سورة المائدة — الآية ١٠١

عن أنس، في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾: أنّ الناسَ سألوا نبي الله ﷺ حتى أحفَوه بالمسألة، فخرَج ذاتَ يومٍ حتى صَعِد المنبر، فقال: «لا تسألوني اليوم عن شيءٍ إلا أنبأتُكم به». فلما سَمِع ذلك القومُ أرَمُّوا، وظنُّوا أن ذلك بينَ يدَي أمرٍ قد حضر، فجعلتُ ألتفِتُ عن يميني وشمالي، فإذا كلُّ رجلٍ لافٌّ ثَوبَه برأسِه يبكي، فأتاه رجلٌ، فقال: يا نبي الله، مَن أبي؟ قال: «أبوك حُذافةُ». وكان إذا لاحى يُدعى إلى غيرِ أبيه، فقال عمر بن الخطاب: رَضِينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، ونعوذُ بالله من سوءِ الفتن. قال: فقال النبي ﷺ: «ما رأيتُ في الخير والشر كاليوم قطُّ، إنّ الجنة والنار مُثِّلَتا لي حتى رأيتُهما دون الحائط». قال قتادة: وإنّ اللهَ يُرِيه ما لا تَرَون، ويُسمِعُه ما لا تَسمَعون. قال: وأنزل عليه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء﴾ الآية

سورة النور — الآية ٦٢

عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله﴾ الآية [التوبة:٤٤]، قال: كان لا يستأذنه إذا غزا إلا المنافقون، فكان لا يحل لأحد أن يستأذن رسول الله ﷺ أو يتخلف بعده إذا غزا، ولا تنطلق سرية إلا بإذنه، ولم يجعل الله للنبي ﷺ أن يأذن لأحد، حتى نزلت الآية: ﴿انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله واذا كانوا معه على أمر جامع﴾ يقول: أمر طاعة؛ ﴿لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ الآية، فجعل الإذن إليه، يأذن لمن يشاء، فكان إذا جمع رسول الله ﷺ الناسَ لأمر يأمرهم وينهاهم صبر المؤمنون في مجالسهم، وأحبُّوا ما أحدث لهم رسول الله ﷺ بما يُوحى إليه، وبما أحبوا وكرهوا، فإذا كان شيء مما يكره المنافقون خرجوا يتسللون، يلوذ الرجل بالرجل، يستتر لكي لا يراه النبي ﷺ، فقال الله تعالى: إنّ الله يُبصِر الذين يتسللون منكم لِواذًا

سورة الزخرف — الآية ٥٧

قال محمد بن السّائِب الكلبي: لما نزلت: ﴿إنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] قام رسول الله مقابل باب الكعبة، ثم اقترأ هذه الآية، فوجد منها أهل مكة وجْدًا شديدًا، فدخل عليهم ابن الزِّبَعْرى الشاعر وقريشٌ يخوضون في ذِكر هذه الآية، فقال: أمحمد تكلّم بهذه؟ قالوا: نعم. قال: واللهِ، إن اعترف لي بهذا لأخصمنه. فلَقِيه، فقال: يا محمد، أرأيتَ الآية التي قرأتَ آنفًا، أفينا وفي آلهتنا نزلت خاصّة أم في الأمم وآلهتهم؟ قال: «لا، بل فيكم وفي آلهتكم، وفي الأمم وآلهتهم». فقال: خصمتُك، وربِّ الكعبة، أليس تُثْنِي على عيسى ومريم والملائكة خيرًا، وقد علمتَ أنّ النصارى تعبد عيسى وأمه، وأنّ طائفة من الناس يعبدون الملائكة، أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار؟! فسكتَ رسولُ الله، وضحكتْ قريش وضجّوا

قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ نزلت في المُستهزئين مِن قريش، وذلك أنّ النبي ﷺ قرأ بمكة: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ فلما قرأ: ﴿أفَرَأَيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم:١٩-٢٠] ألقى الشيطانُ على لسانه في وسَنه، فقال: تلك الغَرانيق العُلا، عندها الشفاعة تُرتجى. فقال أبو جهل بن هشام، وشيبة وعُتبة ابنا ربيعة، وأُميّة بن خلف، والعاص بن وائل، والمستهزؤون من قريش عشيًّا في دبُر الكعبة: لا تفارقنا يا محمد إلا على أحد الأمرين؛ ندخل معك في بعض دينك ونعبد إلهك، وتدخل معنا في بعض ديننا وتعبد آلهتنا، أو تتبرأ من آلهتنا ونتبرأ من إلهك. فأنزل الله عز وجل فيهم تلك الساعة: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، فأتاهم النبيُّ ﷺ بعدُ، فقال: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [السورة]، ثم انصرف عنهم، فقال بعضهم: تبرّأ هذا منكم فشتموه وآذوه

جمع ابنُ جرير (١‏/‏٦١٥-٦١٦) بين قَوْلَيِ ابن عباس من طريق ابن إسحاق بسنده ومن طريق الضحاك، وقول قتادة من طريق مَعْمَر، وقول السُّدي وابن جريج وابن زيد الواردة في معنى «البر» بكونها متقاربة، ومندرجة تحت العموم الذي أفادته ألفاظ الآية، فقال: «وجميع الذي قيل في تأويل هذه الآية متقارب المعنى؛ لأنهم وإن اختلفوا في صفة البِرِّ الذي كان القوم يأمرون به غيرهم، فهم متَّفقون في أنهم كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضًا من القول أو العمل، ويخالفون ما أمروهم به من ذلك إلى غيره بأفعالهم، فالتأويل الذي يدل على صحته ظاهر التلاوة إذن: أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه؟! فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم. معيِّرَهم بذلك، ومقبِّحًا لهم قبيحَ ما أتَوا به». وزاد ابن عطية (١‏/‏٢٠٠) نقلًا عن فرقة قولهم في معنى الآية: «كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون»

رجَّحَ ابنُ جرير (٢‏/‏١١٢) قول قتادة مستندًا إلى سياق الآية، والدلالة العقلية، فقال: «وأولى التأويلين عندنا بقوله: ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾ قول قتادة، وهو أن تأويله: الآن بينت لنا الحق في أمر البقر، فعَرِّفنا أيها الواجب علينا ذبحها منها؛ لأنّ الله -جل ثناؤه- قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها، بعد قيلهم هذا -مع غلظ مؤونة ذبحها عليهم، وثقل أمرها- فقال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾، وإن كانوا قد قالوا -بقولهم: الآن بينت لنا الحق- هراء من القول، وأتوا خطأ وجهلًا من الأمر، وذلك أن نبي الله موسى عليه السلام كان مُبَيِّنًا لهم -في كل مسألة سألوها إياه، وردٍّ رادُّوه في أمر البقرة- الحقَّ». ثم انتَقَد ابنُ جرير (٢‏/‏١١٢) مستندًا أيضًا إلى سياق الآية، والدلالة العقلية قولَ ابن زيد الذي يفيد أن بني إسرائيل نسبوا موسى عليه السلام إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق قبل ذلك في أمر البقرة

ذكر ابنُ جرير (٢‏/‏٤٥٥-٤٥٦ بتصرف) اختلافَ المفسرين في السبب الذي من أجله خصَّ الله المشرق والمغرب بالخبر عنهما أنهما له دون سائر الأشياء، ثم قال مرجِّحًا بعادةِ العربِ: «والصواب من القول في ذلك: أن الله إنّما خَصَّ الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملك -وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك- إعلامًا منه عباده المؤمنين أنّ له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم؛ إذ كان له ملكهم طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجه نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم. فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب، والمراد به من بينهما من الخلق، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه. ومعنى الآية إذًا: ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته، فولوا وجوهكم -أيها المؤمنون- نحو وجهي، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي»

