواع الأذى؛ إذ هي موجودة في خمر الدنيا، نحا إلى هذا العموم سعيد بن جبير»
رَجَّح ابنُ جرير (٣/٤٥١ بتصرف) مستندًا إلى اللغة، والنظائر، والدلالة العقلية في تفسير قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ قولَ ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، والضحاك، ومجاهد، وعامر، والسدي، أنّ المراد بأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ ذلك من الله خبرٌ عن ميقات الحج، ولا عملَ للحج يعمل بعد انقضاء أيام منى، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ بذلك جميعَ الشهر الثالث، وإذا لم يكن مَعْنِيًّا به جميعَه صَحَّ قولُ مَن قال: وعشر ذي الحجة. فإن قال قائل: فكيف قيل: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ وهو شهران وبعض الثالث؟ قيل: إنّ العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك، فتقول له: اليوم يومان منذ لم أره. وإنما تعني بذلك يومًا وبعض آخر، وكما قال -جَلَّ ثناؤُه-: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ [البقرة:٢٠٣]، وإنّما يَتَعَجَّل في يوم ونصف. فلذلك قيل: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، والمراد منه: الحج شهران وبعض آخر». وعَلَّق ابنُ عطية (١/٤٨١) على هذا القول مستندًا إلى اللغة، فقال: «وجَمَع على هذا القول الاثنان وبعض الثالث، كما فعلوا في جمع عشر، فقالوا: عشرون لعشرين ويومين من الثالث، وكما قال امرؤ القيس: ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال»