علَّق ابنُ القيم (٢‏/‏٤٤٨) على هذا القول، فقال: «المعنى: أضلّه الله عالِمًا به وبأقواله، وما يناسبه ويليق به، ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده، وأنّه أهلٌ للضلال، وليس أهلًا أن يهدى، وأنه لو هدي لكان قد وضع الهدى في غير محله، وعند مَن لا يستحقه، والربّ تعالى حكيم إنما يضع الأشياء في محالها اللائقة بها، فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدّر عليه الضلال». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٦٠٠-٦٠١) عن فرقة أنها قالت: أي: على علمٍ من هذا الضلال، فإنّ الحقّ هو الذي يُترك ويُعرض عنه. وعلَّق عليه بقوله: «فتكون الآية -على هذا التأويل- مِن آيات العناد؛ من نحو قوله: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل:١٤]». ثم قال: «وعلى كلا التأويلين فقوله تعالى: ﴿على علم﴾ حال». وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٤٤٧-٤٤٨) أنه على الأول يكون: ﴿على علم﴾ حال من الفاعل، والمعنى: أضله الله عالِمًا بأنه من أهل الضلال في سابق علمه، وعلى الثاني حال من المفعول، أي: أضلّه الله في حال عِلم الكافر بأنه ضال. وساق ابنُ كثير (١٢‏/‏٣٦٢) القولين، ثم علَّق بقوله: «والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس»

اختُلف في قراءة قوله: ﴿من قبله﴾؛ فقرأ قوم: ﴿من قبله﴾ بفتح القاف وتسكين الباء. وقرأ آخرون: ‹ومَن قِبَلَهُ› بكسر القاف وفتح الباء. وذكر ابنُ جرير (٢٣‏/‏٢١٦) أنّ القراءَة الأولى بمعنى: وجاء من قَبل فرعون من الأمم المُكذّبة بآيات الله كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط بالخطيئة. وأنّ الثانية بمعنى: وجاء مَن مع فرعون من أهل بلده مصر من القِبْط. وبنحوه قال ابنُ كثير (١٤‏/‏١١٢). ورجَّح ابنُ جرير صحة كلتا القراءتين مستندًا إلى شهرتهما، وصحة معناهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب». وذكر ابنُ عطية أنّ مما يؤيد قراءة فتح القاف ذكْره تعالى قصة نوح في طغيان الماء؛ لأن قوله: ﴿ومَن قَبْله﴾ قد تضمنهم، فحسُن اقتضاب أمرهم بعد ذلك دون تصريح. وأنّ مما يؤيد قراءة الكسر ما جاء في مصحف أُبيّ بن كعب: (وجَآءَ فِرْعَوْنُ ومَن مَّعَهُ)، وفي حرف أبي موسى: (ومَن تِلْقَآءَهُ). وأنّ طلحة بن مُصرّف قرأ: (ومَن حَوْلَهُ)

لم يذكر ابن جرير (١٢‏/‏٣٣٥) في معنى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ سوى حديث ابن عمر، وقول ابن جريج

لم يذكر ابن جرير (١٤‏/‏٢٥٦) في معنى ﴿كظيم﴾ غير قول ابن عباس من طريق ابن جريج، وقول الضحاك

اختُلِف في معنى هذه الآية؛ فقال قوم: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإنس شياطين. وقال آخرون: معناه: المرَدَة من النوعين. ووجَّه ابنُ جرير (٩‏/‏٤٩٩ بتصرف) القول الأول الذي قاله عكرمة من طريق السدي، ومسروق، والسدي من طريق أسباط، فقال: «جعل عكرمةُ والسديُّ عدوَّ الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا﴾ أولادَ إبليس، دون أولاد آدم ودون الجن، وجعل الموصوفين بأنّ بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول غرورًا ولدَ إبليس، وأنّ مَن مع ابن آدم من ولد إبليس يوحي إلى مَن معَ الجن من ولده زخرف القول غرورًا». ثم رجَّح (٩‏/‏٤٩٩-٥٠٠) القولَ الثاني مستندًا إلى السُّنَّة، وساق الحديث الذي فيه قول أبي ذر رضي الله عنهما للنبي ﷺ: هل للإنس من شياطين. قال: «نعم». وكذا رجَّحه ابنُ تيمية (٣‏/‏٩٠) مستندًا إلى السياق، وأقوال السلف، فقال: «وهم شياطينهم من الإنس، كما قال عامَّة السلف، وكما يدل عليه سياق القرآن؛ فإنّ شياطين الجن لم يكونوا يحتاجون لأن يَخْلُوا بهم، ولا هم يقولون: إنّا معكم إنما نحن مستهزئون». ورجَّحه ابنُ كثير (٦‏/‏١٤٢) مستندًا إلى السُّنَّة، فقال: «فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر: إنّ للإنس شياطين منهم، وشيطان كل شيء مارده. ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن أبي ذر، أنّ رسول الله ﷺ قال: «الكلب الأسود شيطان». ومعناه -والله أعلم -: شيطان في الكلاب». وانتَقَد ابنُ جرير القول الأول مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وليس لهذا التأويل وجهٌ مفهوم؛ لأنّ الله جعل إبليس وولده أعداء ابن آدم، فكلُّ ولدِه لكلِّ ولدِه عدوٌّ. وقد خصَّ الله في هذه الآية الخبرَ عن الأنبياء أنّه جعل لهم من الشياطين أعداء، فلو كان معنيًّا بذلك الشياطين الذين ذكرهم السدي الذين هم ولد إبليس؛ لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبر عنهم أنه جعل لهم الشياطين أعداء وجه، وقد جعل من ذلك لأعدى أعدائه مثل الذي جعل لهم». وانتقده ابنُ عطية (٣‏/‏٤٤٤) بقوله: «وهذا قولٌ لا يستند إلى خبر، ولا إلى نظر». وعلَّق ابنُ كثير (٦‏/‏١٤٢) على فهم ابن جرير من قول السدي وعكرمة أنّ المراد بشياطين الإنس: الشياطين من الجن الذين يُضِلُّون الناس، لا أنّ المراد منه شياطين الإنس منهم. بقوله: «ولا شك أنّ هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى، وهو محتمل»

