اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿الله نور السموات والأرض﴾؛ فقال بعضهم: هادي السماوات والأرض. وقال آخرون: مُدَبِّر السماوات والأرض. وقال آخرون: ضياء السماوات والأرض. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٩٧) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لأنّه عقيب قوله: ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين﴾ [النور:٣٤]، فكان ذلك بأن يكون خبرًا عن موقع يقع تنزيله مِن خلقه، ومِن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه؛ أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدل على انقضاء الخبر عنه من غيره. فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات مبيناتٍ الحقَّ مِن الباطل، ﴿ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين﴾ فهديناكم بها، وبيَّنّا لكم معالم دينكم بها؛ لأني هادي أهل السماوات وأهل الأرض». وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٢٤١) في معنى الآية قول ابن مسعود، ثم علّق بقوله: «وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه أقربُ إلى تفسير الآية مِن قول مَن فسَّرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض. وأمّا من فسرها بأنه منور السماوات والأرض؛ فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود، والحق أنّه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٣٨٤-٣٨٥): «النور في كلام العرب: الأضواء المدرَكة بالبصر. ويستعمل مجازًا فيما صحَّ من المعاني ولاح، فيقال: كلام له نور... والله تعالى ليس كمثله شيء، فبيِّنٌ أنه ليس كالأضواء المدركة، ولم يبق للآية معنًى إلا أنه أراد: اللَّهُ ذو نُورِ السَّماواتِ والأَرْضِ، أي: بقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما تقول: الملك نور الأمة، أي: به قوام أمورها وصلاح جملتها، والأمر في الملك مجاز، وهو في صفة الله تعالى حقيقة محضة؛ إذ هو الذي أبدع الموجودات، وخلق العقل نورًا هاديًا؛ لأن ظهور الوجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات، تبارك الله لا رب سواه. وقالت فرقة: التقدير: دين الله نُورُ السَّماواتِ والأَرْضِ. قال ابن عباس: هادي أهل السماوات والأرض. والأول أعمُّ للمعاني وأوضح مع التأمل». ومحصلة كلام ابن عطية باطل، والحق إثبات صفة النور لله عز وجل على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين. ينظر: الشريعة ٣‏/‏١١٤٧-١١٧٧، والإبانة الكبرى ٣‏/‏٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢‏/‏٤٥١-٤٨٠

زاد ابنُ عطية (٨‏/‏٦٠٤) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقيل: المراد: فجر العيون من الصخور وغيرها. وقال عكرمة: المراد: فجر يوم الجمعة». وذكر ابن القيم (٣‏/‏٢٩٦) أنّ قوله تعالى: ﴿والفَجْرِ﴾ «إنْ أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمّن وقت صلاة الصبح، التي هي أول الصلوات، فافتتح القسم بما يتضمّن أول الصلوات، وختمه بقوله: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ المتضمّن لآخر الصلوات: وإنْ أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النَّحر وليلته التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رئي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها، وذلك الفجر فجر يوم النَّحر الذي هو أفضل الأيام عند الله... وعلى هذا فقد تضمّن القَسم المناسك والصلوات، وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته، ولهذا قال الخليل عليه السلام: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وقيل لخاتم الرسل ﷺ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، بخلاف حال المشركين المُتكبِّرين الذين لا يعبدون الله وحده، بل يُشركون به، ويستكبرون عن عبادته كحال مَن ذُكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون»

سورة الدخان — الآية ٣٧

عن أُبَيّ بن كعب -من طريق ابن عباس- قال: لما قدم تُبّع المدينة، ونزل بقناة؛ بعث إلى أحبار يهود، فقال: إنِّي مُخَرِّبٌ هذا البلد، حتى لا تقوم به يهودية، ويرجع الأمر إلى دين العرب. فقال له سامول اليهودي، وهو يومئذ أعلمهم: أيّها الملك، إنّ هذا بلدٌ يكون إليه مُهاجَر نبيٍّ من بني إسماعيل، مولده بمكة، اسمه أحمد، وهذه دار هِجرته، إنّ منزلك هذا الذي نزلتَ به يكون من القتل والجراح أمر كثير في أصحابه وفي عدوّهم. قال تُبّع: ومَن يقاتله يومئذ وهو نبيٌّ كما تزعم؟ قال: يسير إليه قومه، فيقتتلون ههنا. قال: فأين قبره؟ قال: بهذا البلد. قال: فإذا قُوتل لمن تكون الدَّبَرة؟ قال: تكون عليه مرّة وله مرّة، وبهذا المكان الذي أنتَ به يكون عليه، يُقتل به أصحابه مقتلة عظيمة لم تُقتل في موطن، ثم تكون العاقبة له ويظهر، فلا ينازعه هذا الأمر أحد. قال: وما صفتُه؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حُمرة، يركب البعير، ويلبس الشَّملة، سيفه على عاتِقه، لا يبالي مَن لاقى حتى يَظهر أمره. قال تُبّع: ما إلى هذا البلد مِن سبيل، وما كان ليكون خرابها على يدَيَّ. فخرج تُبّع منصرفًا إلى اليمن

انتَقَد ابنُ تيمية (١‏/‏٢٧١-٢٧٣ بتصرف) هذا الحديث مستندًا إلى ضعف إسناده، ومخالفته للدلالة المستفيضةِ للتاريخ، فقال: «وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه، وهذا مما أنكره عليه العلماء؛ فإن عبد الملك بن هارون من أضعف الناس، وهو عند أهل العلم بالرجال متروك، بل كذاب، ومما يبين ذلك أنّ قوله: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إنما نزلت باتفاق أهل التفسير والسِّيَر في اليهود المجاورين للمدينة أولًا كبني قينقاع وقريظة والنضير، وهم الذين كانوا يحالفون الأوس والخزرج، وهم الذين عاهدهم النبي ﷺ لما قدم المدينة، ثم لما نقضوا العهد حاربهم، فحارب أولًا بني قينقاع، ثم النضير، ثم قريظة عام الخندق، فكيف يقال نزلت في يهود خيبر وغطفان؟! فإن هذا من كذاب جاهل لم يحسن كيف يكذب، ومما يبين ذلك أنّه ذُكِر فيه انتصار اليهود على غطفان لما دعوا بهذا الدعاء، وهذا مما لم ينقله أحد غير هذا الكذاب، ولو كان هذا مما وقع لكان مما تتوفر دواعي الصادقين على نقله، وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به، فهو نقل شاذ مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له»

رَجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٦٩٠-٦٩٢ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به ابن عباس من طريق مِقْسم، وقتادة من طريقي مَعْمَر وسعيد، وعطاء من طريق عبد الملك، والسُّدِّي، وابن زيد، والحسن من طريق يونس، مستندًا إلى السُّنَّةِ، واللغة، فقال: «وذلك هو الفَضْلُ الذي تظاهرت به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ بالإذن في الصدقة، وصدقته في وجوه البِرِّ. فإذا كان الذي أذِن ﷺ لأُمَّتِه الصدقة من أموالهم الفضلَ عن حاجةِ المتصدِّقِ، فالفضلُ من ذلك هو العفوُ من مالِ الرجل؛ إذ كان العَفْوُ في كلام العرب في المال وفي كلِّ شيء: هو الزِّيادة والكثرة؛ كان بَيِّنًا أنّ الذي أذِن اللهُ به في قوله: ﴿قل العفو﴾ لعباده من النفقة، فأذِنهم بإنفاقِه إذا أرادوا إنفاقَه، هو الذي بَيَّن لأُمَّتِه رسولُ الله ﷺ بقوله: «خير الصدقة ما أنفقت عن غنى». وآذَنَهم به». وذكَر ابنُ عطية (١‏/‏٥٣٤) أن العفو هو ما ينفقه المرء دون أن يُجهد نفسه وماله، ثم علَّق بقوله: «ونحو هذا هي عبارة المفسرين». ثم قال: «وهو مأخوذ من عفا الشيء: إذا كَثُر، فالمعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تؤذوا فيه أنفسكم فتكونوا عالَةً»

ذَهَبَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٩٢)، وكذا ابنُ كثير (١٢‏/‏٦) إلى أنّ الصافات: نوع من الملائكة استنادًا إلى أقوال السلف، فقال ابنُ جرير: «أما الصافات: فإنها الملائكة الصافات لربها في السماء، وهي جمع صافة، فالصافات: جمع جمع، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل». وقال في موضع لاحق (١٩‏/‏٤٩٤): «الله -تعالى ذكره- ابتدأ القسم بنوع من الملائكة، وهم الصافون، بإجماع من أهل التأويل». وذَكَرَ ابنُ عطية (٧‏/‏٢٧٠) قولًا آخر، فقال: «قالت فرقة: أراد: كل من يصف من بني آدم في قتال في سبيل الله، أو في صلاة وطاعة، والتقدير: والجماعات الصافات». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل أن يعم جميع هذه المذكورات». وذَكَرَ ابنُ القيم (٢‏/‏٣٦٥) قولًا آخر استنادًا إلى النظائر، فقال: «الصافات: الطير، كما قال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ ويَقْبِضْن﴾ [الملك:١٩]، وقال تعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور:٤١]». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل ذلك كله، وإن كان أحق مَن دخل فيه وأولى الملائكة؛ فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد، وما ذكر مِن غير الملائكة فهو من آثار الملائكة، وبواسطتها كان»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٥٧-٤٥٨) في قوله: ﴿فقتل كيف قدر﴾ احتمالين: الأول: «أن يكون دعاء عليه على معنى تقبيح حاله». ثم وجّه معنى قوله: ﴿ثم نظر﴾ على هذا الاحتمال، فقال: «وعلى التأويل الأول أنّ الدعاء عليه دعاء على مُستقبح فعله يجيء قوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ معنىً معادًا بعينه؛ لأن ﴿فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ يقتضيه، لكنه إخبار بترديده النظر في الأمر، وقد رُوي أنّ النبي ﷺ دعا الوليد فقال له: «أنظُرُ وأُفَكِّرُ». فلمّا فَكّر قال ما تقدم». الثاني: «يحتمل أن يكون دعاء مقتضاه استحسان منزعه الأول في مدحه القرآن، وفي نفيه الشعر والكهانة والجنون عنه، فيجري هذا مجرى قول النبي ﷺ لأبي جَندل بن سهيل: «ويل أمه، مسْعَر حرب». ومجرى قول عبد الملك بن مروان: قاتل الله كُثَيِّرًا، كأنه رآنا حين قال كذا. وهذا معنًى مشهور في كلام العرب». ثم وجّه معنى قوله: ﴿ثم نظر﴾ على هذا الاحتمال، فقال: «وإذا قلنا إنّ ذلك دعاء على مستحسن فعله فيجيء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ فيما احتج به للقرآن، فرأى ما فيه من علوِّ مرتبة محمد عليه السلام، فـ﴿عَبَسَ﴾ لذلك، ﴿وبَسَرَ﴾ أي: قطب، وقبض ما بين عينيه، واربدَّ وجهه حسدًا له»

سورة الأنعام — الآية ٧٦

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة بن الفضل- فيما ذُكِر لنا -والله أعلم-: أنّ آزر كان رجلًا من أهل كُوثى من قرية بالسواد سوادِ الكوفة، وكان إذ ذاك مُلْك المشرق لنمرود بن كنعان، فلمّا أراد الله أن يبعث إبراهيم حُجَّة على قومه، ورسولا إلى عباده، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم نبي إلا هود وصالح، فلمّا تقارب زمانُ إبراهيم الذي أراد الله ما أراد أتى أصحابُ النجوم نمرودَ، فقالوا له: تَعْلَم أنّا نجد في عِلْمِنا أنّ غلامًا يُولَد في قريتك هذه يُقال له: إبراهيم، يُفارق دينكم، ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا. فلمّا دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود بعث نمرود إلى كل امرأة حُبْلى بقريته، فحبسها عنده، إلا ما كان من أُمِّ إبراهيم امرأة آزر، فإنّه لم يعلم بحَبَلها، وذلك أنها كانت امرأة حَدَثَةً فيما يُذكر، لم يُعْرَف الحَبَل في بطنها. ولَمّا أراد الله أن يبلغ بولدها، يريد أن يقتل كل غلام ولد في ذلك الشهر من تلك السنة حذرًا على مُلْكِه، فجعل لا تلد امرأةٌ غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أُمِر به فذُبِح، فلمّا وجدت أمُّ إبراهيم الطَّلْق خرجت ليلًا إلى مغارة كانت قريبًا منها، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يصنع مع المولود، ثم سدَّت عليه المغارة، ثم رجعت إلى بيتها، ثم كانت تطالعه في المغارة، فتنظر ما فعل، فتجده حيًّا يَمُصُّ إبهامه، يزعمون -والله أعلم- أنّ الله جعل رزق إبراهيم فيها، وما يجيئه من مَصِّه. وكان آزر فيما يزعمون سأل أم إبراهيم عن حملها: ما فعل؟ فقالت: ولدت غلامًا، فمات. فصدَّقها، فسكت عنها. وكان اليوم فيما يذكرون على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، فلم يلبث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرًا حتى قال لأُمِّه: أخرجيني أنظر. فأخرجته عشاء، فنظر وتفَكَّر في خلق السموات والأرض، وقال: إنّ الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبِّي، ما لي إله غيره. ثم نظر في السماء فرأى كوكبًا، قال: ﴿هذا ربي﴾. ثم أتبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب، ﴿فلما أفل قال: لا أحب الآفلين﴾. ثم طلع القمر، فرآه بازغًا، قال: ﴿هذا ربي﴾. ثم أتبعه بصره حتى غاب، ﴿فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين﴾. فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمسُ أعْظَم الشمسَ، ورأى شيئًا هو أعظم نورًا من كل شيء رآه قبلَ ذلك، فقال: ﴿هذا ربي، هذا أكبر﴾. فلمّا أفَلَتْ قال: ﴿يا قوم، إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾. ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وِجْهَتُه، وعرف ربَّه، وبرئ من دين قومه، إلا أنّه لم يبادِرْهم بذلك. وأخبر أنّه ابنه، وأخبرته أمُّ إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت من شأنه، فسُرَّ بذلك آزر، وفرح فرحًا شديدًا. وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدونها، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم -فيما يذكرون-، فيقول: مَن يشتري ما يضره ولا ينفعه؟ فلا يشتريها منه أحد، وإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوَّب فيه رءوسها، وقال: اشربي. استهزاءً بقومه وما هم عليه من الضلالة، حتى فشا عيبُه إيّاها واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته، من غير أن يكون ذلك بلغ نمرود الملك

