ذكر ابنُ كثير (١٢‏/‏٢٨٤) في معنى الآية قولين: الأول: لأهلكها وأغرقها بذنوب أهلها. الثاني: لو شاء لأرسل الريح قوية عاتية، فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق، ولا إلى جهة مقصد. ثم علّق على القول الثاني، فقال: «وهذا القول هو يتضمن هلاكها، وهو مناسب للأول، وهو أنّه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت، أو لقوّاه فشردت وأبِقَت وهلكت، ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة، كما يرسل المطر بقدر الكفاية، ولو أنزله كثيرًا جدًّا لهدم البنيان، أو قليلًا لما أنبت الزرع والثمار، حتى إنه يرسل إلى مثل بلاد مصر سيحًا من أرض أخرى غيرها؛ لأنهم لا يحتاجون إلى مطر، ولو أنزل عليهم لهدم بنيانهم، وأسقط جدرانهم»

ذَهَبَ ابنُ جرير (٢‏/‏٥٨٧)، وابنُ عطية (١‏/‏٣٥٩)، وابنُ تيمية (١‏/‏٣٥٢) إلى أنّ الحنيف في الدين: هو الذي مال عن الأديان المكروهة إلى الحق، وأنّ الحنيفية: هي ملة إبراهيم، وأَنَّها عبادةُ الله وحدَه والبراءة من الشرك. وأنّ تنوّع عبارات المفسرين إنما هو من قبيل التفسير بجزء المعنى. قال ابنُ جرير مستدلًّا بالدلالات العقليّة: «الحنيف -عندي-: هو الاستقامة على دين إبراهيم، واتِّباعه على ملته، وذلك أنّ الحنيفية لو كانت حَج البيت لَوَجَب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء، وقد نفى الله أن يكون ذلك تَحَنُّفًا بقوله: ﴿ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين﴾. فكذلك القول في الخِتان؛ لأنّ الحنيفية لو كانت هي الختان لَوَجَب أن يكون اليهود حُنفاء، وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. فقد صحّ إذًا أن الحنيفية ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها». وقال ابنُ عطية (١‏/‏٣٥٩ بتصرف): «الحنيف في الدين: الذي مالَ عن الأديان المكروهة إلى الحق، ويجيء الحنيف في الدين: المستقيم على جميع طاعات الله عز وجل، وقد خَصَّص بعضُ المفسرين، فقال قوم: الحنيف: الحاجُّ. وقال آخرون: المُخْتَتِن. وهذه أجزاء الحنف». وقال ابنُ تيمية (١‏/‏٣٥٢ بتصرف): «القرآن كله يدلُّ على أنّ الحنيفية هي ملة إبراهيم، وأنها عبادة الله وحده، والبراءة من الشرك، وعبادته سبحانه إنّما تكون بما أمر به وشَرَعه، وذلك يدخل في الحنيفية، ولا يدخل فيها ما ابتُدِعَ من العبادات، كما ابتدع اليهود والنصارى عبادات لم يأمر بها الأنبياء، وقد أمر الله أهل الكتاب وغيرهم أن يعبدوه مخلصين له الدين حنفاء، فبَدَّلوا وتَصَرُّفوا من بعد ما جاءتهم البينة. وكلامُ السلفِ وأهل اللغة يدل على هذا؛ وإن تَنَوَّعَتْ عباراتهم»

اختلف المفسرون في أي الفئتين رأت صاحبتها مثلها، فذهب قومٌ إلى أنّ الفئة المسلمة هي التي رأت الأخرى مثلَيْ أنفسها، وهؤلاء منهم من قال: قلَّلَها الله عز وجل في أعينها حتى رأتها مثلَيْ عدد أنفسها، ثم قلَّلها في حال أخرى، فرأتها مثل عدد أنفسها وذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٢٤٦) أن التقليل على هذا القول الذي قال به ابن مسعود له معنيان: أحدهما: أن يكون أحد المِثْلَين هو العدد الذي مثل الفئة التي رأتهم، والمثل الآخر هو الضعف الزائد على عددهم. ثانيهما: هو أن أراهم عدد المشركين مثل عددهم لا يزيدون عليهم، وذلك هو الذي قال الله -جلَّ ثناؤه- فيه: ﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا﴾ [الأنفال:٤٤]. ومنهم مَن قال: لم يُقلَّلُوا في أعينهم، ولكن الله أيدهم بنصره. وانتَقَد ابنُ جرير (٥‏/‏٢٤٧) القول بعدم التقليل مستندًا لمخالفته ما تواترت به الأخبار من عدد المسلمين يوم بدر، فقال: «وهذه الرواية خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن عِدَّة المشركين يوم بدر، وذلك أنّ الناس إنما اختلفوا في عددهم على وجْهَين، فقال بعضهم: كان عددهم ألفًا، وقال بعضهم: ما بين التسعمائة إلى الألف». وبنحو نقده قال ابنُ كثير (٣‏/‏٢٥). ورجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏٢٤٩) القول الأول الذي قاله ابن مسعود، فقال بعد ذكره لروايات عن أن عدد المسلمين في بدر زاد على التسعمائة: «فإذا كان ما قاله مَن حكَيْناه ممن ذكر أن عددهم كان زائدًا على التسعمائة، فالتأويل الأول الذي قلناه على الرواية التي روينا عن ابن مسعود أولى بتأويل الآية». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٥‏/‏٢٥١ بتصرف) قول مَن قال إن الفئة التي رأت هي الفئة الكافرة. مستندًا لمخالفته لظاهر القرآن فقال: «وهذا خلاف ما دل عليه ظاهر التنزيل؛ لأن الله -جل ثناؤه- قال في كتابه: ﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم﴾ فأخبر أن كُلًّا من الطائفتين قلَّل عددهم في مرأى الأخرى». وبنحوه انتقده ابن عطية (٢‏/‏١٦٩)

علَّقَ ابنُ كثير (١‏/‏١٦٨-١٦٩) على قول ابن عباس، ومَن تبعه كالحسن، ومسروق: إنّ الوصيّة منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث. بقوله: «على قول هؤلاء لا يُسَمّى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأنّ آية المواريث إنما رَفَعَتْ حكمَ بعض أفراد ما دلَّ عليه عموم آية الوصاية؛ لأن الأقربين أعمّ مِمَّن يرث ولا يرث، فرُفِع حكمُ مَن يَرِثُ بما عُيِّنَ له، وبقي الآخرُ على ما دَلَّت عليه الآيةُ الأولى، وهذا إنّما يَتَأَتّى على قول بعضهم: إنّ الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت نَدْبًا حتى نُسِخَت. فأما من يقول: إنها كانت واجبة -وهو الظاهر من سياق الآية-؛ فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث، كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإنّ وجوب الوصيّة للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهيٌّ عنه للحديث المتقدم: «إن الله قد أعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه؛ فلا وصية لوارث». فآية الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، رفع بها حُكْمَ هذه بالكُلِّيَّة»

انتَقَدَ ابنُ جرير (٣‏/‏٦٩٢-٦٩٣) هذا القولَ الذي قال به مجاهد، وكذا قول ابن عباس من طريق عطية العوفي أنّ العفو هو: ما أخرجه ربُّ المالِ إلى إمامه قليلًا أو كثيرًا. مستندًا إلى دلالة عقلية، ومخالفته ظاهر لفظ الآية، فقال: «فإن قال لنا قائلٌ: وما تُنكِرُ أن يكون ذلك العَفْوُ هو الصدقةَ المفروضةَ؟ قيل: أنكرنا ذلك لقيام الحُجَّة على أن مَن حَلَّت في ماله الزكاةُ المفروضةُ، فهلك جميعُ مالِه إلا قَدْرَ الذي لزم مالَه لأهلِ سُهمانِ الصدقة؛ أنّ عليه أن يُسَلِّمه إليهم، إذا كان هلاكُ ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم في ماله إليهم، وذلك لا شكَّ أنه جُهدُه -إذا سلَّمه إليهم- لا عَفْوُه، وفي تسمية الله -جل ثناؤه- ما علَّم عباده وجهَ إنفاقِهم من أموالهم: عَفْوًا، ما يُبْطِل أن يكون مُسْتَحِقًّا اسمَ جُهْدٍ في حالة. وإذا كان ذلك كذلك فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن زعم أنّ معنى العفوِ هو: ما أخرجه ربُّ المال إلى إمامه فأعطاه كائنًا ما كان من قليل ماله وكثيره، وقول من زعم أنّه: الصدقة المفروضة»

قال ابنُ جرير (٤‏/‏٤٣٣-٤٣٤) في تأويل هذه الآية: «أراد -تعالى ذِكْرُهُ- بقِيلِهِ ذلك حَثَّ عباده المؤمنين الذين قد بَسَطَ عليهم من فضله، فوَسَّعَ عليهم مِن رزقه على تَقْوِيَة ذَوِي الإقَتار منهم بمالِه، ومَعُونَتِه بالإنفاق عليه، وحُمُولَتِه على النُّهُوض لقتال عدُوِّه مِن المشركين في سبيله، فقال -تعالى ذِكْرُهُ-: مَن يُقَدِّم لنفسه ذُخْرًا عندي بإعطائه ضُعَفاء المؤمنين وأهلَ الحاجة منهم ما يستعين به على القتال في سبيلي، فأُضاعِف له مِن ثوابي أضعافًا كثيرة مِمّا أعطاه وقَوّاهُ به؛ فإنِّي أنا المُوَسِّعُ الذي قبضتُ الرِّزْقَ عَمَّن نَدَبْتُك إلى مَعُونَتِهِ وإعْطائِهِ، لِأبتَلِيَهُ بالصبر على ما ابتلَيْتُه به، والذي بَسَطْتُ عليك لِأَمْتَحِنَكَ بعملك فيما بَسَطْتُ عليك، فأنظُرَ كيف طاعتك إيّاي فيه، فأُجازِي كُلَّ واحد منكما على قَدْرِ طاعتكما لي فيما ابْتَلَيْتُكُما فيه، وامْتَحَنتُكما به مِن غِنًى وفاقَة، وسَعَةٍ وضِيقٍ، عند رجوعكما إلَيَّ في آخرتكما، ومصيركما إلَيَّ في معادكما. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال مَن بَلَغَنا قولُه مِن أهل التَّأويل». ولم يُورِد فيه إلا قولَ ابن زيد هذا

رجّح ابنُ جرير (٥‏/‏٦٦٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية قول أبي بن كعب، مبينًا أنّ المعني بهذا هم عموم الكفار، وأنّ الإيمان المنسوب إليهم في الآية هو العهد الذي أخذه الله منهم وهم في صلب أبيهم آدم، فقال: ""وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- جعل جميع أهل الآخرة فريقين: أحدهما سوداء وجوهه، والآخر بيضاء وجوهه، فمعلوم إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان أنّ جميع الكفار داخلون في فريق من سود وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بيض وجهه، فلا وجه إذًا لقول قائل عنى بقوله: ﴿أكفرتم بعد إيمانكم﴾ بعض الكفار دون بعض، وقد عمَّ الله -جل ثناؤه- الخبر عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلومًا أنها المرادة بذلك"". وبنحوه قال ابن كثير (٢‏/‏٩٢)، حيث ذكر قول من قال هم المنافقون، ثم علَّق بقوله: «وهذا الوصف يعم كل كافر»

انتَقَدَ ابنُ كثير (٣‏/‏٧) أثر ابن عباس هذا سندًا ومتنًا، فقال: «هو أثر غريب ولفظه فيه نكارة، وفي إسناده نظر. قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلي بن بذيمة -وإن كان ثقة- إلا أنه شيعي غال، وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل. وقوله:»ولم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليًا«إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى؛ فإنه قد ذكر غيرُ واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي، ونزل قوله: ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله﴾ الآية [المجادلة:١٣]، وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبًا لا إيجابًا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم يُرَ من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي:»إنه لم يُعاتَب في شيء من القرآن«فيه نظر أيضًا؛ فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء عَمَّت جميع مَن أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ فعُلِم بهذا، وبما تقدم ضعف هذا الأثر»

سورة البقرة — الآية ٥٩

عن ابن جُرَيج، قال: قال لي عطاء [بن أبي رباح] في قوله: ﴿فبدل الذين ظلموا﴾، قال: أمّا تبديلهم فسمعنا أنهم قالوا: حنطة، قال ابن جريج: وقال ابن عباس: لَمّا دخلوا قالوا: حبة في شعرة

انتقد ابن عطية (٨‏/‏٤٣) هذا القول الذي قاله ابن عباس، والضَّحّاك، فقال: «وهذا يبعد على ابن عباس؛ لأن الجوارح إنما تشهد بالمعاصي. وقوله تعالى: ﴿كل نفس﴾ يعمّ الصالحين، فإنما معناه: وشهيد بخيره وشره»