اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بهذه الآية؛ أهُم اليهود المعاصرون لرسول الله ﷺ، أم هم اليهود الذين كانوا على عهد سليمان عليه السلام؟ فذهبَ ابنُ جرير (٢/٣١٧-٣١٨) إلى أنّ الآية تشملهما؛ لصحَّةِ ذلك في كلامِ العرب، كما لا مُخَصِّص لأحدهما، حيث قال: «والصواب من القول في تأويل قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ أنّ ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله ﷺ، فجحدوا نبوته، وهم يعلمون أنّه لله رسول مرسل، وتأنيب منه لهم في رفضهم تنزيله، وهجرهم العمل به، وهو في أيديهم يعلمونه ويعرفون أنه كتاب الله، واتباعهم واتباع أوائلهم وأسلافهم ما تلته الشياطين في عهد سليمان... وإنما اخترنا هذا التأويل لأنّ المُتَّبِعَةَ ما تلته الشياطين في عهد سليمان وبعده إلى أن بعث الله نبيه بالحق، وأَمْرُ السحر لم يزل في اليهود، ولا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله: ﴿واتبعوا﴾ بعضًا منهم دون بعض، إذْ كان جائزًا فصيحًا في كلام العرب إضافة ما وصفنا -من اتِّباع أسلاف المُخْبَر عنهم بقوله: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾- إلى أخلافهم بعدهم، ولم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله ﷺ أثر منقول، ولا حجة تدل عليه، فكان الواجب من القول في ذلك أن يقال: كل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود داخل في معنى الآية، على النحو الذي قلنا». وعلَّقَ ابن كثير (١/٥١٩) على هذه الآثار بعد سَوْقها بقوله: «فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهِم»
علَّقَ ابن كثير (١/٥٢٢) على هذه الآثار بقوله: «ذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا مَلَكَين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أنّ هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قولٍ: إنه كان من الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى﴾ [طه:١١٦]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. مع أن شأن هاروت وماروت -على ما ذكر- أخف مما وقع من إبليس -لعنه الله-. وقد حكاه القرطبي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي». وعلَّقَ ابن عطية (١/٣٠٢) -بعد أن اختصر الكلام عن هاروت وماروت- بقوله: «وهذا القصص يزيد في بعض الروايات، وينقص في بعض، ولا يُقْطَع منه بشيء؛ فلذلك اختصرته». وعلَّقَ ابن كثير (١/٥٣٢) قائلًا: «وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن، وقتادة، وأبي العالِية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى قوله تعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ على أربعة أقوال: أولها: أنّ المعنى: ولا حرج عليكم أيها الأزواج إن أدركتكم عسرةٌ بعد أن فرضتم لنسائِكم أُجورَهُنَّ فريضةً فيما تراضيتم به، من حط وبراءة، بعد الفرض الذي سلف منكم لهن ما كنتم فرضتم. وهذا قول الحضرميّ. وثانيها: أنّ المعنى: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم أنتم والنساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل الذي بينكم أن يزدنكم في الأجل وتزيدوهن من الأجر والفريضة قبل أن يستبرئن أرحامهن. وهذا قول السديّ. وثالثها: أنّ المعنى: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم بعد أن تؤتوهن أجورهم على استمتاعكم بهن من مقامٍ وفراقٍ. وهذا قول ابن عباس. ورابعها: أنّ المعنى: ولا جناح عليكم فيما وضعت عنكم نساؤكم من صدقاتهن من بعد الفريضة. وهذا قول ابن زيد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٥٩١) ما أفاده القولان الأول والرابع؛ استنادًا إلى النظائر، فقال: «أولى هذه الأقوال بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: ولا حرج عليكم أيُّها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورَهُنَّ على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن من حَطِّ ما وجب لهن عليكم، أو إبراءٍ، أو تأخيرٍ ووضع. وذلك نظيرُ قوله -جلَّ ثناؤه-: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾ [النساء:٤]». واسْتَدْرَكَ على ما قاله السديُّ بقوله: «أما الذي قاله السديُّ فقولٌ لا معنى له؛ لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح، ولا ملك يمين»