وجَّه ابنُ عطية (١‏/‏٤٦٦) معنى الآية على هذا القول الذي قاله ابن عباس، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والربيع، ومقسم، وعطاء، وابن زيد، فقال: «ومعنى ﴿الحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ على هذا التأويل: أي: حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة المُحْرِمِين حين صددتم بحرمة البلد والشهر والقِطان حين دخلتم». وذكر أنّ الحسن بن أبي الحسن قال: نزلت الآية في أن الكفار سألوا النبي ﷺ هل يُقاتِل في الشهر الحرام؟ فأخبرهم أنه لا يُقاتِل فيه، فَهَمُّوا بالهجوم عليه فيه وقتل من معه حين طمعوا أنه لا يُدافِع فيه، فنزلت: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾، أي: هو عليكم في الامتناع من القتال أو الاستباحة بالشهر الحرام عليهم في الوَجْهَيْن، فأيَّة سلكوا فاسلكوا. ووجَّه معنى الحرمات على هذا القول، فقال: «﴿والحرمات﴾ -على هذا- جمع حرمة عمومًا: النفس، والمال، والعرض، وغير ذلك، فأباح الله بالآية مدافعتهم». ثم علّق، فقال: «والقول الأول أكثر»

لم يذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٣٨٣) غير هذا القول، وأورد قول عكرمة، والسدي، ثم قال مستنِدًا إلى دلالة الإسرائيليات: «فكان قوله ما قال من ذلك، ومراجعته ربّه فيما راجع فيه بقوله: ﴿أنى يكون لي غلام﴾؛ للوسوسة التي خالطت قلبَه من الشّيطان، حتى خَيَّلَتْ إليه أنّ النداء الذي سمعه كان نِداءً من غير الملائكة، فقال: ﴿رب أنى يكون لي غلام﴾ مُستَثْبتًا في أمره ليتقرّر عنده بآيةٍ يريه الله في ذلك أنّه بشارة من الله على ألسن ملائكته، ولذلك قال: ﴿رب اجعل لي آية﴾». ثم ذكر (٥‏/‏٣٨٣) بعد ذلك وجهًا آخر لتأويل الآية، فقال: «وقد يجوز أن يكون قيلُه ذلك مسألةً منه ربَّه: مِن أيِّ وجهٍ يكون الولد الذي بُشّر به؟ أمِن زوجته فهي عاقر، أم من غيرها من النساء؟ فيكون ذلك على غير الوجه الذي قاله عكرمة، والسدي، ومَن قال مثل قولهما». وعلّق ابنُ عطية (٢‏/‏٢١٣) على الوجه الآخر الذي ذكره ابن جرير بقوله: «وهذا تأويل حسنٌ لائِقٌ بزكرياء عليه السلام»

ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٢٥٠-٢٥١) عن ابن جرير أنه فسر ﴿يضلونكم﴾ بـ:يهلكونكم، فقال: ""وقال الطبري: ﴿يضلونكم﴾ معناه: يهلكونكم، واستشهد ببيت جرير:كنتَ القَذى في موجِ أكدر مُزْبدٍ قذف الأتِيُّ به فضَلَّ ضلالًاوقول النابغة: فآب مضلوه بعين جلية... البيت"". ثم علَّق قائلًا: «وهذا تفسير غير خاصٍّ باللفظة، وإنّما اطَّرد له هذا الضلال في الآية، وفي البيتين اقترن به هلاك، وأما أن تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم». وذكر ابنُ عطية في ﴿من﴾ في قوله: ﴿ودت طائفة من أهل الكتاب﴾ احتمالين: الأول: أن تكون للتبعيض. ووجّه معنى الآية عليه، فقال: «وتكون الطائفة: الرؤساء والأحبار الذين يسكن الناس إلى قولهم. الثاني: أن تكون لبيان الجنس». ووجّه معنى الآية عليه بقوله: «وتكون الطائفة: جميع أهل الكتاب». وكذا ذكر في قوله: ﴿وما يشعرون﴾ قولين، فقال: «... ثم أعلم أنهم لا يشعرون لذلك، أي: لا يتفطنون، مأخوذ من الشعار المأخوذ من الشعر. وقيل: المعنى: لا يشعرون أنهم لا يصلون إلى إضلالكم»