رجَّح ابنُ تيمية (٦‏/‏٨٨-٩٢) -مستندًا إلى السياق- أنّ المراد بالقُرْب: قُربه إليه بالملائكة، فقال: «وسياق الآيتين يدل على أن المراد: الملائكة؛ فإنه قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾، فقيّد القُرب بهذا الزمان وهو زمان تلقّي المتلقيين قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال، وهما المَلَكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾. ومعلوم أنه لو كان المراد قُرب ذات الرّبّ لم يختص ذلك بهذه الحال، ولم يكن لذِكْر القعيدين والرقيب والعتيد معنًى مناسب». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٨٥). وذكر ابنُ تيمية أن هذا هو المعروف عن المفسّرين المتقدمين من السلف، ووجَّه تفسير القُرب بالعلم بقوله: «وهؤلاء كلّهم مقصودهم أنه ليس المراد أنّ ذات الباري -جلّ وعلا- قريبة من وريد العبد ومن الميت، ولما ظنّوا أن المراد قُربه وحده دون قُرب الملائكة فسّروا ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٨٥). وانتقد ابن تيمية (٦‏/‏٩٠-٩١) هذا المعنى مستندًا للسياق، والدلالة العقلية، فقال: «ولا حاجة إلى هذا؛ فإن المراد بقوله: ﴿ونحن أقرب إليه منكم﴾ أي: بملائكتنا في الآيتين، وهذا بخلاف لفظ المعية؛ فإنه لم يقل: ونحن معه، بل جعل نفسه هو الذي مع العباد، وأخبر أنه ينبّئهم يوم القيامة بما عملوا، وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض، وهو نفسه الذي استوى على العرش، فلا يجعل لفظ مثل لفظ مع تفريق القرآن بينهما... وقوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ لا يجوز أن يُراد به مجرد العلم؛ فإنّ مَن كان بالشيء أعلم من غيره لا يُقال: إنه أقرب إليه مِن غيره لمجرد علمه به، ولا لمجرد قدرته عليه. ثم إنه سبحانه وتعالى عالم بما يُسَرّ من القول وما يُجهر به وعالم بأعماله؛ فلا معنى لتخصيص حبل الوريد بمعنى أنه أقرب إلى العبد منه؛ فإنّ حبل الوريد قريب إلى القلب ليس قريبًا إلى قوله الظاهر، وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه... ومما يدل على أنّ القُرب ليس المراد به العلم أنه قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ فأخبر أنه يعلم ما توسوس به نفسه، ثم قال: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ فأثبت العلم، وأثبت القُرب، وجعلهما شيئين، فلا يُجعل أحدهما هو الآخر. وقيّد القرب بقوله: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾». واستدرك ابنُ القيم (٣‏/‏١٢-١٣) ما رجّحه ابنُ تيمية مستندًا لظاهر الآية، والسنة، فقال: «قلتُ: أوّل الآية يأبى ذلك؛ فإنه قال: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾... وفي صحيح مسلم من حديث حُذيفة بن أسيد رضي الله عنه في تخليق النطفة: «فيقول المَلك الذي يخلقه: يا ربّ، ذكر أم أنثى؟ أسوي أم غير سوي؟ فيقضي ربّك ما شاء، ويكتب المَلك». فهو سبحانه الخالق وحده». ثم علق بقوله: «ولا يُنافي ذلك استعمال الملائكة». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٨) أن ﴿الإنسان﴾ اسم جنس، ثم قال: «وقال بعض المفسرين: الإنسان هنا: آدم عليه السلام»

سورة الكهف — الآية ١٠

عن عبد الله بن عبيد بن عمير -من طريق عبد العزيز بن أبي رواد- قال: كان أصحاب الكهف فتيانًا ملوكًا مُطَوَّقين مُسَوَّرين ذوي ذوائِب، وكان معهم كلب صيدهم، فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي وموكب، وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدون، وقذف الله في قلوب الفتية الإيمان، فآمنوا، وأخفى كلُّ واحد منهم الإيمان عن صاحبه، فقالوا في أنفسهم مِن غير أن يظهر إيمانُ بعضِهم لبعض: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم؛ لا يصيبنا عقابٌ بِجُرمهم. فخرج شابٌّ منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه، ثم خرج آخرُ، فرآه جالسًا وحده، فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك منه، فجاء حتى جلس إليه، ثم خرج الآخرون، فجاءوا حتى جلسوا إليهما، فاجتمعوا، فقال بعضهم: ما جَمَعَكم؟ وقال آخر: بل ما جَمَّعكم؟ وكل يكتم إيمانه مِن صاحبه مخافة على نفسه، ثم قالوا: ليخرج منكم فَتَيان، فيخلوا، فيتواثقا أن لا يُفشي واحد منهما على صاحبه، ثم يُفشي كل واحد منهما لصاحبه أمره، فإنا نرجو أن نكون على أمر واحد. فخرج فتيان منهم، فتواثقا، ثم تكلما، فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما، فقالا: قد اتفقا على أمر واحد. فإذا هم جميعًا على الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: ائْؤُوا إلى الكهف ﴿ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا﴾، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم، فناموا، فجعله الله عليهم رقدة واحدة، فناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا. قال: وفقدهم قومُهم، فطلبوهم، وبعثوا البُرُد، فعمّى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدروا عليهم كتبوا أسماءَهم وأنسابهم في لوح: فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان أبناء ملوكنا، فقدناهم في عيد كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، في سنة كذا وكذا، في مملكة فلان ابن فلان، ورفعوا اللوح في الخزانة. فمات ذلك الملك، وغلب عليهم مَلِك مسلم مع المسلمين، وجاء قرن بعد قرن، فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا