عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: أقبل موسى إلى أهله، فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلًا، فتَضَيَّف على أُمِّه، وهو لا يعرفهم، في ليلةٍ كانوا يأكلون منها الطَفَيْشَلَ، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلمّا أبصر ضيفه سأل عنه أُمَّه، فأخبرته أنّه ضيفٌ، فدعاه، فأكل معه، فلمّا قعدا فتحدَّثا، فسأله هارون: مَن أنت؟ قال: أنا موسى. فقام كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فاعتنقه، فلمّا أن تعارفا قال له موسى: يا هارون، انطلق معي إلى فرعون؛ فإن الله قد أرسلنا إليه. قال هارون: سمعًا وطاعةً. فقامت أمُّهما، فصاحت، وقالت: أنشدكما بالله ألا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما. فأبَيا، فانطلقا إليه ليلًا، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون، وفزع البوّاب، فقال فرعون: مَن هذا الذي يضرب بابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البوابُ، فكلمهما، فقال له موسى: ﴿إنا رسول رب العالمين﴾. ففزع البواب، فأتى فرعونَ، فأخبره، فقال: إنّ ههنا إنسانًا مجنونًا يزعم أنّه رسول رب العالمين. فقال: أدخِله. فدخل، فقال: إني رسول رب العالمين. قال فرعون: ﴿وما رب العالمين﴾. قال: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه:٥٠]. قال: ﴿إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف:١٠٦-١٠٧]. والثعبان: الذَّكَر مِن الحيّات، فاتحةً فمَها، واضِعةً لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها، ووثب، فأحدث، ولم يكن يُحْدِث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها، وأنا أومن بك، وأُرسِلُ معك بني إسرائيل. فأخذها موسى، فصارت عصًا، فقالت السَّحَرة في نجواهم: ﴿إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما﴾ [طه:٦٣]. فالتقى موسى وأميرُ السحرة، فقال له موسى: أرأيت إن غلبتُك غدًا أتُؤْمِنُ بي، وتشهد أنّ ما جئتُ به حقٌّ؟ قال الساحر: لآتين غدًا بسحرٍ لا يغلبه سِحرٌ، فواللهِ، لئن غلبتني لأؤمِنَنَّ لك، ولأشهدن أنّك حقٌّ. وفرعون ينظر إليهما
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنّ رجلًا كانت له نخلة، فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، فكان الرجل إذا جاء فدخل الدار فصعد إلى النخلة ليأخذ منها الثمرة، فربما تقع ثمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل مِن نخلته، فيأخذ الثمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم أدخل أصبعه حتى يُخرج الثمرة مِن فيه، فشكا ذلك الرجلُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: «اذهب». ولقي النبيّ ﷺ صاحب النخلة، فقال له: «أعطِني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة». فقال له الرجل: لقد أعطيت، وإنّ لي لَنخلًا كثيرًا، وما فيه نخل أعجب إليّ ثمرةً منها. ثم ذهب الرجل، ولقي رجلًا كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ لصاحب النخلة، فأتى رسول الله، فقال: أتُعطِني ما أعطيتَ الرجل إنْ أنا أخذتُها؟ قال: «نعم». فذهب الرجل، فلقي صاحب النخلة، ولكليهما نخل، فقال له صاحب النخلة: أشعرتَ أنّ محمدًا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلتُ له: لقد أعطيتَ، ولكن يعجبني ثمرها، ولي نخل كثير ما فيه نخلة أعجب إليّ ثمرة منها. فقال له الآخر: أتريد بيعها؟ فقال: لا، إلا أنْ أُعطى بها ما أريد، ولا أظنّ أُعطى. قال: فكم مُناك فيها؟ قال: أربعين نخلة. فقال له الرجل: لقد جئتَ بأمر عظيم، تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة! ثم سكت عنه، فقال: أنا أُعطيك أربعين نخلة. فقال له: أشْهِد إن كنتَ صادقًا. فأَشهَد له بأربعين نخلة بنخلته المائلة، فمكث عنه ساعة، ثم قال: ليس بيني وبينك بيعٌ، لم نفترق. فقال له الرجل: ولستُ بأحمق حين أعطيتُك أربعين نخلة بنخلتك المائلة! فقال له: أُعطيك على أن تُعطيني كما أريد؛ تُعطينها على ساق. فسكت عنه، ثم قال: هي لك على ساق. قال: إن كنتَ صادقًا فأشْهِد لي. فدعا قومه، فأشْهَد له، فعَدّ له أربعين نخلة على ساق، ثم ذهب إلى النبيِّ ﷺ، فقال له: يا رسول الله، إنّ النخلة قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله ﷺ إلى صاحب الدار، فقال: «النخلة لك ولعيالك». فأنزل الله: ﴿والليل إذا يغشى﴾ إلى آخر السورة
ذكر ابن جرير (٦/٣٣٠) اختلاف المفسرين فيمن نزلت فيه هذه الآية، ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة العموم قول مجاهد بعمومها في كل مَن آمَن مِن أهل الكتاب، فقال: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله مجاهد، وذلك أن الله -جَلَّ ثناؤه- عمَّ بقوله: ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ أهل الكتاب جميعًا، فلم يخصص منهم النصارى دون اليهود، ولا اليهود دون النصارى، وإنما أخبر أن من أهل الكتاب من يؤمن بالله، وكلا الفريقين -أعني: اليهود والنصارى- من أهل الكتاب». وانتقد ابن جرير القول بكونها نازلة في النجاشي، مستندًا إلى ضعف الخبر المروي في ذلك، ثم بين أنه على فرض صحته داخل في عموم القول الأول، فقال عقب إيراده: «ذلك خبر في إسناده نظر، ولو كان صحيحًا لا شك فيه لم يكن لما قلنا في معنى الآية بخلاف، وذلك أنه قد تنزل الآية في الشيء ثم يعم بها كل من كان في معناه، فالآية وإن كانت نزلت في النجاشي، فإن الله تبارك وتعالى قد جعل الحكم الذي حكم به للنجاشي حكمًا لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشي في اتباعهم رسول الله ﷺ». وانتقد ابن تيمية (٢/١٩٠) مستندًا إلى دلالة التاريخ والدلالات العقلية القول بنزولها في عبد الله بن سلام، وضعَّفه بأن ابن سلام وأمثاله من المؤمنين ظاهرًا وباطنًا لا يجوز أن يقال فيهم: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:١٩٩] الآية. أما أولًا: فإن ابن سلام أسلم في أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، وسورة آل عمرن إنما نزل ذكر أهل الكتاب فيها لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر. وثانيًا: أن ابن سلام وأمثاله هو واحد من جملة الصحابة والمؤمنين، وهو من أفضلهم، فلا يقال فيه: إنه من أهل الكتاب. وهؤلاء لهم أجور مثل أجور سائر المؤمنين، بل يُؤْتَوْنَ أجرهم مرتين، وهم ملتزمون جميع شرائع الإسلام، فأجرهم أعظم من أن يقال فيه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. وأيضًا، فإن أمر هؤلاء كان ظاهرًا معروفًا، ولم يكن أحد يشك فيهم، فأي فائدة في الإخبار بهم؟ بخلاف أمر النجاشي وأصحابه ممن كانوا متظاهرين بكثير مما عليه النصارى؛ فإن أمرهم قد يشتبه