على هذا فالنبوة في الذكور فقط، وهو ما رجَّحه ابنُ كثير (٨/٩٢-٩٣) مستندًا إلى السياق، فقال: «وهذا قول جمهور العلماء، كما دلَّ عليه سياق هذه الآية الكريمة: أنّ الله تعالى لم يوحِ إلى امرأة مِن بنات بني آدم وحي تشريع». ثم ذكر القول بنبوة النساء استنادًا لمجيء المَلَك إليهن، وعلَّق بقوله: «وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يَكُنَّ نبيات بذلك، فإن أراد القائلُ بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أنّ هذا: هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمُجَرَّده أم لا؟ والذي عليه أئمة أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم: أنه ليس في النساء نبيّة، وإنما فيهن صديقات، كما قال تعالى مُخْبِرًا عن أشْرَفِهِنَّ مريم بنت عمران حيث قال: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ [المائدة:٧٥]، فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نَبِيَّةً لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صديقة بنصِّ القرآن». وساق ابنُ عطية (٥/١٦١) قول الحسن، ثم علَّق بقوله: «والتَّبَدِّي مكروه إلا في الفتن، وحين يفر بالدين، كقوله ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا» الحديث». ثم ذكر (٥/١٦٢) أنّ ذلك يعترض ببدو يعقوب، وبين أنه ينفصل عن ذلك بوجهين: أحدهما: أنّ ذلك البدو لم يكن في أهل عمود، بل هو بتَقَرٍّ في منازل وربوع. الثاني: أنه إنما جعله بدوًا بالإضافة إلى مصر، كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر
ذكر ابنُ عطية (٨/٣١٧-٣١٨) في معنى الآية قولين: الأول: أنّ «قوله: ﴿هو الذي خلقكم﴾ تعديد نعمه». ثم علّق عليه بقوله: «والمعنى فمنكم كافر لنعمته في الإيجاد حين لم يوجد كافر لجهْله بالله تعالى، ومنكم مؤمن بالله، والإيمان به شُكرٌ لنعمته، فالإشارة في هذا التأويل في الإيمان والكفر هي إلى اكتساب العبد، هذا قول جماعة من المتأولين، وحجتهم قول النبي ﷺ: «كلّ مولود يولد على الفطرة». وقوله تعالى: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم:٣٠]، وكأنّ العبارة في قوله تعالى: ﴿فمنكم﴾ تعطي هذا، وكذلك يقوّيه قوله: ﴿والله بما تعملون بصير﴾». والثاني: «وقيل: المعنى: خلقكم فمنكم مؤمن ومنكم كافر في أصل الخلق». ثم علّق بقوله: «فهي جملة في موضع الحال، فالإشارة على هذا في الإيمان والكفر هي إلى اختراع الله تعالى وخلْقه، وهذا تأويل ابن مسعود وأبي ذر، ويجري مع هذا المعنى قول النبي ﷺ: «إنّ أحدكم يكون في بطن أمه نُطفة أربعين يومًا، ثم علقة أربعين يومًا، ثم مُضغة أربعين يومًا، ثم يجيء المَلك، فيقول: يا ربّ، أذكر أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه». فقوله في الحديث: «أشقيّ أم سعيد؟» هو في هذه الآية: ﴿فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾، ويجري مع هذا المعنى قوله في الغلام الذي قتله الخضر: «إنه طُبع يوم طُبع كافرًا». وما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال: «خلَق الله فرعون في البطن كافرًا، وخلَق يحيى بن زكرياء مؤمنًا»»
قال ابنُ تيمية (٤/٢٠٤-٢٠٥) في معرض تعليقه على احتجاج الأشاعرة على المعتزلة في نفي الإيجاب والتحريم العقلي بقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾: «وهو حُجَّة عليهم أيضًا في نفي العذاب مطلقًا إلا بعد إرسال الرسل؛ وهم يجوزون التعذيب قبل إرسال الرسل. فأولئك يقولون: يعذِّب مَن لم يبعث إليه رسولًا؛ لأنه فَعَلَ القبائحَ العقلية. وهؤلاء يقولون: بل يعذب مَن لم يفعل قبيحًا قط كالأطفال. وهذا مخالف للكتاب والسُّنَّة، والعقل أيضًا، قال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير* قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ [الملك:٨]، فقد أخبر سبحانه وتعالى بصيغة العموم أنه كلما ألقي فوج سألهم الخزنة: هل جاءهم نذير؟ فيعترفون بأنهم قد جاءهم نذير، فلم يبق فوج يدخل النار إلا وقد جاءهم نذير، فمن لم يأته نذير لم يدخل النار». وقال (٤/٢٠٦بتصرف): «لكن الله لا يعذّب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة، كما قال: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولم يفرّق سبحانه بين نوعٍ ونوعٍ، وذكرنا أنّ هذه الآية يحتجّ بها الأشعريّ وأصحابه ومَن وافقهم كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وهم يُجَوِّزون أنّ الله يُعذّب في الآخرة بلا ذنب، حتى قالوا: يعذب أطفال الآخرة. فاحتجوا بها على المعتزلة، والآية حجّة على الطائفتين». وبنحوه قال ابن كثير (٨/٤٤٦-٤٤٧). وقال ابنُ عطية (٥/٤٥٢-٤٥٣بتصرف) مستندًا إلى السياق، والنظائر، ودلالة العقل: «مقصد الآية في هذا الموضع: الإعلام بعادة الله مع الأمم في الدنيا، وبهذا يقرب الوعيد من كفار مكة، ويؤيد هذا ما يجيء بعدُ مِن وصفه ما يكون عند إرادته إهلاك قرية، ومِن إعلامه بكثرة ما أهلك من القرون، ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ومِن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل، كقوله تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير* قالوا بلى﴾ [الملك:٨-٩]، وظاهر ﴿كلما﴾ الحصر، وكقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر:٢٤]، وأما مِن جهة النظر فإنّ بعثة آدم عليه السلام بالتوحيد، وبث المعتقدات في نبيه، ونصب الأدلة الدالة على الصانع، مع سلامة [الفطر]؛ يوجب على كل أحد من العالم الإيمان، واتباع شريعة الله، ثم تجدَّد ذلك في مدة نوح عليه السلام بعد غرق الكفار، وهذه الآية أيضًا يُعطي احتمال ألفاظها نحو هذا، ويجوز مع الفرض وجود قوم لم تصلهم رسالة، ومنهم أهل الفترات الذين قد قدَّر وجودَهم بعضُ أهل العلم». ثم قال: «وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة، وإلى المجانين، والأطفال؛ فحديث لم يصحَّ، ولا يقتضيه ما تقضيه الشريعة مِن أن الآخرة ليست دار تكليف». وردَّ ابن كثير (٨/٤٥٥-٤٥٦) كلامًا لابن عبد البر يشبه كلام ابن عطية الأخير، فقال: «الجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نصَّ على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء. فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم:٤٢]. وقد ثبتت السُّنَّة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأما المنافق فلا يستطيع ذلك، ويعود ظهره طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خرَّ لقفاه. وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم، ما أغدرك. ثم يأذن له في دخول الجنة»
عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيتُ أبا وائل في مسجدِ أهله أسألُه عن هؤلاء القومِ الذين قتلهم عليٌّ بالنَّهْرَوان؛ فيما استجابوا له، وفيما فارقوه، وفيما استحلَّ قتالَهم؟ قال: كُنّا بصِفِّين، فلمّا استحرَّ القتلُ بأهل الشّام اعْتَصَمُوا بتَلٍّ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرْسِلْ إلى عليٍّ بمصحف، وادْعُه إلى كتاب الله، فإنّه لن يأَبْى عليك. فجاء به رجلٌ، فقال: بيننا وبينكم كتابُ الله، ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله، ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم، وهم معرضون﴾. فقال عليٌّ: نعم، أنا أوْلى بذلك، بيننا وبينكم كتابُ الله. قال: فجاءته الخوارجُ -ونحن ندعوهم يومئذٍ: القُرّاء- وسيوفُهم على عَواتِقِهم. فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ننتظرُ بهؤلاء القوم الذين على التَلِّ؟ ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم اللهُ بيننا وبينهم؟ فتكلَّم سهلُ بن حُنَيْف، فقال: يا أيها الناس، اتَّهِموا أنفسَكم، فلقد رأيتُنا يوم الحديبية -يعني: الصُّلْح الذي كان بين رسولِ الله ﷺ وبين المشركين- ولو نرى قتالًا لقاتَلْنا، فجاء عمرُ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، ألسنا على حقٍّ وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنَّة وقتلاهم في النار؟ قال: «بَلى». قال: ففِيمَ نُعْطي الدَّنِيَّة في ديننا، ونرجعُ ولَمّا يحكُمِ اللهُ بيننا وبينهم؟! فقال: «يا ابن الخطّاب، إنِّي رسول الله، ولن يُضَيِّعَني أبدًا». قال: فرَجَع وهو مُتَغَيِّظٌ، فلم يصبر حتى أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألَسْنا على حقٍّ وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى. قال: ففِيم نُعطي الدَّنِيَّة في ديننا، ونرجع ولَمّا يحكمِ اللهُ بيننا وبينهم؟! فقال: يا ابن الخطاب، إنّه رسول الله ﷺ، ولن يُضَيِّعه أبدًا. قال: فنزلت سورةُ الفتح. قال: فأرسلني رسولُ الله ﷺ إلى عمر، فأقرأها إيّاه. قال: يا رسول الله، وفتحٌ هو؟ قال: «نَعَم»
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَيْر- قال: كانت مدينتان في بني إسرائيل إحداهما حصينة ولها أبواب، والأخرى خَرِبة، فكان أهل المدينة الحصينة إذا أمْسَوا أغْلَقوا أبوابَها، فإذا أصبحوا قاموا على سور المدينة، فنظروا هل حدث فيما حولها حادث، فأصبحوا يومًا فإذا شيخ قتيل مطروح بأصل مدينتهم، فأقبل أهل المدينة الخَربِة، فقالوا: قتلتم صاحبنا. وابنُ أخ له شاب يبكي عنده، ويقول: قتلتم عمي. وقالوا: واللهِ، ما فتحنا مدينتنا منذ أغلقناها، وما نَدَيْنا من دم صاحبكم هذا بشيء. فأتوا موسى، فأوحى الله إلى موسى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾، إلى قوله: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾، قال: وكان في بني إسرائيل غلام شاب يبيع في حانوت له، وكان له أب شيخ كبير، فأقبل رجل من بلد آخر يطلب سِلْعَة له عنده، فأعطاه بها ثمنًا، فانطلق معه ليفتح حانوته فيعطيه الذي طلب، والمفتاح مع أبيه، فإذا أبوه نائم في ظل الحانوت، فقال: أيقِظْه. قال ابنه: إنه نائم، وأنا أكره أن أُروِّعَه من نومه. فانصرفا، فأعطاه ضِعْف ما أعطاه على أن يوقظَه، فأبى، فذهب طالب السِّلْعَة، فاستيقظ الشيخ، فقال له ابنه: واللهِ، يا أبَه، لقد جاء ههنا رجل يطلب سِلْعَة كذا، فأعطى بها من الثمن كذا وكذا، فكرهت أن أروِّعَك من نومك. فلامه الشيخ، فعَوَّضه الله من برِّه بوالده أن نُتِجَت من بقره تلك البقرة التي يطلبها بنو إسرائيل، فأتوه، فقالوا له: بِعْناها. فقال: لا. قالوا: إذن نأخذها منك. فأتوا موسى، فقال: اذهبوا فأرضوه من سلعته. قالوا: حُكْمُك؟ قال: حكمي أن تضعوا البقرة في كفة الميزان، وتضعوا ذهبًا صامتًا في الكفة الأخرى، فإذا مال الذهب أخذتُه. ففعلوا، وأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها إلى قبر الشيخ، واجتمع أهل المدينتين، فذبحوها، فضُرب ببضعةٍ من لحمها القبر، فقام الشيخ ينفض رأسه، يقول: قتلني ابنُ أخي؛ طال عليه عُمُري، وأراد أخذ مالي. ومات
