أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى قوله تعالى: ﴿يتوبون من قريب﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: معناه: يتوبون في صِحَّتِهم قبل موتهم، وقبل مرضهم. وهذا قول السدي، وابن عباس من طريق أبي صالح. وثانيها: معناه: يتوبون قبل معاينة مَلَكِ الموت. وهذا قول أبي مجلز، ومحمد بن قيس، والضحاك من طريق جويبر، وغيرهم، وقول لابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة. وثالثها: معناه: يتوبون قبل الموت. وهذا قول عكرمة، وابن زيد، وأبي قلابة. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٥١٥) الجمعَ بين الأقوال مستندًا إلى واقع الحال، ودلالة العقل، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: تأويله: ثُمَّ يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمرَ الله تبارك وتعالى ونهيَه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحَشْرجة وغمِّ الغرغرة، فلا يعرفوا أمرَ الله ونهيَه، ولا يعقلوا التوبة؛ لأنّ التوبةَ لا تكون توبةً إلا مِمَّن ندِم على ما سلف منه، وعزمٍ منه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة. فأما إذا كان بكرب الموت مشغولًا، وبغمّ الحشرجة مغمورًا؛ فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا. ولذلك قال مَن قال: إنّ التوبةَ مقبولةٌ ما لم يُغَرْغِرُ العبد بنفسه. فإن كان المرء في تلك الحال يعقل عقلَ الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابةً من ذنوبه، ورجعةً من شروده عن رَبه إلى طاعته، كان -إن شاء اللهُ- مِمَّن دخل في وعد الله الذي وعد التائبين إليه من إجرامهم من قريب بقوله: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾». وعلَّقَ ابنُ عطية (٢/٤٩٦) على الآثار جامعًا بينها بقوله: «ابن عباس رضي الله عنهما ذكر أحسن أوقات التوبة، والجمهور حدَّدوا آخر وقتها». وقال ابنُ تيمية (٢/٢١٨): «المريض تُقبلُ توبته ما لم يُغَرْغِر، وإن كان مرضًا مخوفًا». وقال (٢/٢١٩): «فمن قال: إنِّي تُبتُ. قبل حضور الموت، أو تاب توبةً صحيحة بعد حضور أسباب الموت؛ صَحَّت توبتُه». وذَهَبَ ابنُ كثير (٣/٣٩٤-٣٩٥) إلى نحو قول ابنِ جرير مستندًا إلى السياق، والقرآن، والنظائر، وقال: «فقد دلَّت هذه الأحاديثُ على أنّ مَن تاب إلى الله عز وجل وهو يرجو الحياة فإنّ توبته مقبولة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فأمّا متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحَشْرَجَتِ الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغَرْغَرَتِ النفس صاعدة في الغَلاصِم؛ فلا توبة مقبولة حينئذ ولات حين مناص، ولهذا قال تعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر:٨٤]، وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ فِي إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]». وقال ابنُ القيم (١/٢٦٨): «إذا وقع في السياق فقال: إني تبت الآن. لم تقبل توبتُه؛ ذلك لأنها توبةُ اضطرارٍ لا اختيار، فهي كالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها، ويوم القيامة، وعند معاينة بأس الله»
اختُلف في معنى ﴿ما﴾ على قولين: الأول: أنها بمعنى: أي شيء يُكذِّبك؟ الثاني: أنها بمعنى: مَن الذي يُكذِّبك؟ وفي المخاطب أيضًا بـ﴿يكذبك﴾ قولان: أحدهما: أنّ المخاطب بذلك رسول الله ﷺ. الآخر: أنّ المخاطب بذلك الإنسان الكافر. وذكر ابنُ القيم (٣/٣٣٩) أنّ مَن قال بأنّ ﴿ما﴾ بمعنى: أي شيء، تعيَّن على قوله أن يكون الخطاب للإنسان، والمعنى: فأي شيء يجعلك بعد هذا البيان مُكذِّبًا بالدين، وقد وضحت لك دلائل الصدق والتصديق؟! ومَن جعلها بمعنى: فمن الذي يُكذِّبك، جعل الخطاب للنبي ﷺ. وبعد أن بيَّن ابنُ عطية (٨/٦٤٩) أنّ الدين بمعنى الجزاء، ذكر أنه على القول بأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون «الدين بمعنى: جميع دينه وشرعه». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٥٢٤) أنّ ﴿ما﴾ بمعنى: مَن، وأنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول مَن قال: معنى ﴿ما﴾ معنى: مَن. ووجّه تأويل الكلام إلى: فمَن يُكذِّبك -يا محمد- بعد الذي جاءك من هذا البيان من الله بالدين؟! يعني: بطاعة الله، ومجازاته العباد على أعمالهم». ولم يذكر مستندًا. وذكر أنّ بعض أهل العربية تأوَّل أنّ المعنى: «فما الذي يُكذِّبك بأنّ الناس يدانون بأعمالهم؟ وكأنه قال: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له خَلْقنا الإنسان على ما وصفنا». وكذا رجح ابنُ تيمية (٧/٧٤- ٧٧) أنّ المُخاطَب رسول الله ﷺ، وأنّ الصواب ما ذكره ابنُ جرير عن بعض أهل العربية (الفراء والأخفش) مِن أنّ المعنى: فمَن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبيّن له أنّا خلقنا الإنسان على ما وصفنا. وانتقد أن يكون المُخاطَب: الإنسان الكافر مستندًا إلى النظائر، واللغة، والدلالة العقلية، وعلّل ذلك بـ«أنّ الإنسان في السورة إنما ذُكِرَ مُخبَرًا عنه لم يُخاطَب، والرسول ﷺ هو الذي أُنزِل عليه القرآن، والخطاب في هذه السور له كقوله: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى:٣]، وقوله: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح:١]... والإنسان إذا خوطب قيل له: ﴿يا أيها الإنسان﴾ [الانفطار:٦، الانشقاق:٦]. وأيضًا فبتقدير أن يكون خطابًا للإنسان يجب أن يكون خطابًا للجنس، كقوله: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح﴾ [الانشقاق:٦]، وعلى قول هؤلاء إنما هو خطاب للكافر، خاصة المُكذِّب بالدين، وأيضًا فإنّ قوله: ﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ إمّا أن يكون معناها: فما يجعلك مُكذِّبًا بالدين، أو يكون معناها: فما يجعلك كاذبًا بالدين، والأول فاسد من جهة العربية، والثاني فاسد مِن جهة المعنى، فإنّ الدين هو الجزاء الذي كَذَّب به الكافر، والكافر كذَّب به لم يُكذَّب هو به. وأيضًا فلا يُعرَف في المُخبِر أن يقول: كذبت به، بل يقال: كذبته، وأيضًا: فالمعروف في كذَّبه أي: نسبه إلى الكذب، لا أنه جعل الكذب فيه، فهذا كلّه تكلُّف لا يُعرَف في اللغة». وقد أجاب ابنُ القيم (٣/٣٣٨-٣٣٩) عن الإشكال اللغوي الذي أورده ابن تيمية، فذكر أنّ قول القائل: «كذّب بكذا. معناه: كذّب المُخبِر به، ثم حذف المفعول به لظهور العلم به حتى كأنه نسي، وعدَّوا الفعل إلى المُخبِر به، فإذا قيل: مَن يُكذِّبك بكذا؟ فهو بمعنى: كذَّبوك بكذا سواء. أي: نسبوك إلى الكذب في الإخبار به». ثم ذكر إشكالًا على القول بأنّ المُخاطَب الإنسان، وأجاب عنه، فقال: «بل الإشكال في قول مجاهد والجمهور، فإنّ الخطاب إذا كان للإنسان وهو المُكذِّب -أي: فاعل التكذيب- فكيف يقال: له ما يُكذِّبك؟ أي: يجعلك مُكذِّبًا. والمعروف كذبه إذا جعله كاذبًا لا مُكذّبًا، ومثل فسَّقَهُ إذا جعله فاسقًا لا مُفسِّقًا لغيره. وجواب هذا الإشكال: أنّ صدّق وكذّب بالتشديد يراد به معنيان: أحدهما النسبة، وهي إنما تكون للمفعول كما ذكرتم. والثاني: الداعي والحامل على ذلك، وهو يكون للفاعل. قال الكسائي: يقال: ما صدّقك بكذا أو ما كذّبك بكذا، أي: ما حملك على التصديق والتكذيب. قلتُ: وهو نظير ما أجرأك على هذا، أي: ما حملك على الاجتراء عليه، وما قدّمك وما أخّرك، أي: ما دعاك وحملك على التقديم والتأخير، وهذا استعمال سائغ موافق للعربية». ورجّح ابنُ القيم (٣/٣٣٨-٣٣٩) أنّ الخطاب في الآية للإنسان، فقال: «وقوله سبحانه: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أصح القولين أنّ هذا خطاب للإنسان، أي: فما يُكذِّبك بالجزاء والمعاد بعد هذا البيان وهذا البرهان، فتقول: إنك لا تُبعث ولا تُحاسب، ولو تفكّرتَ في مبدأ خَلْقك وصورتك لعلمتَ أنّ الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خَلْقًا جديدًا، وأنّ ذلك لو أعجزه لأعجزه وأعياه خَلْقك الأول»
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَمّا أعطى اللهُ تعالى موسى الألواحَ، فنظر فيه؛ قال: يا ربِّ، لقد أكرمتني بكرامة لم تكرمها أحدًا قبلي. ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ بِجِدٍّ، ومحافظةٍ، وموتٍ على حُبِّ محمد ﷺ. قال موسى: يا ربِّ، ومَن محمد؟ قال: أحمد النبي، الذي أثْبَتُّ اسمَه على عرشي مِن قبل أن أخلق السماوات بألفي عام، إنّه نبيي، وصَفِيِّي، وحبيبي، وخيرتي من خلقي، وهو أحبُّ إلَيَّ مِن جميع خلقي، وجميع ملائكتي. قال موسى: يا ربِّ، إن كان محمدٌ أحبَّ إليك من جميع خلقك؛ فهل خلقتَ أُمَّتَه أكرمَ عليك مِن أُمَّتِي؟ قال: يا موسى، إنّ فضل أمة محمد على سائر الخلق كفضلي على جميع خلقي. قال: يا ربِّ، ليتني رأيتهم. قال: يا موسى، إنّك لن تراهم، لو أردتَ أن تسمع كلامهم أسمعتك. قال: يا ربِّ، فإنِّي أريد أن أسمع كلامهم. قال الله تعالى: يا أُمَّة أحمد. فأجبنا كلُّنا مِن أصلاب آبائنا وأرحام أمهاتنا: لَبَّيك اللهم لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك. قال الله تعالى: يا أُمَّة أحمد، إنّ رحمتي سبقت غضبي، وعفوي سبق حسابي، قد أعطيتُكم مِن قبل أن تسألوني، وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم قبل أن تعصوني، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبدي ورسولي دخل الجنة، ولو كانت ذنوبُه أكثرَ مِن زَبَد البحر. وهذا قوله عز وجل: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾ [القصص:٤٦]
عن عُلَيّ بن رَباح اللَّخْمي: حدثني مَن شهد عبادة بن الصامت، يقول: كُنّا في المسجد، ومعنا أبو بكر الصديق، يُقْرِئُ بعضُنا بعضًا القرآن، فجاء عبدُ الله بن أُبَيِّ بن سَلُول، ومعه نُمْرُقة وزِرْبِيَّة، فوضع واتَّكأ، وكان صبيحًا فصيحًا جَدِلًا، فقال: يا أبا بكر، قُل لمحمد يأتينا بآيةٍ كما جاء الأوَّلون؛ جاء موسى بالألواح، وجاء داود بالزبور، وجاء صالح بالناقة، وجاء عيسى بالإنجيل وبالمائدة. فبكى أبو بكر، فخرج رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر: قوموا إلى رسول الله ﷺ نستغيث به من هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ: «إنّه لا يُقام لي، إنّما يُقام لله عز وجل». فقلنا: يا رسول الله، إنّا لقينا مِن هذا المنافق. فقال: «إنّ جبريل قال لي: اخرُج، فأَخْبِر بنِعَم الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فُضِّلت بها. فبشَّرني أنِّي بُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذرَ الجن، وآتاني كتابه وأنا أُمِّيٌّ، وغفرَ ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكرَ اسمي في الأذان، وأيَّدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعلَ الرعبَ أمامي، وآتاني الكوثرَ، وجعلَ حوضي مِن أعظم الحِياض يوم القيامة، ووعدني المقامَ المحمودَ والناسُ مُهْطِعون مقنعو رؤوسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج مِن الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفًا مِن أُمَّتي الجنةَ بغير حساب، وآتاني السلطانَ والمُلْكَ، وجعلني في أعلى غرفةٍ في الجنة في جنات النعيم، فليس فوقي أحدٌ إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحلَّ لي الغنائم، ولم تحلَّ لأحد كان قبلنا»
عن عبد الله بن عمر -من طريق نافع-: أنّ قريشًا اجتمعت إلى رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد، فقال لهم عُتبة بن ربيعة: دعوني حتى أقوم إليه فأكلّمه؛ فإنِّي عسى أن أكون أرفَق به منكم. فقام عُتبة حتى جلس إليه، فقال: يا ابن أخي، إنك أوسطُنا بيتًا، وأفضلنا مكانًا، وقد أدخلتَ على قومك ما لم يُدخِل رجلٌ على قومه قبلَك، فإن كنتَ تطلب بهذا الحديث مالًا فذلك لك على قومك؛ أن نجمع لك حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنتَ تريد شرَفًا فنحن مُشرِّفوك، حتى لا يكون أحدٌ مِن قومك فوقك، ولا نقطع الأمور دونك، وإن كان هذا عن لمَمٍ يصيبك لا تقدر على النزوع عنه بَذَلنا لك خزائننا حتى نُعذر في طلب الطِّبّ لذلك منك، وإن كنتَ تريد مُلكًا ملّكناك. قال رسول الله ﷺ: «أفرغتَ، يا أبا الوليد؟». قال: نعم. فقرأ عليه النبي ﷺ «حم السجدة» حتى مرّ بالسجدة، فسجد، وعُتبة مُلْقٍ يدَه خلف ظهره حتى فرغ مِن قراءتها، وقام عُتبة -لا يدري ما يراجعه به- إلى نادي قومه، فلما رأوه مُقبِلًا قالوا: لقد رجع إليكم بوجهٍ ما قام به مِن عندكم. فجلس إليهم، فقال: يا معشر قريش، قد كلّمتُه بالذي أمرتموني به، حتى إذا فرغتُ كلّمني بكلام، لا، واللهِ، ما سمعتْ أذناي بمثله قطُّ، فما دريتُ ما أقول له، يا معشر قريش، أطيعوني اليوم واعصوني فيما بعده، اتركوا الرجلَ واعتزلوه، فواللهِ، ما هو بتاركٍ ما هو عليه، وخلّوا بينه وبين سائر العرب، فإن يظهر عليهم يكن شرفُه شرفَكم، وعزُّه عزَّكم، ومُلكه مُلكَكم، وإن يظهروا عليه تكونوا قد كُفيتموه بغيركم. قالوا: صبأتَ، يا أبا الوليد
عن ابن أبْزى، قال: لَمّا رجع المهاجرون مِن بعض غزواتهم بلغهم نَعْيُ عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقال بعضهم لبعض: أي الأحكام تجري في المجوس، وإنهم ليسوا بأهل كتاب، وليسوا مِن مشركي العرب؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قد كانوا أهل كتاب، وقد كانت الخمر أُحِلَّتْ لهم، فشربها مَلِكٌ مِن ملوكهم حتى ثمل منها، فتناول أخته، فوقع عليها، فلما ذهب عنه السُّكر قال لها: ويحكِ، فما المخرج مما ابتُليتُ به؟ فقالتْ: اخطب الناس. فقُل: يا أيها الناس، إنّ الله قد أحلّ نكاح الأخوات. فقام خطيبًا، فقال: يا أيها الناس، إنّ الله قد أحلّ نكاح الأخوات. فقال الناس: إنّا نبرأ إلى الله مِن هذا القول؛ ما أتانا به نبيٌّ، ولا وجدناه في كتاب الله. فرجع إليها نادمًا، فقال لها: ويحكِ، إن الناس قد أبَوا علي أن يُقرّوا بذلك. فقالت: ابسط عليهم السِّياط. ففعل، فبسَط عليهم السِّياط، فأبَوْا أن يُقرّوا له، فرجع إليها نادمًا، فقال: إنهم قد أبَوْا أن يُقرّوا. فقالتْ: اخطبهم، فإن أبَوا فجَرِّد فيهم السيف. ففعل، فأبى عليه الناس، فقال لها: قد أبى عليّ الناس. فقالت: خُدّ لهم الأخدود، ثم اعرض عليها أهل مملكتك؛ فمَن أقرّ، وإلا فاقذفه في النار. ففعل، ثم عرض عليها أهل مملكته، فمَن لم يُقرّ منهم قذفه في النار؛ فأنزل الله فيهم: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ إلى: ﴿أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾، ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ حرقوهم، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهُمْ عَذابُ الحَرِيقِ﴾ فلم يزالوا منذ ذلك يستحلّون نكاح الأخوات والبنات والأمهات