اخْتُلِفَ هل الغنيمة والفيء بمعنى واحد، أم يختلفان؟ على قولين: الأوّل: أنهما يختلفان، ثم في ذلك قولان: أحدهما: أن الغنيمة: ما ظُهر عليه من أموال المشركين، والفيء: ما ظُهر عليه من الأرض. قاله عطاء بن السائب. والآخر: أن الغنيمة: ما أُخذ عنوةً، والفيء: ما أُخذ عن صلح. قاله سفيان الثوري. والثاني: أنهما واحد، وهما كل ما نِيل من المشركين، قاله قتادة. وذكر ابن عطية (٤‏/‏١٩٢-١٩٣بتصرف) أن الغنيمة هي: ما يناله المسلمون من عدوهم بالسَّعْيِ وإيجاف الخيل. والفيء: مأخوذ من (فاء يفيء) إذا رجع، وهو كل ما دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف كخراج الأرض، وجزية الجماجم، وخمس الغنيمة، وساق قول عطاء والثوري، ثم علَّق بقوله: «وهذا قريب مما بيناه». وذكر ابن كثير (٧‏/‏٨١) أن من يفرّق بين الغنيمة والفيء يقول بأن قوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله﴾ نزلت في أمر الفيء، وقوله: ﴿واعلموا أنما غنمتم﴾ نزلت في أمر الغنيمة

قال ابن عطية (٧‏/‏٤٩-٥٠): «وقوله:﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ عبارة تصلح للجواهر، أي قدر حبة، وتصلح للأعمال، أي ما زنته على جهة المماثلة قدر حبة، فظاهر الآية أنه أراد شيئًا من الأشياء خفيًا قدر حبة، ويؤيد ذلك ما روي من أن ابن لقمان سأل أباه عن الحبة تقع في مثل البحر، أيعلمها الله؟ فراجعه لقمان بهذه الآية. وذكر كثير من المفسرين أنه أراد الأعمال المعاصي والطاعات، ويؤيد ذلك قوله: ﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أي: لا تفوت، وبهذا المعنى يتحصل في الموعظة ترجية وتخويف. فيضاف ذلك إلى تبيين قدرة الله تعالى، وفي القول الآخر ليس ترجية ولا تخويف. ومما يؤيد قول من قال: هي من الجواهر قراءة عبد الكريم الجزري»فتكِنّ«بكسر الكاف وشد النون من الكِنّ الذي هو الشيء المغطى، وقرأ جمهور القراء»إن تك«بالتاء من فوق، »مثقال«بالنصب على خبر»كان«، واسمها مضمر تقديره: مسألتك، على ما روي، أو المعصية أو الطاعة على القول الثاني»

سورة الشعراء — الآية ١٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: شكى موسى إلى ربِّه ما يتخوف مِن آل فرعون في القتيل وعُقْدة لسانه، فإنّه كان في لسانه عُقْدَةٌ تمنعه مِن كثير مِن الكلام، فآتاه الله سُؤْلَه، فحَلَّ عقدة لسانه. وفي قوله: ﴿فارسل إلى هارون﴾ قال: سأل ربَّه أن يُعينه بأخيه هارون؛ يكون له رِدْئًا، ويتكلم عنه بكثير مِمّا لا يُفْصِح به لسانُه

سورة لقمان — الآية ٢٧

عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول. فقال رجل: يا محمد، تزعم أنّك أُوتِيت الحِكمة، وأوتيت القرآن، وأوتينا التوراة. فأنزل الله: ﴿ولَوْ أنَّما فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾، وفيه يقول: علم الله أكثر من ذلك، وما أوتيتم مِن العلم فهو كثير لكم لقولكم، قليل عندي

سورة الواقعة — الآية ٨٢

عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: أصاب الناسَ سَنَةٌ على عهد رسول الله ﷺ، فمُطروا، فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا في أثر رحمة الله عز وجل وهو يقول: «أصبح الناسُ شاكرًا وكافرًا، فأما الشاكر فيحمد الله عز وجل على ما أنزل مِن رزقه ونشر من رحمته، وأما الكافر فيقول: مُطرنا بنَوء كذا وكذا». وأُنزِلَتْ هذه الآية: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