عن يزيد بن صُهيب الفقير، قال: كُنّا بمكة ومعي طَلق بن حبيب، وكنا نرى رأي الخوارج، فبَلغنا أنّ جابر بن عبد الله يقول في الشفاعة، فأتيناه، فقلنا له: بلغنا عنك في الشفاعة قولٌ، اللهُ مخالفٌ لك فيها في كتابه. فنَظر في وجوهنا، فقال: مِن أهل العراق أنتم؟ قلنا: نعم. فتبَسّم، وقال: وأين تجدون في كتاب الله؟ قلت: حيث يقول: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]، و﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هُمْ بِخارِجِينَ مِنها﴾ [المائدة:٣٧]، و﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة:٢٠]، وأشباه هذا من القرآن. فقال: أنتم أعلم بكتاب الله أم أنا؟ قلنا: بل أنتَ أعلم به منّا. قال: فواللهِ، لقد شهدتُ تنزيل هذا على عهد رسول الله ﷺ وشفاعة الشافعين، ولقد سمعتُ تأويله من رسول الله ﷺ، وإنّ الشفاعة لنبيّه في كتاب الله؛ قال في السورة التي يذكر فيها المُدَّثِّر: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ الآية، ألا تَرون أنها حلّتْ لِمن لا يُشرك بالله شيئًا؟ سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله خَلَق خَلْقًا، ولم يَستعن على ذلك، ولم يُشاور فيه أحدًا، فأَدخلَ مَن شاء الجنة برحمته، وأَدخلَ مَن شاء النار، ثم إنّ الله تحنّن على المُوحِّدين، فبَعث ملَكًا مِن قِبَله بماء ونور، فدَخل النار، فنَضح، فلم يُصب إلا مَن شاء، ولم يُصب إلا مَن خَرج من الدنيا لم يُشرك بالله شيئًا، فأَخرجَهم حتى جَعلهم بفناء الجنة، ثم رجع إلى ربّه، فأمدّه بماء ونور، ثم دَخل فنَضح، فلم يُصب إلا مَن شاء الله، ثم لم يُصب إلا مَن خرج من الدنيا لم يُشرك بالله شيئًا، فأَخرجَهم حتى جَعلهم بفناء الجنة، ثم أذِن الله للشفعاء، فشَفعوا لهم، فأَدخلهم الله الجنة برحمته وشفاعة الشافعين»
اختُلِف في المعنى الذي من أجله خُصَّ النبي ﷺ بأنها له نافلة، مع كون صلاة كل مصلٍ بعد هجوده -إذا كان قبل هجوده قد كان أدى فرائضه- نافلة فضلًا، إذ كانت غير واجبة عليه، على قولين: الأول: لأنها فضيلة له؛ إذ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما غيره فهو له كفارة، وليس نافلة. الثاني: لأنها عليه مكتوبة، ولغيره تطوع. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٤١-٤٢) القول الثاني الذي قاله ابن عباس، وابن سلام، وانتقد الأول الذي قاله مجاهد، وقتادة، والحسن، وأبو أمامة، مستندًا إلى دلالة السنّة، والدلالة العقلية، فقال: «وأولى القولين بالصواب في ذلك القولُ الذي ذكرنا عن ابن عباس؛ وذلك أن رسول الله ﷺ كان الله -تعالى ذِكْرُه- قد خصه بما فرض عليه من قيام الليل، دون سائر أمته. فأما ما ذكر عن مجاهد في ذلك فقول لا معنى له؛ لأن رسول الله ﷺ فيما ذكر عنه أكثر ما كان استغفارًا لذنوبه بعد نزول قول الله عز وجل عليه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح:٢]. وذلك أن هذه السورة أنزلت عليه بعد منصرفه من الحديبية، وأُنزل عليه: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ عام قُبض، وقيل له فيها: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ [النصر:٣]، فكان يُعَدُّ له ﷺ في المجلس الواحد استغفار مائة مرة، ومعلوم أنّ الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفره له باستغفاره ذلك، فبيَّن إذن وجْه فساد ما قاله مجاهد». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٢٨) احتمالًا آخر، فقال: «وتحتمل الآية أن يكون هذا على وجْه الندب في التنفل، ويكون الخطاب للنبي ﷺ، والمراد هو وأمته، كخطابه في قوله: ﴿أقم الصلوات﴾». وظاهر كلام ابن القيم (٢/١٤٩) أنه يرجّح القول الثاني حيث ذكر القولين، ثم قال: «والمقصود أن النافلة في الآية لم يرد بها ما يجوز فعله وتركه، كالمستحب، والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدر مشترك بين الفرض والمستحب، فلا يكون قوله: ﴿نافلة لك﴾ نافيًا لما دل عليه الأمر من الوجوب». وبنحوه ابنُ تيمية (٥/٢٤٤-٢٤٥)