عن شَهْر بن حَوْشَب -من طريق ليث- قال: إذا كان يوم القيامة مُدّت الأرض مَدّ الأديم العكاظيّ، ثم يَحشر الله فيها الخلائق مِن الجنّ والإنس، ثم أخذوا مصافّهم مِن الأرض، ثم ينزل أهل السماء الدنيا بمثل مَن في الأرض، وبمثلهم معهم مِن الجن والإنس، حتى إذا كانوا على رؤوس الخلائق أضاءت الأرضُ لوجوههم، وخرّ أهل الأرض ساجدين، وقالوا: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: ليس فينا، وهو آتٍ. ثم أخذوا مصافّهم مِن الأرض، ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثل مَن في الأرض من الجن والإنس والملائكة الذين نزلوا قبلهم ومثلهم معهم، حتى إذا كانوا مكان أصحابهم أضاءت الأرض لوجوههم، وخرّ أهل الأرض ساجدين، وقالوا: أفيكم ربّنا؟ قالوا: ليس فينا، وهو آتٍ. ثم أخذوا مصافّهم من الأرض، ثم ينزل أهل السماء الثالثة بمثل مَن في الأرض من الجن والإنس والملائكة الذين نزلوا قبلهم ومثلهم معهم، حتى إذا كانوا مكان أصحابهم أضاءت الأرضُ لِوجوههم، وخرّ أهل الأرض ساجدين، وقالوا: أفيكم ربّنا؟ قالوا: ليس فينا، وهو آتٍ. وينزل أهل السماء الرابعة على قدْرهم من التضعيف، ثم ينزل أهل السماء الخامسة على قدْر ذلك مِن التضعيف، ثم ينزل أهل السماء السادسة على قدْر ذلك مِن التضعيف، ثم ينزل أهل السماء السابعة على قدْر ذلك مِن التضعيف، حتى ينزل الجبّار -تبارك وتعالى- قال: ﴿ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]. تحمله الملائكة على كواهلها بأيدٍ وقوة وحُسنٍ وجمال، حتى إذا جلس على كرسيّه ونادى بصوته: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾؟ فلا يجيبه أحد، فيردُّ على نفسه: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [غافر:١٦-١٧]
اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مّا ورَآءَ ذَلِكُمْ﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ المعنى: أُحِلَّ لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح. وهذا قول السديّ، وعبيدة. وثانيها: أنّ المعنى: أُحِلَّ لكم ما وراء مَن سمّي لكم تحريمه مِن أقاربكم. وهذا قول عطاء. وثالثها: أنّ المعنى: أُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم. وهذا قول قتادة. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٥٨٢) أنّ الآية تشمل جميع تلك المعاني استنادًا إلى دلالة السياق، والعموم، فقال: «أوْلى الأقوال في ذلك بالصواب ما نحن مبيِّنوه، وهو أنّ الله -جل ثناؤه- بيَّن لعباده المحرَّماتِ بالنسب والصهر، ثُمَّ المحرمات من المحصنات من النساء، ثم أخبرهم -جلَّ ثناؤه- أنّه قد أحلَّ لهم ما عدا هؤلاء المحرَّمات المبيَّنات في هاتين الآيتين أن نَبْتغيه بأموالنا نكاحًا وملك يمين، لا سفاحًا. فإن قال قائل: عرفنا المحلَّلات اللواتي هُنَّ وراء المحرَّمات بالأنساب والأصهار، فما المحلَّلات من المحصَنات والمحرمات منهن؟ قيل: هو ما دون الخمس مِن واحدة إلى أربع -على ما ذكرنا عن عبيدة والسدي- من الحرائر، فأما ما عدا ذوات الأزواج فغيرُ عددٍ محصورٍ بملك اليمين. وإنما قلنا: إنّ ذلك كذلك لأنّ قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ عامٌّ في كل مُحَلَّل لنا مِن النساء أن نبتغيها بأموالنا. فليس توجيه معنى ذلك إلى بعضٍ مِنهُنَّ بأولى مِن بعض، إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجَّة يجب التسليم لها، ولا حُجة بأن ذلك كذلك». وذَهَبَإلى ذلك أيضًا ابن عطية (٢/٥١٦). وذَهَبَ ابنُ كثير (٣/٤٢٧) إلى القول الثاني، واسْتَدْرَكَ على القول الأول بقوله: «هذا بعيد، والصحيح قول عطاء»
اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿إذ ذهب مغاضبا﴾؛ فقال بعضهم: ذهب مغاضبًا لقومه. وقال آخرون: ذهب مُغاضبًا لربه إذ رفع العذاب عن قومه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٣٧٧) مستندًا إلى السياق القول الثاني بقوله: «وهذا القول -أعني: قولَ مَن قال: ذهب عن قومه مغاضبًا لربه- أشبه بتأويل الآية، وذلك لدلالة قوله: ﴿فظن أن لن نقدر عليه﴾ على ذلك». وانتقد (١٦/٣٧٧ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية والقرآن القول الأول، فقال: «على أنّ الذين وجَّهوا تأويل ذلك إلى أنّه ذهب مغاضبًا لقومه إنّما زعموا أنّهم فعلوا ذلك استنكارًا منهم أن يغاضب نبيٌّ من الأنبياء ربه، واستعظامًا له. وهم بقيلهم أنّه ذهب مغاضبًا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم مما أنكروا؛ لأن ذهابه عن قومه مغاضبًا لهم، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته، لا شك أن فيه ما فيه. ولولا أنه قد كان ﷺ أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله -تعالى ذِكْرُه- ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه، ويَصِفه بالصِّفة التي وصفه بها، فيقول لنبيه ﷺ: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم﴾ [القلم:٤٨]، ويقول: ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ [الصافات:١٤٣]». وانتقد ابنُ عطية (٦/١٩٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، قائلًا: «وفي هذا القول مِن الضَّعْف ما لا خفاء به مِمّا لا يَتَّصِف به نبيٌّ». وذكر ابنُ عطية قولًا ثالثًا في الآية، فقال: «وقالت فرقة: إنما غاضب الملِك الذي كان على قومه». ثم علّق عليه قائلًا: «وهذا نحوٌ مِن الأول [يعني قول من قال: غاضب قومه] فيما يلحق منه يونس عليه السلام»
اتفق الأئمة على أنه إذا قُرئ: ﴿بضنين﴾ كان معناه: غير بخيل. وإذا قُرئ: ‹بِظَنِينٍ› كان معناه: غير مُتّهم. وزاد ابنُ عطية (٨/٥٥١) معلقًا على قراءة الظاء، فقال: «وهذا في المعنى نظير وصفه بـ﴿أمين﴾، وقيل: معناه: بضعف القوة عن التبليغ من قولهم: بئر ظنون إذا كانت قليلة الماء. ورجّح أبو عبيد قراءة الظاء مشالة؛ لأن قريشًا لم تبخل محمدًا ﷺ فيما يأتي به، وإنما كذّبته، فقيل: ما هو بمُتّهم». وأضاف ابنُ القيم (٣/٢٦٣): «وليس من الظن الذي هو الشعور والإدراك؛ فإن ذاك يتعدى إلى مفعولين». ورجّح ابنُ جرير (٢٤/١٧٠) -مستندًا لموافقتها مصاحف المسلمين- قراءة الضاد، فقال: «وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك ﴿بضنين﴾ بالضاد؛ لأنّ ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل مَن تأوله، وما محمد على ما علمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه -أيها الناس-، بل هو حريص على أن تؤمنوا به وتتعلموه». ورجّح ابنُ تيمية (٦/٤٧٩) قراءة الظاء بقوله: «وهو المناسب». وبنحوه ابنُ القيم (٣/٢٦٤) مستندًا إلى ظاهر الآية، والدلالة العقلية، فقال: «قلت: ويرجحه أنه وصفه بما وصف به رسوله المَلكيّ مِن الأمانة، فنفى عنه التُّهمة، كما وصف جبريل بأنه أمين. ويرجّحه أيضًا أنه سبحانه نفى أقسام الكذب كلّها عما جاء به من الغيب، فإنّ ذلك لو كان كذبًا فإمّا أن يكون منه، أو ممن علّمه، وإن كان منه فإمّا أن يكون تَعمَّده أو لم يَتعمّده، فإن كان مِن مُعلِّمه فليس هو بشيطان رجيم، وإن كان منه مع التعمد فهو المتهم ضد الأمين، وإن كان عن غير تعمُّد فهو المجنون، فنفى سبحانه عن رسوله ذلك كله». وعلّق ابنُ كثير (١٤/٢٧١) على القراءتين، فقال: «قلت: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح»