سورة الطارق — الآية ١٢

عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن ابن أبي نجيح- ﴿والأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾، قال: الصدع مثل المأزم، غير الأودية وغير الجُرُف

علَّق ابن عطية (٨‏/‏٤٩٩) على قول ابن زيد، بقوله: ""ومنه قول الشاعر:فَأَنجاه غَداةَ الموت منِّي شديدُ الأَسْرِ عَضَّ على الّلجام""

عَلَّق ابنُ كثير (٢‏/‏٤٠٥) على هذا الأثر ذاكرًا أثَرَ زمن النزول، فقال: «وقد أشكل هذا الحديثُ على جماعة من العلماء؛ حيث ثبت عندهم أنّ تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة، قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة، كما دلَّ على ذلك حديثُ ابن مسعود الذي في الصحيح، قال: كُنّا نُسَلِّم على النبي ﷺ قبل أن نُهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة، فيرُدُّ علينا، قال: فلمّا قدِمنا سلمتُ عليه، فلم يَرُدَّ عَلَيَّ، فأخذني ما قرُب وما بعُد، فلمّا سلَّم قال: «إني لم أرد عليك إلا أنِّي كنت في الصلاة، وإنّ الله يُحدِث من أمره ما يشاء، وإنّ مما أُحْدِث ألا تَكَلَّموا في الصلاة». وقد كان ابن مسعود مِمَّن أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم منها إلى مكة مع مَن قدِم، فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنّما أراد زيد بن أرقم بقوله:»كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة«الإخبارَ عن جنس الناس، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها، والله أعلم. وقال آخرون: إنما أراد أنّ ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أُبيح مرتين، وحُرِّم مرتين، كما اختار ذلك قومٌ من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهرُ»

اختُلِف في معنى حشر البهائم؛ فقال قوم: حشرها: موتها. وقال آخرون: حشرها: بعثها. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٢٣٧-٢٣٨) العموم في الآية مستندًا إلى اللغة، فقال: «وجائز أن يكون معنيًّا به: حشر الموت، وجائز أن يكون معنيًّا به: الحشران جميعًا. ولا دلالة في ظاهر التنزيل ولا في خبر عن النبي ﷺ أي ذلك المراد بقوله: ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾، إذ كان الحشر في كلام العرب: الجمع، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿والطير محشورة كل له أواب﴾ [ص:١٩]، يعني: مجموعة. فإذ كان الجمع هو الحشر، وكان الله تعالى جامعًا خلقه إليه يوم القيامة وجامعهم بالموت؛ كان أصوب القول في ذلك أن يعم بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها، وأن يُقال: كل دابة وكل طائر محشور إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة، إذ كان الله تعالى قد عم بقوله: ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾، ولم يخصص به حشرًا دون حشر». وعلَّق ابنُ كثير (٣٣‏/‏٦) على القول الثاني بقوله: «والقول الثاني... كما قال تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ [التكوير:٥]». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٥٨) أنّ القائلين بالقول الثاني احتجوا بالأحاديث المتضمنة أنّ الله يقتص للجماء من القرناء. وانتقد من تأوَّل الأحاديث بأنها كناية عن العدل لا الحقيقة، فقال: «وهو قول مردود ينحو إلى الرموز ونحوها»

اختلف المفسرون في المخاطَب بقوله تعالى: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ على قولين: الأول: أنها خطاب للمشركين. وهو قول مجاهد، وعبد الله بن يزيد، وهذا المعنى على قراءة مَن قرأ: ‹إنّهَآ› بكسر الهمزة. الثاني: أنها خطاب من الله تعالى للنبي ﷺ وأصحابه، وهذا المعنى على قراءة مَن قرأ: ﴿أنَّها﴾ بفتح الهمزة. وتأوَّل بعض من قرأها بالفتح أنها بمعنى: لعلها. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٤٨٩) مستندًا إلى القراءات القول بأنّ الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، وأن ﴿أنَّها﴾ بمعنى: لعلها؛ وعلَّل ذلك بقوله: «لاستفاضة القراءة في قرأة الأمصار بالياء من قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾». وانتقد قول مجاهد، وعبد الله بن يزيد مستندًا إلى شذوذ القراءة بذلك، فقال: «ولو كان قوله: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ خطابًا للمشركين لكانت القراءة في قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بالتاء، وذلك وإن كان قد قرأه بعض قرأة المكيين كذلك فقراءةٌ خارجةٌ عما عليه قرأة الأمصار، وكفى بخلاف جميعهم لها دليلًا على ذهابها وشذوذها». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٤٣٩) أنّ مَن «قرأ ﴿يُؤْمِنُون﴾ بالياء -وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، والكسائي- فيحتمل أن يخاطب أولًا وآخرًا المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله تعالى: ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ الكفار، ثم يستأنف عنهم للمؤمنين»

في المراد بالريحان أقوال: الأول: أنه الرِّزق. الثاني: أنه الرّيحان الذي يُشم. الثالث: أنه ما قام على ساق. الرابع: أنه خُضرة الزرع. وعلّق ابنُ عطية (٨‏/‏١٦٢) على القول الثاني بقوله: «وفي هذا النوع نعمة عظيمة؛ ففيه الأزهار، والمندل، والعقاقير، وغير ذلك». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏١٨٨) -مستندًا إلى الدلالة العقلية، واللغة- القول الأول، فقال: ""وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول مَن قال: عني به: الرِّزق، وهو الحَبّ الذي يؤكل منه، وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب لأن الله -جلّ ثناؤه- أخبر عن الحَبّ أنه ذو العَصْف، وذلك ما وصفنا من الورق الحادث منه، والتِّبن إذا يبس، فالذي هو أولى بالرّيحان أن يكون حَبّه الحادث منه، إذ كان من جنس الشيء الذي منه العَصْف، ومسموع من العرب تقول: خرجنا نطلب ريحان الله ورِزقه، ويقال: سبحانك وريحانك، أي: ورِزقك، ومنه قول النّمر بن تولب:سلامُ الإله ورَيحانه وجنّته وسماءٌ دِرر"". ثم قال: «وذُكر عن بعضهم أنه كان يقول: العَصْف: المأكول من الحَبّ. والرّيحان: الصحيح الذي لم يؤكل». وقال ابنُ كثير (١٣‏/‏٣١٦) عقب ذكره الخلاف في هذا: «ومعنى هذا -والله أعلم- أنّ الحَبّ كالقمح والشعير ونحوهما له في حال نباته عَصْف، وهو: ما على السُّنبلة، وريحان، وهو: الورق الملتفّ على ساقها»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٢٨) في معنى: ﴿وما بَناها﴾ احتمالين: الأول: «أن تكون»ما«فيه بمعنى: الذي. قاله أبو عبيدة، أي: ومَن بناها. وهو قول الحسن، ومجاهد». ثم وجَّهه بقوله: «لأنّ»ما«تقع عامة لمن يعقل ولما لا يعقل، فيجيء القسَم بنفسه تعالى». والثاني: «أن تكون»ما«في جميع ذلك مصدرية. قاله قتادة، والمبرّد، والزّجّاج». ثم وجَّهه بقوله: «كأنه تعالى قال: والسماء وبُنْيانها». وعلَّق عليهما ابنُ كثير (١٤‏/‏٣٦٥) بأنهما متلازمان. ورجَّح ابنُ تيمية (٧‏/‏٢١) -مستندًا إلى الدلالة العقلية، والنظائر- أنّ «ما» في هذه الآية والآيتين بعدها اسم موصول على القول الصحيح، «والمعنى: وبانيها، وطاحيها، ومسوِّيها، ولما قال: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس:٩-١٠] أخبر بـ﴿مَن﴾ لأنّ المقصود الإخبار عن فلاح عينه، وإن كان فعله للتزكية والتدسية قد ذهب في الدنيا. فالقَسم هناك بالموصوف بحيث إنه إنما أقسم بهذا الموصوف والصفة لازمة، فإنه لا توجد مبنية إلا ببانيها، ولا مطحية إلا بطاحيها، ولا مسواة إلا بمسويها، وأمّا المرء المُزكِّي نفسه والمُدسِّيها فقد انقضى عمله في الدنيا، وفلاحه وخيبته في الآخرة ليسا مستلزمًا لذلك العمل. ونحو هذا قوله: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل:٣]»

سورة الأعراف — الآية ١١٧

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: أوحى اللهُ إليه: أنْ ألق ما في يمينك. فألقى عصاه من يده، فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم -وهي حيّات في عين فرعون وأعين الناس تسعى-، فجعلت تلقفها: تبتلعها حيَّة حيَّة، حتى ما يُرى بالوادي قليلٌ ولا كثيرٌ مِمّا ألقوه، ثم أخذها موسى، فإذا هي عصاه في يده كما كانت، ووقع السحرة سُجَّدًا، قالوا: ﴿آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾، لو كان هذا سحرًا ما غَلَبَنا

سورة النور — الآية ٥٤

عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله ﷺ على هذه الأعواد -أو على هذا المنبر-: «مَن لم يشكر القليلَ لم يشكر الكثير، ومَن لم يشكر الناسَ لم يشكر الله، والتحدُّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». قال: فقال أبو أمامة الباهلي: عليكم بالسواد الأعظم. قال: فقال رجل: ما السواد الأعظم؟ فقال أبو أمامة: هذه الآيةُ في سورة النور: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾

عن عبد الله بن عباس، قال: أمر عمر بن الخطاب مناديًا، فنادى: أن الصلاة جامعة. ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، لا تُخدعُنَّ عن آية الرجم؛ فإنها أنزلت في كتاب الله وقرأناها، ولكنها ذهبت في قرآنٍ كثيرٍ ذهب مع محمد ﷺ، وآية ذلك أنّ النبي ﷺ قد رجم، وأنّ أبا بكر قد رجم، ورجمتُ بعدهما، وإنّه سيجيء قومٌ مِن هذه الأمة يُكَذِّبون بالرجم