انتقد ابنُ كثير (١٣/١٨٠) القول بأن «ق»: جبل محيط بالأرض مستندًا للدلالة العقلية، فقال: «وكأنّ هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يُصدّق ولا يُكذّب. وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبّسون به على الناس أمر دينهم، كما افُتري في هذه الأمة -مع جلالة قدْر علمائها وحفّاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي ﷺ وما بالعهد مِن قِدَم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى، وقلّة الحفّاظ النُّقّاد فيهم، وشُرْبهم الخمور، وتحريف علمائهم الكَلِم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارعُ الرواية عنهم في قوله: «وحدِّثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويُحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظّنون كذبه، فليس من هذا القبيل». ونقل (١٣/١٨١) قولًا آخر بأن المراد بـ﴿ق﴾: «قُضي الأمر، والله». وأن قوله: ﴿ق﴾ دلّتْ على المحذوف من بقيّة الكَلِم كقول الشاعر:قلت لها: قفي فقالت: قافوانتقده مستندًا للغة، فقال: «وفي هذا التفسير نظر؛ لأنّ الحذف في الكلام إنما يكون إذا دلّ دليل عليه، ومِن أين يُفهم هذا من ذِكر هذا الحرف؟». وساق ابنُ عطية (٨/٣٠-٣١) الأقوال الواردة عدا قول القُرظيّ، ثم علَّق بقوله: «و﴿ق﴾ على هذه الأقوال: مُقسَم به وبالقرآن المجيد، وجواب القسم منتظَر». وذكر القول الذي قاله ابن كثير، وذكر أقوالًا غيرها، فقال: «قال القُرظيّ: هو دال على أسماء الله تعالى هي: قادر، وقاهر، وقريب، وقاض، وقابض. وقيل: المعنى: قُضي الأمر من رسالتك ونحوه، ﴿والقرآن المجيد﴾ فجواب القسم في الكلام الذي يدل عليه قاف. وقال قوم: المعنى: قِف عند أمرنا. وقيل المعنى: قُهر هؤلاء الكفرة، وهذا أيضًا وقع عليه القسَم». ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يكون المعنى: قيامهم من القبور حق، والقرآن المجيد». وعلق عليه بقوله: «فيكون أول السورة مِن المعنى الذي اطَّرد بعد»، ثم قال: «وعلى هذه الأقوال فثَمّ كلام مضمر عنه وقع الإضراب، كأنه قال: ما كذّبوك ببرهان، ونحو هذا مما يليق مظهرًا»
اختُلف في قوله: ﴿والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ على أقوال:الأول: أنّ الذين آمنوا بالله ورسله هم الصِّدِّيقون وهم الشهداء عند ربهم. وعلَّق عليه ابنُ القيم (٣/١٣٠) بقوله: «وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشهدهم الله على الناس يوم القيامة وهو قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وهم المؤمنون، فوصفهم بأنهم صِدِّيقون في الدنيا وشهداءُ على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداء وصفًا لجملة المؤمنين الصديقين». الثاني: أن قوله: ﴿أولئك هم الصديقون﴾ كلام تام. وقوله: ﴿والشهدآء عند ربهم﴾ كلام مبتدأ. وفيهم قولان: الأول: أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب. الثاني: أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة. الثالث: أنهم القتلى في سبيل الله لهم أجرهم عند ربهم، يعني ثواب أعمالهم. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٤١٥) -مستندًا إلى الأغلب لغة- القول الثالث الذي قاله ابن عباس من طريق العَوفيّ، ومسروق، والضَّحّاك، وأبي الضحى، فقال: «لأن ذلك هو الأغلب من معانيه في الظاهر، وإنّ الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنى غيره، إلا أن يراد به شهيد على ما آمن به وصدّقه، فيكون ذلك وجهًا، وإن كان فيه بعض البُعد؛ لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه إذا أطلق بغير وصل، فتأويل قوله: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ إذن: والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله أو هلكوا في سبيله عند ربهم لهم ثواب الله إياهم في الآخرة ونورهم». ورجَّح ابنُ القيم (٣/١٣٠) القول الثاني -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية- بما مفاده الآتي: ١- أنه لو كان الشهداء داخلًا في جملة الخبر لكان قوله تعالى: ﴿لَهُم أجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ داخلًا أيضًا في جملة الخبر عنهم، ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم هم الصِّدّيقون. والثاني: أنهم هم الشهداءُ. والثالث: أنّ لهم أجرهم ونورهم، وذلك يتضمن عطف الخبر الثانى على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردًا عن العطف، وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال. والأحسن في هذا تناسب الأخبار بأن تُجرّدها كلّها من العطف أو تعطفها جميعًا فتقول: زيد كريم عالم له مال، أو كريم وعالم وله مال. ٢- أنّ الكلام يصير جُمَلًا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلْقه السعداء، وهم الصِّدِّيقون والشهداء والصالحون، وهم المذكورون في الآية، وهم المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا، فهؤلاء ثلاثة أصناف، ثم ذكر الرسل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد:٢٥]، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء
عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر، وعن محمد بن يحيى بن حبّان، قال: كلٌّ قد حدَّثني بعض حديث بني المُصْطَلِق، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أنّ بني المُصْطَلِق يَجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار أبو جُوَيْرِيَة بنت الحارث زوج النبي ﷺ؛ فلمّا سمع بهم رسول الله ﷺ، خرج إليهم حتى لَقِيَهم على ماء مِن مياههم يُقال له: المُرَيْسِيع، من ناحية قُدَيْد إلى الساحل، فتزاحف الناس، فاقتتلوا، فهَزم الله بني المُصْطَلِق، وقتل مَن قتل منهم، ونفَّل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءَهم الله عليه، وقد أُصِيب رجل من بني كلب بن عَوْف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صُبابة، أصابه رجل من الأنصار من رَهْط عُبادة بن الصّامت، وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأً، فبَينا الناس على ذلك الماء ورَدتْ واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غِفار يُقال له: جَهْجاه بن سعيد، يقود له فرسه، فازدَحم جَهْجاه وسِنان الجُهَنيّ حليف بني عَوْف بن الخَزْرَج على الماء، فاقتتلا، فصَرخ الجُهَنيّ: يا معشر الأنصار. وصرخ جَهْجاه: يا معشر المهاجرين. فغضب عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، وعنده رَهْطٌ من قومه فيهم زيد بن أرْقَم، غلام حديث السِّن، فقال: قد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، واللهِ، ما أعدُّنا وجَلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يَأكلْك، أما -واللهِ- لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. ثم أقبل على مَن حضر مِن قومه، فقال: هذا ما فعَلتُم بأنفسكم؛ أحللتُموهم بلادكم، وقاسمتُموهم أموالكم، أما -واللهِ- لو أمسكتُم عنهم ما بأيديكم لتَحوّلوا إلى غير بلادكم. فسمع ذلك زيد بن أرْقَم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ مِن غَزوه، فأَخبَره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، مُر به عبّاد بن بِشر بن وقْش، فَليَقتُله. فقال رسول الله ﷺ: «فكيف -يا عمر- إذا تحدّث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه، لا، ولكن أذِّن بالرحيل». وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يَرتَحل فيها، فارتَحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أُبيّ إلى رسول الله ﷺ حين بَلغه أنّ زيد بن أرْقَم قد بَلغه ما سمع منه، فحَلف بالله: ما قلتُ ما قال، ولا تَكلّمتُ به. وكان عبد الله بن أُبيّ في قومه شريفًا عظيمًا، فقال مَن حضر رسول الله ﷺ مِن أصحابه مِن الأنصار: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام أوْهَم في حديثه، ولم يَحفظ ما قال الرجل. حَدَبًا على عبد الله بن أُبيّ، ودَفعًا عنه، فلما استقلّ رسول الله ﷺ وسار، لَقِيه أُسيْد بن حُضَيْر، فحَيّاه بتحيّة النّبوة وسَلّم عليه، ثم قال: يا رسول الله، لقد رُحتَ في ساعة مُنكَرة ما كنتَ تَروح فيها. فقال له رسول الله ﷺ: «أوَما بلَغك ما قال صاحبكم؟». قال: فأيُّ صاحب، يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أُبيّ». قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رَجع إلى المدينة أخرَج الأَعزُّ منها الأَذلَّ». قال أُسيْد: فأنت -واللهِ- يا رسول الله تُخرجه إن شئتَ، هو -واللهِ- الذليلُ وأنتَ العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارْفُق به، فواللهِ، لقد جاء اللهُ بك، وإنّ قومه ليَنظِمون له الخَرَز ليُتَوّجوه، فإنه ليَرى أنّك قد استَلبتَه مُلكًا. ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدْر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يكن إلا أن وجدوا مسّ الأرض وقعوا نِيامًا، وإنما فعل ذلك ليَشغَل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس مِن حديث عبد الله بن أُبيّ، ثم راح بالناس وسَلك الحِجاز حتى نزل على ماء بالحِجاز فُوَيْق النَّقيع، يقال له: نقعاء، فلما راح رسول الله ﷺ هبّتْ على الناس ريح شديدة آذتهم، وتَخوَّفوها، فقال رسول الله ﷺ: «لا تخافوا، فإنما هبّتْ لموت عظيم من عظماء الكفار». فلمّا قدِموا المدينةَ وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قَيْنُقاع -وكان من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين- قد مات ذلك اليوم، فنَزَلَت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أُبيّ بن سَلول، ومَن كان معه على مثل أمْره، فقال: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ فلما نَزَلَتْ هذه السورة أخذ رسول الله ﷺ بأُذُن زيد، فقال: هذا الذي أوفى الله بأُذُنه. وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ الذي كان من أبيه
اخْتُلِف في تفسير قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾؛ فقال قوم: ﴿غير باغ﴾ غير خارج على الأمة بسيفه. وقال آخرون: بل تأويل ذلك: فمن اضطر غير باغ في أكله شهوة، ولا عادٍ فوق ما لا بُدَّ له منه. وقال غيرهم: غير باغٍ الحرام في أكله، ولا مُعْتَدٍ الذي أبيح له منه. ورَجَّح ابنُ جرير (٣/٦٢-٦٣بتصرف) القولَ الأخير الذي قال به قتادة، والحسن، وعكرمة، ومجاهد من طريق جابر، والربيع، وابن زيد. وانتَقَدَ القولَ الأوَّلَ الذي قاله مجاهد، وسعيد، مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وذلك أنّ الله لم يُرَخِّص لأحد في قتل نفسه بحال، فالواجب على قُطّاع الطريق التَّوْبَةُ من معاصي الله، لا قتل أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إلى إثمهما إثمًا». وبيَّن ابنُ جرير (٣/٦٢) أنّ تفسير السدي -وهو القول الثاني- لقوله: ﴿غير باغ﴾ مُوافِقٌ لِما رَجَّح، وأمّا تفسيره ﴿عاد﴾ بالشَّبَع فقد بيّن أنه بعض معاني الاعتداء، ثم قال: «ولم يُخَصِّص اللهُ من معاني الاعتداء في أكله معنًى؛ فيُقال: عنى به بعض معانيه. فإذا كان ذلك كذلك فالصواب من القول ما قلنا مِن أنّه الاعتداء في كل معانيه المحرمة». ورَجَّح ابنُ تيمية (١/٤٠٤-٤٠٥) أيضًا القول الأخير، مُسْتَنِدًا إلى أحوال النُّزول، والدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله أنزل هذا في السور المكيّة -الأنعام، والنحل-، وفي المدنية؛ لِيُبَيِّن ما يَحِلُّ وما يَحْرُم من الأكل، والضرورة لا تختصّ بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرّم مُخْتَصًّا بقطع الطريق والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبي ﷺ إمامٌ يُخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا، والبُغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولًا مسافرين؛ بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنِّعال والجريد، فكيف يجوز أن تُفَسَّر الآيةُ بما لا يَخْتَصَّ بالسفر، وليس فيها كلُّ سَفَرٍ محرم؟! فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مُطابِقًا للسفر المحرم، فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه. وأيضًا فقوله: ﴿غير باغ﴾ حال من ﴿اضطر﴾، فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فلا إثم عليه﴾، ومعلوم أنّ الإثم إنما يُنفى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه؛ فمعنى الآية: فمن اضْطُرَّ فأكلَ غير باغ ولا عاد. وهذا يُبَيِّن أنّ المقصود أنّه لا يبغي في أكله، ولا يتَعَدّى»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد﴾ تعني: أحدٌ لا شريك له، وذلك أنّ عامر بن الطفيل بن صعصعة العامري دخل على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أما -واللهِ- لَئِن دخلتُ في دينك لَيَدخُلنّ مَن خلفي، ولَئن امتنعتُ لَيمتنعن مَن خلفي. قال رسول الله ﷺ: «فما تريد؟». قال: أتّبعك على أن تجعل لي الوبَر، ولك المَدر. قال له رسول الله ﷺ: «لا شرط في الإسلام». قال: فاجعل لي الخلافة بعدك. قال رسول الله ﷺ: «لا نبي بعدي». قال: فأريد أن تفضّلني على أصحابك. قال رسول الله ﷺ: «لا، ولكنك أخوهم إنْ أحسنتَ إسلامك». فقال: فتجعلني أخا بلال، وخبّاب بن الأرت، وسلمان الفارسي، وجعال؟! قال: «نعم». فغضب، وقال: أما -واللهِ- لَأُثيرنّ عليك ألف أشقر، عليها ألفُ أمرد. فقال له رسول الله ﷺ: «ويحك، تخوّفني؟!». قال له جبريل عليه السلام عن ربّه: لَأُثيرنّ على كلّ واحد منهم ألفًا من الملائكة، طول عُنُق أحدهم مسيرة سنة، وغِلظها مسيرة سنة. وكان يكفيهم واحد، ولكن الله عز وجل أراد أن يُعلمه كثرة جنوده، فخرج مِن عند رسول الله ﷺ وهو متعجّب مِمّا سمع منه، فلقيه الأربد بن قيس السهمي، فقال له: ما شأنك؟ وكان خليله، فقصّ عليه قِصّته، وقال: إنى دخلتُ على ابن أبي كَبشة آنفًا، فسألته الوبَر، وله المَدر، فأبى، ثم سألتُه من بعده، فأبى، ثم سألتُه أن يفضِّلني على أصحابه، فأبى. وقال: أنتَ أخوهم إنْ أحسنتَ إسلامك. فقال له: أفلا قتلتَه؟ قال: لم أُطِق ذلك. قال: فارجع بنا إليه، فإن شئتَ حدّثته حتى أضرب عُنُقه. فانطلقا على وجوههما حتى دخلا على رسول الله ﷺ، فقعد عامر عن يمينه والأربد عن يساره، وكان رسول الله ﷺ علم ما يريدان. قال: وجاء مَلكٌ مِن الملائكة، فعَصر بطن الأربد بن قيس، وأقبل عامر على رسول الله ﷺ وقد وضع يده على فمه، وهو يقول: يا محمد، لقد خوّفتني بأمر عظيم، وبأقوام كثيرة، فمَن هؤلاء؟ قال: «جنودي، وهم أكثر مما ذكرتُ لك». قال: فأخبِرني ما اسم ربّك؟ وما هو؟ ومَن خليله؟ وما حيلته؟ وكم هو؟ وأبو مَن هو؟ ومن أي حيٍّ هو؟ ومَن أخوه؟ وكانت العرب يتخذون الأخلاء في الجاهلية؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿هُوَ اللَّهُ أحَدٌ﴾ لقوله: ما اسمه؟ وكم هو؟ ﴿اللَّهُ الصَّمَد﴾ لقوله: ما طعامه؟ ﴿الصَّمَد﴾ الذي لا يأكل ولا يشرب، ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ يقول: ولم يتخذ ولدًا، ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ يقول: ليس له والد يُكنى به، لقوله: وابن مَن هو؟ ثم قال: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ لقوله: مَن خليله؟ يقول: ليس له نظير، ولا شبيه، فمن أين يتخذ الخليل؟! فأشار بيده وبعينه إلى الأربد بن قيس وهو في جهد قد عَصر المَلك بطنه حتى أراد أن يخرج خلاه من فِيه، وقد أهمّته نفسه، فقال الأربد: قم بنا. فقاما، فقال له عامر: ويحك، ما شأنك؟ قال: وجدت عَصرًا شديدًا في بطني ووجعًا؛ فما استطعتُ أنْ أرفع يدي. قال: فأمّا الأربد بن قيس فخرج يومئذ من المدينة، وكان يومًا متغيمًا، فأدركتْه صاعقة في الطريق، فقتلتْه، وأمّا عامر بن الطفيل فوجاه جبرئيل عليه السلام في عُنُقه، فخرج في عُنُقه دبيلة، ويقال: طاعون، فمرض بالمدينة، فلم يأوه أحد إلا امرأة مجذومة من بني سلول، فقال جزعًا من الموت: غُدَّة كغُدَّة البعير، وموت في بيت سلولية! ابرز إليَّ، يا موت، فأنا قاتلك. فأنزل الله عز وجل: ﴿وهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد:١٣]
اختُلِف في اسم الرجل المذكور في قوله تعالى: ﴿وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: اسمه: يثرون، ابن أخي شعيب عليه السلام. الثاني: اسمه: يثرى. الثالث: هو شعيب النبي عليه السلام. وعلَّق ابنُ كثير (١٠/٤٥١) على القول الثالث بقوله: «وهذا هو المشهور عند كثيرين». ووجَّه ابنُ تيمية (٥/٧٣) قول مَن قال: إنه شعيب النبي عليه السلام. فقال: «وإنّما شبهة من ظن ذلك أنه وجد في القرآن قصة شعيب وإرساله إلى أهل مدين، ووجد في القرآن مجيء موسى إلى مدين ومصاهرته لهذا، فظن أنه هو». ورجَّح ابنُ جرير (١٨/٢٢٤) مستندًا إلى عدم وجود الدليل عدم القطع بأيِّ قول ٍمنها، وعلَّل ذلك بقوله: «وهذا مما لا يُدرَك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حُجَّتُه، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله -جلَّ ثناؤه-». وانتقد ابنُ كثير (١٠/٤٥٢ بتصرف) القول الثالث مستندًا إلى الدلالة العقلية، والإسرائيليات، وضعف إسناد الأحاديث المفيدة لذلك بأنّ «مِن المقوِّي لكونه ليس بشعيب أنّه لو كان إيّاه لأوشك أن ينصَّ على اسمه في القرآن هاهنا، وبأن ما جاء في بعض الأحاديث مِن التصريح بذكره في قصة موسى لم يصِحَّ إسناده، وبأن من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: ثيرون». وانتقده ابنُ تيمية (٥/٧٣ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وأقوال السلف، والإسرائيليات قائلًا: «فمَن جزم بأنه شعيب النبي فقد قال ما ليس له به علم، وما لم يُنقَل عن النبي ﷺ، ولا عن الصحابة، ولا عمَّن يحتج بقوله من علماء المسلمين، وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس من طريق أبي جمرة، والحسن البصري من طريق قرة بن خالد، مع مخالفته أيضًا لأهل الكتابين؛ فإنّهم مُتَّفِقون على أنه ليس هو شعيب النبي، فإنّ ما في التوراة التي عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه: يثرون، وليس لشعيب النبي عندهم ذكر في التوراة. وقد ذكر غير واحد من العلماء أنّ شعيبًا كان عربيًّا، بل قد روي عن النبي ﷺ ذلك، وموسى كان عبرانيًّا؛ فلم يكن يعرف لسانه، وظاهر القرآن يدل على مخاطبة موسى للمرأتين وأبيهما بغير ترجمان. والقرآن يدل أن الله أهلك قوم شعيب بالظلة، فحينئذٍ لم يبق في مدين من قوم شعيب أحد، وشعيب لا يقيم بقرية ليس بها أحد، وقد ذكروا أنّ الأنبياء كانوا إذا هلكت أممهم ذهبوا إلى مكة فأقاموا بها إلى الموت، كما ذُكِر أن قبر شعيب بمكة، وكذلك غيره، وموسى لما جاء إلى مدين كانت معمورة بهذا الشيخ الذي صاهره، ولم يكن هؤلاء قوم شعيب المذكورين في القرآن...». ثم حكى خلافًا في عصا موسى مِن أن الذي أعطاه إياها هو: شعيب. وقيل: هذا الشيخ. وقيل: جبريل. ثم علّق بقوله: «كل ذلك لا يثبت». ونقل في نفس المعنى عن السُّدِّيّ أنه قال: «أمر أبو المرأتين ابنته أن يأتي موسى بعصا، وكانت تلك العصا عصا استودعها ملَك في صورة رجل إلى آخر القصة استودعه إياها ملك في صورة رجل، وأن حماه خاصمه، وحكما بينهما رجلًا، وأن موسى أطاق حملها دون حميه، وذكر عن موسى أنه أحق بالوفاء من حميه». ثم علَّق عليه في سياق انتقاده لقول مَن قال: إن الشيخ الكبير هو شعيب النبي عليه السلام. فقال: «ولو كان هذا هو شعيبًا النبي لم ينازع موسى، ولم يندم على إعطائه إياها، ولم يحاكمه، ولم يكن موسى قبل أن ينبأ أحق بالوفاء منه، فإن شعيبًا كان نبيًّا، وموسى لم يكن نبيًّا، فلم يكن موسى قبل أن ينبأ أكمل من نبي». وانتقد (٥/٧٤) القولَ الأول مستندًا إلى قول ابن عباس، فقال: «ومن قال: إنه كان ابن أخي شعيب، أو ابن عمه. لم ينقل ذلك عن ثبت، والنقل الثابت عن ابن عباس لا يُعارَض بمثل قول هؤلاء»
عن البراء بن عازب -من طريق أبي إسحاق- قال: جعل رسول الله ﷺ على الرُّماةِ يوم أحد -وكانوا خمسين رجلًا- عبدَ الله بنَ جبير، ووضعهم موضِعًا، وقال: «إن رأيتمونا تَخَطَّفُنا الطيرُ فلا تبرحوا حتى أُرْسِل إليكم». فهزموهم، قال: فأنا واللهِ رأيتُ النساءَ يَشْدُدْنَ على الجبل، وقد بدت أسْوُقُهُنَّ وخلاخِلُهُنَّ، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله: الغنيمةَ، أيْ قومُ، الغنيمةَ، ظهر أصحابُكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أفَنَسِيتُم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟! فقالوا: إنّا واللهِ لَنَأْتِيَنَّ الناسَ، فلَنُصِيبَنَّ من الغنيمة. فلما أتوهم صُرِفت وجوهُهم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسولُ في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة؛ سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا، قال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاثًا، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ مرتين. أفي القوم ابن الخطاب؟ مرتين. ثم أقبل على أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلوا، وقد كُفِيتُموهم. فما ملك عمرُ نفسَه أن قال: كذبتَ، واللهِ، يا عدوَّ الله، إنّ الذين عَدَدْتَ أحياءٌ كلُّهم، وقد بقي لك ما يسوءُك. قال: يوم بيوم بدر، والحربُ سِجالٌ، إنّكم ستجدون في القوم مُثْلَةً لم آمر بها ولم تَسُؤْني. ثم أخذ يرتجز: اعلُ، هُبَل. اعْلُ، هُبَلْ. فقال رسول الله ﷺ: «ألا تُجِيبونه؟». قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: «قولوا: اللهُ أعلى وأجلُّ». قال: إنّ لنا العُزّى، ولا عُزّى لكم. قال رسول الله ﷺ: «ألا تجيبونه؟». قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال:«قولوا: اللهُ مولانا، ولا مولى لكم»